دلالة الجملة الاستثنائية على المفهوم وتطبيقاتها الفقهية

دلالة الجملة الاستثنائية على المفهوم وتطبيقاتها الفقهية

دلالة الجملة الاستثنائية علىٰ المفهوم

وتطبيقاتها الفقهية

الشيخ د. حبيب عبد الواحد الساعدي

تمهيد:

يتناول هذا البحث مفهوم الاستثناء في الجملة الاستثنائية، بوصفه من المباحث المهمة في باب المفاهيم في علم أصول الفقه، لما يترتَّب عليه من آثار في فهم دلالة النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها، وقد سعت الدراسة إلىٰ تحديد الضابط الذي يثبت بموجبه مفهوم الاستثناء، والتمييز بين الجملة الاستثنائية التي يثبت لها المفهوم والجملة التي لا يثبت لها، مع مناقشة الأدلة الأصولية وتحليلها، ثم تطبيق النتائج المتوصل إليها علىٰ بعض الفروع الفقهية.

وقد أثبتت الدراسة بالدليل أنَّ الجملة الاستثنائية المشتملة علىٰ المستثنىٰ منه، والمستثنىٰ يثبت لها المفهوم، سواء أكانت الجملة مثبتة، نحو: (أكرم الفقهاء إلَّا الفساق)، أم منفية، نحو: (لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس)، إذ إنَّ الاستثناء في كلتا الصورتين يقتضي إخراج المستثنىٰ من الحكم الثابت للمستثنىٰ منه، وتترتَّب علىٰ ذلك دلالة مفهومية بحسب طبيعة الحكم المثبت أو المنفي في الجملة.

كما توصَّلت الدراسة إلىٰ أنَّ الجملة التي يكون الاستثناء فيها من الموضوع، من قبيل: (أكرم الفقيه غير الفاسق)، لا يثبت لها المفهوم؛ لأنَّ (غير الفاسق) في هذه الصورة قيد للموضوع، وليس استثناءً وارداً علىٰ حكم ثابت لموضوع عام، ومن ثم لا تجري عليها أحكام مفهوم الاستثناء بالمعنىٰ الأصولي.

ثم تناول البحث بعض الفروع الفقهية المرتبطة بالجملة الاستثنائية، تطبيقاً للقاعدة الأصولية وبياناً لأثرها في عملية استنباط الحكم الشرعي، وانتهىٰ إلىٰ أنَّ ثبوت مفهوم الاستثناء يتوقَّف علىٰ طبيعة التركيب والجملة والعلاقة بين الحكم والمستثنىٰ منه والمستثنىٰ.

الكلمات المفتاحية: المفهوم، مفهوم الاستثناء، الجملة الاستثنائية، المستثنىٰ منه، المستثنىٰ، الاستثناء من الموضوع.

المقدمة:

يقع الكلام في هذه الدراسة حول مفهوم الجملة الاستثنائية، فهل لجملة الاستثناء مفهوم؟ وإذا كان لها مفهوم، فهل هو حجة من الناحية الأصولية؟ ولما كانت النصوص الشرعية تحتوي علىٰ استثناءات كثيرة من هذا القبيل، فالفقيه بحاجة كبيرة إلىٰ إثبات حجية مفاهيم هذه الاستثناءات لكي يتمكَّن من استنباط الحكم الشرعي، ومن هنا تتَّضح أهمية البحث حول مفهوم الجملة الاستثنائية، فإنَّ لهذا المفهوم في الفقه تطبيقات كثيرة، بل هناك جمل استثنائية أصبحت من القواعد المهمة، كقاعدة: (لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس)، و(لا خمس إلَّا في الغنائم)، و(المؤمنون عند شروطهم إلَّا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً).

وسيقع الكلام أوَّلاً في بيان معنىٰ المفهوم وضابطه بشكل عام، كي يتسنَّىٰ لنا بعد ذلك ملاحظة أنَّ هذه القاعدة العامة هل هي موجودة في الجملة الاستثنائية ليثبت لها المفهوم، أو أنَّ تلك القاعدة العامة غير متوفرة فيها، فلا يثبت لها المفهوم، وهذا ما ندرسه في المحور الثاني، ثم نتحدَّث في المحور الثالث عن تطبيقات الجملة الاستثنائية في الفقه، ولما كانت تطبيقات الجملة الاستثنائية كثيرة في الفقه، فسنقتصر علىٰ ثلاثة موارد، أحدها: قاعدة (لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس)، والمورد الآخر: (لا خمس إلَّا في الغنائم)، والثالث: قاعدة (المؤمنون عند شروطهم إلَّا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً)، ونتناولها بشيء من التوضيح.

فيقع البحث إذن في ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأوَّل: في بيان معنىٰ المفهوم وضابطه.

المحور الثاني: في دلالة الجملة الاستثنائية علىٰ المفهوم.

المحور الثالث: موارد تطبيق الجملة الاستثنائية في الفقه.

المحور الأوَّل: معنىٰ المفهوم والضابطة الكلية له:

يتناول هذا المحور معنىٰ المفهوم بشكلٍ عام، ثم عن القاعدة الكلية التي بها يتحقَّق للجملة مفهوم، وهذا البحث يشكِّل إعطاء قاعدة كلية للمفهوم لكي يتسنَّىٰ لنا في المحور الثاني ملاحظة أنَّ هذه القاعدة الكلية هل هي متوفرة في الجملة الاستثنائية ليثبت لها المفهوم أو لا؟ فالكلام حول هذا المحور يقع في مبحثين:

المبحث الأوَّل: المفهوم في اللغة والاصطلاح الأصولي:

المفهوم: اسم مفعول مأخوذ من مادة الفهم، قال في كتاب العين: (فَهِمْتُ الشيءَ [فَهَماً وفَهْماً]: عرفته وعقلته)(1)، وهو المعنىٰ الذي يفهم من اللفظ، وباعتبار أنَّه وقع عليه الفهم يسمَّىٰ مفهوماً والجمع مفاهيم، قال في الفروق اللغوية: (اعلم أنَّ ما يستفاد من اللفظ باعتبار أنَّه فهم منه: يسمَّىٰ مفهوماً)(2)، والمجهول يقابل المعنىٰ اللغوي للمفهوم.

وأمَّا المفهوم في الاصطلاح الأصولي فهو يختلف كثيراً عن المعنىٰ اللغوي حيث يقابله المنطوق، ووقع الخلاف بينهم في تحديد معناه، نشير هنا إلىٰ أهم التعريفات الواردة في تحديد معنىٰ المفهوم:

التعريف الأوَّل: ما ذكره جملة من الأصوليين:

ذكر جملة من الأصوليين أنَّ المفهوم: (هو ما دلَّ عليه اللفظ لا في محلِّ النطق. والمنطوق: هو ما دلَّ عليه اللفظ في محلِّ النطق)، ولعلَّ ابن الحاجب(3) من أوائل من صاغ هذا التعريف بعبارته المشهورة وجرىٰ عليه جملة من الأصوليين من بعده(4). وقد أورد علىٰ هذا التعريف عدَّة إيرادات نكتفي بأهم إيرادين منها:

الإيراد الأوَّل: ما ذكره المحقِّق العراقي وحاصله: أنَّ التعريف أوسع من المفهوم الاصطلاحي؛ إذ يشمل مطلق المداليل الالتزامية، سواء أكانت الملازمة بينها وبين مدلول اللفظ بيِّنة بالمعنىٰ الأخص، أم بيِّنة بالمعنىٰ الأعم، أم غير بيِّنة، وحينئذٍ يدخل في المفهوم وجوب المقدمة المستفاد من وجوب ذيها مع أنَّها ليست مفهوماً بالمعنىٰ المصطلح، حيث إنَّ المفهوم الاصطلاحي يختصّ بالمداليل الالتزامية التي تكون ملازمتها بيِّنة بالمعنىٰ الأخص.

