دراسةٌ جديدةٌ في حجّيّة الأخبار المتعلّقة بالاعتقادات والأمور الحقيقيّة
- آية الله الشيخ محمّد القائينيّ
- المقرّر: رضا الإسكندريّ
- المترجم: محمّد الطهرانيّ
مقدّمةٌ
يمكن متابعة البحث في حجّيّة خبر الواحد واعتباره في ثلاثة مجالات مختلفة:
الأوّل: اعتبار خبر الواحد في مجال الفقه والأحكام الشرعيّة، (وهي المجال الّتي يكون المقصود فيها العمل، لا الاعتقاد والإيمان).
الثاني: اعتبار خبر الواحد في مجال الاعتقادات والمسائل الكلاميّة، (وهي الأمور الّتي يكون المقصود فيها الاعتقاد والإيمان).
الثالث: اعتبار خبر الواحد في مجال الأمور التكوينيّة والحقيقيّة، الّتي لا معنى فيها للتنجيز والتعذير.
بما أنّ علم أصول الفقه قد كُتب ناظرًا إلى استنباط الأحكام الفقهيّة من الأدلّة، فمن الطبيعي أن تكون مسألة حجّيّة أخبار الآحاد في مباحث الظنون والأمارات قد بحثت فقط من جهة الاعتبار في الأحكام الفقهيّة. غير أنّ البحث في اعتبار الظنون، ومنها خبر الواحد، يمكن بحثه في مجالين آخرين أيضًا، وهما مجالان خلت منهما كلمات أكثر العلماء، وإن كان أصل دعوى عدم اعتبار الخبر في الأمور الاعتقاديّة قد صُرّح به منذ زمن بعيد من قبل كثير من علماء الشيعة[1] وغير الشيعة[2]، بل ادُّعي عليه الإجماع أيضًا[3]. غير أنّ بعضًا آخر قد خالف هذه الدعوى وعدّ الخبر معتبرًا في الأمور الاعتقاديّة.[4] وعلى أيِّ حال، فقد صارت هذه الدعوى موضع البحث والدراسة التحقيقيّة في كلمات الشيخ الأنصاريّ& ومن بعده.
وأما مسألة اعتبار الخبر في الأمور الحقيقيّة الّتي لا معنى للتعبّد فيها، فقد بحثت ودُرست فقط في كلمات بعض العلماء المعاصرين كآية الله الخوئيّ&[5] وآية الله التبريزيّ&[6].
هذا السؤال، وإن لم يكن مختصًّا بمسألة خبر الواحد، بل يمكن طرحه في جميع الظنون، إلّا أنّه في هذا المقال لم يُـجَب عنه إلّا بالنظر إلى خبر الواحد. لقد وصلت إلينا روايات متعدّدة مضمونها مسائل اعتقاديّة، وكثير منها في أمور لا يمكن فيها إقامة البرهان والاستدلال العقليّ، مثل الروايات الناظرة إلى كيفية علم الأنبياء والأئمّة^، وبعض أوصافهم، والولاية التكوينيّة لهم، والروايات الناظرة إلى بعض صفات الله تعالى، مثل أنّ الإرادة صفة ذات أم صفة فعل؟ وخصوصيات القبر والبرزخ والقيامة، وأمور مثل الرجعة وغيرها.
فهل هذه الروايات حجّة؟ بمعنى: هل يلزم الاعتقاد بمضمونها؟
وكذلك توجد روايات متعدّدة مضمونها أمور لا معنى للتعبّد فيها (سواء بالنسبة إلى العمل أم بالنسبة إلى الاعتقاد)، أي أمور لا قيمة فيها إلّا الواقع نفسه، ولا يوجد فيها شيء آخر يمكن أن يحلّ محلّ الواقع، ومن جملتها الروايات الّتي وصلت إلينا في شأن الخلق والتكوين، والقصص والوقائع التاريخيّة، والأمور المتعلّقة بالسلامة والطب، والأمور التربويّة والاجتماعيّة؛ بل حتّى الروايات الواردة في مقادير الثواب والعقاب، والتأثيرات التكوينيّة لأفعال الإنسان، وغيرها، فهي من هذا القبيل أيضًا. فإنّ كون دواء معين قادرًا على علاج مرض معيّن هو أمر حقيقيّ، ولا معنى للتعبّد فيه. وخلاصة القول: إنّ هذا المقال سيبحث في اعتبار الخبر في الأمور الاعتقاديّة والأمور الحقيقيّة.
1- اعتبار خبر الواحد في الأمور الاعتقاديّة
أقسام المسائل الاعتقاديّة
يمكن تقسيم الأمور الاعتقاديّة (أي الأمور الّتي يلزم فيها الاعتقاد والإيمان) إلى ثلاثة أقسام:
- مسائل يلزم الاعتقاد بها، ويكون عدم الاعتقاد بها موجبًا للكفر، مثل أصول الدين.
- مسائل يلزم الاعتقاد بها، لكن عدم الاعتقاد بها لا يكون موجبًا للكفر، مثل أصول المذهب.
- مسائل لا يلزم الاعتقاد بها إلّا في صورة العلم بها.
هل الظنون، ومنها خبر الواحد، تحلّ محلّ العلم في كلّ قسم من هذه الأقسام؟ أي: هل يمكن على أساس خبر الواحد (لا العلم) الاعتقاد بوحدانيّة الله أو عدالته أو كيفية محاسبته أعمال العباد في القيامة؟ وفي الأمور التي يلزم الاعتقاد بها في صورة العلم، إذا ورد خبر في إثباتها، فهل يلزم الاعتقاد على أساس الخبر أيضًا؟
إنّ البحث في اعتبار الخبر في المسائل الاعتقاديّة، يمكن أن يُدرس في مقامين منفصلين: إمكان التعبّد بالخبر في الأمور الاعتقاديّة، ووقوعه.
1-1- إمكان التعبد بالظنّ في الاعتقاد
في أصول الفقه، الشبهة التي طُرحت في مقابل إمكان التعبّد بالخبر تُعرف بشبهة ابن قبة. وقد فُسّرت هذه الشبهة وبيّنت بأحد ثلاثة بيانات: تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، واجتماع المثلين أو الضدّين، وطلب الضدّين. وقد ذُكر لكلّ واحد منها جواب. غير أنّه يبدو أنّ هذه الشبهة لا محلّ لها في الأمور الاعتقاديّة، لأنّ تقييد موضوع لزوم الاعتقاد بالعلم أمر محتمل وممكن تمامًا. أي: على خلاف المسائل الفقهيّة الّتي عُدّ فيها تقييد موضوع الحكم بالعلم بالحكم محالًا، لا إشكال في الأمور الاعتقاديّة في أن يكون الاعتقاد لازمًا فقط في صورة العلم، وفي غيرها لا يكون الاعتقاد لازمًا، كما لا إشكال في لزوم الاعتقاد بما ليس معلومًا انطباقه مع الواقع، ووجود المصلحة في نفس الاعتقاد أمر قابل للتصور وممكن تمامًا.
أهمّ دليل يمكن أن يُذكر على عدم إمكان التعبّد بالظنّ في الأمور الاعتقاديّة هو توقف الاعتقاد على العلم. وفي هذا، إما أن يُعدّ الاعتقاد مساويًّا للعلم ومرادفًا له،[7] أو يُعتبر العلم جزءًا من معنى الإيمان،[8] أو أنّه وإن كان له معنى مختلف عن العلم فإنّه متوقف على العلم[9]. وعليه، فإنّ الاعتقاد بشيء دون العلم به، وعلى أساس الظنّ، غير معقول ومحال. وبالطبع، فإنّ أصحاب هذه النظريّة أنفسهم على فريقين: بعضهم يعدّ الاعتقاد شيئًا غير عقد القلب،[10] وبعضهم الآخر يعدّ الاعتقاد نفس عقد القلب والالتزام الجوانحي[11].
