الخلاصة:
تناولت هذه الدراسة الفقهية مسألة (وجوب الخمس في الهبة في الفقه الإمامي)، لبيان حكمها الشرعي ومبانيها الاستدلالية، وذلك ضمن هيكلية منهجية تنتظم في مقدمة، ومحورين أساسيين، وخاتمة. سلَّطت المقدمة الضوء علىٰ أهمية المسألة وتطبيقاتها المعاصرة في باب أرباح المكاسب.
وتكفَّل المحور الأوَّل بالتأسيس المفهومي والماهوي للموضوع عبر خمس جهات رئيسة؛ تضمَّنت تحديد المعنىٰ التخصُّصي للخمس والغنيمة، وتفكيك مفهوم الهبة وتمييزها عن المصطلحات المجاورة، فضلاً عن تحرير حكمها الشرعي من حيث جواز الرجوع وعدمه، وبحث مدىٰ انطباق مفهوم (الاكتساب) عليها.
وجاء المحور الثاني ليعالج المادة الاستدلالية للبحث في جهتين؛ من خلال استعراض أقوال فقهاء الإمامية أدلةً ومناقشةً، واللذين انحصرا في قولين رئيسين: الأوَّل القائل بالوجوب وهو ما رجَّحته الدراسة لوفور أدلَّته والثاني القائل بعدم الوجوب.
واستعرضت الخاتمة أبرز النتائج والتطبيقات الفقهية التي توصَّلت إليها الدراسة.
المقدمة:
إنَّ الخمس من الواجبات الإسلامية المهمة والتي يقوم عليها عصب الإسلام حيث يعد الخمس عاملاً أساسياً في سدِّ حاجة الفقراء من الناحية المادية، كما أنَّه وسيلة لدعم الدين الإسلامي وتنمية الجانب الاقتصادي له، وقد عيَّن الإسلام موارد يجب فيها الخمس كالغنائم والمعادن وأرباح المكاسب وغيرها، والهبة والهدية من جملة الموارد التي ذكرها الفقهاء واختلفوا في وجوب الخمس فيها.
ومن الواضح أنَّ الهبة والهدية من المسائل الابتلائية، فكثيراً ما تعطىٰ الأموال بعنوان الهدية كهدايا الأعراس وهدايا الولادات، والعيادات وغيرها….
ومن هنا نجد من الضروري بيان حكم هذه الهدايا من الناحية الفقهية، وهل يجب فيها الخمس أو لا، وقد تعرَّض الفقهاء إلىٰ هذه المسألة في كتبهم الفقهية، ولعلَّ أوَّل من تعرَّض لذلك هو الفقيه أبو الصلاح الحلبي وخالفه في ذلك ابن إدريس، ولكن مع ذلك لم يتعرَّض لهذه المسألة بصورة مستقلة وافية وشافية، لذا أجد من الضروري بحث هذه المسألة وبيان تفاصيلها وحكمها.
وسنتكلَّم عن وجوب الخمس في الهبة في محورين:
المحور الأوَّل: معنىٰ الخمس والهبة:
نتناول في هذا المحور دراسة معنىٰ الخمس في اللغة والاصطلاح ثم بيان معنىٰ الغنيمة، وهل أنَّ الغنيمة ترادف الاكتساب أو أنَّها أعم من ذلك.
ثم بيان عقد الهبة وأقسامها والفرق بينها وبين سائر المصطلحات وحكمها من حيث جواز الرجوع وعدمه، وهل الهبة نوع اكتساب أو لا، وسنبحث ذلك في جهات:
1- معنىٰ الخمس في اللغة والاصطلاح:
معنىٰ الخمس في اللغة:
قال الخليل الفراهيدي: (الخمس: أخذك واحداً من خمسة، تقول: خمستُ مال فلان، وتقول: هذا خامس خمسة، أي واحد من خمسة والخمس، جزء من خمسة)(1).
وذكر في الصحاح: (خمست القوم أخمسهم بالضم إذا أخذتَ منهم خمس أموالهم وخمستهم أخمسهم بالكسر إذا كنت خامسهم)(2).
وقال في المصباح المنير: (والخمس بضمتين وإسكان الثاني لغة هو جزء من خمسة أجزاء والجمع أخماس)(3).
قال في تاج العروس: (والخمس: أخذ واحد من خمسة ومنه قول: عدي بن حاتم: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام أي قدت الجيش في الحالين لأنَّ الأمير في الجاهلية كان يأخذ الربع في الغنيمة وجاء الإسلام فجعل الخمس وجعل له مصارف، فيكون حينئذٍ من قولهم: (ربعت القوم وخمستهم) مخففاً إذا أخذت ربع أموالهم وخمسها وكذلك إلىٰ العشرة)(4).
ونستنتج من مجموع كلام اللغويين النقاط التالية:
1- إنَّ كلمة الخمس مصدر يدل علىٰ أحد أقسام المال المقسم خمسة أقسام وفعله متعدي فتقول: خمست أموالي أي أخذت خمسها ويكون مضارعه مضموم العين يخمس زيد المال أي يأخذ خمس المال.
2- إنَّ كل عدد قسَّمناه إلىٰ خمسة أقسام فالقسم الواحد من تلك الأقسام يقال: له خمس فالعشرة خمس الخمسين والعشرون خمس المائة وهكذا.
3- إنَّ كلمة الخمس تارة تكون بضم الفاء والعين فيقال: الخمس علىٰ وزن الحبك وأخرىٰ بضم الفاء وسكون العين نحو الخمس وقد نطق القرآن بالضم ﴿فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ…﴾ (الأنفال: 41)، وجمع الخمس أخماس.
الخمس في الاصطلاح الفقهي:
قال الشهيد الثاني في المسالك: (هو حق مالي يثبت لبني هاشم في مال مخصوص بالأصالة عوضاً عن الزكاة)(5).
ولأجل الوقوف علىٰ حقيقة هذا التعريف لابدَّ من ملاحظة النقاط التالية:
1- ينقسم الحق إلىٰ قسمين حق مالي وحق غير مالي أمَّا الحق المالي فهو من قبيل الزكاة والخمس ونفقة الزوجة وأمثال ذلك. وأمَّا الحق غير المالي فمن قبيل الولاية وإطاعة الوالدين وإطاعة الزوجة زوجها وما أشبه، والحق يقابله الواجب أي أنَّ كل إنسان كما عليه واجبات له حقوق فالله تعالىٰ قد جعل إلىٰ جانب الواجبات حقوقاً وهذه الحقوق علىٰ قسمين حقوق مالية وحقوق غير مالية كما تقدَّم. فالخمس هو من جملة الحقوق المالية دون غيرها.
2- الفرق بين الزكاة والخمس: أنَّ الخمس حق مالي قد جعله الله تعالىٰ لبني هاشم خاصة بينما الزكاة قد جعلها الله تعالىٰ لغير بني هاشم.
3- الخمس واجب بأصل الشريعة حيث إنَّ الواجبات علىٰ قسمين: واجبات بأصل الشريعة وواجبات وجبت بالعارض.
مثال الأوَّل: وجوب الصلاة فهي واجبة بأصل الشريعة، ومثال الواجب بالعارض وجوب الكفارة، فالكفارة إنَّما وجبت بسبب الإفطار متعمداً في شهر رمضان ولم تجب بأصل الشريعة، وهذا ما يجب بالنذر والعهد واليمين والشرط؛ والخمس من الواجبات التي وجبت بأصل الشريعة لا بالعارض.
2- معنىٰ الغنيمة في اللغة والاصطلاح:
معنىٰ الغنيمة في اللغة:
قال الخليل الفراهيدي في كتاب العين: (الغنم الفوز بالشيء في غير مشقة والاغتنام انتهاب الغنم والغنيمة الفيء)(6).
وقال في المحيط في اللغة: (والغنم الفوز بالشيء من غير مشقة والاغتنام انتهازه والغنيمة الفيء)(7).
وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: (غنم: … أصل صحيح واحد يدل علىٰ إفادة شيء لم يملك من قبل ثم يختص به ما أخذ من مال المشركين بقهر وغلبة)(8).
وقال ابن الأثير في نهاية اللغة: (الغنم قد تكرَّر في هذه ذكر الغنيمة والغنم والمغنم والغنائم وهو ما أصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل الركاب، يقال: غنمت أغنم غنماً، وغنيمة والغنائم جميعها، والغنم بالضم الاسم وبالفتح المصدر والغانم أخذ الغنيمة والجمع الغانمون ومنه الحديث: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة إنَّما سمَّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب ومنه الحديث: والرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه، غنمه زيادته ونماؤه وفاضل قيمته)(9).
وقال في المصباح المنير: [غنم] غنمت الشيء (أغنمه) (غنما) اصبته (غنيمة) و(مغنماً) والجمع (الغنائم) و(المغانم) قال أبو عبيد: (الغنيمة) ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة والفيء ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها)(10).
وقال الفيروزي آبادي في قاموس اللغة: (الغنم الفوز بالشيء بلا مشقة وغنمه كذا تغنيماً نفله إيَّاه واغتنمه وتغنمه: عدَّه غنيمة)(11).
وقال الراغب في المفردات: (والغنم إصابته والظفر به ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدىٰ وغيرهم، قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: 69]، والمغنم ما يغنم وجمعه مغانم، قال: ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: 94])(12).
قال في مجمع البحرين: (الغنيمة في الأصل: الفائدة المكتسبة)(13).
ويمكن تلخيص أهم ما ذكره اللغويين في النقاط التالية:
1- غنم مكسور العين مثل علم مضارعه مفتوح العين يغنم كيعلم، وهو من الأفعال المتعدية غنم زيد مالاً ومصدره الغنم بفتح العين كالفهم واسم المصدر الغنم بالضم كالظلم كما نصَّ عليه في نهاية الحديث.
2- والغنيمة علىٰ وزن فعلية وهو فعيل تارة يأتي بمعنىٰ الفاعل وأخرىٰ يأتي بمعنىٰ المفعول مثلاً نصير بمعنىٰ الفاعل وجريح بمعنىٰ المفعول وكلمة غنيمة من القسم الثاني أي بمعنىٰ المفعول أي مغنومة فالغنيمة هي الشيء الذي وقع عليه الغنيم ويقال لأخذه الغانم والشيء المأخوذ غنيمة والجمع غانم.