الإيراد الثاني: ما ذكره المحقِّق العراقي أيضاً ومحصله: أنَّ هذا التعريف لا يختصّ بدلالة الجمل، بل يشمل دلالة المفردات علىٰ لوازمها، حتَّىٰ لو كانت الملازمة بيِّنة بالمعنىٰ الأخص، كدلالة لفظ (حاتم) علىٰ الجود، مع أنَّ المفهوم الاصطلاحي يختصّ بالقضايا المستفادة من الجمل، ولا يشمل دلالة المفردات علىٰ لوازمها.

وبذلك يتَّضح أنَّ التعريف المذكور لا يفي بتمييز المفهوم الاصطلاحي عن سائر المداليل الالتزامية(5).

التعريف الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية:

المفهوم: عبارة عن الحكم الذي هو لازم لخصوصية في المعنىٰ المطابقي، وليس من لوازم نفس المدلول المطابقي، فكلّ حكم إنشائي؛ مثل: (إن جاءك زيد فأكرمه)، أو إخباري؛ مثل: (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود)، يُفهم منه انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط لخصوصية في المعنىٰ المطابقي، فهذا هو المفهوم سواء كان ذلك الفهم بالوضع أو بالإطلاق.

والوجه في ذلك: لأنَّ مفهوم الشرط هو عبارة عن انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، وهذا المفهوم ليس من لوازم المدلول المطابقي للجملة الشرطية؛ وهو الثبوت عند الثبوت، فلا يُستفاد من نفس المدلول المطابقي انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط؛ فقد يكون الجزاء مترتباً علىٰ الشرط وعلىٰ شيء آخر غير الشرط، فانتفاء الشرط لا يعني انتفاء الجزاء، فهنا المدلول المطابقي لا يدلّ علىٰ الانتفاء عند الانتفاء، وإنَّما يدلّ علىٰ ذلك مع وجود خصوصية؛ وهي كون الشرط علةً منحصرةً للجزاء والجزاء معلولاً، فإذا كانت هذه الخصوصية موجودةً فيحصل الانتفاء عند الانتفاء.

وبناءً علىٰ ذلك: أنَّ مفهوم الشرط -انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط- من لوازم خصوصيةٍ في المدلول المطابقي، بخلاف وجوب المقدمة؛ فإنَّها غير مستفادةٍ من خصوصيةٍ في المدلول المطابقي للجملة الشرطية، فوجوب أخذ التأشيرة للحج غير مستفادٍ من خصوصيةٍ في المدلول المطابقي للوجوب، وإنَّما هو مستفادٌ من أصل الوجوب.

وكأنَّه (رحمه الله) أراد بهذا الكلام وهو: (المفهوم مستفاد من خصوصية في المدلول المطابقي) أن يرفع إشكالاً حاصله: أنَّه يلزم من التعريف أن يكون كل مدلولٍ التزامي مفهوماً، فقيد ذلك بالخصوصية، وهي كون الشرط علةً للجزاء والجزاء معلولاً، فالمدلول الالتزامي ما كان ناشئاً عن خصوصيةٍ في المدلول المطابقي.

قال (رحمه الله): (المفهوم… عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري يستتبعه خصوصية المعنىٰ الذي أُريد من اللفظ، بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة، وكان يلزمه لذلك، وافقه في الإيجاب والسلب أو خالفه)(6)، وبهذا تخرج سائر المداليل الالتزامية التي ليس لها مفهوم.

ويرد عليه:

أوَّلاً: أنَّه لا ينسجم مع إدخال مفهوم الموافقة ضمن المفاهيم؛ لأنَّ الحكم فيه، كحرمة ضرب الوالدين المستفادة من قوله تعالىٰ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (الإسراء: 23)، لازمٌ لأصل المدلول المطابقي، لا لخصوصية فيه، مع أنَّ البحث الاصطلاحي قد يختصّ بمفاهيم المخالفة.

الثاني: أنَّ التعريف غير مانع؛ إذ قد يصدق علىٰ ما ليس من المفاهيم، كوجوب مقدّمة الواجب، بناءً علىٰ أنَّ المدلول المطابقي لصيغة الأمر هو الطلب، وأنَّ الوجوب يُستفاد من الإطلاق ومقدّمات الحكمة؛ فعندئذٍ يكون وجوب المقدّمة لازماً لخصوصية في المدلول المطابقي، مع أنَّه لا يُعدّ من المفاهيم الاصطلاحية(7).

التعريف الثالث: ما ذكره المحقِّق النائيني:

ذكر المحقِّق النائيني في بيان المراد من المفهوم ما محصله: أنَّ لفظ المفهوم يطلق علىٰ المعنىٰ المدرك ذهنياً، ويشمل هذا المعنىٰ المفاهيم الإفرادية المستفادة من الألفاظ المفردة، ويطلق في اصطلاح الأصوليين علىٰ المفهوم المقابل للمنطوق، وهو مختص بالمعاني التركيبية المستفادة من الجمل.

ثم يبيِّن أنَّ الدلالة الالتزامية تنقسم إلىٰ لفظية وعقلية، فاللفظية هي ما كان الانتقال فيها من المعنىٰ الموضوع له إلىٰ لازمه ناشئاً من اللزوم البيِّن بالمعنىٰ الأخص، وأمَّا العقلية فهي ما احتاج فيه هذا الانتقال إلىٰ مقدمة خارجية كما في الانتقال من وجوب ذي المقدمة إلىٰ وجوب المقدمة.

ثم يذكر المحقِّق النائيني أنَّ دلالة الجملة علىٰ المعنىٰ التركيبي إذا استندت إلىٰ نفس الجملة كانت منطوقية وإذا استندت إلىٰ انفهام المعنىٰ غير المنطوق من منطوق الجملة باللزوم البيِّن بالمعنىٰ الأخص كانت مفهومية، أمَّا إذا استندت إلىٰ للزوم البيِّن بالمعنىٰ الأعم الذي يحتاج إلىٰ مقدمة خارجية كانت سياقية، كدلالات الاقتضاء والتنبيه والإشارة.

وبذلك يتَّضح أنَّ المفهوم الاصطلاحي يختص بالمعاني التركيبية التي تدل عليها الجملة بالدلالة الالتزامية اللفظية، ولا يشمل الدلالات التي يتوقَّف الانتقال فيها إلىٰ اللازم علىٰ مقدمة عقلية(8).

والظاهر أنَّ المصنّف خلط بين اللازم غير البيِّن واللازم البين بالمعنىٰ الأعم حيث ذكر مثال المقدمة للازم بالمعنىٰ الأعم مع أنَّها من قبيل اللازم غير البيِّن الذي يحتاج إلىٰ مقدمة خارجية(9).

ويرد عليه ما ذكره الشهيد الصدر: وحاصله: أنَّ حصر المفهوم الاصطلاحي في المدلول الالتزامي الذي يكون لزومه بيِّناً بالمعنىٰ الأخصّ لا ينسجم مع واقع البحث الأصولي في باب المفاهيم؛ لأنَّ الأصوليين، ومنهم المحقِّق نفسه، استدلّوا لإثبات المفهوم بوجوه تحتاج إلىٰ استدلال عقلي، ومن أبرزها قاعدة: (الواحد لا يصدر إلَّا من واحد)، التي استُدلّ بها علىٰ أنَّ الشرط هو المؤثِّر في الجزاء، وأنَّه لا يمكن افتراض علّة أخرىٰ مستقلة عنه؛ لأنَّ ذلك يستلزم صدور الواحد من اثنين، أو افتراض تأثير الجامع بينهما، وهو خلاف ظهور الشرط في التأثير بعنوانه. وبما أنَّ إثبات المفهوم بهذا الوجه يتوقَّف علىٰ قاعدة فلسفية دقيقة لا يدركها إلَّا من أحاط بمقدّماتها، فكيف يمكن عدّ هذا المفهوم لازماً بيِّناً بالمعنىٰ الأخصّ، مع أنَّ الانتقال من الشرط إلىٰ المفهوم يحتاج إلىٰ استدلال وبرهان عقلي(10).

