فلسة الايمان في الوجدان الشيعي

كلمة سماحة السيد الأستاذ أحمد الأشكوري أدام الله بقاءه على جمع من المؤمنين.

بغداد / النعيرية

فلسفة الإيمان في الوجدان الشيعي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى (ولكن اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) سورة الحجرات، الآية 7

إنّ كلّ ما يمرّ على الإنسان من أحداث ومواقف، سواء تعلّق بالذهن أو بالقلب، يمكن أن يتخذ صورتين أساسيتين: إحداهما ما يرتبط بالعاطفة، والأخرى ما يرتبط بالوجدان. وقد أولى أهل البيت عليهم السلام، تأسيساً على هدي الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، عناية خاصة بضبط الوجدان الشيعي وتوجيهه، بما ينسجم مع بناء الهوية الإسلامية والتشيع الأصيل. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف على البعد الروحي والنفسي في هذا البناء، والتمييز بين الانفعالات العاطفية العابرة وبين الثوابت الوجدانية الراسخة، من خلال تحديد المراد من العاطفة والوجدان، وبيان الأساليب التي اعتمدها أهل البيت عليهم السلام في توجيه الوجدان الشيعي نحو القيم العليا والالتزام الرسالي.

الفرق بين العاطفة والوجدان

العاطفة: حالة طارئة تترك أثراً في الذهن والقلب، سواء كانت ناشئة عن الحزن أو الفرح أو غيرهما من الانفعالات، إلا أنّها سريعة الزوال، ولا تتمتع بالثبات والاستقرار، وإنما تتبدل تبعاً للظروف والأحوال، ولذلك لا يصحّ أن تكون أساساً لمشروع ممتد أو رهانا على استمرارية السلوك.

اما الوجدان: حالة راسخة ومستقرة في النفس، تتصل بمجموعة من العوالم والعناصر التي تمنحها القدرة على الاستمرار والتأثير.

ولتقريب الفرق بينهما: يمكن أن نفترض أنّ الإنسان قد يشاهد مشهداً مؤلماً، فيتأثر به ويتفاعل معه في حينه، ثم لا يلبث أن يزول أثر ذلك المشهد من ذهنه وقلبه بعد غيابه. أما إذا كان المصاب متعلقاً بولده، فإن أثره يكون أعمق وأشد رسوخاً، بحيث يبقى الأب في حالة من القلق وعدم الاستقرار ما دام البلاء قائماً في ولده، حتى لو كان المشهد الذي شاهده في المثال الأول أشد إيلاماً من حيث الصورة. فالفرق ناشئ عن طبيعة الارتباط؛ إذ إنّ المشهد الأول يرتبط بأمر أجنبي عن الإنسان، في حين يدخل المشهد الثاني في عمق العلاقة الوجدانية بين الأب وولده، فيستقر أثره في النفس ويستمر. وهذا التباين بين العارض المستودع والاصيل المستقر هو عين ما صرح به أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، حيث قال: (فَمِنَ الإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي القُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ القُلُوبِ وَالصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)[1]. ومن هنا يتضح أنّ العاطفة العابرة لا تصلح أن تكون الأساس الذي يقوم عليه المشروع الواعي والمدروس، إذ إنّ صاحب المشروع لا يبني خطته على الانفعالات السريعة الزوال، وإنما يعمل على ضبط الوجدان وتأسيسه بما يضمن له الثبات والاستمرار. والبحث في هذا المقام قد يقع تارة في المجال الفكري، وتارة أخرى في المجال القلبي. وليس المقصود هنا البحث في الساحة الفكرية، فقد أقام أهل البيت عليهم السلام مشروعاً متكاملاً في ضبط المجال الفكري، وإنما الكلام منصبّ على المسار القلبي في الوجدان الشيعي، وما يتفرع عنه من الوجدان الحسيني. ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة: ما الآفات والمخاطر التي يمكن أن تصيب هذا الوجدان؟ وما العوامل التي تسهم في تقويته؟ وكيف يمكن المحافظة على الوجدان الشيعي وإبقاؤه حاضراً وفاعلاً؟ وهذا هو المحور الذي ينبغي الالتفات إليه عند النظر في فلسفة إقامة المآتم والمجالس، فإنّها لم تنشأ باعتبارها مجرد عادات اجتماعية، بل قامت في أصلها على قصد القربة والعبادة، وتحرك أهل البيت عليهم السلام في هذا المجال باتجاه ضبط الوجدان وحمايته والمحافظة على استمراره. سيكون الحديث في مجموعة محاور. ويشهد لذلك التوجيه المعصومي في تأسيس المجالس، ما رواه الفضيل بن يسار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، حيث قال: (تَجْلِسُونَ وَتُحَدِّثُونَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: إِنَّ تِلْكَ المَجَالِسَ أُحِبُّهَا، فَأَحْيُوا أَمْرَنَا يَا فُضَيْلُ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا)[2]