3- معنىٰ الغنم وهو الفوز بالشيء والظفر به والمقصود في الظفر هو وجودان الشيء والحصول عليه وتملكه بعد أن لم يكن مملوكاً وفرق الغنيمة عن الغنم أنَّ الغنم يدل علىٰ مطلق الحصول علىٰ شيء من دون ملاحظة الشيء الذي وقع عليه الغنم ولا ملاحظة الشخص الذي صدر منه الغنم. بينما الغنيمة تدل بالإضافة إلىٰ ذلك علىٰ الشيء الذي وقع عليه الغنم.
4- يستفاد من كلمات عدَّة من أهل اللغة أنَّ الغنم يختص بالحصول علىٰ الشيء من دون مشقة كالخليل والمحيط والقاموس، ويفهم من جملة أخرىٰ منهم أنَّ المصداق الكامل لذلك هو الحصول علىٰ الشيء من دون مشقة والحصول علىٰ الشيء مع المشقة أيضاً من الغنم وإن لم يكن هو المصداق الأكمل، كالمقاييس والنهاية والمصباح والمفردات ومجمع البحرين فراجع.
5- إنَّ المقصود من الحصول علىٰ الشيء هو الحصول علىٰ الشيء الذي فيه مالية وفائدة وأمَّا ما لا مالية فيه فلا يصدق عليه الغنم والغنيمة، ولذا عدل في مجمع البحرين عن الشيء في تفسير الغنيمة حيث قال: الفائدة المكتسبة ولم يقل الشيء والمكتسب وكذا ابن فارس في مقاييس اللغة حيث قال: (إفادة شيء لم يملك) فإنَّه علىٰ الأقل لم يقيدها بعدم المشقة.
6- إنَّ الغنيمة هي المال الذي يحصل عليه الإنسان بحرب أو غير الحرب من الأسباب الأخرىٰ كما يستفاد من إطلاق كلمات اللغويين، وأمَّا ما ذكره في المصباح المنير من أنَّ الغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة فهو من باب المثال.
وتحصل من المجموع: أنَّ الغنيمة هي المال الذي حصل عليه الإنسان بعد أن لم يكن مملوكاً له سواء حصل عليه بمشقة أم من دون مشقة بحرب كان أو بغير حرب.
معنىٰ الغنيمة في الاصطلاح الفقهي:
لو لاحظنا كلمات الفقهاء حول معنىٰ الغنيمة في الاصطلاح الفقهي نجد أنَّها تفسِّر لنا الغنيمة بمعانٍ مختلفة سعةً وضيقاً، وسنذكر هذه المعاني من المعنىٰ الضيق للغنيمة حتَّىٰ المعنىٰ الواسع.
المعنىٰ الأوَّل: أنَّ الغنيمة هي ما أخذ من أموال المشركين في دار الحرب عنوة.
ذهب إلىٰ ذلك العامة كما حكاه عنهم الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: خلافاً للعامة حيث خصوها بالمعنىٰ الثاني، ونقلوها عن موضوعها اللغوي إلىٰ غنائم دار الحرب خاصة، أو خَصّوها به(14).
المعنىٰ الثاني: أنَّ الغنيمة هي الفائدة المكتسبة وقد صرَّح بهذا المعنىٰ جملة من الفقهاء كالمحقِّق الحلِّي في الشرائع حيث قال: (هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات، أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب)(15)، والعلامة في منتهىٰ المطلب وباقي كتبه حيث قال: (الغنيمة هي الفائدة المكتسبة سواء اكتسب برأس مال كأرباح التجارات والزراعات وغيرهما أو اكتسب بالقتال والمحاربة)(16)، وقال المقداد السيوري: (الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة)(17)، وقال الشهيد الثاني في الروضة: (في الغنيمة وأصلها المال المكتسب)(18)، وتابعهم علىٰ ذلك صاحب الجواهر في جواهره(19) والشيخ الأنصاري في كتابه الخمس حيث قال: (فالاقتصار علىٰ ما يصدق عليه الاكتساب والاستفادة أقوىٰ)(20).
المعنىٰ الثالث: الغنيمة هي مطلق الفائدة باكتساب أو بغير اكتساب.
وهذا ما يستفاد من كلمات جملة من الفقهاء: من قبيل ما ذكره في المعتبر مستدلاً عليه لما ذهب إليه أبو الصلاح الحلبي من وجوب الخمس في الميراث والهبة حيث قال: (والغنيمة اسم للفائدة وكما يتناول هذا اللفظ غنيمة دار الحرب بإطلاقه يتناول غيرها من الفوائد)(21).
ومن الواضح أنَّه لم يقيِّد الفائدة بالاكتساب، ولو كان المراد من الفائدة هي المكتسبة لما صحَّ الاستدلال علىٰ وجوب الخمس في الإرث لأنَّ الإرث فائدة غير مكتسبة يقيناً.
ويمكن أن يقتنص هذا المعنىٰ مما ذكره القمي في الغنائم أيضاً حيث قسم معنىٰ الغنيمة إلىٰ قسمين الفائدة المكتسبة وغير المكتسبة. قال: (ولكن ظهورها في الغنيمة المكتسبة أو ترددها بينها وبين مطلق الفائدة يثبطنا عن تعميمها لمثل الميراث والهدية والهبة.. ونحو ذلك…)(22).
وقال الشيخ الأنصاري في كتابه الخمس: (إنَّ الغنيمة هي مطلق الفائدة ولو حصلت من غير تحصيل، كما يشهد به بعض الروايات المشتملة علىٰ ذكر الميراث في أمثلة الغنيمة)(23).
وصرَّح بذلك في موضع آخر: (ومن المعلوم أنَّ الغنيمة مطلق الفائدة، ولو لم تحصل بالاستفادة، ولذا عد في أفرادها الميراث والجائزة في بعض الروايات)(24).
وقال السيد اليزدي في العروة الوثقىٰ: (بل الأحوط ثبوته [أي الخمس] في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصىٰ به ونحوها)(25).
تلخيص واستنتاج:
فتحصل من مجموع كلمات الفقهاء أنَّ للغنيمة ثلاثة معانٍ اصطلاحية:
المعنىٰ الأوَّل: الغنيمة هي الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار بالحرب والقتال.
المعنىٰ الثاني: الغنيمة هي الفائدة المكتسبة بحرب أو تجارة أو صناعة.
المعنىٰ الثالث: الغنيمة مطلق الفائدة سواء حصلت بالاكتساب أو التحصيل أو من دون الاكتساب.
والمعنىٰ الأول: لا شكَّ ولا شبهة أنَّه أخص من المعنىٰ اللغوي.
والمعنىٰ الثاني: وإن كان أعم من المعنىٰ الاصطلاحي الأوَّل إلَّا أنَّه مع ذلك أخص من المعنىٰ اللغوي، فإنَّ المعنىٰ اللغوي يشمل الحصول علىٰ الفائدة من دون اكتساب أيضاً خصوصاً مع قول اللغويين (لا بمشقة) فإنَّ الحصول علىٰ الشيء لا بمشقة يصدق علىٰ الفائدة من دون اكتساب.
وأمَّا المعنىٰ الثالث: وهو مطلق الفائدة فهو مطابق تماماً للمعنىٰ اللغوي.
والتحقيق: أنَّ معنىٰ الغنيمة هو المعنىٰ الثالث: بمعنىٰ مطلق الفائدة سواء كان تلك الفائدة قد حصلت بالاكتساب والتحصيل أو حصلت من دون الاكتساب.
والدليل علىٰ ذلك:
أوَّلاً: أنَّ هذا ما نطق به علماء اللغة وهو المستفاد من كلماتهم واستعمالاتهم كما تقدَّم وكلام اللغوي وإن لم يكن حجة إلَّا أنَّه مع ضمّ كلمات اللغويين الأخرىٰ وضم القرائن يحصل لنا الوثوق والاطمئنان بمعنىٰ الكلمة.
ثانياً: أنَّ هذا المعنىٰ أي مطلق الفائدة هو المتبادر من إطلاق كلمة الغنيمة عند أهل المحاورة والمتفاهم العرفي ومن الواضح أنَّ للعرف دوراً كبيراً في فهم معنىٰ الألفاظ.
وثالثاً: أنَّ بعض الروايات فسَّرت كلمة الغنيمة بمطلق الفائدة، وإن لم تكن عن اكتساب وتحصيل وهي رواية ابن مهزيار، حيث جاء فيها: (فالغنائم والفوائد يرحمك الله هي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان إلىٰ الإنسان التي لها خطر الميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن)(26).
ومن الواضح أنَّ الإمام علي (عليه السلام) عدَّ الميراث من الغنيمة والميراث من الفوائد غير المكتسبة.
3- معنىٰ الهبة في اللغة والاصطلاح:
أ- معنىٰ الهبة في اللغة:
قال في الصحاح: ([وهب] وهبت له شيئاً وهباً، ووهباً بالتحريك، وهبة، والاسم الموهب والموهبة، بكسر الهاء فيهما. والاتهاب: قبول الهبة. والاستيهاب: سؤال الهبة)(27).
قال في المقاييس: ([وهب]… تقول: وهبت الشيء أهبه هبة وموهباً واتهبت الهبة: قبلتها)(28).
وقال في لسان العرب: (وهب: في أسماء الله تعالي: الوهاب. الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهاباً، وهو من أبنية المبالغة… وكل وهب لك، من ولد وغيره: فهو موهوب. والوهوب: الرجل الكثير الهبات…)(29).
وقال في تاج العروس: ([وهب]: وهبه له، كودعه، يهبه وهبا بالسكون، ووهبا بالتحريك وهبة كعدة، مقيس في أمثاله… ولا يقال: وهبتكه، متعدياً إلىٰ مفعولين)(30).
ويمكن تلخيص أهم ما ذكره اللغويون في النقاط التالية:
1- إنَّ الهبة مصدر يدل علىٰ إعطاء المال وبذله من دون ملاحظة الأعواض والأغراض كما نص عليه ابن منظور.
2- الهبة مصدر وهب حذفت الواو وعوض عنها بالتاء ويسمِّي فعله المثال وهو من فعل يفعل مفتوح العين في المضارع كوقع يقع وودع يدع وحذفت فاؤه شذوذاً لأنَّه ليس مكسور العين في المضارع كوعد يعد عدة علىٰ ما هو مقرَّر في علم الصرف(31) وتُرَدّ الواو في المجهول فيقال يوهب ويوقع ويودع وهكذا.