التعريف الرابع: ما ذكره المحقِّق الأصفهاني:

إنَّ المقصود من المفهوم هو التابع في فهمنا للفظ بحيث تكون حيثيته فهمنا للازم مذكورةً في المنطوق، توضيح ذلك: أنَّ الكلام يمكن أن يدل علىٰ أمرين:

الأوَّل: يدلّ علىٰ الملزوم -أي المدلول المطابقي- ويدلّ علىٰ اللازم، ولكن لا يدلّ علىٰ حيثية فهمنا اللازم من الملزوم، فحيثية الانفهام لا يدلّ عليها؛ كما في سائر اللوازم؛ مثلاً: وجوب المقدمة كوجوب قطع المسافة؛ فإنَّها لازمٌ من لوازم الوجوب، وقد فهمناه من أصل الوجوب، أمَّا حيثية الانفهام فلا يدلّ عليها الوجوب، نعم يُفهم ذلك عن طريق البرهان، هذا القسم لا يعتبره الأصفهاني مفهوماً مصطلحاً.

الثاني: بالإضافة إلىٰ دلالته علىٰ اللازم والملزوم كذلك يدلّ علىٰ حيثية الانفهام. مثلاً: مفهوم الشرط ينطبق عليه التعريف، وذلك لأنَّ الجملة: (إن خفي الأذان فقصر)؛ فهذه الجملة تدلّ علىٰ اللزوم، وتدلّ علىٰ اللازم وهو المفهوم، وتدلّ أيضاً علىٰ حيثية انفهام اللازم، وهو باعتبار أنَّنا فهمنا أنَّ خفاء الأذان علةٌ منحصرةٌ لوجوب القصر، وإذا انتفت العلة المنحصرة ينتفي التقصير، وهذا هو السبب في فهمنا اللازم(11).

ويرد عليه ما ذكره الشهيد الصدر (قدّس سرّه):

إنَّ المراد من حيثية الانفهام هو برهان الملازمة ونكتتها، وهي تتألَّف من صغرىٰ وكبرىٰ، فإذا اشترطنا أن تكون الصغرىٰ مستفادة من المنطوق، شمل التعريف جميع موارد الدلالات الالتزامية؛ لأنَّ المدلول المطابقي في هذه الموارد يمثِّل صغرىٰ الملازمة، أي الملزوم الذي ينتقل الذهن منه إلىٰ لازمه، فلا يكون هذا الشرط كافياً لتمييز المفهوم الاصطلاحي عن سائر الدلالات الالتزامية.

أمَّا إذا اشترطنا أن تكون كبرىٰ الملازمة، وهي الانتفاء عند الانتفاء، مستفادة من المنطوق، فهذا الشرط غير متحقّق في الجملة الشرطية؛ لأنَّ دلالة الجملة علىٰ انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ليست مستفادة من منطوقها، بل هي لازم منطوقها، ومن هنا عُدَّت مفهوماً لا منطوقاً. أمَّا إذا دلَّ دليلٌ صراحةً علىٰ انتفاء الحكم المذكور عند انتفاء قيده أو شرطه، كان الانتفاء حينئذٍ مدلولاً منطوقياً، لا مفهوماً(12).

التعريف الخامس: تعريف الشهيد الصدر للمفهوم:

وأمَّا الشهيد الصدر فقد ذكر في تحديد مفهوم الشرط ما محصّله:

مثلاً لو قيل: (إن زارك ابن العلوية فأكرمه)، فهذا الكلام له مدلولٌ مطابقيٌّ وله ثلاثة مداليل التزامية:

المدلول الأوَّل: أنَّ هذا الكلام يدلّ علىٰ أنَّه إن زارتك العلوية فبطريقٍ أولىٰ يجب الإكرام. هذا المدلول الالتزامي غير داخلٍ في المفهوم المصطلح، وإن كان يُعبَّر عنه بمفهوم الموافقة. والوجه في ذلك: لأنَّ هذا المدلول الالتزامي ليس متفرعاً علىٰ الحكم، وإنَّما هو متفرّعٌ علىٰ طرف الحكم، وما دام أنَّ طرف الحكم هو ابن العلوية، فإذا زارتك العلوية يجب الإكرام، ولكن لو استبدلنا الموضوع لو قلنا: (إن زارك اليتيم)، فإنَّ طرف الحكم هنا استُبدِل، فلا يكون هذا الكلام دالاً علىٰ الأولوية. ففي مفهوم الأولوية يكون المدلول الالتزامي متعلقاً بطرف الحكم بما هو طرف الحكم، بحيث لو تغيَّر هذا الطرف إلىٰ موضوعٍ آخر فهذا المفهوم لا يوجد وتنتفي الأولوية؛ فإنَّه لازمٌ لطرف الحكم لا نفس الحكم، فيكون مفهوم الموافقة أو (مفهوم الأولوية) خروجاً عن بحثنا، وإن كان يصدق عليه المفهوم بالمعنىٰ الأعم للمفهوم.

المدلول الثاني: نفس هذا الكلام (إن زارك ابن العلوية فأكرمه) يدلّ بالدلالة الالتزامية علىٰ وجوب توفير مقدمات الإكرام، وهذا المدلول الثاني ليس محطّ نظرنا أيضاً؛ لأنَّ هذا المفهوم ليس متفرعاً علىٰ ربط الحكم فهو لازمٌ لنفس الوجوب، فهو متفرعٌ علىٰ نفس الوجوب، وهذا أيضاً لا يدخل في بحثنا وإن كان مدلولاً التزامياً، وهذا يُبحث في الدليل العقلي.

المدلول الثالث: (إن زارك ابن العلوية فأكرمه) هذا يدلّ بالالتزام علىٰ أنَّه إن لم يزرك ابن العلوية فلا يجب إكرامه، وهذا اللازم لازمٌ للربط الخاص الموجود بين الحكم وبين طرف الحكم، فهذا الربط يستلزم أنَّه إذا انتفىٰ الشرط انتفىٰ الجزاء. فهذا التلازم ليس لازماً للحكم ولا لطرف الحكم، إنَّما هو لازمٌ للربط الموجود بين طرف الحكم والحكم. مثلاً: لو أبدلنا هذا الكلام بكلامٍ آخر وقال: (إن زارك اليتيم فأكرمه)، هنا الانتفاء عند الانتفاء أيضاً موجود، وهذا هو المفهوم؛ وهو: لازم الربط الخاص القائم بين الشرط والجزاء أيّاً كان الموضوع وأيّاً كان الحكم(13).

المبحث الثاني: الضابطة العامة في تحقُّق المفهوم:

بعد أن اتَّضح المراد من المفهوم يقع الكلام هنا حول: ما هي الضابطة التي إن كانت موجودةً في الجملة بشكلٍ عام كان للجملة مفهوم؟ ذهب المشهور إلىٰ أنَّ الضابط لكون الجملة ذات مفهوم هو توفُّر ركنين، بحيث إذا توفّر هذان الركنان كان للجملة مفهوم.

الركن الأوَّل: أن يكون الربط لزومياً عِلّياً انحصارياً.

وللأصوليين في الركن الأوَّل مسلكان.

المسلك الأوَّل: مسلك مشهور الأصوليين:

أن تكون الجملة دالة علىٰ الربط اللزومي العلّي الانحصاري بحيث يكون الشرط علة للجزاء في الجملة الشرطية، ويكون المستثنىٰ علة منحصرة للمستثنىٰ منه في الجملة الاستثنائية. والمقصود من اللزومي أي أن لا يكون اتِّفاقياً، بمعنىٰ أن لا يكون الشرط أو المستثنىٰ جزء العلة أو هناك علة أخرىٰ غيره، فإذا كان الشرط أو الوصف أو المستثنىٰ مربوطاً بالحكم ربطا لزومياً لا اتِّفاقياً وعلياً انحصارياً ثبت المفهوم(14).

