العقد الثمين في شرح كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) (خطورة الاستدراج الإلهيّ)

العقد الثمين في شرح كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ( خطورة الاستدراج الإلهيّ )

تميَّز أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّهم مصدر الهداية بعد الرسول المصطفىٰ (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم)، فكانوا عِدل القرآن الكريم، والمبيِّن له، والذي لا يفترق عنهم، كما ورد في النص المتواتر عن النبي الأعظم (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم): «إنِّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وعترتي أهل بيتي، ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يفترقا حتَّىٰ يردا عليَّ الحوض»(1)، فكانت كلماتهم وأحاديثهم ولا زالت امتداداً للقرآن الكريم، والسُنّة الشريفة.

ومن هنا ينجذب الإنسان العاقل المؤمن إلىٰ أحاديثهم وأخبارهم، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) مصدراً ومصباحاً للهداية، كما دلَّ علىٰ ذلك قول جدِّه المصطفىٰ خاتم الرسل (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم) في حديثه مع أُبيّ بن كعب، قال: «يا أُبيّ والذي بعثني بالحق نبياً إنَّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنَّه لمكتوب عن يمين عرش الله (عزَّ وجلَّ): مصباح هدىٰ وسفينة نجاه…»(2).

ويتبيَّن هذا بشكل واضح وجلي من التأمُّل في كلماته وأحاديثه ومواقفه (عليه السلام)، وفي هذا المقال سنتعرض حديثه (عليه السلام) في بيان الاستدراج وخطورته.

فقد روي عنه (عليه السلام) أنَّه قال: «الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم، ويسلبه الشكر»(3).

والاستدراج: في اللّغة هو الارتقاء من درجة إلىٰ درجة، كما يظهر من كلام العلّامة الطريحيّ: (كما يرتقي الراقي الدرجة فيتدرج شيئاً بعد شيء حتَّىٰ يصل إلىٰ العلو)(4)، وقال السيّد علي خان المدنيّ الشيرازي في شرحه علىٰ الصحيفة السجاديّة: (وله (عليه السلام): «ولا تستدرجني بإملائك لي»، الاستدراج استفعال إمّا من درج من باب (سمع) بمعنىٰ صعد، ومنه: الدّرجة للمرقاة ثم اتَّسع فيه فاستعمل في كلِّ فعل تدريجي، سواء كان بطريق الصعود أو الهبوط أو الاستقامة، وأمّا من درج الصّبي دروجاً من باب – قعد -: إذا مشىٰ قليلاً في أوّل ما يمشي، وإمّا من درجت الكتاب من باب – قعد – أيضاً إذا طويته، والأوّل هو الأنسب بالمعنىٰ المراد الذي هو النقل إلىٰ أعلىٰ درجات المهالك ليبلغ أقصىٰ مراتب العقوبة والعذاب، ثمّ استعير لطلب كلّ نقل تدريجي من حال إلىٰ حال من (شرح ص50) الأحوال الملائمة للمتنقل الموافقة لهواه بحيث يحسب أنَّ ذلك ترق في مراقي منافعه مع أنَّه في الحقيقة ترد في مهاوي مصارعه فاستدراجه سبحانه لمن خذله أن يواتر عليه النعم من انهماكه في الغيّ فيحسب أنَّها لطف به منه تعالىٰ فيزداد انهماكاً وغيّاً لكن لا علىٰ أنَّ المطلوب تدرّجه في مراتب النعم، بل هو تدرّجه في مراتب المعاصي إلىٰ أن تحقّ عليه كلمة العذاب علىٰ غرّة منه وعلىٰ أفظع حال واشنعها)(5).

وقال الشيخ الطبرسي في تفسيره: (الاستدراج من الدرجة بمنزلة الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة، والمعنىٰ: سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلىٰ الهلاك حتَّىٰ يقعوا فيه بغتة)(6).

وقال السيّد العلّامة في الميزان: (الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجه فدرجه، والاستدناء من أمر أو مكان، وقرينة المقام تدل علىٰ أنَّ المراد به هنا الاستدناء من الهلاك إمّا في الدنيا أو في الآخرة)(7).

واستدراج الله للعبد كلما جدَّد – العبد – خطيئة جدّد تعالىٰ له نعمة، وأنساه الاستغفار، فيأخذه قليلاً قليلاً، وهو المرويّ عن سفيان بن السمط قال: قال الإمام أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله إذا أراد بعبد خيراً فأذنب ذنباً أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد بعبد شراً فأذنب ذنباً أتبعه بنعمه لينسيه الاستغفار لا، ويتمادىٰ بها، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: 44)، بالنعم عند المعاصي»(8).

وقيل: إنَّ الاستدراج هو الأخذ علىٰ الغرّة من حيث لا يعلم، وقيل هو أن يتتابع علىٰ عبده النعم إبلاغاً للحجة، والعبد مقيم علىٰ الإساءة، مصر علىٰ المعصية، فيزداد بتواتر النعم عليه غفلة ومعصية وذهاباً إلىٰ الدرجة القصوىٰ منها، فيأخذه الله بغتة علىٰ شدَّة حين لا عذر له كما حال الراقي في الدرجة فيتدرج شيئاً بعد شيء حتَّىٰ يصل إلىٰ العلو فيسقط منه.