يبدو أنّ هذا الدليل غير تامّ، وكما صرّح بعض كبار العلماء، فإنّ الاعتقاد (الالتزام القلبي، عقد القلب، الإيمان، الإيمان القلبي…) هو أحد أفعال الجوانح الإنسانيّة،[12] وهو ليس فقط مرادفًا للعلم، فالعلم ليس جزءًا مقوّمًا له. بل إنّ اتحادهما ممتنع، لأنّ العلم من الصفات الانفعاليّة، والاعتقاد من مقولة الفعل. فالاعتقاد فعل جوانحي، والنسبة بينه وبين العلم عموم وخصوص من وجه. فالاعتقاد على أساس العلم ممكن وإمكانه بديهيّ، والاعتقاد على أساس الظنّ ممكن أيضًا. قال الله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.[13] هذه الآية الشريفة تدلّ بوضوح على أنّ الدهريين كان لهم مثل هذا الاعتقاد على أساس الظنّ. وقال في موضع آخر: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} * {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ}.[14] وإضافة إلى هذه الآيات وآيات متعدّدة أخرى يمكن إقامتها شاهدًا على هذه المسألة، فإنّ الوجدان أيضًا يدرك الاعتقاد على أساس الظنّ والحدس، بل على أساس الوهم.
وكذلك في موارد يكون العلم فيها موجودًا ولكن لا يكون الاعتقاد موجودًا. وأبرز نموذج على هذه المسألة هو إبليس، فإنّه مع علمه بجميع المعارف والاعتقادات الحقّة كان كافرًا مع ذلك. وكذلك قال الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.[15] وقال في موضع آخر: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.[16] وتوجيه هذه الموارد بإنكار لفظيّ مع الإيمان والاعتقاد القلبيّ، أو بجحود عمليّ،[17] توجيه بعيد جدًّا ومخالف للظاهر.
بل إنّ الاعتقاد مع العلم بخلافه أيضًا ممكن. فالتزام جميع الكفار المعاصرين للأنبياء^ بعدم العلم بالحقّ، مع وجود استدلالات واضحة ومعجزات متعدّدة، بعيد جدًّا؛ بل إنّ القرائن والشواهد على خلاف ذلك. ومن جملة ذلك في قضية النبيّ إبراهيم×، بعد أن قدّم الصنم الكبير بوصفه المحطّم لسائر الأصنام، أدرك الوثنيون صحّة كلامه، ولذلك قال القرآن الكريم في هذا الشأن: {فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} * {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ}[18]. ومع ذلك، فمع العلم بصحّة كلام النبيّ إبراهيم×، وأنّ الأصنام لا حياة فيها ولا تقدر على شيء ولا تصلح للعبادة، لم يعتقدوا بذلك؛ بل عاقبوا النبيّ× بحرقه.
وكذلك مثل رواية: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ× قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى مَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ مُشْرِكًا قَالَ: فَقَالَ مَنْ قَالَ لِلنَّوَاةِ إِنَّهَا حَصَاةٌ وَلِلْحَصَاةِ إِنَّهَا نَوَاةٌ ثُمَّ دَانَ بِهِ»[19]. فهي تدلّ بشكل جيّد على إمكان الاعتقاد والتديّن على خلاف العلم.
لم يذكر المعتقدون بهذه النظرية دليلًا خاصًّا عليها، بل اكتفوا بهذا المقدار، وهو أنّ ادعاء أنّ الاعتقاد أمر وجوديّ وفعل من أفعال الجوانح الإنسانيّة ادعاء بلا دليل. ويبدو أنّ منشأ هذا الخطأ هو الخلط بين اصطلاح الاعتقاد في المنطق والاعتقاد في الكلام، أو الفهم الخاطئ لاعتبار الاعتقاد على أساس العلم في بعض المعارف.
إذن، فالتعبّد بالظنّ في الأمور الاعتقاديّة، أو في كلّ ما يُعتبر فيه العلم، ليس محالًا، بل يحتاج فقط إلى دليل إثباتي. وحتّى مثل السيّد المرتضى& مع أنّه لا يقبل بحجّيّة خبر الواحد في الفقه أيضًا، فقد صرّح بإمكان التعبّد به في الأمور الّتي يُعتبر فيها العلم.[20]
بالطبع، تجدر الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ الحجّيّة بمعنى التعبّد بالآثار، والتعبّد إنّما يكون معقولًا حيث لا يكون لغوًا، وهذا يعني أنّه إمّا أن يُتصوّر أثر مع قطع النظر عن الدليل الّذي وقع التعبّد به حتّى يكون معنى التعبّد ترتّب تلك الآثار على فرض قيام ذلك الدليل، وإمّا أن يكون مفاد ذلك الدليل نفسه أثرًا شرعيًّا وقابلًا للتعبّد. وعليه، فإنّ حجّيّة الروايات الاعتقاديّة إنّما تكون معقولة إذا كان مفاد الخبر نفسه لزوم الاعتقاد بشيء، أو ثبت بدليل آخر لزوم الاعتقاد بذلك المضمون إذا كان له واقع، ودليل حجّيّة الخبر نفسه لا يمكن أن يثبت لزوم الاعتقاد بمؤدّاه. بعبارة أخرى: يجب أن يكون لمؤدّى الخبر مع قطع النظر عن حجّيّة الخبر، أثرٌ حتّى تكون حجّيّة الخبر بمعنى التعبّد بذلك الأثر وتنجيزه، ودليل حجّيّة الخبر نفسه لا يمكن أن يكون خالقًا للأثر.
المستفاد من كلام الشيخ الأنصاريّ& أنّ معنى حجّيّة الخبر في الأمور الاعتقاديّة هو لزوم الإبراز اللسانيّ، وحجّيّة الخبر في الأمور الاعتقاديّة بهذا المعنى لا إشكال فيها.[21] كما يرى السيّد الخوئيّ& أنّ مفاد أدلّة حجّيّة الخبر هو التعبّد بصدور الرواية عن المعصوم×، وبما أنّ الاعتقاد بالخبر في صورة صدوره عن المعصوم× لازم، فإنّ الاعتقاد بالخبر على أساس أدلّة حجّيّة الخبر لازم أيضًا. ومن وجهة نظره؛ فإنّ الصدور الواقعيّ للكلام عن الإمام× هو موضوع وجوب الاعتقاد، والتعبّد بالصدور (مفاد دليل حجّيّة الخبر) تعبّد بوجوب الاعتقاد، ولا فرق بين أن نجعل معنى الحجّيّة جعل العلميّة أو جعل المنجّزيّة والمعذّريّة.[22]
الشيخ التبريزيّ& وإن كان لا يوافق أستاذه في النتيجة، ويرى عدم حجّيّة خبر الواحد في الأمور الاعتقاديّة بسبب قصور بناء العقلاء (الّذي هو من وجهة نظره عمدة دليل حجّيّة خبر الواحد) عن شمول الاعتقاد، إلّا أنّه يوافق السيّد الخوئيّ& في هذه الدعوى، وهي أنّه إذا صدر كلام عن المعصوم× لزم الاعتقاد به. ودليله هو أنّ لازم لزوم تصديق النبيّ’ والأئمّة^ هو الاعتقاد بكلّ ما قالوه.[23]
الإشكال هو أنّه لا تلازم بين صدور كلام من المعصوم× وواقعيّة شيء ما، وبين لزوم الاعتقاد به. فمفاد أدلّة حجّيّة الخبر ليس أكثر من ترتيب الآثار المترتبة على الواقع على مؤدّى الخبر. وحجّيّة الخبر تعني إثبات موضوع الأثر تعبّديًّا، أو التعبّد بنفس الآثار. ولزوم الاعتقاد ليس من آثار وجود الواقع، بل قد لا يلزم الاعتقاد بشيء حتّى مع العلم بوجوده الواقعيّ. فهناك أمور واقعيّة كثيرة لا يلزم الاعتقاد بها حتّى مع العلم بها. إذن، فدليل حجّيّة الخبر نفسه لا يمكن أن يثبت وجوب الاعتقاد بمؤدّاه، لأنّ لزوم الاعتقاد ليس دائمًا من آثار وجود الواقع، حتّى يثبت لزوم الاعتقاد بإثبات الواقع تعبّديًّا بالخبر، بل يجب إثبات لزوم الاعتقاد بدليل آخر.