المسلك الثاني: مسلك الشهيد الصدر: يكفي أن يكون الحكم في الجزاء منوطاً وملتصقاً بالشرط، ولو لم يكن الشرط علة منحصرة للجزاء، لأنَّ الشرط ما دام منوطاً وملتصقاً بالجزاء، فإذا انتفىٰ الشرط انتفىٰ الجزاء بلا حاجة إلىٰ إثبات أنَّ الشرط علة منحصرة للجزاء، فلو كان جزء علة أو كان الشرط والجزاء معاً معلولان لعلة ثالثة، فإنَّ الجزاء إذا كان ملتصقاً بالشرط ينتفي بانتفاء الشرط. وهذا الالتصاق ثابت علىٰ مستوىٰ المدلول التصوري، وعلىٰ مستوىٰ المدلول التصديقي لها.

أمَّا علىٰ مستوىٰ المدلول التصوري للجملة:

فيمكن أن يقال: إنَّ ربط الشرط بالجزاء يتصوّر علىٰ نحوين:

النحو الأوَّل: أن يقال: إنَّ ربط الجزاء بالشرط يكون علىٰ نحو الالتصاق والتوقف، بحيث يمكن التعبير عن الجملة الشرطية (إذا جاء زيد فأكرمه) بمعنىٰ اسمي وهو (أنَّ وجوب إكرام زيد متوقّف وملتصق بمجيئه)، وهنا لا إشكال في تمامية الركن الأوَّل وثبوت الانتفاء عند الانتفاء لأنَّ ثبوت الجزاء من دون الشرط خلف التصاقه بالشرط.

النحو الثاني: أنَّ مفاد هيئة الجملة هو النسبة الإيجادية بمعنىٰ أنَّ ربط الشرط بالجزاء مستلزم وموجد للجزاء، ويمكن التعبير عن الجملة الشرطية (إذا جاء زيد فأكرمه) بمعنىٰ اسمي وهو (أنَّ مجيء زيد مستلزم وموجب لإكرامه)، وفي هذا النحو لا يمكن إثبات الركن الأوَّل علىٰ مستوىٰ المدلول التصوري، وذلك لأنَّه يمكن أن نفترض أنَّ الشرط موجد للجزاء من دون أن يكون الجزاء ملصقاً بالشرط.

أمَّا علىٰ المستوىٰ التصديقي للجملة:

أمَّا النحو الأوَّل وهو الإلصاق فهو ثابت هنا بنفس الكلام المتقدّم، وأمَّا النحو الثاني: وهو الاستلزام، فإنَّه وإن لم يثبت علىٰ مستوىٰ المدلول التصوري، لكن يمكن إثباته علىٰ مستوىٰ المدلول التصديقي بالبرهان.

وحاصله: أنَّ هناك قاعدة تقول: إنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحد، وهذا القاعدة يمكن تطبيقها في المقام بأن يقال: إنَّه لو كان للحكم في الجزاء علة أخرىٰ غير الشرط لزم صدور الواحد من اثنين وهو مستحيل، وعليه فالجزاء لا يصدر إلَّا من الشرط وحينئذٍ فمع انتفاء الشرط ينتفي الجزاء(15).

الركن الثاني: أن يكون المرتبط طبيعي الحكم لا شخصه:

فلو لم ينتفِ طبيعي الحكم وإنَّما انتفىٰ شخصه لم يثبت المفهوم، لأنَّه لو لم ينتف طبيعي الحكم وسنخه يبقىٰ من المحتمل أن يكون الحكم ثابتاً، لأجل ملاك آخر غير الشرط مثلاً. توضيح ذلك بالمثال: إذا جاء زيد فأكرمه، فإنَّ وجوب الإكرام له درجتان من الحكم:

1- وجوب الإكرام المقيَّد بالمجيء وهو شخص الحكم.

2- وجوب الإكرام غير المقيَّد بالمجيء وهو سنخ الحكم وطبيعيه.

والمفهوم إنَّما يثبت إذا انتفىٰ وجوب الإكرام غير المقيَّد بالمجيء.

استنتاج وتلخيص للمحور الأوَّل:

المفهوم لغةً هو المعنىٰ الذي يُدرك ويُفهم من اللفظ، أمَّا في الاصطلاح الأصولي فهو يقابل المنطوق، وقد اختلف الأصوليون في تحديده. فمنهم من عرَّفه بأنَّه ما دلَّ عليه اللفظ لا في محلِّ النطق، وأُشكل علىٰ هذا التعريف بأنَّه يشمل مطلق الدلالات الالتزامية، حتَّىٰ دلالة المفردات علىٰ لوازمها، ولا يختصّ بالمفهوم الاصطلاحي. وعرَّفه صاحب الكفاية بأنَّه الحكم الذي يستلزمه اللفظ لخصوصية في معناه المطابقي، غير أنَّ هذا التعريف أورد عليه أنَّه لا يميّز المفهوم بصورة كافية عن بعض اللوازم الأخرىٰ.

أمَّا المحقِّق النائيني فخصّ المفهوم بالدلالة الالتزامية اللفظية القائمة علىٰ اللزوم البيِّن بالمعنىٰ الأخصّ، وقد نوقش هذا التحديد بأنَّ بعض أدلة إثبات المفهوم تعتمد علىٰ استدلالات عقلية.

كما بحث المحقِّق الأصفهاني حيثية انفهام اللازم من المنطوق، وأُشكل عليه بأنَّ هذه الحيثية إن أُريد بها صغرىٰ الملازمة شملت سائر الدلالات الالتزامية، وإن أُريد بها كبرىٰ الملازمة، أي الانتفاء عند الانتفاء، لم تكن مستفادة من منطوق الجملة الشرطية نفسها.

أمّا الشهيد الصدر فميَّز بين اللازم المتفرِّع علىٰ طرف الحكم، واللازم المتفرِّع علىٰ أصل الحكم، واللازم الناشئ من الربط الخاصّ بين الحكم وموضوعه أو شرطه، وعدَّ القسم الأخير هو المرتبط بالمفهوم الاصطلاحي، كما في انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط.

2- ذهب مشهور الأصوليين إلىٰ أنَّ تحقُّق المفهوم يتوقَّف علىٰ ركنين أساسيين:

أوَّلهما: أن يكون الربط بين الشرط والجزاء، أو بين المستثنىٰ والمستثنىٰ منه، ربطاً لزومياً علّياً انحصارياً، بحيث يكون الشرط أو المستثنىٰ علةً منحصرةً للحكم، فلا يثبت الحكم عند انتفائه. أمَّا الشهيد الصدر فيرىٰ أنَّ المعيار هو كون الحكم في الجزاء منوطاً بالشرط وملتصقاً به، فلا يبقىٰ مجال لثبوته عند انتفاء الشرط، حتَّىٰ من دون إثبات كون الشرط علةً منحصرةً له؛ وقد يُستدلّ علىٰ ذلك بالمدلول التصوري للجملة أو بالمدلول التصديقي والبرهان العقلي.

والركن الثاني: هو أن يكون المنفي عند انتفاء الشرط طبيعي الحكم وسنخه، لا شخص الحكم وحده؛ لأنَّ انتفاء الحكم المقيَّد بالشرط لا يمنع من ثبوت حكم آخر من سنخه بسبب آخر. وباجتماع هذين الركنين يثبت المفهوم، أي دلالة الجملة علىٰ انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء ما عُلِّق عليه، وهو الأساس الذي يُرجع إليه عند بحث مدىٰ توفّر المفهوم في الجملة الاستثنائية.

المحور الثاني: الجملة الاستثنائية ودلالتها علىٰ المفهوم:

المبحث الأوَّل: الجملة الاستثنائية أجزائها وأقسامها ودلالتها:

وفي هذه المبحث نريد أن نحلِّل الجملة الاستثنائية ونبيِّن أجزاءها ومدلولها المطابقي والالتزامي، وهذا ما سنتحدَّث عنه في جهتين:

الجهة الأولىٰ: أجزاء الجملة الاستثنائية وأقسامها:

تتكوَّن الجمة الاستثنائية من أجزاء ثلاثة وهي بالترتيب كالتالي:

1- المستثنىٰ منه: وهو الجملة التي تذكر قبل أداة الاستثناء، وهي تارة تكون مثبتة وأخرىٰ منفية. مثل: (أكرم الفقراء إلَّا الفساق) و(لا تكرم الفقراء إلَّا العدول).