وروي أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) سُئل عن الاستدراج فقال: هو العبد يذنب الذنب فيملي له، ويجدّد له عندها النعم فتلهيه عن الاستغفار من الذنوب، فهو مستدرج من حيث لا يعلم(9).

ومعنىٰ الإملاء في رواية الإمام الصادق (عليه السلام): هو الإمهال، واشتقاقه من أمليت بمعنىٰ أمهلت وأخَّرت وأطلت له مدّة وزماناً، والإملاء أعظم الابتلاء إذ بسببه يصدر عن المبتلىٰ جرائم غير محصورة، ومعاصي غير معدودة، ويقول الله تعالىٰ: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (القلم: 45)، يقول تعالىٰ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (آل عمران: 187).

وبين الاستدراج والإملاء عموم وخصوص مطلق، إذ كلّ استدراج املاء، وليس كل إملاء استدراجاً.

وإنَّ في الاستدراج والإملاء تخويف للمُنَعم عليه، حتَّىٰ لا يأخذه الاغترار والنسيان، وتذكير له باحتمال أن يكون ذلك استدراجاً، فوجب عليه أن يستيقظ من الغفلة، وينظر إلىٰ مآل الحال، ويترك الانهماك في الغيّ والضلال، ويبتهل إلىٰ الله سبحانه ويتضرع بين يدي رحمته؛ لعلَّ الله يرحمه ويجعل ذلك رحمة ونعمة عليه.

ولذا روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: «يا بن آدم إذا رأيت ربَّك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره»(10).

وروي عنه (عليه السلام) أنَّه قال: «أيُّها الناس ليركم الله من النعمة وجلين كما يراكم من النقمة فرقين(11)، إنَّه من وسّع عليه في ذات يده فلم يرَ ذلك استدراجاً فقد أمن مخوفاً، ومن ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختباراً فقد ضيع مأمولاً»(12).

وعليه فقول الإمام الحسين (عليه السلام): «الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم ويسلبه الشكر(13)، أي أنَّه تعالىٰ يستدرج العبد بإسباغ النعم، وسلب الشكر».

والمفروض مع فقد الشكر تُفقد النعم؛ لأنَّ دوام شكرها يعدّ للمزيد منها، وكفرانها ومقابلتها بالمعصية المستلزم لعدم الشكر مستلزماً لعدم الاستعداد للمزيد ومعدّاً للنقصان، بل ولنزول النقمة، كما يقول تعالىٰ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7)، وهو محلّ الحذر منه، لكن مع ذلك يستدرجه بتتابع النعم عليه استدراجاً.

ويستفاد أنَّ الإسباغ بالنعم مع الشكر ليس استدراجاً؛ لأنَّ المُستَدرج من الله تعالىٰ لا يتوجَّه لشكر النعم الإلهيّة من الأصل، وقد روي عن عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنِّي سألت الله (عزَّ وجلَّ) أن يرزقني مالاً فرزقني، وإنِّي سألت الله أن يرزقني ولداً فرزقني ولداً، وسألته أن يرزقني داراً فرزقني، وقد خفت أن يكون ذلك استدراجاً، فقال (عليه السلام): «أما والله مع الحمد فلا»(14).

وذكر الله تعالىٰ في كتابه المجيد سبباً للوقوع بمحذوري الاستدراج والإملاء: وهو التكذيب بآيات الله تعالىٰ، كما في قوله (جلَّ ذكره): ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف: 182-183)، وقوله تعالىٰ: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (القلم: 44-45).

وورد عن سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في الدعاء أنَّه قال: «اللَّهم لا تستدرجني بالإحسان، ولا تؤدبني بالبلاء…»(15).

 

 

 

الهوامش:


(1) الأمالي (للصدوق):500.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (للصدوق): 1/ 62.

(3) تُحف العقول (لابن شعبة الحراني): 246، وبحار الأنوار (للمجلسي): 75/ 117.

(4) مجمع البحرين (للطريحي): 2/ 299.

(5) رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين (عليه السلام) (للسيد علي خان المدني الشيرازي): 7 / شرح 49-53.

(6) تفسير جوامع الجامع (للطبرسي): 1 / 725.

(7) تفسير الميزان (للطباطبائي): 8/ 346.

(8) الكافي (للكليني): 2/ 452.

(9) الكافي (للكليني): 2/ 452.

(10) نهج البلاغة: 7، حكمة 25.

(11) فزعين.

(12) نهج البلاغة: 83، حكمة 358.

(13) تُحف العقول (لابن شعبة الحراني): 246، وبحار الأنوار (المجلسي): 75/ 117.

(14) الكافي (للكليني): 2/ 97.

(15) كشف الغمة (للأربلي): 2 / 241.

Scroll to Top