3- إنَّ هذا الفعل من الأفعال المتعدية إلىٰ مفعول ولا يتعدي إلىٰ مفعولين فلا يقال وهبتكه، ومنه قوله تعالىٰ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (الشوري: 49)، أي يعطيهم الإناث والذكور ابتداءً ومن دون مقابل وعوض.
4- الهبة هي المصدر، ويقال لفاعل الهبة واهب ولمن يصدر منه الهبات بكثرة وهاب ووهوب علىٰ وزن قتال وفعول صيغة المبالغة ويقال للشيء الذي وقعت عليه الهبة كالمال والوالد موهوب ولمن أُعطي الهبة موهوب له والجمع هبات.
ب- معنىٰ الهبة في الاصطلاح:
قال في الشرائع: (الهبة، هي العقد المقتضي تمليك العين من غير عوض، تمليكاً منجزاً مجرداً عن القربة)(32).
توضيح مفردات التعريف:
1- (العقد) بمنزلة الجنس يشمل سائر العقود، كعقد البيع والإجارة وغيرها من العقود. وخرج بهذا القيد الفعل الدال علىٰ تمليك العين كنثار العرس وإحضار الطعام بين يدي الضيف والموت المقتضي لتمليك الأعيان بالإرث وحيازة المباحات كالاحتطاب والاحتشاش، فإنَّ جميع هذه الأمور لا تسمي هبة بل إباحة.
2- (المقتضي لتمليك العين) خرج بهذا القيد نحو العارية والإجارة، فإنَّ الأوَّل لا يقتضي تمليكاً مطلقاً، والثاني يقتضي تمليك المنفعة وكذا الصلح بلا عوض.
3- (من غير عوض) خرج بهذا القيد نحو البيع والصلح الواقع علىٰ الأعيان بعوض.
4- (منجزاً) خرج بهذا القيد الوصية بالأعيان، فإنَّ ملكها يتوقَّف علىٰ الموت.
5- (مجرداً عن القربة) يخرج بهذا القيد الصدقة، فإنَّ الصدقة مشروطة بالقربة(33).
4- الفرق بين الهبة وبقية المصطلحات:
فرق الهبة عن العطية:
إنَّ العطية أعم من الهبة ولذا عنون بعضهم الكتاب المشتمل علىٰ الهبة والوقف والصدقات بكتاب العطايا، وهذا يدل علىٰ أنَّ العطية أعم من الهبة فهي تشمل الهبة والصدقة وغيرها.
قال في المسالك: (والعطية تطلق علىٰ مطلق الإعطاء المتبرع به، فيشمل الوقف والصدقة والهبة والهدية والسكني، ومن ثم أطلق بعض الفقهاء عليها اسم العطايا وعنونها بكتاب، فتكون أعم من الهبة)(34).
فرق الهبة عن النِحلة:
الظاهر أنَّ النحلة كالعطية أعم من الهبة فالنحلة معناها مطلق العطاء المتبرع به كالوقف والصدقة قال في المسالك: (والنحلة في معناها [أي في معنىٰ العطية]، فيكون إطلاقها [أي النحلة] علىٰ الهبة كالطلاق الجنس علىٰ النوع)(35) وبه قال في الجواهر(36).
فرق الهبة عن الهدية:
يستفاد من كلمات اللغويين والفقهاء أنَّ الهبة أعم من الهدية فالهبة هي التمليك من دون عوض سواء كان ذلك لأجل إعظام الشخص وإكرامه وتوقيره والتودُّد والتقرُّب إليه ومواصلته أو لا لأجل ذلك. وأمَّا الهدية فتختص بتمليك الشخص لأجل إعظامه وإكرامه وتوقيره والتودُّد إليه ومواصلة فحسب، وعلىٰ هذا فالهبة أعم من الهدية فكل هدية هبة ولا عكس.
قال العسكري في الفروق اللغوية: (الفرق بين الهدية والهبة: وإن كانت ضرباً من الهبة، إلَّا أنَّها مقرونة بما يشعر إعظام المُهدي إليه وتوقيره، بخلاف الهبة)(37).
وذكر السيد اليزدي في العروة: (وكذا الهدية إذ لوحظ فيها إرسال شيء إلىٰ شخص بقصد الإكرام والإعظام)(38).
وقال السيد الروحاني: (الهدية: هو التمليك في مقام إظهار المودَّة والإخلاص والحنان، كهدايا الأعراس والمناسبات الخاصة كالسفار وزيارة المشاهد المشرفة ونحوهما… والهبة ما لم تكن كذلك)(39).
فرق الهبة عن الجائزة:
الفرق بين الهبة والجائزة هو أنَّ الهبة هي تمليك المال من دون عوض ومن دون ملاحظة أي عنوان من العناوين بخلاف الجائزة فهي تمليك المال كذلك مع قيد المكافئة والتشجيع علىٰ العمل. فالهبة أعم من الجائزة.
قال السيد اليزدي: (وكذا الجائزة إذ هي الإعطاء من سلطان أو وال أو نحوهما بلحاظ خصوصية في المجاز من عمل أو صفة).
وقال السيد الروحاني: (والجائزة: هو التمليك في مقام التشجيع علىٰ عمل صدر من المملّك أو صفة جميلة بدت فيه، فهي أشبه بالجعالة والالتزام فيها بينه وبين نفسه علىٰ مقابلة العمل بالمال. والهبة: ما لم تكن كذلك)(40).
فرق الهبة عن الصدقة:
إنَّ الهبة غير مشروطة بالقربة لا بمعنىٰ أنَّها مشروطة بعدم القربة بل أنَّ القربة ليست لازمة فيها وهذا بخلاف الصدقة فإنَّها مشروطة بالقربة ولا تتحقَّق من دون القربة. وهذا معناه أنَّ الهبة أعم من الصدقة فكل صدقة هبة ولا عكس، لأنَّ الهبة قد تتحقَّق مع القربة وبدونها والصدقة لا تتحقَّق إلَّا بالقربة.
قال في المسالك: [وخرج] بقوله: (مجرداً عن القربة) الصدقة، فإنَّها مشروطة بها كما سلف)(41).
فرق الهبة عن الوصية:
إنَّ الهبة هي تمليك مال لشخص وهذا التمليك غير متوقّف علىٰ شيء بخلاف الوصية فإنَّ التمليك فيها موقوف علىٰ تحقُّق الموت، ولذا أضاف المحقِّق الحلِّي لتعريف الهبة قيد التنجيز حيث قال: (منجزاً) وإنَّما قال منجزاً كي يخرج الوصية فإنَّ التمليك فيها موقوف علىٰ تحقُّق الموت قال في المسالك تعليقاً علىٰ عبارة المحقِّق الحلي: ([وخرج] بقوله: (منجزاً) الوصية بالأعيان، فإنَّ ملكها يتوقَّف علىٰ الموت)(42).
5- حكم الهبة من حيث الرجوع والاكتساب:
إنَّما طرحت هذا البحث لارتباطه المباشر بمسألة وجوب الخمس في الهبة حيث إنَّه ربما يقال إنَّه مع جواز الرجوع في الهبة كيف يتصوَّر وجوب الخمس فيها حيث إنَّ العقد متزلزل ويجوز للواهب الرجوع متىٰ شاء فكيف يتعلَّق الخمس بشيء لم تستقر ملكيته؟ وإذا لم تعد الهبة اكتساباً فقد يستدل علىٰ عدم وجوب الخمس فيها من يقول بأنَّ المراد بالغنيمة هي الفائدة المكتسبة. وعليه لابدَّ من بحث هذين الأمرين جواز الرجوع في الهبة وهل هي اكتساب أو لا.
الهبة من الناحية الفقهية:
وأمَّا حكم الهبة فقيهاً فقد ذهب الفقهاء من القدماء والمتأخرين إلىٰ أنَّ الهبة علىٰ قسمين:
1- الهبة التي لا يجوز الرجوع فيها:
وهي الهبة المعوضة والهبة المستهلكة أو التالفة والهبة المقبوضة لذي رحم والهبة إذا قصد بها الثواب.
2- الهبة التي يجوز الرجوع فيها:
وهي الهبة لأجنبي مع بقاء العين وعدم تلفها والهبة غير المقبوضة سواء كانت لذي رحم أو أجنبي.
قال الشيخ المفيد في المقنعة: (والهبة علىٰ ضربين: أحدهما ماض لا رجوع فيه، وهو الهبة لذي الرحم إذا كان مقبوضاً. والضرب الآخر الهبة للأجنبي، وهو علىٰ ضربين: أحدهما: أن تكون هبة لم يتعوض الواهب من الموهوب بها شيئاً، فله الرجوع فيه ما كانت عينه قائمة. والآخر: أن يتعوَّض الواهب من الموهوب عنه، فليس له رجوع فيه(43).
وقال المحقِّق في الشرائع: (وإذا قبضت الهبة فإن كانت الأبوين، لم يكن للواهب الرجوع إجماعاً. وكذا إن كان ذا رحم غيرهما، وفيه خلاف. وإن كان أجنبياً فله الرجوع ما دامت العين باقية، فإن تلفت فلا رجوع. وكذا إن عوض عنها ولو كان العوض يسيراً)(44).
وقال السيد الخوئي في المنهاج: (ليس للواهب الرجوع بعد الإقباض إن كانت لذي رحم أو بعد التلف أو مع التعويض)(45).
حكم الهبة من حيث الاكتساب:
وقع الخلاف بين الفقهاء هل أنَّ الهبة تعدّ اكتساباً أم لا، علىٰ قولين:
القول الأوَّل: أنَّها لا تعدّ اكتساباً.
ذهب العلامة إلىٰ أنَّها ليست اكتساباً حيث قال: (وقيل هي نوع اكتساب فيدخل تحت الغنيمة وأجيب بمنع المقدمة الأولىٰ)(46)، وتبع العلامةَ جملة من الفقهاء المتأخرين.