لزوم تصديق النبيّ’ والإمام× وإن كان واضحًا ومسلّمًا، إلّا أنّ التصديق غير الاعتقاد. بالطبع، الاعتقاد بخلافه يتنافى مع التصديق، كما أنّ الاعتراض لا يجتمع مع التصديق، لكن عدم بناء القلب والاعتقاد ليس تكذيبًا ولا اعتراضًا. فمثلًا، لو قال النبيّ’ بوصفه نبيًّا: «هذا الجدار أبيض»، فلا يجوز تكذيبه ويستلزم الكفر، ويلزم تصديقه بمعنى أنّ كلامه ليس كذبًا ولا يحتمل أنّ هذا الجدار ليس أبيض، لكن لا يلزم الاعتقاد ببياض الجدار وبناء القلب عليه كما يلزم الاعتقاد بالتوحيد.
أمّا جواز الإخبار والإسناد، وإن كانا أثرين قابلين للترتب على الروايات الاعتقاديّة، فإنّ هذين الأثرين لا يتعلّقان بالاعتقاد، بل يمكن ترتيبهما على أيّ خبر، ولذلك نؤجّل البحث فيهما إلى البحث ضمن الروايات في الأمور الحقيقيّة غير القابلة للتعبّد.
2-1- وقوع التعبد بالظنّ في الأمور الاعتقاديّة
إذا كان اعتبار الخبر في الأمور الاعتقاديّة ممكنًا، فإنّ وقوعه يحتاج إلى دليل. وكما قيل سابقًا، يرى المشهور أنّ خبر الواحد في الأمور الاعتقاديّة فاقد للاعتبار، وأنّه لا يعتبر في هذه الأمور إلّا العلم، وقد ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك أيضًا. ويبدو أنّه حتّى لو تحقّق إجماع، فإنّه لا قيمة له؛ لأنّ قيمة الإجماع إنّما هي بالكشف عن موقف الشريعة ورأي المعصوم×، في حين أنّ الاعتقاد بعدم حجّيّة الخبر في مثل هذه المسألة بسبب عدم وجود دليل من وجهة نظرهم محتمل تمامًا. إضافة إلى أنّ مثل هذا الإجماع غير متحقّق، وربّما كان ذكر الأخبار الاعتقاديّة في كتب الحديث نفسها شاهدًا على اعتبار الخبر في هذه الأمور من وجهة نظر مؤلّفيها. وكما نبّه المرحوم الفيض& في مقدّمة الوافيّ،[24] فإنّ اعتماد أصحاب الأئمّة^ على خبر الواحد في الأمور الاعتقاديّة كاعتمادهم عليه في الأمور الفقهيّة ليس ببعيد. بل ربّما لا تكون نسبة هذا الرأي إلى المشهور تامّة أيضًا، إذ يحتمل أن يكون مرادهم من عدم اعتبار الخبر في الاعتقادات (أو بتعبير أكثرهم: «ما طريقه العلم») عدم اعتبار الخبر في الأمور التي يلزم فيها الاعتقاد عن علم، والتمثيل بأصول الدين شاهد على هذه الدعوى.
مع ذلك (كما ذُكر في بداءة المقالة أيضًا)، فإنّ العلم في بعض الأمور الاعتقاديّة شرط واجب، أي أنّ تحصيل العلم والاعتقاد على أساسه لازم، والاعتقاد بدون علم لا يكفي. وعدم اعتبار الخبر في هذه الطائفة من الأمور الاعتقاديّة واضح ولا يحتاج إلى بحث، وإن كان هناك بحث أيضًا هنا، وهو أنّه إذا لم يتيسر العلم لشخص ما (على فرض إمكان انسداد باب العلم في أصول الاعتقادات)، فهل يمكنه أن يعتقد على أساس الظنّ؟ وهل مثل هذا الشخص كافر أم لا؟
يعتقد الشيخ الأنصاريّ& أنّ الجاهل القاصر متصور في هذه الأمور أيضًا، وأنّ مثل هذا الشخص لا يلزمه الاعتقاد على أساس الظنّ أيضًا.[25] ويرى بعضهم مثل السيّد الخوئيّ&،[26] والشيخ التبريزيّ&،[27] أنّ باب العلم مفتوح في مثل وجود الله والتوحيد، ولذلك فإنّ فرض الجاهل القاصر في هذه الأمور فرض نادر. وأمّا انسداد باب العلم في مثل النبوّة والإمامة والمعاد؛ فممكن وواقع، وعلى أيّ حال؛ فإنّ الجاهل القاصر كافر.
يبدو أنّه على فرض انسداد باب العلم في الأمور الاعتقاديّة، ووجود الجاهل القاصر، وعدم كفاية الاعتقاد الإجماليّ، فإنّ لزوم الاعتقاد على أساس الظنّ الناشئ من خبر الواحد، استنادًا إلى أدلّة حجّيّة الخبر -الّتي سيأتي توضيحها-، ليس ببعيد كما يعتقد بذلك بعض العلماء.[28] غير أنّه كما نبّه مثل الآخوند&،[29] والشيخ النائينيّ&،[30] فإنّه بما أنّ الاعتقاد الإجمالي ّممكن؛ فلا تصل النوبة إلى لزوم تحصيل الظنّ والاعتقاد على أساسه.
المسألة الأساسيّة في البحث هي الأمور الّتي لا يلزم فيها الاعتقاد عن علم، مثل أصول الاعتقادات. ويمكن تقسيم الروايات الواردة في هذه الأمور إلى أربعة أقسام:
الأوّل: أن يكون مفاد الخبر لزوم الاعتقاد بمؤدّاه.
الثاني: أن يكون مفاد الخبر حكاية عن شيء يكون وجوده الواقعيّ موضوعًا لوجوب الاعتقاد. وبعبارة أخرى: يكون العلم في تلك المسألة طريقيًّا.
الثالث: أن يكون مفاد الخبر حكاية عن شيء لا يكون وجوده الواقعيّ موضوعًا لوجوب الاعتقاد، بل يكون العلم به حقيقةً هو موضوع وجوب الاعتقاد. وبعبارة أخرى: يكون العلم في تلك المسألة موضوعيًّا.
الرابع: أن يكون مفاد الخبر حكاية عن شيء إذا كان له واقع، فإنّ وجوب الاعتقاد به ممكن ولكنّه غير محرز.
ويجب بحث وتحقيق اعتبار الخبر بالنسبة إلى كلّ واحد من هذه الصور الأربع.
الصورة الأولى: وردت في كتب الحديث روايات متعدّدة مفادها لزوم الاعتقاد بشيء ما. فمثلًا، أشير في بعض الروايات إلى لزوم الاعتقاد بالبداء في حقّ الله تعالى (بالمعنى الصحيح اللائق بالذات الإلهية؛ بحيث لا يستلزم أمورًا باطلة كالجهل والكذب وغيرهما)، ومن ذلك:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا× يَقُولُ: >مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَأَنْ يُقِرَّ لِلَّهِ بِالْبَدَاءِ».[31]
عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ× قَالَ: >مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْإِقْرَارَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَخَلْعَ الْأَنْدَادِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ».[32]
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيِّ أَخِي يَحْيَى عَنْ مُرَازِمِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ× يَقُولُ: >مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ حَتَّى يُقِرَّ لِلَّهِ بِخَمْسِ خِصَالٍ: بِالْبَدَاءِ وَالْمَشِيئَةِ وَالسُّجُودِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ».[33]
أو الروايات الّتي ذكرت أوصافًا وخصوصيات معيّنة للأئمّة^، منضمة إلى الروايات الّتي تعدّ معرفة الإمام واجبة (بناءً على أنّ معرفة الإمام تشمل هذا النوع من الأوصاف أيضًا).
وفي بعض الروايات عُدّ الاعتقاد بالرجعة، وحليّة المتعة، وحرمة الـجرّي، وعدم جواز المسح على الخفين، إيمانًا: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الصَّادِق×: >مَنْ أَقَرَّ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ: الْبَرَاءَةُ مِنَ الطَّوَاغِيتِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْوَلَايَةِ، وَالْإِيمَانُ بِالرَّجْعَةِ، وَالِاسْتِحْلَالُ لِلْمُتْعَةِ، وَتَحْرِيمُ الْجِرِّيِّ، وَتَرْكُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»[34]. وبما أنّ الإيمان لازم، فإنّ الاعتقاد بهذه الأمور لازم أيضًا.