2- أداة الاستثناء: مثل (إلَّا) (غير) (سوىٰ) (عدا) (خلا) (حاشا).

3- المستثنىٰ: وهو اسم يذكر بعد أدوات الاستثناء إلَّا وأخواتها مخالفاً لما قبله في الحكم. مثلاً لو قيل: (أطع الفقهاء إلَّا الفسّاق). فالفساق مستثنىٰ، لأنَّه وقع بعد (إلَّا) وهو غير داخل في حكم وجوب الإطاعة.

أقسام الجملة الاستثنائية:

1- أن يكون المستثنىٰ راجعاً إلىٰ موضوع الحكم مثل: (أكرم الفقيه غير الفاسق).

2- أن يكون المستثنىٰ راجعاً إلىٰ الحكم، والمستثنىٰ منه مثبت نحو: (أطع الفقهاء إلَّا الفساق).

3- أن يكون المستثنىٰ راجعاً إلىٰ الحكم، والمستثنىٰ منه منفي. (لا يجب تصديق المخبر إلَّا الثقة).

الجهة الثانية: دلالة الجملة الاستثنائية منطوقاً ومفهومها:

وهنا نتحدَّث حول المنطوق والمفهوم بغض النظر عن حجيَّتهما أي أنَّنا هنا نريد تحديد المنطوق والمفهوم، وأمَّا هل أنَّ هذا المدلول الالتزام الذي حدَّدناه تنطبق عليه الضابطة الكلية في المفهوم، فهذا سيأتي في المبحث الثاني إنَّما الكلام هنا معقود لتحديد المنطوق والمفهوم لا أكثر.

وسنتكلَّم عن الأقسام الثلاثة المتقدمة للجملة الاستثنائية:

1- الجملة الاستثنائية التي يكون الاستثناء فيها من الموضوع: من قبيل (أكرم الفقيه غير الفاسق) فأمَّا المنطوق فهو إكرام الفقيه غير الفاسق، وأمَّا المفهوم: وهو المدلول الالتزامي لهذه الجملة، فهو عدم إكرام الفقيه الفاسق.

2- الجملة الاستثنائية التي يكون الاستثناء فيها من الإثبات: نحو (أكرم الفقهاء إلَّا الفساق) فإمَّا منطوقها: فهو إكرام الفقهاء غير الفساق، وأمَّا المفهوم: فهو عدم إكرام الفقهاء الفساق.

3- الجملة الاستثنائية التي يكون الاستثناء فيها من النفي نحو: (لا تكرم الفقهاء إلَّا العدول).

فأمَّا المنطوق: فهو عدم إكرام الفقهاء الفساق، وأمَّا المفهوم فهو إكرام الفقهاء العدول.

ولكن ذكر بعض الأصوليين: أنَّ ما كل يستفاد من هذه الجمل بالمنطوق وليس بالمفهوم.

وبيان ذلك: أنَّه حينما يقال مثلاً: أكرم الفقهاء إلَّا الفساق، فهذه الجملة تدل علىٰ وجوب إكرام الفقهاء غير الفسّاق بالمنطوق وتدل علىٰ عدم إكرام الفقهاء الفساق بالمنطوق أيضاً، لأنَّ الدلالة الثانية ليست مستفادة من لازم المنطوق في الجملة، بل هي مستفادة من أداة الاستثناء (إلَّا) باعتبار أنَّ قوله: (إلَّا الفسَّاق) يعد قرينة علىٰ وجوب إكرام الفقهاء غير الفسّاق، وكذا الكلام بالنسبة إلىٰ باقي أجزاء الجملة الاستثنائية (16).

ويترتَّب علىٰ هذا الكلام ثمرة وهي بناءً علىٰ حجية هذا المنطوق، فإذا تعارض مع مفهوم آخر حجة، فيقدم منطوق هذا الاستثناء علىٰ المفهوم المعارض، لأنَّ المنطوق أقوىٰ دلالة من المفهوم(17).

المبحث الثاني: إثبات مفهوم الجملة الاستثنائية:

والحديث في هذا المبحث معقود لدراسة انطباق ضابطة المفهوم المتقدمة علىٰ الجملة الاستثنائية بجميع أنواعها، لنرىٰ مدىٰ انطباق ضابطة المفهوم علىٰ أنواع الجملة الاستثنائية ولما كان أنواع الجملة الاستثنائية ثلاثة كما تقدَّم فنتحدَّث عنها ضمن ثلاث جهات:

الجهة الأولىٰ: الاستثناء من موضوع الحكم:

القسم الأوَّل: الاستثناء من موضوع الحكم، أي أن يكون الاستثناء راجعاً إلىٰ موضوع الحكم، وذلك إذا كانت الأداة (إلَّا) وصفية بمعنىٰ (غير) أو حصل الاستثناء بغير، كما لو قيل: (أكرم الفقيه غير الفاسق)، فهل يدل علىٰ الانتفاء عند الانتفاء، أي هل يدل علىٰ انتفاء طبيعي وجوب الإكرام إذا كان الفقير فاسقاً أو لا؟

وقد أشار السيد الإمام الخميني (قدّس سرّه) إلىٰ هذا القسم من الاستثناء وذكر: أنَّ هذا النوع ليس محلّاً للبحث لكونه من قبيل مفهوم الوصف الذي لا يثبت له المفهوم(18).

وتعرَّض السيد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) إلىٰ هذا القسم أيضاً في بحوثه وذكر ما حاصله: أنَّ هذا النوع من الاستثناء لا يدل علىٰ المفهوم، فإنَّه يرجع إلىٰ الوصف، لأنَّه تخصيص للمفهوم الإفرادي، وحينئذٍ فحكمه حكم مفهوم الوصف، ومن المعلوم أنَّ الوصف ليس له مفهوم باعتبار عدم تحقُّق كلا ركني المفهوم المتقدّم في المحور الأوَّل، فلا نسبة توقفية ولا ينتفي طبيعي الحكم بل ينتفي شخصه(19).

الجهة الثانية: الاستثناء من الإثبات:

وهو القسم الثاني من الاستثناء كما لو قال: (أكرم الفقهاء إلَّا الفسّاق منهم) ونتعرَّض هنا إلىٰ نظريتين نظرية الآخوند (قدّس سرّه) والشهيد الصدر (قدّس سرّه).

1- نظرية الآخوند الخراساني (قدّس سرّه):

فذهب الآخوند الخراساني إلىٰ أنَّ المفهوم ثابت فيها، ولذا قال: (إنَّ الاستثناء من الإثبات نفي)، ويقصد بذلك انتفاء الحكم عن المستثنىٰ، فلو قلنا: (أكرم الفقهاء إلَّا الفسّاق) يدل أوَّلاً: علىٰ اختصاص وجوب الإكرام بالفقهاء العدول، ويدل ثانياً: علىٰ انتفاء وجوب الإكرام عن الفقهاء الفساق. واستدل علىٰ ذلك بالتبادر فإنَّ المستفاد من إطلاق هذه الجملة هو عدم وجوب أكرم الفقهاء إذا كانوا فساقاً(20).

2- نظرية السيد الشهيد الصدر (قدّس سرّه):

وذهب الشهيد الصدر إلىٰ ثبوت المفهوم في هذا القسم من الاستثناء وهو الاستثناء من الإثبات.

واستدلَّ علىٰ ذلك بما يلي:

إنَّ ضابط المفهوم متحقّق فيه فإنَّ كلا الركنين متوفران في هذه الجملة.

أمَّا الركن الأوَّل: وهو الانحصار(21) فهو متوفّر في المقام، فإذا قلنا: (أكرم الفقهاء إلَّا الفساق) فإنَّ الفقهاء العدول علة منحصرة لوجوب الإكرام، وأنَّ الفساق ليس علَّة لوجوب الإكرام. فمع انتفاء الفقهاء العدول ينتفي طبيعي وجوب الإكرام وهذا هو المفهوم.