القول الثاني: إنَّ الهبة نوع اكتساب:
ذهب الشهيد الأوَّل والثاني في اللمعة وشرحها أنَّ الهبة تحتاج إلىٰ القبول وقبول الهبة نوع من الاكتساب، ولذا يجب قبولها حيث يجب الاكتساب كالنفقة الواجبة ولا يجب قبولها حيث لا يجب كما في الحج حيث لا يجب الاكتساب للحج فلا يجب قبول الهبة للحج(47).
والظاهر أنَّ جملة من الفقهاء المتأخِّرين(48) اختاروا هذا القول وبنوا عليه فيعدون الهبة نوع اكتساب فتدخل تحت عموم الاغتنام فيجب الخمس فيها وإن كان بعضهم يوجب الخمس فيها لا من جهة كون الهبة اكتساباً، بل من باب مطلق الفائدة كالسيد الخوئي(49).
والظاهر أنَّ الأقرب للصواب هو القول الثاني، أي أنَّ قبول الهبة نوع اكتساب والشاهد علىٰ ذلك هو العرف والمتفاهم العرفي حيث إنَّ العرف يقول لمن قبل الهبة أنَّه اكتسب مالاً.
المحور الثاني: أقوال الفقهاء حول الخمس في الهبة والأدلة عليه:
يقع الكلام في هذا المحور في جهتين:
الجهة الأولىٰ: نتكلَّم فيها عن وجوب الخمس في الهبة واستعراض الفقهاء القائلين بوجوب الخمس فيها وذكر الأدلة وما يمكن المناقشة فيها:
الجهة الثانية: نتكلَّم فيها حول عدم وجوب الخمس في الهبة واستعراض الفقهاء القائلين بذلك وذكر أدلتهم ومناقشتها.
فنقول:
1- وجوب الخمس في الهبة والدليل عليه:
ذهب جماعة من الفقهاء إلىٰ وجوب الخمس في الهبة وهم كالتالي:
أ- أبو الصلاح الحلبي حيث قال: (وما فضل عن مؤنة الحول علىٰ الاقتصاد من كل مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة)(50).
ب- المحقِّق الحلِّي حيث قال: (وقال أبو الصلاح الحلبي: الميراث والهدية والهبة فيه الخمس. وأنكر قوله بعض المتأخِّرين. وأطبق الجمهور علىٰ إنكار ذلك كلّه. لنا قوله تعالىٰ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] والغنيمة اسم للفائدة وكما يتناول هذا اللفظ غنيمة دار الحرب بإطلاقه يتناول غيرها من الفوائد، ويدل علىٰ ذلك من طريق أهل البيت (عليهم السلام) روايات)(51).
ج- والشهيد الأوَّل في اللمعة حيث قال: (وأوجبه أبو الصلاح في الميراث والصدقة والهبة وأنكره ابن إدريس والأوَّل حسن).
د- والشهيد الثاني في الروضة: معلِّلاً الحكم بقوله: (لظهور كونها غنيمة بالمعني الأعم)(52).
هـ- وصاحب الحدائق: حيث قال: (وبالجملة فإنَّه متىٰ فسَّرت آية الغنيمة بما هو أعم من غنيمة دار الحرب كما عرفته من الأخبار فإنَّ هذه الأشياء تدخل فيها البتة… وبه يظهر قوة القول المذكور)(53).
و- الشيخ الأنصاري: في كتابه الخمس: (إلَّا أنَّ الإنصاف أنَّ القول بالوجوب لا يخلو عن قوة)(54)، وقال في موضع آخر: (فالوجوب لا يخلو عن قوة، وفاقاً للمحكي عن الحلبي).
ز- السيد اليزدي في العروة: (بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية… بل لا يخلو عن قوة)(55).
ح- السيد الحكيم في المستمسك حيث وافق صاحب العروة علىٰ ذلك بقوله: (فإذا ما ذكره في المتن، في محلِّه، أخذا بظاهر النصوص عموماً وخصوصاً)(56).
ط- السيد الخوئي: بل الأحوط الأقوىٰ تعلقه بكلِّ فائدة مملوكة له كالهبة والهدية(57).
ي- السيد السيستاني: بل الأحوط الأقوىٰ تعلقه بكلِّ فائدة مملوكة له كالهبة والهدية(58).
ك- السيد سعيد الحكيم: (بل جميع الفوائد حتَّىٰ مثل الهبة)(59).
ل- السيد محمد صادق الروحاني: (بل الأحوط الأقوىٰ تعلّقه بكلِّ فائدة مملوكة له كالهبة والهدية)(60).
م- الشيخ إسحاق الفياض: (والأقوىٰ تعلقه بكلِّ فائدة مملوكة له كالهبة والهدية)(61).
الدليل الأوَّل: الاستدلال بالآية الكريمة:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبىٰ وَالْيَتامىٰ وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: 41).
ويمكن أن يستدل بها بتقريبين:
التقريب الأوَّل:
إنَّ الغنيمة لغة وعرفاً هي الفائدة المكتسبة -وإن كان هذا خلاف التحقيق لما تقدَّم من أنَّ الغنيمة هي مطلق الفائدة- وحيث إنَّ الحصول علىٰ الهبة وقبولها نوع من الاكتساب فهي فائدة مكتسبة عرفاً، وعليه فيشملها عموم الآية الكريمة فيجب الخمس في الهبة بمقتضىٰ الآية الكريمة.
التقريب الثاني:
لو سلَّمنا أنَّ الهبة ليست فائدة مكتسبة وقبول الهبة لا يعد اكتساباً عرفاً، لكن مع ذلك أنَّ الغنيمة معناها مطلق الفائدة سواء كانت مكتسبة أو غير مكتسبة كما تقدَّم تحقيق ذلك في الفصل الأوَّل، وعليه فيشملها عموم الآية الكريمة حيث إنَّ الغنيمة هي مطلق الفائدة والهبة يصدق عليها مطلق الفائدة فيجب فيها الخمس بمقتضىٰ الآية الكريمة.
مناقشة الاستدلال بالآية:
يرد علىٰ التقريبين معاً: أنَّ الآية الكريمة واردة في غزوة بدر فيكون المراد من الغنيمة في الآية هي الغنيمة الخاصة أي غنيمة دار الحرب فالغنيمة وإن كانت بمعناها اللغوية تشمل الهبة إلَّا أنَّ الآية لما وردت في قضية بدر فيكون المراد من الغنيمة هي خصوص غنيمة دار الحرب، فالآية لا عموم فيها كي يستدل بعمومها علىٰ وجوب الخمس في الهبة.
وهذا الإشكال يرجع في روحه إلىٰ أنَّ الخطاب في الآية وإن كان مطلقاً إلَّا أنَّه حيث كان متوجّهاً إلىٰ واقعة معيَّنة وهي وقعة بدر فلا محالة ينصرف الخطاب إلىٰ تلك الواقعة، وبعبارة أخرىٰ يكون المورد مخصصاً للوارد.
وقبل الإجابة علىٰ هذا الإشكال نجد أنَّه من اللازم والضروري دراسة قاعدة المورد لا يخصص الوارد لنرىٰ هل أنَّ هذه القاعدة تنطبق علىٰ الآية الكريمة بحيث يصلح الجواب بهذه القاعدة عن الإشكال المتقدّم ويقال مثلاً: إنَّ المورد لا يخصص الوارد أو لا؟ فنقول:
دراسة قاعدة المورد لا يخصص الوارد.
إذا جاءت كلمة الغنيمة في مورد خاص أو حادثة معيَّنة، فهل تخرج هذه الكلمة عن معناها الواسع وتختص بالمورد أو أنَّها تبقىٰ علىٰ معناها الواسع والمورد لا يخصص الوارد كما هو المعروف وعليه فلابدَّ من تحقيق هذه القاعدة لما لها من العلاقة في معنىٰ الغنيمة في الآية الكريمة.
والمقصود من الوارد أي الدليل الصادر عن الشارع ومعنىٰ المورد أي القضية أو الواقعة أو المسألة التي صدر بسببها الدليل.
أمَّا المورد فهو علىٰ قسمين:
1- أن يكون قضية مسؤول عنها كما لو قال السائل: هل الخمر حرام؟ فيجاب كل مسكر حرام.
2- أن يكون قضية أو حادثة تكون سبباً لإصدار الشارع حكماً معيَّناً، كوقعة بدر مثلاً التي كانت سبباً لإصدار وجوب الخمس في الغنائم في قوله تعالىٰ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنفال: 41).
والدليل والوارد أي الصادر من الشارع علىٰ أقسام:
1- أن يكون الدليل الوارد عاماً أي فيه أحد أدوات العموم كما لو قال السائل: هل الخمر حرام؟ فيجاب: كل مسكر حرام، أو يقال: هل يجب الخمس في أرباح المكاسب؟ فيجاب: يجب الخمس في الغنيمة.
2- أن يكون الدليل الوارد مطلقاً كما لو سأل سائل: هل يجب إكرام المفيد؟ فأجاب المولىٰ: يجب إكرام العالم. أو قال: هل يجب الخمس في أرباح المكاسب؟ فأجاب المولىٰ: يجب الخمس في الغنيمة.
3- أن يكون الدليل الوارد مبهماً كما لو كان موصولاً مثل (ما) كما لو سأل سائل: هل يحرم شرب الخمر؟ فأجاب: يحرم شرب كل ما هو مسكر. وكذلك كما لو قال: هل يجب الخمس في أرباح المكاسب؟ فأجاب: الخمس في ما غنمت.
وحينئذٍ لابدَّ من بحث هذه الأقسام الثلاثة للدليل الوارد كي نرىٰ في أي قسم منها يكون المورد مخصصاً للوارد وفي أي قسم منها لا يكون المورد مخصصاً للوارد؟ فنقول:
أمَّا القسم الأوَّل من أقسام الدليل الوارد وهو: ما إذا كان الدليل عاماً فلا يخصص المورد سواء كان المورد أمراً لفظياً أو حادثة فمثلاً حينما يقال هل الخمر حرام ويجاب كل مسكر حرام، فهذا لا يعني أنَّ العام كل مسكر حرام يختص بالمورد وهو الخمر، بل يبقىٰ العام علىٰ عمومه لأنَّ المورد لا يصلح قرينة لتخصيص العام، بل يبقىٰ العام علىٰ عمومه وهو أنَّ كل مسكر حرام سواء كان خمراً أو غير خمر.