من وجهة نظر السيّد الخوئيّ&، فإنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تشمل هذا النوع من الأخبار أيضًا. ومن الواضح أنّ حجّيّة هذه الأخبار بمعنى لزوم ترتيب الأثر على مؤدّاها. وبما أنّ مؤدّاها هو لزوم الاعتقاد، فإنّه على أساس أدلّة حجّيّة الخبر يجب الاعتقاد بمؤدّى هذه الأخبار. وهو يرى أنّ لزوم الاعتقاد بمؤدّى هذه الطائفة من الروايات على أساس أدلّة حجّيّة الخبر لا فرق فيه بين المباني المختلفة في الحجّيّة: سواء أولئك الّذين يعتبرون الحجّيّة بمعنى جعل العلميّة،[35] أم أولئك الّذين يعتبرون الحجّيّة بمعنى جعل المنجّزيّة والمعذّريّة،[36] فعليهم جميعًا أن يعتقدوا بلزوم ترتيب الأثر (لزوم الاعتقاد) على هذه الأخبار[37].
لكن الشيخ التبريزيّ& يعتقد أنّ أهمّ دليل على حجّيّة خبر الواحد هو سيرة العقلاء، والقدر المتيقّن من هذه السيرة هو اعتبار الظنّ في مقام العمل. وبعبارة أخرى، فإنّ وجود سيرة عقلائية على اعتبار الظنّ في مقام الاعتقاد غير محرز.[38] وفي الحقيقة، هو يعدّ الاعتقاد من آثار العلم بالواقع، لا من آثار نفس الواقع. وبما أنّ أدلّة الحجّيّة لا تحكم على أدلّة آثار العلم، بل تحكم على أدلّة آثار الواقع، فإنّها قاصرة عن إثبات جواز الاعتقاد على أساس الخبر.
يبدو أنّ الحقّ في هذا المقام مع السيّد الخوئيّ&، وأنّه لا قصور في شمول أدلّة الخبر بالنسبة إلى الاعتقاد. فسيرة العقلاء قائمة على اعتبار الخبر في الكشف عن المؤدّى، ولا فرق عندهم بين الآثار المختلفة. ولا يعني هذا أنّ التفريق بين الآثار المختلفة غير ممكن، بل يعني أنّه لا فرق عند العقلاء في اعتبار الخبر بين الآثار المختلفة.
حتّى مع فرض قبول عدم وجود موضوع الاعتقاد في بناء العقلاء، لا يمكن تحديد اعتبار خبر الواحد في الشرع بغير الاعتقاد ومجرد العمل، لأنّه وإن لم يكن لدى العقلاء شيء باسم الاعتقاد، فإنّه في النكتة الارتكازية لحجّيّة الخبر لا فرق بين الاعتقاد والعمل، وما يخضع لإمضاء الشارع هو هذه الارتكازية نفسها، لا تطبيقاتها في الحياة العقلائيّة. وبما أنّ هذه الارتكازيّة عامّة وقابلة للسراية إلى سائر الأمور (حتّى لو لم يكن لها موضوع لدى العقلاء أنفسهم)، فإنّ إمضاء الشارع لها بمعنى إمضائها العام. وعلى هذا الأساس، فمع أنّ بناء العقلاء على الرجوع إلى الخبير في أمور المعاش، ولا يكون للأحكام موضوع لديهم، فإنّه يمكن على أساسه إثبات اعتبار قول الخبير في الأحكام أيضًا.
عدم اعتبار النيّة في إتيان الأعمال بين العقلاء واضح، وبعبارة أخرى: النيّة أيضًا لا موضوع لها بين العقلاء حتّى يعملوا بالخبر فيها. ومع ذلك، يمكن القول إنّه من وجهة نظر مثل الشيخ التبريزيّ&، فإنّ الأخبار الدالّة على لزوم اعتبار النيّة في الأعمال العباديّة معتبرة.
وعلى هذا، فإنّ اعتبار السير العقلائيّة، ولا سيّما الصغريات والتطبيقات الّتي يطبق العقلاء الارتكاز عليها ويعملون وفقًا لذلك الارتكاز، غير مختص بها.
الصورة الثانية: اعتبار الخبر في الأمور الّتي يكون العلم فيها طريقيًا في الاعتقاد بها. أي الأمور الّتي يترتب لزوم الاعتقاد على وجودها الواقعيّ. ووفقًا لما ذُكر في الصورة السابقة، ففي هذه الصورة أيضًا يكون خبر الواحد معتبرًا من وجهة نظر السيّد الخوئيّ&، وفاقدًا للاعتبار من وجهة نظر الشيخ التبريزيّ&، والقول الصحيح في النظر هو حجّيّة الخبر واعتباره.
وربّما يمكن إدراج مسألة مثل ولادة وإمامة بقية الله الأعظم -عجّل الله تعالى فرجه- في هذه الصورة نفسها. أي على فرض انسداد باب العلم بولادته وإمامته (كما يدّعي مخالفو الشيعة)، فإنّ الاعتقاد على أساس الأخبار الواردة في هذه المسألة لازم مع ذلك.
وكذلك ربّما يمكن اعتبار مسألة الرجعة من هذا القبيل أيضًا، فإنّه وإن لم يوجد برهان عقليّ يوجب العلم بوقوعها، إلّا أنّه على أساس الروايات الواردة في مسألة الرجعة (مثل:
حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَمِيمٍ الْقُرَشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ يَوْمًا وَعِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا× وَقَدِ اجْتَمَعَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْكَلَامِ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخْتَلِفَةِ فَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ… فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَمَا تَقُولُ فِي الرَّجْعَةِ؟ فَقَالَ الرِّضَا×: >إِنَّهَا لَحَقٌّ، قَدْ كَانَتْ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَنَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ’: يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلُّ مَا كَانَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ».[39]
وعن زرارة قال: «كَرِهْتُ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ× عَنِ الرَّجْعَةِ وَاسْتَخْفَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: لَأَسْأَلَنَّ مَسْأَلَةً لَطِيفَةً أَبْلُغُ فِيهَا حَاجَتِي، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَمَّنْ قُتِلَ أَمَاتَ؟ قَالَ: لَا، الْمَوْتُ مَوْتٌ وَالْقَتْلُ قَتْلٌ. قُلْتُ: مَا أَحَدٌ يُقْتَلُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ» وَقَالَ: «لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ» وَلَيْسَ كَمَا قُلْتَ يَا زُرَارَةُ، الْمَوْتُ مَوْتٌ وَالْقَتْلُ قَتْلٌ. قُلْتُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» قَالَ: مَنْ قُتِلَ لَمْ يَذُقِ الْمَوْتَ، ثُمَّ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَذُوقَ الْمَوْتَ»،[40] يجب الاعتقاد بها.
الصورة الثالثة: اعتبار الخبر في الأمور الّتي يكون العلم فيها موضوعيًّا في الاعتقاد بها. وبعبارة أخرى: موضوع لزوم الاعتقاد هو العلم بتلك الواقعيّة والحقيقة، ومجرد وجودها الواقعيّ لا يكفي للزوم الاعتقاد.
وهذه الصورة في الحقيقة من صغريات بحث إحلال الأمارات محلّ القطع الموضوعيّ.
ووفقًا لكلام السيّد الخوئيّ& في هذه المسألة، فإنّ الأمارات إنّما تحلّ محلّ القطع الموضوعيّ على مبنى جعل العلميّة. ولذلك، على مبنى الآخوند& الّذي يعتقد بجعل المنجّزيّة والمعذّريّة، لا يمكن الاعتقاد باعتبار هذا النوع من الأخبار. كما أنّ الشيخ التبريزيّ -وفقًا لما تقدّم- يجب أن يرى هذا النوع من الأخبار فاقدًا للاعتبار بسبب قصور دليل الحجّيّة.