المحور الأول: كيف يتحقق الوجدان الشيعي

تناولت الآية الكريمة هذه الحقيقة من خلال منظومة متدرجة، يمكن ملاحظة عناصرها في ثلاث مراحل:

  1. 1. الإيمان

. 2 حب الإيمان.

3.تزيين الإيمان في القلب.

والتزيين قد يكون تزييناً ظاهرياً ومادياً، كالزينة المتعلقة بالهيئة والملبس ونحو ذلك، وقد يكون تزييناً قلبياً باطنياً، وهو المقصود في الآية الكريمة. فالمراد في بناء الوجدان الشيعي ليس مجرد التجمّل الظاهري، وإنما بلوغ حالة يكون فيها الإيمان مزيناً في القلب ومستقراً فيه. ومن ثمّ فإنّ التزيين القلبي يمثل مرحلة متقدمة في هذا المسار، وقد أكدت الآية ذلك بقوله تعالى: ((ولكن اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)). ومن اللافت في التعبير القرآني إسناد عملية التحبيب إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما يفتح مجالاً للبحث العقدي في حقيقة هذا الإسناد ودلالاته. وقد جاء في الرواية المعتبرة عن الإمام محمد الباقر عليه السلام في بيان حقيقة الإيمان وحبه وتزيينه، قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ دِينُكُمْ دِينُكُمْ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ وَإِنَّ الحَسَنَةَ فِي غَيْرِهِ لا تُقْبَلُ»[3]