وهذا واضح لا غبار عليه وكثيراً ما يستدل الفقهاء علىٰ الشمول بقولهم إنَّ المورد لا يخصص الوارد وهذا القسم من أوضح مصاديق هذه القاعدة، قال السيد الحائري: (إنَّ الوارد إن كان عاماً فلا إشكال في أنَّ المورد لا خصصه)(62).
وأمَّا القسم الثاني من أقسام الدليل الوارد وهو: ما إذا كان مطلقاً كما لو قال: هل أكرم المفيد؟ فقال: أكرم العالم، فذهب المشهور إلىٰ أنَّ المورد في هذا القسم لا يخصص الوارد وكثيراً ما يستفيدون الإطلاق ويحتجون بأنَّ المورد لا يخصِّص الوارد، وممن استدل بذلك علىٰ الشمول هو الشيخ صاحب الجواهر في باب أنَّه يستحب الفداء عند ترك صيام ثلاثة أيَّام من كل شهر سواء كان عن عجز أو لا.
فإنَّه جاء في الرواية: (سألته عمن لم يصم الثلاثة الأيام من كل شهر وهو يشتد عليه الصيام، هل فيه فداء؟ قال: «مد من طعام في كل يوم»)(63)، فإنَّ المورد هو ترك الصيام لأجل المشقة ولكن الإمام أجاب باستحباب التصدُّق مطلقاً سواء كان ترك الصيام لأجل المشقة أو لا.
فهنا تمسَّك صاحب الجواهر بالإطلاق لإثبات استحباب التصدق عند ترك الصيام مطلقاً سواء كان لأجل العجز أو لا وقال: إنَّ المورد لا يخصص الوارد(64).
ومن هذا القبيل ما استدل به السيد الحكيم في المستمسك علىٰ شمول عدم جواز بيع الولد إذا كان أحد أبويه حراً لمن كان مولوداً بوطء الشبهة، فحيث إنَّ مورد الرواية التزويج، ولكن الإمام أطلق في الجواب وقال: ليس يسترق الولد إذا كان أحد أبويه حراً من دون أن يقيد بأن الولد عن وطء شبهة أو تزويج.
قال السيد الحكيم في المستمسك:
(فإنَّه ظاهر في عموم الولد للولد عن شبهة، ومورده وإن كان التزويج لكن المورد لا يخصص الوارد)(65).
وقال الشهيد الصدر: (إنَّ هذا [أي المورد لا يخصص الوارد] إنَّما يتم حينما يكون الوارد تام الإطلاق في المورد عندئذٍ لا يخصصه كما لو سئل عن إكرام الشيخ المفيد فأجاب إكرام العالم)(66).
وهذا القسم هو من هذا القبيل أي يكون الوارد تام الإطلاق فيه.
ولكن السيد الحائري لم يقبل هذا الكلام علىٰ إطلاقه: وقال ما محصله:
إنَّ استفادة الإطلاق في دليل الوارد علىٰ نحوين:
1- أن تكون من مقدمات الحكمة فحسب وفي هذه الحالة يكون المورد مخصصاً للوارد وهو يصلح قرينة لصرف الإطلاق عن إطلاقه.
2- أن تكون من مقدمات الحكمة ووجود قرينة عرفية ترفع صلاحية المورد لتخصيص الوارد وحينئذٍ لا يكون المورد مخصصاً للوارد وهذه القرينة العرفية الإضافية هي عبارة عن أنَّ المجيب كان يمكنه أن يقتصر في الواجب ويقول: (نعم أكرمه) ولكنَّه حيث عدل عن هذا الجواب إذن فهو يريد الشمول والاستيعاب وهذه قرينة إضافية تنفي صلاحية المورد عن تخصيصه للوارد ويتم الإطلاق(67).
ويلاحظ ما أفاده السيد الحائري:
إنَّ القرينة التي ذكرها السيد الحائري لا تخرج عن مقدمات الحكمة لأنَّ من مقدمات الحكمة أنَّه لو أراد القيد لذكره وحيث لم يذكر القيد إذن لا يريده، وهذه القرينة التي ذكرها لا تخرج عن هذا الكلام فإنَّنا أيضاً نقول لو أراد خصوص المورد لاقتصر في الجواب عليه، وحيث لم يقتصر في الجواب عليه فلا خصوصية للمورد، فيتم الإطلاق بقرينة الحكمة.
والنتيجة: أنَّه إذا كان الدليل الوارد مطلقاً فالمورد لا يخصّصه، وذلك لأنَّه بعد جريان مقدمات الحكمة في الدليل الوارد وإثبات الإطلاق فالمورد لا يصلح قرينة لصرف إطلاق الوارد، لأنَّ المجيب لو كان يريد خصوص المورد فحسب لبيَّن ذلك وحيث لم يبين فلا خصوصية للمورد، وعليه فإنَّ القسم الثاني من الدليل والوارد أيضاً لا يخصصه المورد.
القسم الثالث:
أن يكون مبهماً كما لو كان الدليل الوارد كلمة (ما) الموصولة المبهمة فيكون الوارد بمنزلة المشترك اللفظي، مثلاً لو كان الحديث حول الرمان فقال الآخر (إنِّي أحب ما هو أكبر) فالمورد هو الرمان والوارد أحب ما هو أكبر. وكما لو قال: هل يجب الخمس في أرباح المكاسب فقال: (يجب الخمس في ما غنمت).
والمشهور أنَّه لا يمكن التمسُّك بإطلاق الوارد وذلك:
لقصور (ما) عن إفادتها الإطلاق فهي مجملة من قبيل المشترك اللفظي فيعينه المورد فيكون مراد المتكلم أنَّه يحب ما هو أكبر من الرمان ومراد المتكلم في المثال الثاني يجب الخمس في ما غنمت من أرباح المكاسب وأمَّا الإطلاق فلا يمكن أن يستفاد في الدليل الوارد لأنَّ المورد لا يخصص الوارد فيما إذا كان الوارد تام العموم أو الإطلاق وأمَّا إذا لم يكن تام العموم أو الإطلاق، فيكون المورد قرينة صارفة للعموم أو الإطلاق، وحينئذٍ فيكون المورد مخصصاً للوارد في هذا القسم.
قال الشهيد الصدر: علىٰ ما في التقريرات:
(ولكن الوارد في المقام لا إطلاق له، لأنَّ ما الموصولة بمرونتها وإهمالها اللغوي يكون حالها حال المشترك اللفظي فيكون استعمالها في المقيد بأن يقصد المقيد من حاق لفظها حقيقة وليس مجازاً كـ(ما) غاية الأمر أنَّه يحتاج إلىٰ القرينة كما يحتاج المشترك إلىٰ القرينة ويكفي المورد قرينة علىٰ المراد من الوارد الذي هو بمنزلة المشترك اللفظي)(68).
وأورد الشهيد الصدر عليه:
إنَّ الإبهام في الدليل الوارد في (ما) المبهمة بالنسبة إلىٰ الصلة فحسب فالصلة مهملة ومجملة وأمَّا بالنسبة إلىٰ المورد فهي غير مبهمة، بل مطلقة من ناحيته فيبقىٰ إطلاقها يشمل غير المورد، وحينئذٍ المورد لا يخصص كلمة (ما) بل تبقىٰ مطلقة بالنسبة اليه، نعم هي مهملة بالنسبة إلىٰ الصلة.
قال الشهيد الصدر علىٰ ما في التقريرات والظاهر أنَّه ذكر خارج الدرس كما قال المقرِّر:
(إلَّا أنَّ هذا الكلام يمكن النظر فيه بمنع الموصول بالنسبة للمورد بدعوىٰ أنَّ مرونته إنَّما هي من ناحية الصلة لا غيرها)(69).
علىٰ سبيل المثال: قوله تعالىٰ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فكلمة (ما) بالنسبة إلىٰ كلمة غنمتم مهملة ومبهمة فلا يستفاد الإطلاق ولا التقييد، بل تبقي القضية مهملة حتَّىٰ تأتي القرينة الصارفة أمَّا التقييد أو الإطلاق. وأمَّا بالنسبة إلىٰ المورد وهي وقعة بدر فهي غير مهملة، بل مطلقة من ناحيتها.
استنتاج وتلخيص:
والتحقيق: أنَّ المورد الذي يطرح في السؤال أو الحادثة التي هي شأن النزول تارة يكون أحد أفراد مدخول (ما) أي أفراد المتعلّق صلة الموصول وأخرىٰ يكون سبباً لتلك الأفراد، فإن كان أحد أفراد مدخول (ما) الذي هو الصلة فالمورد يخصص الوارد لأنَّ (ما) بالنسبة إلىٰ الصلة مجملة لا إطلاق فيها، وحيث كانت مجملة فيكون المورد قرينة صارفة ومعينة للمراد من الإجمال الموجود فيها، إلَّا أن يأتي بكلام يدل علىٰ الإطلاق والشمول بحيث ينفي انصراف الإطلاق إلىٰ المورد فينعقد الإطلاق.
وأمَّا إذا كان المورد عبارة عن سبب تلك الأفراد فالمورد لا يخصص الوارد، وذلك لأنَّ السبب ليس من أفراد الصلة و(ما) مجملة بلحاظ الصلة وهي غير مجملة، بل مطلقة بلحاظ غير الصلة الذي هو السبب فإن أراد خصوص السبب لكان من اللازم أن يقيد وحيث لم يقيد فيستفاد الإطلاق بلحاظ السبب.
ولأجل أن تتَّضح هذه الفكرة نطبقها علىٰ المثال التالي:
لو قتل زيد كافراً حربياً وأخذ سيفه بإذن الإمام وبين يديه، فقال للإمام: هل يجب الخمس في هذا السيف؟ فأجاب الإمام: «يجب الخمس فيما غنمت»، فهنا يوجد في السؤال أمران: الأوَّل سبب الغنيمة وهو قتل الكافر الحربي الثاني: أحد أفراد الغنيمة وهو السيف وأجاب: (يجب الخمس فيما غنمت) وحيث إن سبب الغنيمة ليس من أفراد الصلة فـ(ما) تكون مطلقة بالنسبة إليه أي: أنَّ المورد لا يخصص الوارد فيجب الخمس سواء حصل علىٰ السيف بقتل الكافر أو حصل عليه بالتجارة والصناعة أو بأي سبب آخر، وأمَّا السيف حيث إنَّه من أفراد الصلة والمفروض أنَّ كلمة (ما) مجملة بلحاظ الصلة فالمورد يخصص الوارد فيكون المراد من الجواب: (يجب الخمس فيما غنمت أي: السيف لا غير)، إلَّا أن ينصب قرينة علىٰ عدم إرادة السيف فحينئذٍ يشمل جميع الغنائم غير السيف كان يقول الإمام: (إنَّما غنمت من شيء فيجب فيه الخمس)، فإنَّ كلمة (من شيء) تدل علىٰ عدم إرادة خصوص السيف.