ويبدو أنّ الأمارات (حتّى على مبنى جعل العلميّة) لا تحلّ محلّ القطع الموضوعيّ؛ لأنّ إحلال الأمارات محلّ القطع الموضوعيّ يجب أن يكون على أساس حكومة أدلّة الحجّيّة على أدلّة الأحكام والآثار المترتبة على العلم (وفي محلّ بحثنا: لزوم الاعتقاد). وفي حين أنّ دليل حجّيّة الخبر لو كان مجرد بناء العقلاء أو أدلّة لبية أخرى، فعدم حكومة دليل الحجّيّة على أدلّة الأحكام المترتبة على العلم واضح. ولكن حتّى لو كانت دلالة الأدلّة اللفظيّة على حجّيّة الخبر تامّة، وكان لسانها جعل العلميّة، فإنّ هذه الأدلة لا حكومة لها بالنسبة إلى أدلة آثار العلم؛ لأنّ الحكومة تتوقف على النظارة اللفظيّة، والنظارة اللفظيّة بمعنى أن يكون وجود دليل المحكوم مفروضًا في دليل الحاكم. وهذه النظارة إنّما يمكن إثباتها إذا كان دليل الحاكم لغوًا بدون فرض دليل المحكوم، في حين أنّه من الواضح أنّ أدلّة حجّيّة الخبر ليست لغوًا بدون وجود أدلّة الأحكام والآثار المترتبة على العلم. وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ مفاد أدلّة جعل العلميّة للخبر ليس إلّا لزوم العمل بمقتضاه.
وعليه، لا يمكن على أساس أدلّة حجّيّة الخبر إثبات إحلاله محلّ القطع الموضوعيّ. ونتيجة لذلك في الصورة الثالثة لا يمكن الحكم على أساس الخبر بلزوم الاعتقاد بأمور يكون القطع بالنسبة إلى الاعتقاد بها موضوعيًّا.
الصورة الرابعة: اعتبار الخبر في الأمور الّتي إذا كان لها واقع، كان لزوم الاعتقاد بها محتملًا. وفي هذه الموارد، بما أنّ أصل وجوب الاعتقاد (حتّى في صورة وجود الواقعيّ لمفادها) مشكوك فيه ومجرى أصل البراءة، فلا يمكن على أساس أدلّة حجّيّة الخبر إثبات لزوم الاعتقاد؛ لأنّ وجود الأثر -كما قيل سابقًا- يجب أن يكون مفروضًا مع قطع النظر عن أدلّة حجّيّة الخبر، ودليل حجّيّة الخبر نفسه لا يمكن أن يثبت لزوم الاعتقاد.
2- اعتبار الخبر في الأمور الحقيقيّة
إنّ قسمًا كبيرًا من الروايات الموجودة في الكتب الحديثيّة هي أخبار عن أمور حقيقيّة لا يترتب عليها أيّ أثر تعبّدي، والّذي له أثر فيها هو الوجود الواقعيّ لتلك الحقيقة. فروايات القصص والتاريخ، وروايات الخلق والتكوين، وروايات السلامة والطب، وروايات التربيّة والأمور الاجتماعيّة، والأمور السياسيّة، وتدبير المعاش والحياة، والثواب والعقاب المترتبين على الأعمال، وغيرها، كلّها من هذا القبيل.
مقدّمة
قبل البحث في اعتبار هذا النوع من الأخبار، لا بّد من الإشارة إلى نقطة كمقدّمة للبحث.
عدم إمكان جعل الحجّيّة على خلاف الواقع
مع قطع النظر عن كون بحثنا في الأمور الّتي لا معنى للتعبّد فيها، فإنّ جعل الحجّيّة للأمور المخالفة للواقع بشكل عام غير ممكن. ولذلك، حتّى في الفقه والأحكام الشرعيّة لا يمكن الاعتقاد بحجّيّة أمارات ثبت كونها مخالفة للواقع؛ لأنّ حجّيّة شيء ما -بأيّ معنى كانت- إنّما تكون معقولة إذا كان لها احتمال المطابقة مع الواقع، وإلّا فإنّ جعل الحجّيّة يستلزم الخلف أو أمورًا باطلة أخرى. ومخالفة الأحكام الواقعيّة الإلهية للواقع غير معقولة، لأنّ الأحكام الإلهية تنتهي إلى علم الله تعالى، وعدم مطابقة علم الله للواقع محال. كما أنّ مخالفة الأحكام الظاهريّة للواقع تستلزم الخلف أيضًا، لأنّ الحكم الظاهريّ إنّما يُجعل على أساس احتمال المطابقة مع الواقع، وجعله في صورة القطع بالمخالفة للواقع محال. إذن، لا يمكن اعتبار مؤدّى مخالف للواقع، ولا يمكن جعل الحجّيّة لظنّ مؤدّاه مخالف للواقع. (بالطبع، تجدر الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ توهم مخالفة بعض الروايات للواقع ناشئ من عدم الفهم الصحيح لمفادها. فمثلًا، قيل إنّه نُسب في بعض آيات القرآن وروايات حركة إلى الشمس، وجُعلت هذه الحركة نفسها موضوعًا لبعض الأحكام الشرعيّة، في حين أنّه ثبت الآن أنّ الشمس لا تدور حول الأرض، بل الأرض تدور حولها. أو ذُكرت في الآيات والروايات مراحل لتكوّن الجنين، وقد اتضح مع تقدّم العلم كونها مخالفة للواقع. في حين أنّ هذا الفهم الخاطئ ناشئ من إدخال اللوازم الاتفاقيّة أو الدائمة للمعانيّ والمفاهيم في مداليل الألفاظ. فيجب التفريق بين مفاهيم الألفاظ الّتي هي ملاك فهم المرادات الاستعماليّة للشارع، وبين لوازم المفاهيم -حتّى لو كانت لها حقيقة-).
على أيّ حال، بما أنّ التعبّد في الأمور الحقيقيّة لا معنى له، أي أنّ الخبر لا يمكن أن يوجب انقلاب الواقع وتغييره، فإنّ البحث في اعتبار الروايات الحاكيّة عن الأمور الحقيقيّة والواقعيّة يجب أن يُتبع من جهة الآثار المترتبة عليها. وعليه، فالبحث في اعتبار هذه الأخبار بمعنى التصويب المنسوب إلى الأشاعرة لا معنى له؛ لأنّه على أساس هذه النظرية تكون الأحكام تابعة لقيام الخبر، ومع قطع النظر عن قيام الخبر لا يوجد حكم. في حين أنّ الأمور التكوينيّة والحقيقيّة ليست تابعة لقيام الخبر، وليس الأمر كذلك أن الخبر يمكنه أن يُوجد شيئًا لم يكن موجودًا أو يُعدم شيئًا موجودًا.
كذلك التصويب بمعناه المنسوب إلى المعتزلة لا معنى له في هذا النوع من الأخبار. فعلى أساس ذلك المبنى، وإن كانت الأحكام الواقعيّة موجودة، إلّا أنّها تتغير أيضًا في صورة قيام الخبر على خلافها. وبحثنا في الأمور الحقيقيّة لا الاعتباريّة، والخبر كما لا يمكنه أن يُوجد الواقع، لا يمكنه أن يغيّر الواقع الموجود أيضًا.
والتصويب بمعناه الشيعيّ (الّذي يُنسب إلى الشيخ الأنصاريّ& على أساس مبنى المصلحة السلوكيّة) لا معنى له أيضًا في هذه الروايات؛ لأنّه على أساس المصلحة السلوكيّة، في صورة مخالفة الخبر للواقع تُجبَر المصلحة الفائتة للمكلّف. في حين أنّ ما هو محلّ بحثنا ليس من سنخ المصلحة الموجودة في الأحكام، بل هو آثار مترتبة على وجودات واقعيّة، ومن الواضح عدم إمكان تداركها بالخبر.
وحجّيّة الخبر بمعنى المنجّزيّة والمعذّريّة لا معنى لها أيضًا في هذا النوع من الأخبار؛ لأنّ المنجّزيّة والمعذّريّة من آثار الأحكام الاعتباريّة الشرعيّة، والتنجيز والتعذير بالنسبة إلى الأمور الحقيقيّة والتكوينيّة لا مفهوم لهما.
وعليه، فإنّ معنى حجّيّة الروايات في هذه الأمور لا يمكن أن يكون بمعنى ترتب الآثار الحقيقيّة غير الاعتباريّة على مؤدّاها؛ لأنّه على فرض مخالفة الروايات للواقع، فإنّ تلك الآثار لا تترتب، والتعبّد بترتبها لا معنى له.