المعرفة العقلية والقلبية

إذا تأملنا في الآية الكريمة وجدنا أنّها تعرض مساراً يبدأ بالإيمان، ثم ينتقل إلى تحبيب الإيمان، ثم ينتهي إلى تزيينه في القلب. ولم يكن التعبير عن التزيين متعلقاً بالظاهر، لأنّ وجود المظاهر الخارجية من دون رسوخها في القلب قد يحولها إلى صورة فاقدة لروحها، ولا تكون حينئذ جزءاً من المشروع المقصود. ومن هنا تأتي ضرورة أن لا تتحول شعائر الحسين عليه السلام إلى مجرد طقوس خالية من الروح، بل ينبغي أن تبقى حاملة للمعنى الوجداني والقلبـي الذي من أجله أقيمت. ولذلك فإنّ المعيار الكمي وحده لا يكفي في هذا المجال، وإنما العبرة بما يتحقق من الأثر الكيفي والوجداني والقلبي. وهذا هو الذي يساهم في تحقيق الغاية المرتبطة بحماية المذهب الشيعي وتقوية عناصره، فإنّ الصراع في حقيقته صراع قوى، وقد وضع أهل البيت عليهم السلام من خلال مشروعهم جملة من المفاتيح التي تعين على التعامل مع هذا الصراع. كما أنّ استهداف الوجدان الشيعي يمكن أن يقع في مستويات متعددة، فقد يتوجه إلى أصل الإيمان، أو إلى حب الإيمان، أو إلى تزيينه في القلب. ومن هنا يبرز السؤال عن المستوى الذي يكون المساس به أشد خطراً على الوجدان الشيعي، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها صيانة هذه المراتب. والبحث هنا لا ينصب على مقولة الفعل من حيث هي، فلها مجالها وأهميتها، وإنما التركيز على الجانب القلبي، لا بمعنى العاطفة العابرة، بل بمعنى الحالة القلبية المنضبطة التي سبق بيانها. ولتوضيح المراحل الثلاث، يمكن الاستعانة بمثال علم الطب. فقد يدرك الإنسان أهمية هذا العلم إدراكاً عقلياً، وهو أمر له قيمته، وقد أولى أهل البيت عليهم السلام للجانب العقلي والمعرفي اهتماماً كبيراً. إلا أنّ شخصاً قد يدّعي الإيمان بالطب مع كون الأساس الذي بنى عليه هذا الإيمان قائماً على الخرافة، فيكون متعلق إيمانه أمراً باطلاً، وقد ينتهي به الأمر إلى إنكار الطب أو التشكيك في أهميته، وهذا يكشف عن اضطراب في أصل البناء. أما الإنسان السوي الذي يمتلك أساساً فكرياً صحيحاً في فهم منظومة الطب، فإذا سُئل عن إيمانه بأهمية هذا العلم، أجاب بالإيجاب، لأنّه يملك في داخله إذعاناً وتصديقاً بضرورته. غير أنّ الإذعان بأهمية أمر ما لا يستلزم بالضرورة حصول المحبة له، فقد يعتقد الإنسان بضرورة علم الطب، لكنه لا يجد في نفسه ميلاً خاصاً إليه، لا لعدم اعتقاده بأهميته، وإنما لأنه ليس من دائرة اهتماماته. وكذلك الحال في الإيمان بفوائد الرياضة؛ فإنّ الإيمان بفائدتها لا يستلزم حتماً أن ينشأ عنه حبها والتلبس بها. ومن هنا لا يوجد تلازم ضروري بين الإيمان والحب. إلا أنّ المنظومة التي يرسمها القرآن في بناء الوجدان تقوم على الانتقال من الإيمان إلى الحب، ثم إلى التزيين القلبي. فإذا وقع الخلل في المرحلة الثانية اختلّ جانب من هذا البناء. والمراد بالحب هنا ليس مجرد الانفعال العاطفي السطحي، بل الحب القائم على أساس معرفي ووجداني مستقر. وهذا ما أصّله الإمام ابي جعفر الصادق عليه السلام حين قرن الدين بالحب تقريراً وتأكيداً، إذ قال: «هَلِ الدِّينُ إِلا الحُبُّ[4]؟ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»، وقال عليه السلام في موضع آخر: (لا يَمْحَضُ رَجُلٌ الإِيمَانَ بِاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَمِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ)[5]. ومن هنا يمكن فهم الفرق بين التأثر العابر بالمشاهد الحسينية وبين رسوخها في الوجدان الشيعي. فقد تقع أمام الإنسان مشاهد مؤلمة ومؤثرة، كصور مصائب واقعة الطف وما ارتبط بها من أحداث، فيتفاعل معها ويتأثر بها، إلا أنّ هذا التأثر قد يزول بزوال المشهد وانتهاء أثره المباشر. أما في الوجدان الشيعي، فإنّ هذه الصور لا تبقى مجرد مشاهد عابرة، بل تستقر في الذاكرة والقلب، وتتحول إلى عناصر حاضرة في الوعي والوجدان. وتجذير هذا الاستقرار الوجداني الدائم هو ما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله المشهور: «إِنَّ لِقَتْلِ الحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لا تَبْرُدُ أَبَداً»[6]، فالنبي صلى الله عليه وآله لم يصفها بالحزن العارض، بل بـالحرارة التي لا تبرد، دلالة على صيرورتها مقوماً وجودياً مستقراً في القلب. وقد تتعرض الذاكرة أحياناً لما يسمى بالغفلة، إلا أنّ الغفلة في هذا المجال حالة عارضة لا تعني زوال أصل القضية الوجدانية. ولذلك كان الاهتمام منصباً على إبقاء هذه المعاني حاضرة وفاعلة في الذاكرة الشيعية. وقد تتعرض هذه الذاكرة لفترات من الخمول بسبب الظروف والأنظمة التي عملت على إبعاد الشيعة عن الحسين عليه