وهذا هو الصحيح المطابق للمتفاهم العرفي فإنَّ الإبهام في (ما) من جهة الصلة فإن كان المورد أحد أفراد الصلة فهو يخصص الوارد وإلَّا فالمورد لا يخصص الوارد والحمد لله.
فتلخص من جميع ما تقدَّم:
إنَّ الوارد إن كان عاماً أو مطلقاً وكان العموم أو الإطلاق منعقداً وتاماً فالمورد لا يخصص الوارد، وهذان هما القسم الأوَّل والثاني من الدليل الوارد، وأمَّا إن كان الدليل الوارد مجملاً كما لو كان فيه كلمة (ما) الموصولة فالتحقيق في ذلك هو أنَّه إن كان المورد من أفراد الصلة فهو يخصص الوارد وأمَّا إن لم يكن من أفراد الصلة كما لو كان سبباً لتلك الأفراد فكلمة (ما) مطلقة بلحاظه والمورد لا يخصص الوارد.
إذا عرفت هذا فنرجع إلىٰ الجواب عن الإشكال الذي أورد علىٰ الاستدلال بالآية:
الجواب علىٰ مناقشة الاستدلال بالآية:
قد يقال في مقام الجواب:
إنَّه لا توجد قرينة علىٰ انصراف الغنيمة إلىٰ غنيمة دار الحرب بل الآية مطلقة تشمل جميع أفراد الغنيمة ونزول الآية في حادثة من الحوادث لا يوجب اختصاصها بتلك الحادثة والمورد لا يخصص الوارد كما نصَّ عليه الأصوليون.
ويرد علىٰ ما تقدَّم في توضيح القاعدة:
من أنَّ الوارد علىٰ أقسام تارة يكون عاماً وأخرىٰ مطلقاً وثالثة مجملاً والوارد في الآية الكريمة من القسم الثالث أي المجمل باعتبار وجود ما المبهمة في الآية ﴿ما غَنِمْتُمْ﴾ والمورد لا يخصص الوارد بالنسبة إلىٰ العام والمطلق دون المجمل، وعليه فقد يقال بانصراف الغنيمة إلىٰ غنائم دار الحرب وأنَّ المورد يخصص الوارد في الآية الكريمة.
والجواب عليه هو ما تقدَّم تحقيقه:
إنَّ المورد لا يخصص الوارد حتَّىٰ فيما إذا كان الوارد مجملاً وذلك لأنَّ ما مجملة بالنسبة إلىٰ صلتها وأمَّا المورد فهي مطلقة بلحاظه لا مجملة فالإجمال فيها من جهة الصلة لا من جهة المورد، وهذا ما يؤيِّده التبادر والمتفاهم العرفي لهذا التعبير علىٰ ما عرفت في الفصل الأوَّل، وبناءً علىٰ هذا فالوارد في الآية لا يخصصه المورد ويترتَّب عليه أنَّ الغنيمة في الآية غير منصرفة إلىٰ غنائم دار الحرب، بل هي مطلقة تشمل جميع أنواع الفوائد سواء كانت مكتسبة أو غير مكتسبة فتدخل الهبة تحت عموم الآية الكريمة علىٰ كلِّ حال.
الدليل الثاني: الاستدلال بالروايات الدالة علىٰ وجوب الخمس في الهبة:
إنَّ الروايات التي يمكن أن يستدل بها علىٰ وجوب الخمس في الهبة كثيرة إلَّا أنَّ أغلبها ضعيفة السند وسنقتصر علىٰ الروايات الصحيحة منها وهي ثلاثة:
الرواية الأولىٰ: صحيحة ابن مهزيار الطويلة:
محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد وعبد الله بن محمد جميعاً، عن علي بن مهزيار: (… والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان…)(70).
حيث عد من جملة الغنائم والفوائد الجائزة والهبة بحكم الجائزة.
الرواية الثانية: موثقة سماعة:
محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس؟ فقال: «في كلِّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»)(71).
تقريب الاستدلال:
إنَّ كلمة (أفاد) تدل علىٰ حصول مطلق الفائدة فالخمس في كلِّ ما يصدق عليه الفائدة ولا شكَّ في أنَّ الهبة يصدق عليها الفائدة وحينئذٍ تدل هذه الرواية بعمومها علىٰ وجوب الخمس في الهبة.
ويرد عليه: أنَّ كلمة أفاد بمعني استفاد، ولذا فإنَّ كلمة الناس فاعل وقوله من قليل أو كثير بمنزلة المفعول به فيكون المقصود كل ما استفاد الناس بالكسب من قليل أو كثير. وحينئذٍ فلا تدل الرواية علىٰ وجوب الخمس في الهبة باعتبار لا تعد كسباً.
والجواب:
أوَّلاً: أنَّه لا توجد قرينة علىٰ أنَّ المراد هو الحصول علىٰ المال بالكسب والطلب بل أنَّ كلمة أفاد مطلقة تشمل ما يفيد الناس عن طريق الكسب والتجارة أو من دون الكسب كالهبة ونمنع كون (أفاد) بمعنىٰ (استفاد).
وثانياً: لو سلَّمنا أنَّ كلمة أفاد بمعنىٰ استفاد أي الحصول علىٰ المال عن طريق الكسب والطلب مع ذلك تدخل الهبة تحت عموم الرواية فإنَّ قبول الهبة نوع من الاكتساب والاستفادة أيضاً كما تقدَّم في الفصل الأوَّل.
الرواية الثالثة: رواية ابن إدريس في السرائر:
محمد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلاً من كتاب محمد بن علي بن محبوب: عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (… كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام): «الخمس في ذلك»)(72).
ولابدَّ من بحث الرواية سنداً ودلالة:
1- أمَّا سند الرواية:
يمكن أن يستشكل في سند الرواية من جهة ابن هلال حيث إنَّه كان فاسد المذهب(73).
والجواب عليه ما ذكر السيد الخوئي:
(ولكن الظاهر أنَّه ثقة في نقله وإن كان فاسداً في عقيدته حيث توقَّف علىٰ أبي جعفر ولم يقبل نيابته عن الإمام لأنَّه كان يرىٰ نفسه أحق بالنيابة إذ لا ينافي ذلك ما نص عليه النجاشي من كونه صالح الرواية كما لا يخفي)(74).
وعليه فمع نص النجاشي عليه بأنَّه صالح الرواية وكذلك اعتماد الغضائري عليه فيما يرويه عن الحسن بن محبوب مع تشدده لا يبقىٰ مجال للتشكيك في وثاقته، وإن كان فاسد المذهب.
2- وأمَّا دلالة الرواية:
فهي واضحة الدلالة علىٰ وجوب الخمس في الهبة حيث إنَّ مورد السؤال هو الهدية.
ويرد علىٰ دلالة الرواية ما ذكره السيد البروجردي:
من أنَّه يستفاد من الرواية أنَّ الخمس ينحصر في الهبة لأنَّ قوله: «الخمس في ذلك» يفيد الحصر مع أنَّه لا قائل بانحصار الخمس في الهبة، وهذا إن دلَّ علىٰ شيء فإنَّه يدل علىٰ وهن الرواية(75).
والجواب عليه:
أوَّلاً: لو سلَّمنا وجود الحصر في الرواية فالمراد منه انحصار حق الخمس في الهبة دون غير الخمس من الزكاة والصدقات فيكون مراد الإمام أنَّ الخمس فقط في الهبة دون غيره(76).
وثانياً: أنَّ السائل قال: هل عليه الخمس فيها؟ وأجاب الإمام: «الخمس في ذلك» بنية تكرار تلك الجملة أي عليه الخمس في ذلك(77).
وهناك روايات أخرىٰ لم نذكرها اختصاراً تدل علىٰ وجوب الخمس في الهدية، إلَّا أنَّها ضعيفة من حيث السند، ولكنها تصلح أن تكون مؤيِّدة لهذه الروايات.
الدليل الثالث: الاستدلال بقياس الأولوية:
إذا كان الخمس واجباً في التجارة والصناعة والإجارة التي تحتاج إلىٰ السعي والطلب والجهد من الإنسان فالخمس في الهبة التي لا تحتاج إلىٰ السعي والطلب والجهد يكون واجباً بطريق أولي.
ووجه الأولوية: أنَّ الفائدة التي يحصل عليه الإنسان بالكسب والسعي والجهد أقرب لأن يوجب الشارع فيها الخمس إرفاقاً له باعتبار أنَّ الإنسان يحصل عليها بكدِّه وتعبه لكن مع ذلك أوجب الشارع فيها الخمس وأمَّا الفائدة التي تأتي الإنسان من دون جهد ولا سعي يكون إيجاب الخمس فيها واضح(78).
ويرد عليه: أنَّ هذا الكلام يستلزم القول بوجوب الخمس في الميراث مطلقاً سواء كان محتسباً أو لم يكن محتسباً والحال أنَّه لا يلتزم بذلك حتَّىٰ من يقول بوجوب الخمس في الهبة.
والجواب: أنَّ الميراث خرج لأجل النص أو لأجل عدم صدق الفائدة فيه أصلاً فلا تصل النوبة إلىٰ البحث حول أنَّه فائدة مكتسبة أو غير مكتسبة. وعليه فالأولوية ثابتة.