الآثار الاعتباريّة القابلة للترتب على الروايات الحاكيّة عن الأمور الحقيقيّة
يمكن تصور ثلاثة آثار اعتباريّة وتعبّديّة على هذا النوع من الروايات: الاعتقاد، والإخبار، والإسناد. وقد قيل سابقًا إنّ أثر الإخبار والإسناد مطروح في الروايات الاعتقاديّة أيضًا، ولذلك فإنّ ما يُذكر هنا سيشمل تلك الطائفة من الروايات أيضًا. فهل يمكن لأدلّة حجّيّة الخبر أن تثبت هذه الآثار الثلاثة بالنسبة إلى الروايات الحاكيّة عن الأمور الحقيقيّة؟
ألف – الاعتقاد
على أساس ما ذُكر في البحث السابق، لا يمكن لأدلّة حجّيّة الخبر أن تثبت بنفسها لزوم الاعتقاد بالمؤدّى، بل يجب أن يثبت لزوم الاعتقاد بدليل آخر. وقد قيل إنّ مجرد كون شيء حقيقيًّا، بل العلم به لا يستلزم لزوم الاعتقاد. وبما أنّه لا دليل على لزوم الاعتقاد بمؤدّى هذه الروايات، فلا يمكن على أساس أدلّة حجّيّة الخبر اعتبار الاعتقاد بمؤدّاها لازمًا.
ب) الإخبار (الإخبار عن الشيء)
يتصف الخبر بالصدق والكذب، ويمكن تحقّق الصدق والكذب في جهتين مختلفتين: جهة بناءً على المطابقة وعدم المطابقة مع الواقع (ويُعبّر عن ذلك بالكذب الخبريّ)، وجهة أخرى بناءً على المطابقة وعدم المطابقة مع الاعتقاد (ويُعبّر عن ذلك بالكذب المخبريّ). ولكن على أيّ حال، فإنّ ما هو موضوع جواز الإخبار هو العلم بالواقع، أي أنّه في صورة عدم العلم بالواقع لا يجوز الإخبار عن الواقع. إذن، في حكم جواز الإخبار، العلم موضوعيّ.
هل يمكن على أساس خبر الواحد الإخبار عن مؤدّاه ومضمونه؟ إذا كانت الحجّيّة بمعنى جعل المنجزّيّة والمعذّريّة، كما صُرّح بذلك في كلام السيّد الخوئيّ& أيضًا،[41] فلا يمكن على أساس خبر الواحد الإخبار عن الواقع؛ لأنّه على أساس هذا المبنى لا دور للخبر إلّا في منجزّيّة الآثار المترتبة على واقع المؤدّى، أو المعذّريّة بالنسبة إلى مخالفتها. والواقع الّذي هو مؤدّى هذه الأخبار لا أثر شرعيّ له حتّى يكون الخبر منجّزًا له. كما أنّ مسألة جواز الإخبار نفسها ليست من الآثار المترتبة على الواقع حتّى تكون حجّيّة الخبر منجّزة لذلك الأثر. وعلى أساس هذا المبنى، لا يمكن فقط على أساس الروايات وأخبار الآحاد الإخبار عن أمور مثل الخلق والتكوين، أو المسائل التاريخيّة، أو أعراض الأمراض، أو العلاجات، أو الآثار الدوائيّة، أو الثواب والعقاب المترتبين على الأفعال…، بل لا يمكن حتّى الإخبار عن الاستحباب أو الكراهة للفعل أيضًا؛ لأنّه في هذه الموارد أيضًا لا يوجد أثر قابل للتبرير والتنجيز. بل ربّما لا يمكن حتّى الإخبار عن الوجوب والحرمة؛ لأنّ الخبر إنّما يُنجّز أثر الوجوب والحرمة على المكلّف، لا أنّه يحلّ محلّ العلم بالوجوب والحرمة.
هذه النقطة، وإن طُرحت كإشكال في كلام بعض تلاميذ الآخوند&،[42] إلّا أنّ الآخوند نفسه معترف به هذا المطلب في مباحث كتاب القضاء.[43]
بالطبع، لو كانت قاعدة التسامح في أدلّة السنن قطعيّة (وهو ليس ببعيد بالنظر إلى نقلها المتعدّد في المصادر الشيعيّة والعامّة)، فإنّ مفادها القطع بترتب الثواب على الأعمال الّتي وردت حتّى رواية ضعيفة بالنسبة إليها. ومع وجود مثل هذا القطع، سيكون الإخبار عن الاستحباب وترتب الثواب جائزًا.
لكن إذا كانت الحجّيّة بمعنى جعل العلميّة والطريقيّة، فإنّ السيّد الخوئيّ& يعتقد أنّ الإخبار عن مضمون الخبر على أساس أدلّة حجّيّة الخبر جائز؛ لأنّ الخبر علم تعبّدي، وعلى ذلك الأساس تترتب عليه جميع الآثار الشرعية للعلم، ومن جملة تلك الآثار جواز الإخبار.[44] بالطبع، مراده ليس جواز الإخبار على نحو الجزم؛ لأنّ الخبر الجزميّ عن الواقع هو في الحقيقة خبر عن جزم المتكلّم أيضًا، والإخبار عن جزم المتكلّم مع أنّه ليس جازمًا في الواقع يكون كذبًا. ومفاد أدلّة حجّيّة الخبر ليس مجوّزًا للكذب والدجل. (والالتفات إلى هذه النقطة ربّما يوجب التردد في أصل وجود ثمرة لجواز الإخبار حتّى وفق نظر السيّد الخوئيّ& أيضًا.)
الشيخ التبريزيّ& مع التزامه بمبنى جعل العلميّة، إلّا أنّه لا يرى جواز الإخبار عن مضمون الخبر على أساس أدلّة حجّيّة الخبر؛ لأنّه يعدّ دليل حجّيّة الخبر هو سيرة العقلاء، ومن وجهة نظره فإنّ سيرة العقلاء قائمة فقط على العمل على أساس الخبر، والعقلاء لا يخبرون عن الواقع بخبر الواحد.[45]
على أساس ما ذُكر في بحث الروايات الاعتقاديّة، حتّى لو وُجدت أدلّة لفظيّة لحجّيّة الخبر يكون مفادها جعل العلميّة وإحلال الخبر محلّ العلم، فإنّها مع ذلك لا تكون حاكمة على أدلّة الآثار المترتبة على العلم؛ لأنّ هذه الأدلّة لا نظارة لها على الأحكام الّتي أُخذ العلم في موضوعها، وبدون وجودها لا تكون لغوًا. وعليه، فإنّ مفاد أدلّة حجّيّة الخبر، حتّى لو كان بلسان جعل العلميّة، ليس ترتيب آثار العلم (ومنها جواز الإخبار) على الخبر.
ج – الإسناد (النسبة)
هل يمكن نسبة مضمون الخبر إلى من نُقل الخبر عنه؟ أو إسناد الفعل الذي يدلّ الخبر على صدوره عن شخص ما إلى ذلك الشخص؟
الإسناد في الحقيقة إخبار عن بيان شيء أو قيام شخص ما بفعل، فهو من أفراد الإخبار، والعلم في موضوع جواز الإسناد أيضًا موضوعيّ.
وعلى مبنى جعل المنجّزيّة والمعذّريّة، لا يكون الإسناد جائزًا أيضًا؛ لأنّ حجّيّة الخبر بمعنى تنجّيز الآثار الشرعيّة المترتبة على المؤدّى، ومضمون هذه الطائفة من الروايات لا أثر شرعيّ له حتّى يكون الخبر منجّزًا له. ولذلك، على أساس هذا المبنى لا يمكن حتّى نسبة مفاد هذه الطائفة من الروايات إلى الشرع أو الأئمّة المعصومين^.
وأمّا على مبنى جعل العلميّة، فإنّ نفس الاختلاف النظريّ الّذي كان موجودًا في جواز الإخبار سيكون موجودًا هنا أيضًا. ومع ذلك، يمكن القول إن عدم جواز الإسناد لا يبتني على عدم جواز الإخبار. فأدلّة حجّيّة الخبر، وإن لم تكن حاكمة على حكم جواز الإخبار، إلّا أنّ بناء العقلاء قائم على جواز الاستناد على أساس الخبر. أي أنّه وإن كان جواز الإسناد من آثار العلم، إلّا أنّ العقلاء يجعلون الخبر بديلًا عن العلم في هذا الأثر. ووجود مثل هذا البناء بين العقلاء واضح، والعقلاء ينسبون مضمون الخبر إلى «المخبر عنه»، أو يسندون الفعل الوارد في الخبر إلى الفاعل.