السلام، إلا أنّ أصل القضية يبقى حاضراً، وتبقى المظلومية الحسينية في الوجدان الشيعي مقروءة بوصفها مظلومية لا تنتهي بالهزيمة، بل تحمل في داخلها معنى الانتصار. ومن هنا تُقرأ واقعة الطف في الوجدان الشيعي باعتبارها واقعة مظلومية عظمى، ولكنها في الوقت نفسه مظلومية منتصرة. وكذلك تُقرأ قضية السيدة زينب عليها السلام، فقد انتقلت من مقام العز إلى الأسر والابتلاء، إلا أنّ الوجدان الشيعي لا يقرأ هذه المظلومية بمعزل عن بعدها الرسالي والانتصاري. وقد تجلى هذا الانتصار الوجداني في جواب عقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام لعبيد الله بن زياد حين قال لها: كيف رأيتِ فعل الله بأخيكِ وأهل بيتكِ؟ فقالت في أوج المحنة: (مَا رَأَيْتُ إِلا جَمِيلاً، هَؤُلاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ)[7]. وعليه، فإنّ البناء الوجداني يقوم على ضرورة تحقق الإيمان، ثم ضرورة أن يتولد عن هذا الإيمان حبٌّ مرتبط به. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التزيين، كما أشارت إليها الآية الكريمة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى إظهار ما يراه زينة له، سواء تعلق الأمر بالهيئة والملبس أو بغيرهما، وقد يكون ذلك مرتبطاً بإثبات الانتساب إلى جماعة معينة والابتعاد عن جماعة أخرى، وهو ما يمكن أن يندرج في عنوان التولي والتبري. وفي المشروع الحسيني، يتحول هذا الانتساب إلى جزء من الهوية الشيعية، بحيث لا تنفصل الهوية الشيعية عن حضور الهوية الحسينية. وقد بيّن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام هذا الترابط الوجداني والانتماء الحصري للريان بن شبيب قائلاً: (يَا ابْنَ شَبِيبٍ، إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا فِي الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الجِنَانِ، فَاحْزَنْ لِحُزْنِنَا، وَافْرَحْ لِفَرَحِنَا، وَعَلَيْكَ بِوِلايَتِنَا، فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَحَبَّ حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)[8]. ولا ينبغي أن يفهم هذا الأمر على أنه مجرد شعار لفظي، بل هو عملية متكاملة يمكن أن تتحقق في الإنسان على نحو ظاهر أو باطن. فالإنسان يحب الحسين عليه السلام حباً يقوم على أساس، وهذا الحب مرتبط بما عرفه من الحق والقيم التي مثّلها الحسين عليه السلام في مشروعه. وقد ارتبط اسم الحسين عليه السلام في الوجدان الشيعي بمقولة الحق؛ لأنّ الإنسان بفطرته يميل إلى الحق، ولذلك حتى من يمارس الظلم يحاول في الغالب أن ينسب نفسه إلى الحق ولا يرضى بأن يوصف بالظلم. وقد أبرز التراث الشيعي قضية حقانية مشروع الحسين عليه السلام والقيم التي قامت عليها نهضته، وهي قيم تتصل بالفطرة الإنسانية، ولذلك نجد حضور عناوين الدفاع عن المظلوم ونصرة الإنسان والوقوف إلى جانب القيم في الخطابات المختلفة، وإن كان التطبيق قد يختلف من جهة إلى أخرى. وهذا ما جسده سيد الشهداء عليه السلام في مسيره إلى كربلاء حين خاطب أصحابه موضحاً مناط الحق: (أَلا تَرَوْنَ أَنَّ الحَقَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ البَاطِلَ لا يُتَنَاهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ المُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ مُحِقّاً، فَإِنِّي لا أَرَى المَوْتَ إِلا سَعَادَةً، وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلا بَرَماً)[9] ومن هنا لا بد من الالتفات إلى خطر انفصال الرمز عن القيمة، فالإنسان قد يرتبط بالمكان أو بالمشهد أو بالشعيرة، لكنه يغفل عن المنعم والمبدأ الذي يقف وراءها. وكذلك قد يلتفت إلى كربلاء من دون أن يلتفت إلى الحسين بما يحمله من قيم ومبادئ. وقد كان من اهتمام أهل البيت عليهم السلام أن يقدموا الحسين عليه السلام لا لمجرد كونه ابن فاطمة وعلي عليهما السلام أو سبط النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، بل بوصفه نموذجاً متجسداً للقيم التي ينبغي أن تكون حاضرة في الوجدان. وهذا من عوامل حفظ التركيز ومنع التشتت، لأنّ من المخاطر التي قد تواجه المؤمن الشيعي أن يخرج من حالة التركيز إلى حالة التشتت. ومن هنا لم يكن مشروع أهل البيت عليهم السلام قائماً على تكرار موسمي أو ارتباط محدود بزمان معين، بل كان المقصود إبقاء الحسين عليه السلام حاضراً بوصفه مشروعاً مستمراً. وعليه، فإنّ حصر الحضور الحسيني في الأيام الأولى من شهر محرم، ثم غياب هذه الصورة عن الحياة بعد ذلك، يكشف عن خلل في فهم المشروع؛ لأنّ المطلوب هو حضور المعنى الحسيني واستمراره، لا مجرد ارتباطه بعادة اجتماعية أو بموسم معين.