وأمَّا الركن الثاني: وهو كون المنتفي طبيعي الحكم فهو ثابت أيضاً في هذه الجملة الاستثنائية، وذلك لأنَّ النسبة في قولك: (أكرم الفقهاء إلَّا الفسّاق) القائمة بين المستثنىٰ والمستثنىٰ منه نسبة تامة، وإذا كانت النسبة تامة فيمكن إجراء الإطلاق لإثبات أنَّ الاستثناء من طبيعي الحكم(22).

الجهة الثالثة: الاستثناء من النفي:

وهو القسم الثالث من الاستثناء وهو من قبيل ما ورد في الروايات «لا خُمس إلَّا في الغنائم»، وقد ذهب أكثر الأصوليين من الإمامية إلىٰ أنَّ الاستثناء من النفي يدل علىٰ المفهوم. فمفهوم الجملة المتقدمة الخمس في الغنائم.

واستدل صاحب الكفاية علىٰ ذلك بعدَّة أدلة:

الدليل الأوَّل: التبادر أي المتبادر من قوله: «لا خُمس إلَّا في الغنائم»، أنَّ الخمس في الغنائم.

الدليل الثاني: الاستدلال بكلمة التوحيد:

ويمكن أن يستدل علىٰ ثبوت المفهوم للاستثناء من النفي بكلمة التوحيد: بأن يقال: إنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) كان يقبل إسلام من نطق بـ(لا إله إلَّا الله) فلو لم تكن دالة علىٰ الاعتراف بأنَّ الإله الموجود هو الله. لما جاز لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن يقبل إسلامهم.

ويرد علىٰ هذا الدليل ما ذكره صاحب الكفاية:

إنَّ دلالة هذه الكلمة علىٰ المفهوم إنَّما هو بالقرينة، وهذا لا يعني أنَّها تدل علىٰ المفهوم من دون القرينة. فلا يلزم إثبات دلالتها علىٰ المفهوم من دون القرينة.

ولكن خالف أهل العامة في ذلك حيث ذهب أبو حنيفة إلىٰ عدم ثبوت المفهوم له، واستدل علىٰ ذلك بقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلَّا بطهور»، فإنَّها لا تدل علىٰ المفهوم لأنَّه لو كان لها مفهوم فلابدَّ أنَّه مع وجود الطهور توجد الصلاة، في حين أنَّه قد يكون الإنسان متطهراً ولا تصح منه الصلاة لأجل عدم الاستقبال مثلاً إذن فالجملة الاستثنائية من النفي لا تدل علىٰ المفهوم.

وقد أورد عليه صاحب الكفاية ما محصله:

أوَّلاً: أنَّ المراد لا صلاة واحدة لسائر الشرائط إلَّا بطهور فيكون مفهوم الجملة الصلاة المشتملة علىٰ سائر الشرائط تتحقَّق مع الطهور. إذن فقد ثبت لها المفهوم.

وثانياً: أنَّ الاستثناء دائماً يدل علىٰ المفهوم، لكن لا باس باستعمال الاستثناء في ما لا مفهوم له مجازاً ومع القرينة كما في المقام، فإنَّه قامت القرينة علىٰ عدم ثبوت الصلاة مع الطهارة، فقد يكون الإنسان متطهراً ولا تحصل الصلاة لفقد شرط آخر.

وثالثاً: أنَّ إشكال أبي حنيفة إنَّما يأتي إذا قدرنا كلمة موجودة، وقلنا: لا صلاة‌ موجودة إلَّا بطهور، فإنَّه يلزم الإشكال ويقال بعدم ثبوت المفهوم وهو الصلاة موجودة مع الطهور، لأنَّه قد يحصل الطهور ولا توجد الصلاة، إلَّا أنَّه لا ضرورة لتقدير كلمة موجودة، ويجوز أن نقدر كلمة ممكنة لا صلاة ممكنة إلَّا بطهور، وحينئذٍ يثبت المفهوم وهو إذا كان الطهور فالصلاة ممكنة ولا يرد الإشكال(23).

المحور الثالث: موارد تطبيق الجملة الاستثنائية في الفقه:

بعد أن أثبتنا المفهوم لقسمين من أقسام الجملة الاستثنائية كان من المناسب جدًّا تطبيق هذه القاعدة في الفقه لنقتطف ثمار مسألتنا الأصولية من أغصان الفقه، وسنقتصر علىٰ أهم الموارد الفقهية لجملة الاستثناء واخترنا منها ثلاث جمل، وسنتحدَّث عن ذلك في ثلاثة مباحث:

المبحث الأوَّل: تطبيق القاعدة في باب الصلاة:

من جملة الجمل الاستثنائية في كتاب الصلاة هي القاعدة المعروفة بـ(لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس)، وهذه القاعدة يدل عليها صحيحة زرارة: عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: «لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَةٍ الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»، ثُمَّ قَالَ: «الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ وَالتَّشَهُّدُ سُنَّةٌ – وَلَا تَنْقُضُ السُّنَّةُ الْفَرِيضَةَ»(24).

ومعنىٰ الرواية: أنَّ الصلاة لا تعاد إذا كان الخلل الواقع فيها غير الأمور الخمسة المذكورة، ولكن يجب إعادتها إذا كان الخلل من الأمور الخمسة المذكورة. فمنطوق الرواية أنَّه لا يجب إعادة الصلاة إذا حصل خلل غير عمدي فيها ولم يكن ذلك الخلل من الأمور الخمسة، وأمَّا المفهوم فهو يجب إعادة الصلاة إن كان الخلل الواقع فيها أحد الأمور الخمسة.

وقد استدلَّ الفقهاء بمنطوق هذه القاعدة ومفهومها في مواضع عديدة:

أمَّا المنطوق وهو صحة الصلاة بالإخلال بغير الأمور الخمسة فهو خارج عن محلِّ البحث ولا يهمّنا فعلاً التعرُّض له، ومحل الكلام هو المفهوم الذي هو عبارة بطلان الصلاة إن كان الخلل الواقع فيها هو أحد الأمور الخمسة، والظاهر أنَّ وجوب الإعادة المستفاد من المفهوم مطلق من ناحيتين:

الأولىٰ: من حيث سبب الإخلال أي سواء أخلَّ بالأمور الخمسة عن عمد أو سهو أو جهل أو علم، ففي جميع الحالات يعيد الصلاة.

الناحية الثانية: الإطلاق من حيث الزيادة والنقيصة المتصوّر في الركوع والسجود دون الأمور الثلاثة الأخرىٰ حيث لا يتصوّر فيها الزيادة.

فمقتضىٰ إطلاق المفهوم هو الحكم ببطلان الصلاة في جميع هذه الحالات إلَّا إذا دلَّ دليل علىٰ خلاف ذلك فنقيد إطلاق المفهوم بمقدار الدليل الدال علىٰ ذلك.

فلابدَّ من الإشارة هنا إلىٰ بعض الفروع والموارد التي ذكرها الفقهاء فيما يخص هذا المفهوم:

1- من صلىٰ من دون طهور: قال في العروة الوثقىٰ: إذا أخلَّ بالطهارة الحدثيّة ساهياً بأن ترك الوضوء أو الغسل أو التيمّم بطلت صلاته، واستدل الاشتهاردي علىٰ الحكم بمفهوم قاعدة لا تعاد حيث قال: ويدل علىٰ حكم هذه المسألة مضافاً إلىٰ قاعدة (لا تعاد) أمور(25).

2- إنَّ من صلَّىٰ في غير الوقت سهواً أو عمداً تبطل صلاته بمقتضىٰ مفهوم هذه الجملة الاستثنائية حيث إنَّ مفهومها تعاد الصلاة في صورة الإخلال في الوقت والصلاة في غير الوقت أحد مصاديق الإخلال بالوقت. قال السبزواري: لكون الخلل في الوقت… مستثنىٰ من حديث (لا تعاد)(26).

3- من أخلَّ في الاستقبال: قال في العروة الوثقىٰ: (لو أخلَّ في الاستقبال عالماً عامداً بطلت صلاته مطلقاً)، واستدل السيد الحكيم علىٰ هذا الحكم بمفهوم حديث (لا تعاد) حيث قال: لحديث «لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود»(27).