ونتيجة لذلك، وإن لم يمكن الإخبار عن مضمون هذه الطائفة من الروايات، فإنّ إسناد مضمونها إلى الشرع والمعصومين^ صحيح. وبالطبع، فإنّ جواز الإسناد لا يختص بهذه الطائفة من الروايات، بل إنّ مفاد الروايات الاعتقاديّة أيضًا يُستند إلى الشرع والمعصومين^. وعلى أساس هذه النقطة نفسها، لا يمكن بمجرد كون رواية ما في الأمور الاعتقاديّة اعتبارها فاقدة للاعتبار، والتهرب من الإجابة عن الشبهات المطروحة على أساس الاستناد إلى الدين أو المعصومين^. (فقد أجاب بعض الكتّاب المحترمين في مقابل شبهات مخالفي الشيعة وتمسكهم بالروايات بأنّ هذه المسألة من المسائل الاعتقاديّة، والروايات في المسائل الاعتقاديّة فاقدة للاعتبار، في حين أنّه حتّى مع قطع النظر عن عدم صحّة عدم حجّيّة الخبر في المسائل الاعتقاديّة بشكل كليّ، فإنّ مركز كثير من شبهات المخالفين الأساسيّ هو على أساس استناد مضمون الخبر إلى أئمّة الشيعة^.)
ولا يخلو من لطف الإشارة إلى هذه النقطة أيضًا، وهي أنّ تفسير آيات القرآن هو في الحقيقة من مصاديق الإسناد؛ لأنّ التفسير بمعنى بيان مراد الله تعالى من الآية الشريفة. فكون الله تعالى قد قال في آية قرآنيّة كذا، وأراد كذا، هو إسناد لذلك المضمون إلى الله تعالى.
وعليه، على أساس الروايات المعتبرة الواردة في تفسير آيات القرآن يمكن تفسير القرآن، حتّى لو كان ظهور الآية الشريفة قاصرًا عن إفادة ذلك المعنى؛ لأنّ الإمام× في هذه الروايات يخبر عن مراد الله تعالى، وعلى أساس تلك الرواية يُنسب مضمون الرواية إلى الله، وتُفسَّر الآية.
بالطبع، يُستفاد من كلمات بعض المفسرين مثل الشيخ الطوسيّ&،[46] والعلّامة الطباطبائيّ& أنّهم لا يقبلون اعتبار الروايات في تفسير آيات القرآن، بل إنّ العلّامة الطباطبائيّ& يعدّه غير معقول ولا معنى له.[47] ومن وجهة نظره، فإنّ الروايات الواردة في تفسير القرآن إذا كانت مطابقة لظهور الآية الشريفة فهي مقبولة، ولكن لا بمعيار اعتبار الخبر، بل بمعيار اعتبار القرآن. وإذا لم تكن مطابقة للآية القرآنيّة (حتّى لو لم تكن مخالفة لها) فلا قيمة لها. بل إنّ تفسير القرآن على أساس الروايات غير القطعيّة من مصاديق التفسير بالرأي.[48]
وعلى أساس ما قيل، يتضح إشكال هذا المبنى أيضًا، إضافة إلى أنّه إذا كان اعتبار الظنّ في الأمور غير الفقهيّة لا معنى له وغير معقول، فإنّ ظواهر القرآن أيضًا ستكون غير معتبرة في الأمور غير الفقهيّة. كما أنّ سيرة المسلمين على تدوين التفاسير الروائيّة، إضافة إلى كونها دالة على جواز إسناد مضمون الروايات التفسيريّة إلى الله تعالى وبيان مراد الله من الآيات الشريفة، فهي مؤيدة للسيرة العامّة للعقلاء على جواز إسناد مضمون الخبر إلى مصدره.
النتيجة
يمكن أن نستنتج من المباحث المطروحة في هذا المقال أنّ البحث في اعتبار خبر الواحد في الأمور الاعتقاديّة والأمور الحقيقيّة الّتي لا معنى للتنجيز والتعذير فيها لم يُبحث بشكل تفصيليّ ومتقن في كلمات أكثر العلماء، في حين أنّ روايات كثيرة جدًا وصلت إلينا في هذين المجالين. إضافة إلى أنّ الوصول إلى نتائج مباحث مثل العلوم الإنسانيّة الإسلاميّة يتوقف على بحث اعتبار الخبر في الأمور الحقيقيّة والتكوينيّة. وفي هذا المقال مع التفريق بين الآثار المختلفة المترتبة على الخبر، ثبت أنّ أدلّة حجّيّة الخبر تشمل الروايات الاعتقاديّة أيضًا، ولكن ليس بمعنى أنّ دليل حجّيّة الخبر نفسه يثبت لزوم الاعتقاد بمضمون الخبر، ولا بمعنى أنّ الخبر يمكنه أن يحلّ محلّ العلم في الموارد الّتي يلزم فيها الاعتقاد عن علم، ولا بمعنى أنّ الخبر يحلّ محلّ العلم الموضوعيّ في الأمور الاعتقاديّة، بل بمعنى أنّ الأخبار الّتي يكون مفادها نفسه لزوم الاعتقاد بشيء، أو يكون مفادها حكاية عن أمر يكون العلم في وجوب الاعتقاد به طريقيًا، فستكون مشمولة لدليل الحجّيّة. وبالطبع، فإنّ مفادها يُستند إلى الدين والمعصومين^ أيضًا. وأما الأخبار الّتي تحكي عن الأمور الحقيقيّة، أي الأمور التي لا معنى للتعبّد فيها ولا يترتب عليها أي أثر تعبّدي، بل إنّ وجودها الواقعيّ هو منشأ الأثر، فإنّها تدخل تحت أدلّة حجّيّة الخبر فقط من جهة جواز الإسناد. ونتيجة لذلك، لا يمكن على أساس الروايات الإخبار عن هذا النوع من الأمور، أي لا يمكن على أساس خبر مضمونه وجود خاصيّة معيّنة في دواء ما أن نخبر عن وجود مثل هذه الخاصيّة في ذلك الدواء، بل غاية ما يمكن هو استناد ذلك المضمون إلى «المخبر عنه» مع وجود شروط الحجّيّة.
المصادر:
- القرآن الكريم.
- ابن عطية (١٤٢٣هـ)، أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد، بيروت، مؤسسة الأعلمي.
- ابن قيم الجوزية (١٤١٨هـ)، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة، بيروت، دار الفكر.
- ابن النجار الحنبلي، محمد بن أحمد (١٤١٨هـ)، شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير أو المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه، مكتبة العبيكان.
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر (١٣٨٧هـ)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.
- أحمد بن سليمان (١٤٢٤هـ)، حقائق المعرفة في علم الكلام، صنعاء، مؤسسة الإمام زيد بن عليّ×.
- الآخوند الخراساني، محمّد كاظم (١٤٠٩هـ)، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت^.
- الإشتهارديّ، الحسين (١٤١٨هـ)، تنقيح الأصول، تقريرات درس الإمام الخمينيّ+، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ&.
- الأصفهاني، محمّد الحسين (١٤٢٩هـ)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، بيروت، مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث.
- الإمام الخميني+، السيد روح الله (١٤١٥هـ)، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني&.
- الإمام الخميني+، السيد روح الله (١٣٩٥هـ. ش)، شرح حديث جنود عقل وجهل، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني&
- الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨هـ)، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
- البهسودي، محمّد سرور (١٤٢٢هـ)، مصباح الأصول (مباحث الحجج والأمارات)، تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئيّ+، قم، مكتبة الداوري.
- التبريزي، ميرزا جواد (١٣٨٧هـ.ش)، دروس في مسائل علم الأصول، قم، دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها.
- التفتازاني، سعد الدين (١٤٠٩هـ)، شرح المقاصد، قم، الشريف المرتضى.
- التفتازاني، سعد الدين (١٤٠٧هـ)، شرح العقائد النسفية، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية.
- حسين بن بدر الدين (١٤٢٢هـ)، ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة، صنعاء، مكتبة البدر.
- الحلبي، أبو الصلاح (١٤٠٤هـ)، تقريب المعارف، قم، الهادي.