المحور الثاني: الحسين والمعرفة العقلية والقلبية والإمام المهدي

أكد أهل البيت عليهم السلام على أنّ المشروع الحسيني ذو طبيعة عبادية، حتى لا يتحول إلى مجرد ظاهرة اجتماعية منفصلة عن أصلها السماوي. فإذا انفصل المشروع الحسيني عن الارتباط بالله سبحانه وتعالى، تحولت القضية إلى مجرد ظاهرة أرضية، وهذا من المخاطر التي ينبغي الحذر منها. ومن هنا كان مشروع التركيز الذي قدمه أهل البيت عليهم السلام بمثابة عامل أمان يحول دون الوقوع في الغفلة؛ إذ إنّ غياب صورة الشخص عن الإنسان قد يؤدي مع مرور الوقت إلى غياب ذكره عن القلب، ولذلك كان التأكيد على الذكر المستمر والحضور الدائم. وقد يطرح هنا إشكال مفاده: لماذا كل هذا الاهتمام بالحسين عليه السلام، وهل يعني ذلك اتخاذه من دون الله؟ والجواب أنّ الحسين عليه السلام لم يقدم باعتباره بديلاً عن الارتباط بالله سبحانه وتعالى، بل باعتباره مظهراً للقيم الإلهية وعبداً من عباد الله، وهذه المسيرة متصلة بامتداد الهداية الإلهية إلى قيام الإمام المهدي عليه السلام. فالحسين عليه السلام لم يكن منفصلاً عن السماء، بل كان في صميم العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذا المعنى حاضر في مشروعه وموقفه. ويشهد لذلك نداء الإمام الحسين عليه السلام عشية التاسع من محرم لأخيه العباس عليه السلام، كاشفاً عن أصالة هذا الدافع العبادي المحض: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخِّرَهُمْ إِلَى غُدْوَةٍ وَتَدْفَعَهُمْ عَنَّا هَذِهِ العَشِيَّةَ، لَعَلَّنَا نُصَلِّي لِرَبِّنَا اللَّيْلَةَ وَنَدْعُوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ الصَّلاةَ لَهُ وَتِلاوَةَ كِتَابِهِ وَكَثْرَةَ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ)[10]. كما أنّ اهتمام الأئمة عليهم السلام بحفظ الذاكرة الحسينية يرتبط بحفظ الحب، لأنّ النسيان والغفلة إذا استحكما في النفس أضعفا الارتباط الوجداني. ومن هنا لم يكن المشروع قائماً على اشتراط بلوغ الجميع درجة واحدة من الوعي التفصيلي، وإنما اتخذ صورة التركيز والديمومة، بحيث يجد كل إنسان مدخلاً إلى هذا المشروع بحسب قدرته ومستواه. فمن قدّم شربة ماء يمكن أن يدخل في عنوان النصرة، ومن لم يستطع ذلك بقي له باب آخر من أبواب الارتباط، كذكر علي عليه السلام وذكر الحسين عليه السلام عبادة. وفي هذا المعنى روى داود الرقي قال: (كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ عليه السلام إِذِ اسْتَسْقَى المَاءَ، فَلَمَّا شَرِبَهُ رَأَيْتُهُ قَدِ اسْتَعْبَرَ وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا دَاوُدُ لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَ الحُسَيْنِ، فَمَا مِنْ عَبْدٍ شَرِبَ المَاءَ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَلَعَنَ قَاتِلَهُ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَحَطَّ عَنْهُ مِائَةَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دَرَجَةٍ، وَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ مِائَةَ أَلْفِ نَسَمَةٍ، وَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلِجَ الفُؤَادِ). [11]ولهذا أخذ المأتم موقعاً مهماً في حفظ الذاكرة، لأنّ حفظ الذاكرة يؤدي إلى حفظ الحب، وحفظ الحب يساهم في حفظ الوجدان الشيعي واستمراره.