تلخيص واستنتاج:
لو تأمَّلنا هذه الأدلة الثلاثة التي عمدتها الكتاب والسُنَّة بدقة كقوله تعالىٰ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ…﴾، وقوله (عليه السلام): «أو الجائزة من الإنسان للإنسان»، و«كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» وكقوله: في الرجل يهدي إليه هدية فكتب: «الخمس في ذلك»، وأضفنا إلىٰ ذلك معنىٰ الغنيمة الذي هو مطلق الفائدة لحصل لنا الوثوق بل الاطمئنان بأنَّ الخمس واجب في كلِّ ما يعد فائدة وإن حصل عليها بدون اكتساب، وهذه الروايات بين الصحيح والموثق فهي تصلح لتعيين المراد من الغنيمة في الآية الكريمة وأنَّ المراد من الغنيمة هو مطلق الفائدة وإن لم يكن عن اكتساب ولا توجد قرينة تدل علىٰ اختصاص الغنيمة بالفائدة المكتسبة لا من الآية ولا من الروايات، فالإنصاف أنَّ الآية دالة بعمومها علىٰ وجوب الخمس في الهبة بالإضافة إلىٰ وجود هذه الروايات المؤيدة للآية والمفسرة لمعنىٰ الغنيمة فيها.
وحينئذٍ يثبت وجوب الخمس في الهبة بالكتاب والسُنَّة.
2- عدم وجوب الخمس في الهبة والدليل عليه:
والقول بعدم وجوب الخمس منسوب إلىٰ مشهور القدماء كما صرَّح بذلك الفقهاء منهم ابن إدريس الحلِّي حيث تقدَّم غير مرة قوله: (ولم يذكره [أي وجوب الخمس في الهبة] أحد من أصحابنا) والمحقِّق الحلِّي بقوله: (وأطبق الجمهور علىٰ إنكار ذلك كله [أي وجوب الخمس في الهبة])(79) ومن الواضح أنَّ الأصحاب لم يصرِّحوا بعدم وجوب الخمس في الهبة وإنَّما لم يتعرَّضوا لهذا الحكم، ولذا قال ابن إدريس: (ولم يذكره أحد من أصحابنا) ولكن هناك جملة من الفقهاء ممن صرَّح بعدم وجوب الخمس في الهبة نذكرهم:
أ- ابن إدريس الحلِّي: (وقال بعض أصحابنا: إن الميراث والهدية، فيه الخمس، ذكر ذلك أبو الصلاح الحلبي، في كتاب الكافي الذي صنَّفه، ولم يذكره أحد من أصحابنا، إلَّا المشار إليه، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً والأصل براءة الذمة)(80).
ب- العلامة الحلِّي: مسألة: (قال أبو الصلاح: يجب الخمس في الميراث والصدقة والهبة، ومنعه ابن إدريس، وهو الأقرب)(81).
ج- الميرزا القمي في غنائم الأيام: (والتحقيق في المسألة إبقاء الآية علىٰ العموم، ولكن ظهورها في الغنيمة المكتسبة أو ترددها بينها وبين مطلق الفائدة يثبطها عن تعميمها لمثل الميراث والهدية والهبة)(82).
د- المحقِّق النراقي: (لا يجب الخمس في الميراث، والصداق، والصدقة، والهبة، ونحوها، علىٰ الحقّ المشهور)(83).
هـ- السيد البروجردي: (فهذه جملة من كلمات القوم وهي كغيرها صريحة في أصل ثبوت الخمس فيما يستفيده الإنسان طول سنته… ولكن في اختصاصها بخصوص أرباح التجارات… التي يصدق الاكتساب حقيقة عليها… أو شمولها لموارد الهبة والعطايا أيضاً… وإن لم يصدق عليها الاكتساب أو شمولها لموارد الانتقال بالميراث أيضاً… وجوها أقواها أوّلها)(84).
و- السيد الإمام الخميني: (ولا ينبغي ترك الاحتياط بإخراج خمس كل فائدة وإن لم يدخل في مسمَّىٰ التكسب، كالهبات والهدايا والجوائز… وإن كان عدم التعليق بغير أرباح ما يدخل في مسمَّىٰ التكسب لا يخلو من قوة)(85).
ز- السيد علي الخامنئي: (لا خمس في الهبة والهدية)(86).
الدليل الأوَّل: قوله تعالىٰ: ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾:
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ (محمد ݕ: 36).
استدل بها ابن إدريس علىٰ عدم وجوب الخمس في الهبة.
ويمكن تقريب الاستدلال بالآية: أنَّ الله تعالىٰ لا يسألكم عن أموالكم لم ينص علىٰ وجوب إنفاق بعضها، فما نصَّ علىٰ وجوب إنفاق بعض الأموال فالله تعالىٰ يسألكم عنه ويحاسبكم علىٰ عدم الإنفاق وأمَّا غير ما نصَّ عليه فلا يسألكم الله عنه.
والجواب: أنَّ هذا الكلام خلاف ظاهر الآية فإنَّ ظاهر الآية الكريمة هو أنَّ الله تعالىٰ لا يسألكم كل أموالكم، بل يسألكم بعضها كالزكاة والخمس كما نصَّ عليه المفسرون(87)، وعليه فلو قلنا بوجوب الخمس في الهبة فيصدق أنَّ الله لم يسألنا أموالنا كلها بل سألنا بعضها.
الدليل الثاني: الاستدلال بالروايات:
1- الرواية الأولىٰ:
بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن علي بن يوسف عن محمد بن سنان، عن عبد الصمد بن بشير، عن حكيم مؤذن بني عيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قلت له: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال: «هي والله الإفادة يوماً بيوم، إلَّا أنَّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا»)(88).
والرواية مجهولة بحكيم مؤذن بني عيس فإنَّه مجهول لم يوثق.
وقد يقال: بأنَّ الرجل مؤذن وكون الرجل مؤذناً مشعراً بالتزامه الديني وفيه أمارة علىٰ وثاقته. والجواب: لا ملازمة بين العدالة والتدين وبين الوثاقة.
وتقريب الاستدلال بها:
إنَّ الإفادة تعني الكسب والتكسُّب وهذا يعني أنَّه لا خمس في الأموال التي ليس فيها الاكتساب كالهدية، حيث يتبادر من كلمة الإفادة الاكتساب، لأنَّ كلمة أفاد المعتدي يراد منه الاكتساب بالمشقة والهبة ليس فيها اكتساب اصلاً، ولو سلَّمنا أنَّها اكتساب فهي اكتساب من غير مشقة.
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ الهبة نوع اكتساب وذلك لاحتياجها إلىٰ القبول.
وثانياً: لو سلَّمنا أنَّها ليست باكتساب مع ذلك تدخل تحت مفهوم الإفادة الذي يشمل مطلق الفائدة.
2- الرواية الثانية:
محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيي، عن محمد بن الحسين، وعن علي بن محمد بن عبد الله، عن سهل بن زياد جميعاً عن علي بن مهزيار، قال: (كتبت إليه: يا سيدي رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال -حين يصير إليه- الخمس، أو علىٰ ما فضل في يده بعد الحج؟ فكتب (عليه السلام): «ليس عليه الخمس»)(89).
دلالة الرواية: أنَّ المال المبذول للحج هو بعنوان الهدية وليس أجرة، وقد سأل الإمام هل فيه الخمس فأجاب ليس فيه الخمس.
والجواب: أنَّ المال هنا ليس بعنوان الهدية وإنَّما بذل لأجل أن يصرف في الحج، فالمال هنا ليس ملكاً لذلك الشخص بل هو مال مبذول لأجل أن يصرف في الحج فلا يتعلَّق به الخمس من جهة أنَّه ليس ملكاً له، فلا يصدق عليه عنوان الهدية كي يتم الاستدلال بالرواية.
الدليل الثالث: ما ذكره ابن إدريس الحلِّي:
إنَّ الفتوىٰ بوجوب الخمس في الهبة خلاف المشهور ولم يذكره إلَّا أبو الصلاح الحلبي ولو كان وجوب الخمس في الهبة صحيحاً لذكرها الفقهاء غير أبي الصلاح كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والشيخ الصدوق، ولكن لم يذكر ذلك أحد من الأصحاب غير أبي الصلاح الحلبي.
وهذا إن دلَّ علىٰ شيء يدل علىٰ أنَّ الأصحاب لا يقولون بوجوب الخمس ولو كانوا يقولون بذلك لتواتر ولنقل عنهم خصوصاً مع أنَّ المسألة ابتلائية.
والجواب: أنَّ عدم ذكر الفقهاء لهذه المسألة يمكن أن يكون لأجل احتمالين:
الأوَّل: أنَّهم لم يتعرضوا لوجوب الخمس في الهبة لأنَّهم لا يقولون بوجوب الخمس فيها.
الثاني: أنَّهم يقولون بوجوب الخمس في الهبة، ومع ذلك لم يذكروه لأنَّهم ليس من شأنهم تعداد المصاديق، بل اكتفوا بقولهم مثلاً جميع ما يستفيد الرجل. وعليه فعدم تعرُّضهم لوجوب الخمس في الهبة لا يعني أنَّهم يقولون بعدم وجوب الخمس في الهبة(90).
الدليل الرابع: أصالة البراءة:
إنَّا نشك هل يجب الخمس في الهبة أو لا، ولا دليل علىٰ وجوب الخمس في الهبة وجميع الأدلة الدالة علىٰ وجوب الخمس في الفائدة ناظرة إلىٰ الفائدة المكتسبة، وعليه فلا دليل علىٰ وجوب الخمس في الهبة التي هي مطلق الفائدة، وليست فائدة مكتسبة وحيث لا دليل فنشك هل يجب الخمس في الهبة أو لا، والأصل البراءة عن وجوب الخمس في الهبة.
والجواب: أنَّ أصالة البراءة إنَّما يركن إليها مع عدم وجود الدليل الاجتهادي علىٰ وجوب الخمس في الهبة والمفروض وجود الدليل الاجتهادي علىٰ ذلك وهو ما تقدَّم من عموم الآية والروايات.
الدليل الخامس: عدم استقرار الملك في الهبة:
ذكر السيد اليزدي في العروة أنَّه يشترط في المال الذي يجب فيه الخمس أن تكون ملكيته مستقرة، فمع عدم استقرار ملكيته فلا يجب الخمس، وهذا الكلام بعمومه يشمل الهبة حيث للواهب الرجوع فيها فلم تستقر الملكية عند الموهوب له، فلا يجب الخمس إلَّا بعد استقرار الملكية.
وأورد عليه:
بمنع اشتراط استقرار الملك في وجوب الخمس ويكفينا دليلاً علىٰ ذلك العمومات الدالة علىٰ وجوب الخمس في الهبة.