- الخراساني، محمد بن محمد كاظم (١٤٣٥هـ)، القضاء، تقريرات درس الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
- الدربندي، آقا بن عابد، خزائن الأحكام (بلا تا)، قم، المؤلف.
- الرازي، فخر الدين (١٤٢٠هـ)، تفسير مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
- السبحاني، جعفر (١٤٢٣هـ)، تهذيب الأصول، تقريرات درس الإمام الخميني، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني&.
- الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه (١٣٧٨هـ)، عيون أخبار الرضا عليه السلام، طهران، نشر جهان.
- الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه (١٣٦٢هـ. ش)، صفات الشيعة، طهران، الأعلمي.
- الطباطبائي القمي، السيد تقي (١٣٧١هـ. ش)، آراؤنا في أصول الفقه، قم، محلاتي.
- الطباطبائي، السيد محمّد الحسين (١٤١٧هـ)، الميزان في تفسير القرآن، قم، مكتب الإعلام الإسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.
- الطوسي، محمّد بن الحسن (١٤١٧هـ)، العدة في أصول الفقه، قم، علاقبنديان.
- الطوسي، محمّد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
- علم الهدى، علي بن الحسين (١٣٧٦هـ. ش)، الذريعة إلى أصول الشريعة، طهران، مؤسسة النشر والطباعة بجامعة طهران.
- علم الهدى، علي بن الحسين (١٣٨١هـ. ش)، الملخص في أصول الدين، طهران، مركز النشر الجامعي.
- العياشي، محمد بن مسعود (١٣٨٠هـ)، تفسير العياشي، طهران، المطبعة العلمية.
- الفيض الكاشاني، الملا محمّد محسن (١٤٠٦هـ)، الوافي، أصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام.
- القاضي عبد الجبار (١٩٦٢م)، المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاهرة، الدار المصرية.
- الكاظمي، محمّد علي (١٣٧٥هـ. ش)، فوائد الأصول، تقريرات درس محمد حسين النائيني، قم، مكتب الإعلام الإسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.
- الكليني، محمّد بن يعقوب (١٤٠٧هـ)، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية.
- المازندراني، محمد صالح بن أحمد (١٣٨٢هـ)، شرح الكافي الأصول والروضة، طهران، المكتبة الإسلامية.
- الموسوي القزويني، السيد إبراهيم (١٣٧١هـ)، ضوابط الأصول، قم، المؤلف.
- النجفي القوجاني، محمّد الحسن (١٣٨٦)، القضاء، تقريرات درس الآخوند الملا محمّد الكاظم الخراساني، مطبوع ضمن مجموعة الرسائل الفقهية، طهران، منشورات جمعية الآثار والمفاخر الثقافية.
[1] الطوسيّ، محمّد بن الحسن (العدّة في أصول الفقه: 1/140و130-2/479 و524 و665)؛ علم الهدى، عليّ بن الحسين (الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/409 و63 و76)؛ علم الهدى، عليّ بن الحسين (الملخّص في أصول الدين: 267)؛ الرازيّ، فخر الدين (تفسير مفاتيح الغيب: 28/259).
[2] التفتازاني، سعد الدين (شرح المقاصد: 1/165 و5/61)؛ التفتازاني، سعد الدين (شرح العقائد النسفية: 89)؛ قاضي عبد الجبار (المغني في أبواب التوحيد والعدل: 4/222 و225- 6/ 304- 8/ 321)؛ أحمد بن سليمان (حقائق المعرفة: 69)؛ حسين بن بدر الدين (ينابيع النصيحة: 131).
[3] حلبي، أبو الصلاح (تقريب المعارف: 397)؛ الطوسيّ، محمّد بن الحسن (العدّة في أصول الفقه: 1/349)؛ ابن عطيّة (أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد: 2/184).
[4] مثل منصور بن محمّد السمعانيّ، نقلًا عن ابن قيم الجوزية (مختصر الصواعق: 749)؛ ابن عبد البر (التمهيد: 1/8)؛ الحنبليّ، ابن نجّار (شرح الكوكب المنير: 2/352)؛ الدربندي، آقا بن عابد (خزائن الأحكام: 2/64).
[5] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/239).
[6] الشيخ التبريزيّ، الميرزا جواد (دروس في مسائل علم الأصول: 4/221).
[7] الطباطبائيّ القمّيّ، السيّد تقي (آراؤنا في أصول الفقه: 2/153)؛ وكذلك الشعرانيّ في حاشيته على شرح المولى صالح المازندرانيّ على الكافي: 10/167.
[8] الطباطبائيّ، السيّد محمّد الحسين (الميزان في تفسير القرآن: 15/6- 16/263- 18/158 و258 و259).
[9] الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله (أنوار الهداية: 1/143)؛ الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله (شرح حديث جنود عقل وجهل: 88).
[10] الطباطبائيّ القمّيّ، السيّد تقي (آراؤنا في أصول الفقه: 2/153).
[11] الإمام الخمينيّ، السيّد روح الله (أنوار الهداية: 1/143)؛ السبحانيّ، الشيخ جعفر (تهذيب الأصول: 2/346)؛ الإشتهارديّ، الحسين (تنقيح الأصول: 3 و63).
[12] الإصفهانيّ، محمّد الحسين (نهاية الدراية: 3/77).
[13] الجاثية: ٢٤.
[14] الكهف: ٤ و٥.
[15] البقرة: ١٤٦.
[16] الأنعام: ٢٠.
[17] الإشتهارديّ، الحسين (تنقيح الأصول: 3/62)؛ السبحانيّ، الشيخ جعفر (تهذيب الأصول: 2/349).
[18] الأنبياء: ٦٤ و٦٥.
[19] الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (الكافي: 2/397 – باب الشرك/ح: 1).
[20] علم الهدى، عليّ بن الحسين (الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/282).
[21] الشيخ الأنصاريّ، مرتضى (فرائد الأصول: 1/557).
[22] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/238).
[23] الشيخ التبريزيّ، الميرزا جواد (دروس في مسائل علم الأصول: 4/220).
[24] الفيض الكاشانيّ، ملا محمّد المحسن (الوافيّ: 1/9)
[25] الشيخ الأنصاريّ، مرتضى (فرائد الأصول: 1/576).
[26] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/237).
[27] الشيخ التبريزيّ، الميرزا جواد (دروس في مسائل علم الأصول: 4/223).
[28] الموسويّ القزوينيّ، السيّد إبراهيم (ضوابط الأصول: 306).
[29] الآخوند الخراسانيّ، محمّد الكاظم (كفاية الأصول: 329).
[30] الكاظميّ، محمّد عليّ (فوائد الأصول: 3/324).
[31] الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (الكافي: 1/148 – باب البداء/ ح:15).
[32] الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (الكافي: 1/147 – باب البداء/ ح3).
[33] الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (الكافي: 1/148 – باب البداء/ ح:13).
[34] ابن بابويه، محمّد بن عليّ (صفات الشيعة: 30).
[35] مثل النائيني (الكاظميّ، محمّد عليّ (فوائد الأصول: 3/17))، والسيّد الخوئيّ (البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/106)).
[36] مثل الآخوند (الآخوند الخراسانيّ، محمّد الكاظم (كفاية الأصول: 277)).
[37] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/238).
[38] الشيخ التبريزيّ، الميرزا جواد (دروس في مسائل علم الأصول: 3/221).
[39] الشيخ الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين (عيون أخبار الرضا×: 2/201).
[40] العيّاشي، محمّد بن مسعود (تفسير العيّاشي: 1/202).
[41] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/239).
[42] النجفيّ القوجانيّ، محمّد الحسن (كتاب القضاء: 222).
[43] الخراسانيّ، محمّد (كتاب القضاء: 16).
[44] البهسوديّ، محمّد سرور (مصباح الأصول: 1/239).
[45] الشيخ التبريزيّ، الميرزا جواد (دروس في مسائل علم الأصول: 4/221).
[46] الشيخ الطوسيّ، محمّد بن الحسن (التبيان في تفسير القرآن: 1/7).
[47] الطباطبائيّ، السيّد محمّد الحسين (الميزان في تفسير القرآن: 9/ 211 – 14/25 و205 – 1/293 – 10/351).
[48] الطباطبائيّ، السيّد محمّد الحسين (الميزان في تفسير القرآن: 14/133).