المحور الثالث: الحسين قرآن ناطق

ومن المعاني التي ركز عليها أهل البيت عليهم السلام تقديم الحسين عليه السلام بوصفه قرآناً ناطقاً، بما يعني حاجة الأمة إلى نموذج حيّ يجسد القيم ويوجهها في واقع الحياة. فإذا اقترنت القيم التي تحتاج إليها الأمة بشخصية الحسين عليه السلام، أمكن أن تتحول تلك القيم إلى معانٍ حاضرة في الوجدان. فإذا اتصفت الأمة بالصدق، كان الحسين عليه السلام نموذجاً للصدق، وإذا اتصفت بالوفاء والرحمة والعطاء، استحضرت في ذلك النموذج الحسيني. وهذا الربط الوثيق هو امتداد لحديث الثقلين المتواتر الذي أرساه رسول الله صلى الله عليه وآله: (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ)[12]، مما يوضح أن العترة ومنهم الحسين ترجمان حي للكتاب المسطور في مدارك الإنسانية ووجدانها. وفي هذا السياق يظهر اهتمام أهل البيت عليهم السلام بإبقاء القضية الحسينية حاضرة ضمن المشروع الإسلامي العام، بحيث لا تنفصل عن منظومة القيم والهداية. وهذا هو المشروع الذي ينبغي المحافظة عليه، لأنّ المقصود ليس مجرد استحضار شخصية تاريخية، وإنما إبقاء القيم التي جسدتها هذه الشخصية حاضرة في حياة الإنسان. وقد نقل عن المرجع المرحوم السيد محمد سعيد الحكيم – قدس سره – في جواب من سأله عن كيفية المحافظة على الأولاد في البلاد الغربية، أنّه أشار إلى أثر حضور مصيبة الحسين عليه السلام داخل البيت، بما يجعل القضية حاضرة أمام الأبناء ويجعلهم يسألون عن سبب هذا الحزن، فيتعرفون من خلال ذلك على القضية الحسينية. وهذا يكشف عن أن الحضور الوجداني يمكن أن يتحول إلى مشروع تربوي متكامل من غير تكلف. ومن هنا تظهر مقولة الافتخار بالانتماء إلى الحسين عليه السلام، فالإنسان يقول: أنا أنتمي إلى الحسين وأعتز بهذا الانتماء، ولا أنتمي إلى أعدائه. وحتى لو وقع في العمل في بعض صور التقصير، فإنّ السؤال عن اتجاهه وانتمائه يكشف عن هويته، فيقول: أنا حسيني. وقد جاء التوجيه المحكم من أهل البيت عليهم السلام في تثبيت شرف هذا الانتساب وحفظ آثاره، كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الوَرَعَ وَالاجْتِهَادَ وَالصَّلاةَ وَالخَيْرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ»،[13] وإذا أمكن المحافظة على هذا المقدار من الانتماء والارتباط، أمكن الحفاظ على عنصر مهم من عناصر الوجدان الشيعي، لأنّ حضور الإنسان في المجالس وما يترتب عليه من الأجر والثواب يمثل جانباً من العمل، لكن وجود الإنسان في الدنيا يقتضي منه كذلك أن يحافظ على هذا الوجدان ويبقيه حاضراً وفاعلاً.