4- من أخلَّ بالركوع زيادة أو نقيصة قال في العروة: (مسألة إذا حصل الإخلال بزيادة أو نقصان جهلاً بالحكم‌، فإن كان بترك شرط ركن كالإخلال… بنقصان ركعة أو ركوع أو غيرهما من الإجزاء الركنية أو بزيادة ركن بطلت الصلاة)(28)، وقد ذكر السيد الحكيم أنَّ الدليل علىٰ بطلان الصلاة بالإخلال بركعة أو ركوع زيادة أو نقيصة هو مفهوم حديث (لا تعاد) حيث قال: (وكأنَّه إطلاق‌ صدر صحيح زرارة… (لا تعاد الصلاة إلَّا من خمسة…)، فإنَّ إطلاقه شامل للجاهل بالحكم. ولأجله فصل بين الخلل في الركن -زيادة أو نقيصة- وبين الخلل في غيره، فجزم بالبطلان في الأوَّل، لقيام الدليل بالخصوص علىٰ قدحه في الصحة – كالاستثناء في الصحيح المذكور-… فترفع به اليد عن صدر الصحيح)(29).

5- من أخلَّ بالسجدتين: قال في العروة: (لو نسي السجدتين ولم يتذكر إلَّا بعد الدخول في الركوع من الركعة التالية بطلت صلاته)، واستدلَّ السيد الخوئي علىٰ ذلك بمفهوم حديث لا تعاد حيث قال: (لو تذكَّر بعد الدخول فيه [أي في ركوع الركعة اللاحقة] فلا مناص من الحكم بالبطلان… لاستلزام الإخلال بالركن علىٰ أيِّ حال فيشملها عقد الاستثناء في حديث لا تعاد، الذي هو شامل للزيادة كالنقيصة كما سبق)(30).

المبحث الثاني: تطبيق القاعدة في باب الخمس:

الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ليس الخمس إلَّا في الغنائم خاصّة…».

معنىٰ الرواية منطوقاً ومفهوماً: أمَّا منطوق الرواية فهو عدم وجوب الخمس في غير الغنائم من الأموال، وأمَّا مفهوم الروايات فهو وجوب الخمس في الغنائم. فإنَّ قوله: «ليس الخمس إلَّا في الغنائم» استثناء من القسم الثالث الذي قد تقدَّم ثبوت المفهوم فيه.

والظاهر أنَّ الفقهاء قد استفادوا منه المفهوم فإنَّ الاستثناء من النفي إثبات، أي أنَّ الخمس ثابت في الغنائم وإلَّا لو لم يستفد عدم الخمس في غير غنائم دار الحرب لما حاولوا الجمع بين الروايات حيث إنَّ هناك روايات دلَّت علىٰ ثبوت الخمس في غير غنائم دار الحرب من المعادن والغوص والمال الحلال المختلط بالحرام وغير ذلك.

الجمع الأوَّل: أن يراد ليس الخمس الثابت بالقرآن الكريم إلَّا في الغنائم، وحينئذٍ مفهومه أنَّ وجوب الخمس في غير الغنائم لم يثبت بالقرآن، بل ثبت بالسُنَّة فيرتفع التعارض، وهذا ما ذكره الشيخ الطوسي في التهذيب(31).

ويرد علىٰ هذا الجمع: أنَّ كلمة «ليس الخمس» مطلقة فهي تعني انتفاء الخمس عن غير غنائم دار الحرب في الشريعة الإسلامية قرآناً وسُنَّة ولا قرينة علىٰ أنَّ المراد في القرآن الكريم عملاً بالإطلاق، وحينئذٍ يقع التعارض بين هذه الرواية وسائر الروايات التي توجب الخمس في غير غنائم دار الحرب.

الجمع الثاني: أن يراد بالغنائم ما يشمل مطلق الغنائم، فيكون المعنىٰ ليس الخمس إلَّا في مطلق الغنائم التي تشمل جميع المواد التي يجب فيها الخمس.

ويرد عليه: قد يقال: إنَّ هذا الجمع غيره صحيح لأنَّه لا يوجد هناك توهّم وجوب الخمس في غير الموارد التي يجب فيها الخمس فلا يتوهَّم أحد وجوب الخمس في غير الغنائم بمعناها الشامل لسائر الموارد التي يجب فيها الخمس كالمعدن وغيره كي ينفي الإمام الخمس عن غير الغنائم.

والجواب: أنَّ توهّم وجوب الخمس في غير الغنائم قد نشأ من تصور أنَّ الخمس مثل الزكاة فإنَّ الزكاة تجب في غير الغنائم أيضاً. فأراد الإمام نفي هذا التوهُّم فقال: «ليس الخمس إلَّا في الغنائم خاصة»(32).

أقول: إنَّ هذا الكلام لا قرينة تدل عليه فأنَّىٰ لنا إثبات وجود التوهّم المزبور، ولو كان موجوداً لصرَّح به بأن يقول: ليس الخمس كالزكاة التي تجب في الغنائم وغير الغنائم، بل لا يجب إلَّا في الغنائم خاصة، وحيث لم يقيِّد فلا قرينة تدل علىٰ ذلك.

الجمع الثالث: أن يقال: إنَّ الألف واللام في الخمس للعهد وهي ترجع إلىٰ الخمس الذي لا يجب فيه إخراج المؤنة، فيكون التقدير ليس الخمس الذي لا يجب فيه إخراج المؤنة إلَّا في الغنائم.

الجمع الرابع: أن يكون الحصر إضافياً بمعنىٰ أنَّ ما يصل من الأموال إلىٰ المسلمين من الكفار من الأنفال أو الفيء الغائم لا خمس فيه إلَّا في الغنائم وأمَّا الفيء أو الأنفال فلا خمس فيه(33).

الجمع الخامس: من باب التقية لأنَّ العامة لا يقولون بوجوب الخمس إلَّا في الغنائم.

والجواب: أنَّ أهل العامة يقولون بأنَّ الخمس في المعدن أيضاً كما يشهد بذلك ما هو الموجود في كتبهم من وجوب الخمس في المعدن والركاز:

التحقيق في الجمع بين الروايات:

إنَّ الروايات تدل بالمنطوق علىٰ وجوب الخمس في غنائم دار الحرب، وبالمفهوم علىٰ عدم وجوب الخمس في غير غنائم دار الحرب في حين توجد لدينا روايات صريحة دالة علىٰ وجوب الخمس في غير الغنائم. فإذن نحن لا يوجد لدينا تعارض بين منطوق تلك الرواية وبين منطوق هذه الروايات، وإنَّما التعارض بين مفهوم تلك الرواية التي تقول: (لا يجب الخمس في غير الغنائم) وبين منطوق الروايات التي تقول: (يجب الخمس في غير الغنائم كالمعدن والغوص) وحينئذٍ أنَّ دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق فيقدم المنطوق عليه في باب التعارض من باب الأظهرية، وحينئذٍ ففي المقام يقدم منطوق الروايات القائلة بوجوب الخمس في غير غنائم دار الحرب علىٰ مفهوم تلك الرواية القائل بعدم وجوب الخمس في غير غنائم دار الحرب، لأنَّ المنطوق أصرح من المفهوم، والنتيجة: هي طرح مفهوم الرواية والتمسُّك بكلِّ من منطوقها ومنطوق الروايات، فإنَّه لا تعارض بينهما حيث إنَّ منطوق الرواية يقول: (يجب الخمس في غنائم دار الحرب) وتلك الروايات تقول: (يجب الخمس في المعدن والغوص… إلخ) فارتفع التعارض.

المبحث الثالث: تطبيق القاعدة باب الشروط:

هناك جملة من الروايات التي تدل علىٰ أنَّ الشرط في باب المعاملات يجب أن لا يكون محرِّماً للحلال أو محلِّلاً للحرام، وقد جاءت تلك الروايات علىٰ شكل جملة استثنائية مثبتة، أي من القسم الثاني حيث ورد عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أنَّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: «من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به، فإنَّ المسلمين عند شروطهم إلَّا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً».