وأجيب عنه: بأنَّه لو قلنا بوجوب الخمس في الهبة فسوف يكون وجوب الخمس مانعاً عن رجوع الواهب في الهبة لأنَّ رجوعه يكون مناف لحق أرباب الخمس فيها. فالمناسب أن يقال بعدم تعلق الخمس في الهبة كي لا يمنع عن رجوع الواهب.
وهذا الجواب غير تام: لأنَّ القول بوجوب الخمس في الهبة لا يمنع عن رجوع الواهب في الهبة لغير ذي رحم وذلك لسبق تعلق حقّه في المال علىٰ تعلق حق أرباب الخمس(91).
تلخيص واستنتاج:
قد لاحظنا أدلة القول بعدم وجوب الخمس في الهبة وهي الآية: ﴿لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾، والروايات وعدم تعرُّض الأصحاب للحكم وأصالة البراءة والإنصاف أنَّ هذه الأدلة كلّها موهونة لا نفي بإثبات المطلوب، أمَّا الآية فهي أجنبية عن الموضوع؛ وأمَّا الروايات فقد عرفت أنَّها لا دلالة فيها علىٰ عدم وجوب الخمس في الهبة؛ وأمَّا عدم تعرُّض الأصحاب فهو لا يعني قولهم بعدم وجوب الخمس في الهبة.
وعليه فالقول بعدم وجوب الخمس في الهبة غير تام ولم تنهض أدلة التي ذكروها لإثباته.
إذن فالقول بوجوب الخمس فيها هو الصحيح المعتضد بالقرآن والسُنَّة.
الخاتمة في أهم النتائج:
نستنتج من جميع ما تقدَّم النقاط التالية:
1- إنَّ الغنيمة معناها مطلق الفائدة التي يحصل عليه الإنسان سواء كان قد حصل عليها بكسب أو غير كسب وهي تشمل بمعناها العام مثل الهبة، وحينئذٍ ستدخل الهبة تحت عنوان الغنيمة سواء كانت اكتساباً أو غير اكتساب.
2- إنَّ الهبة تعد عرفاً اكتساباً وذلك لأنَّ قبول الهبة نوع اكتساب فيجب قبولها حيث يجب الاكتساب ولا يجب حيث لا يجب.
3- إنَّ الآية الكريمة تشمل بعمومها الهبة فيجب الخمس في الهبة بمقتضىٰ عموم الآية الكريمة وهي وان كانت واردة في معركة بدر فالغنيمة لا تختص بغنائم دار الحرب لأنَّ المورد لا يخصص الوارد وإن كان الوارد مجملاً كما في الآية الكريمة، وعليه فالغنيمة في الآية تعني مطلق الفائدة، وهناك جملة من الروايات التي تدل علىٰ وجوب الخمس في الهبة ثلاثة منها معتبرة من حيث السند والدلالة والبقية تعد كالمؤيد لهذه الروايات.
4- إنَّ ما ذكر من الأدلة علىٰ عدم وجوب الخمس في الهبة قاصر عن إثبات المدَّعي حيث لاحظنا تلك الأدلة وهي آية: ﴿لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ والروايات وعدم تعرُّض الأصحاب للحكم وأصالة البراءة، ووجدنا هذه الأدلة كلّها موهونة، أمَّا الآية فهي أجنبية عن الموضوع؛ وأمَّا الروايات فقد عرفت أنَّها لا دلالة فيها علىٰ عدم وجوب الخمس في الهبة؛ وأمَّا عدم تعرُّض الأصحاب فهو لا يعني قولهم بعدم وجوب الخمس في الهبة.
والنتيجة:
فالقول بعدم وجوب الخمس في الهبة غير تام ولم تنهض الأدلة التي ذكروها لإثباته، والقول بوجوب الخمس فيها هو الصحيح المعتضد بالقران والسُنَّة.
والحمد لله أوَّلاً وآخراً تم الفراغ منها بتاريخ 25 رمضان المبارك لسنة 1433 هـ ق. وصلَّىٰ الله علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين.
الهوامش:
(1) كتاب العين، ج4، ص 205.
(2) الصحاح، ج3، ص124.
(3) المصباح المنير، ج3، ص182
(4) تاج العروس، ج8، ص264.
(5) مسالك الأفهام، ج1، ص457.
(6) كتاب العين: ج4، ص426.
(7) المحيط في اللغة: ج5، ص 93.
(8) معجم مقاييس اللغة، ج4، ص397
(9) النهاية في غريب الحديث: ج3، ص390
(10) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج2، ص454.
(11) القاموس المحيط، ج4، ص158.
(12) مفردات غريب القرآن، ص366.
(13) مجمع البحرين، ج6، ص129.
(14) مسالك الأفهام، ج3، ص50
(15) شرائع الإسلام: ج1، ص224.
(16) منتهىٰ المطلب، ج2، ص921، ولاحظ التذكرة، ج9، ص119، ولاحظ تحرير الأحكام، ج2، ص156.
(17) كنز العرفان في فقه القرآن، المقداد السيوري، ج1، ص248.
(18) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (ط الحديثة) ج2، ص400.
(19) جواهر الكلام، ج21، ص147.
(20) كتاب الخمس، (للشيخ الانصاري) ص: 81.
(21) المعتبر، ج2، ص623.
(22) غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، ج4، ص323.
(23) كتاب الخمس (للشيخ الأنصاري) ص81.
(24) نفس المصدر، ص188.
(25) العروة الوثقىٰ، ج2، ص275.
(26) وسائل الشيعة ، ج9، ص 502، باب 8، من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح5.
(27) الصحاح للجوهري، ج2، ص235-236.
(28) مقاييس اللغة، ج6، ص147.
(29) لسان العرب، ج1، ص803.
(30) تاج العروس، ج2، ص477.
(31) لاحظ شذىٰ العرف في فن الصرف، ص69 حيث قال: (وشذ يدع… ويهب بفتح عينها).
(32) شرائع الإسلام: ج2، ص457.
(33) لاحظ مسالك الأفهام، ج6، ص7-8.
(34) مسالك الأفهام: ج6، ص8.
(35) مسالك الأفهام، ج6، ص9.
(36) جواهر الكلام: ج28، ص158.
(37) نفس المصدر، ص556.
(38) العروة الوثقي: ج6، ص239.
(39) المرتقىٰ إلىٰ الفقه الأرقىٰ – كتاب الخمس: ص192.
(40) المرتقىٰ إلىٰ الفقه الأرقىٰ – كتاب الخمس: ص192.
(41) المرتقىٰ إلىٰ الفقه الأرقىٰ – كتاب الخمس: ص192.
(42) المرتقىٰ إلىٰ الفقه الأرقىٰ – كتاب الخمس: ص192.
(43) المقنعة، للشيخ المفيد، ص658.
(44) شرائع الإسلام: ج2، ص459.
(45) منهاج الصالحين للسيد الخوئي: ج2، ص205.
(46) مختلف الشيعة: ج3، ص315.
(47) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية تحقيق السيد كلانتر: ج2، ص74.
(48) كالسيد الحكيم في المستمسك، ج9، ص523 والسيد الخوئي في المستند كتاب الخمس، ص210.
(49) المستند في شرح العروة الوثقي كتاب الخمس: ص211.
(50) الكافي في الفقه: ص170.
(51) المعتبر في شرح المختصر: ج2، ص623.
(52) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ج2، ص74.
(53) الحدائق الناضرة: ج12، ص352.
(54) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: ص78، والموضع الآخر، ص191.
(55) العروة الوثقي: ج4، ص276.
(56) مستمسك العروة الوثقي: ج9، ص523.
(57) منهاج الصالحين للسيد الخوئي: ج1، ص331.
(58) منهاج الصالحين للسيد السيستاني، ج1، ص392.
(59) منهاج الصالحين للسيد سعيد الحكيم، ج1، ص406.
(60) منهاج الصالحين للسيد محمد صادق الروحاني، ج1، ص354.
(61) منهاج الصالحين للشيخ الفياض، ج2، ص58.
(62) مباحث الأصول (الحائري) القسم2، ج2، ص346.
(63) وسائل الشيعة، (آل البيت) ج10، ص433، باب11، ح1.
(64) لاحظ: جواهر الكلام، ج17، ص94.
(65) المستمسك: ج14، ص314.
(66) مباحث الأصول، (الحائري)، القسم 2، ج2، ص345.
(67) مباحث الأصول، ق2، ج2، ص346-347 ولاحظ أيضاً القضاء في الفقه الإسلامي: ص509.
(68) مباحث الأصول، ق2، ج2، ص346، ولاحظ أيضاً القضاء في الفقه الإسلامي: ص509
(69) مباحث الأصول، ق2، ج2، ص346.
(70) وسائل الشيعة، ج9، ص 502، باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح5.
(71) وسائل الشيعة، ج9، ص503 باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح6.
(72) وسائل الشيعة، ج9، ص504 باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح10.
(73) لاحظ خلاصة الأقوال، العلامة الحلي، ص319.
(74) المستند في شرح العروة الوثقىٰ، كتاب الخمس، ص212.
(75) لاحظ زبدة المقال في خمس الرسول والآل، ص83.
(76) لاحظ كتاب الخمس للشيخ الحائري، ص171.
(77) ذكر هذا الجواب سماحة الأستاذ الشيخ البيكدلي في محضر درسه وأثبتناه هنا.
(78) لاحظ: ذخيرة العقبىٰ، ج10، ص152.
(79) المعتبر في شرح المختصر، ج2، ص623.
(80) السرائر لابن إدريس الحلي.
(81) مختلف الشيعة، ج3، ص315.
(82) غنائم الأيام، ج4، ص323.
(83) مستند الشيعة في أحكام الشريعة؛ ج10، ص52.
(84) زبدة المقال في خمس الرسول والآل، ص77.
(85) تحرير الوسيلة السيد الخميني، ج1، ص356.
(86) تحرير المسائل، ص322.
(87) لا حظ التبيان، ج9، ص309. والتفسير الصافي، ج5، ص31.
(88) وسائل الشيعة، ج9، ص547. باب 4، من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، ح8.
(89) وسائل الشيعة، ج9، ص507. باب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح1.
(90) لاحظ المستمسك السيد الحكيم، ج9، ص523.
(91) لاحظ: مصباح الهدىٰ في شرح العروة الوثقي، ج11، ص104، للفقيه المحقّق الشيخ محمد تقي الآملي (قدّس سرّه).