الخاتمة: الإيقاع المهدوي

وفي ختام هذا المسار تبرز الرسالة التي قدمها الإمام الحجة عليه السلام في ضبط الإيقاع الوجداني الشيعي، من خلال التأكيد على استمرار الندب للحسين عليه السلام وعدم ترك ذكره يغيب عن القلب. وقد جاء في التعبير المنسوب إليه عليه السلام: «لَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً»، وهو تعبير يكشف عن دوام الارتباط وعدم انقطاع الذكر، حتى لا تتحول القضية الحسينية إلى حضور موسمي ينتهي بانتهاء المناسبة. وإذا كان المطلوب هو الاقتداء بالقائد، فإنّ الإمام المهدي عليه السلام هو الامتداد الحاضر لهذا المسار، وقد عبّر عن شدة المصاب وعمق الارتباط بقوله: «وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَماً». والمقصود من هذا التعبير ليس مجرد المبالغة في البكاء، وإنما الإشارة إلى عمق الجرح القلبي واستمرار أثر المصيبة في الوجدان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معرفة عظمة الحسين عليه السلام ومعرفة عظمة المصيبة التي وقعت عليه، لأنّ إدراك عظمة المصاب يمثل ركناً في بناء الوجدان الحسيني واستمراره، وقد ركز أهل البيت عليهم السلام على هذا المعنى، فجعلوا قضية المصيبة الحسينية حاضرة في الوجدان، بحيث يبقى القلب متصلاً بها ولا يتحول الحضور الحسيني إلى مجرد ذكرى عابرة، وصولاً إلى الارتباط الوثيق بين دم الحسين وراية الطالب بثأره عجل الله فرجه، كما ورد في زيارة عاشوراء: فَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقَامَكَ، وَأَكْرَمَنِي بِكَ، أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِكَ مَعَ إِمَامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله.

الخلاصة:

يمكن إجمال أهم النتائج التي انتهى إليها البحث في النقاط الآتية: أولاً: التمييز المعرفي بين العاطفة والوجدان العاطفة: حالة طارئة سريعة الزوال. الوجدان: حالة راسخة ومستقرة. ثانياً: معالم الوجدان الشيعي وسبل حمايته العناية بالمسار القلبي. رفض اختزال المشروع في ظاهرة اجتماعية. تقديم الكيف على الكم في تقييم الحضور الوجداني. ثالثاً: المنظومة الثلاثية في تحقيق الوجدان المستوى الأول: الإيمان والإذعان. المستوى الثاني: الحب. المستوى الثالث: التزيين القلبي. رابعاً: أبرز المخاطر والآفات التي تواجه الوجدان الشيعي التشتت وفقدان التركيز. الغفلة والنسيان. فصل الحسين عليه السلام عن ارتباطه بالله سبحانه وتعالى. خامساً: آليات الديمومة واتساع الخطاب إبراز عالمية القيم. مخاطبة مختلف المستويات. استحضار مفهوم المظلومية المنتصرة. سادساً: الخاتمة والإيقاع المهدوي دوام الارتباط بالحسين عليه السلام. استمرار الندب واستحضار المصيبة. حفظ الوجدان الحسيني ضمن الامتداد المهدوي. الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.

المصادر:

[1] / شرح نهج البلاغة ابن ميثم البحراني ج4 ص193

[2] / روى البرقي في محاسنه: ٦٣|١١٠ ، والقمي في تفسيره ٢ : ٢٩٢ ، وابن قولويه في كامل الزيارات : ١٠٣|٨ ذيل الحديث ، ورواه الصدوق في ثواب الأعمال : ٢٢٣|١ ، ونقله المجلسي في بحاره ٧٤ : ٣٥٠|١٨.

[3] / الامالي لشيخ الصدوق 432

[4] / الوافي ج5 ص826

[5] / بحار الانوار ج22 ص88

[6] / جامع الاحاديث ج12 ص556

[7] / مثير الاحزان ص71

[8] / وسائل الشيعة ج14 ص 503

[9] / مثير الاحزان ص32

[10] / الارشاد ج2 ص 91

[11] / كامل الزيارات ص212

[12] / الوافي ج24 ص494

[13] / الوافي ج4 ص308

Scroll to Top