حيث استدلَّ أكثر الفقهاء بمفهوم هذه الرواية، وقالوا بأنَّه لا يجب الوفاء بشرط حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً. وإن اختلفوا في بعض الموارد هل تدخل تحت المستثنىٰ أي من الشروط المحرِّمة للحلال أو المحلِّل للحرام أو تدخل تحت المستثنىٰ منه أي أنَّها شروط صحيحة يجب الوفاء به.

وفي ما يلي نستعرض بعض هذه الموارد:

المورد الأوَّل: اشتراط إرث المتمتّع بها في عقد المتعة:

فهل أنَّ هذا الشرط مخالف للكتاب والسُنَّة ليدخل في عقد المستثنىٰ فلا يجب الوفاء به أو ليس مخالفاً للكتاب والسُنَّة فيدخل في عقد المستثنىٰ منه فيجب الوفاء به، وبعبارة أخرىٰ هل أنَّ عدم إرث المتمتّع من الأحكام التي تتغيَّر إذا طرأ عليها الشرط، فلو شرطت علىٰ الزوج الإرث يجب إعطاءها الإرث لو مات الزوج، أو أنَّه حكم فعلي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل بالشرط. إذن فلابدَّ من ملاحظة الدليل الدال علىٰ عدم إرث الزوجة المتمتّع بها، فإن كان من الأوَّل كان اشتراط ذلك صحيحاً وغير مخالف للكتاب وإلَّا فيحكم بفساد الشرط وعدم وجوب الوفاء به.

وقد اختلف الفقهاء في ذلك علىٰ أقوال:

القول الأوَّل: ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري: أنَّ المتمتّع بها تارة تشترط الإرث في عقد المتعة فيحكم بالصحة. وأخرىٰ: تشترط ذلك في غير عقد المتعة كعقد البيع مثلاً واتَّفق الفقهاء علىٰ عدم صحة اشتراطها الإرث، وثالثة: تشترط إرث الأجنبي في ضمن عقد مطلقاً سواء كان متعة أو بيعاً اتَّفق الفقهاء علىٰ عدم مشروعية هذا الشرط.

وأورد علىٰ هذا الحكم: لماذا حكمنا في الصورة الأولىٰ بمشروعية الاشتراط وحكمنا في الصورتين الأخريين بعدم مشروعية الاشتراط؟ فلماذا ترث المتمتّع بها ولا يرث الأجنبي مع أنَّ الكل يشترك بكونه أجنبياً حسب الفرض. ومع اشتراك العقود أيضاً بكونها لازمة، فلماذا يصح الشرط في عقد المتعة، ولا يصح في عقد البيع، فلماذا أصبح اشتراط إرث المتمتّع بها في عقد المتعة موافقاً للكتاب واشتراط إرث الأجنبي مخالفاً للكتاب مع أنَّ الملاك واحد في الجميع، فإن كان الشرط مخالفاً للكتاب فهو مخالف في الجميع، وإن كان موافقاً فهو موافق في الجميع فما هو وجه الفرق؟

والجواب علىٰ ذلك: أنَّ هذا الاشتراط أي اشتراط إرث المتمتّع بها ليس مخالفاً للكتاب، لأنَّ الأخبار الدالة علىٰ أنَّ المتمتّع بها ترث تدل علىٰ صحة هذا الاشتراط لأنَّها مخصصة للعمومات الدالة علىٰ عدم إرث الزوجة المتمتَّع بها(34).

القول الثاني: ما ذهب إليه المحقِّق الأصفهاني تبعاً للمحقِّق اليزدي في حاشيته علىٰ المكاسب(35) من أنَّ الظاهر من الروايات التي تنفي الإرث عن المتمتّع بها هو من باب الأحكام الفعلية التي لا يمكن تغييرها بالاشتراط حيث إنَّ الروايات تقول اشترطاً أو لم يشترط. أي أنَّ هذا الحكم لا يتغيَّر بالشرط(36).

القول الثالث: ما ذهب إليه السيد الخوئي: أنَّ اشتراط إرث المتمتّع بها من حيث القاعدة‌ غير صحيح لأنَّه خارج عن اختيار المورث فهو غير مقدور فعدم جواز العمل بها ليس من باب أنَّه مخالف للكتاب، بل لأنَّه غير مقدور هذا من حيث القاعدة.

لكن رفع اليد عن هذه القاعدة بمقدار ما دلَّ الدليل المعتبر علىٰ خلافها حيث وردت رواية معتبرة بصحة الشرط المذكور، وحينئذٍ يستفاد أنَّ عدم إرث المتمتَّع بها من الحكم الاقتضائي الذي يتغيَّر بالشرط وعلىٰ كلِّ حال فالشرط نافذ يجب الوفاء به عملاً بالنص. وأمَّا الرواية التي تقول: (اشترط أم لم يشترط) فهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها(37).

المورد الثاني: اشتراط الضمان في العارية:

واختلف الفقهاء في ذلك علىٰ أقوال أيضاً:

القول الأوَّل: ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري أنَّ اشتراط الضمان تارة يكون في العارية وقد اتَّفق الفقهاء علىٰ صحة الاشتراط، وأخرىٰ في الإجارة وقد اشتهر بين الفقهاء عدم مشروعية الاشتراط. واستشكل في هذا الحكم بأنَّه إن كان عدم الضمان حكماً اقتضائيًّا أي أنَّه لو خلِّي وطبعه ومن دون طرح الشروط فالمفروض الحكم بصحة الاشتراط في الصورتين لأنَّ الملاك واحد، وإن كان عدم الضمان حكماً فعليًّا فالمفروض الحكم بعدم مشروعيّة الشرط وكونه مخالفاً للكتاب.

وعليه فيكون اشتراط الضمان في العارية من الموارد التي يشكل التمييز فيها(38).

القول الثاني: ما ذكره السيد اليزدي أنَّ الحكم في العارية وغير العارية من الأمانات عموماً عدم صحة اشتراط الضمان لأنَّ الحكم وهو عدم الضمان من الأحكام الفعلية التي لا تتغيَّر بالشرط. إلَّا أنَّه في خصوص المورد وهو العارية يوجد لدينا نص أخرجها عن القاعدة فيصح اشتراط الضمان(39).

ووافقه الشيخ الأصفهاني في هذا الحكم(40)، وهكذا السيد الخوئي في مصباح الفقاهة(41).

المورد الثالث: اشتراط عدم إخراج الزوجة إلىٰ بلد آخر:

واختلفوا فيه أيضاً علىٰ أقوال:

القول الأوَّل: ما ذكره الشيخ الأنصاري: وهذا المورد أيضاً من الموارد التي لا يمكن تمييزها هل هو حكم اقتضائي ليصح الشرط أو لا، فلا يصح، فإنَّ عدم إخراج الزوجة مباح للزوج.

فالبعض قال: حكم اقتضائي، وعليه فيصح الشرط فيجب عليه عدم الإخراج لو قَبِل بالشرط.

والبعض الآخر قال: إنَّه حكم فعلي فاشتراط (عدم إخراج الزوجة يكون مخالفاً للكتاب لأنَّه في الكتاب أنَّ عدم إخراج الزوجة مباح في حين أنَّ الشرط يوجبه.

ويرد علىٰ هؤلاء: أنَّ الشرط إمَّا أن يوجب فعلاً أو تركاً فهذا هو حقيقة الشرط، فهل هذا يعني أنَّنا نحكم بأنَّ الشروط السائغة مخالفة للكتاب والسُنَّة، وعليه هذا المورد عند الشيخ من الموارد المشكوكة.

القول الثاني: ما ذهب إليه السيد اليزدي أنَّ في هذا المورد يكون الاشتراط صحيحاً والمخالف نادر لأنَّه مقتضىٰ القاعدة ولا دليل علىٰ عدم المشروعية، بل يوجد النص الخاص بالجواز فيصح الاشتراط(42) ووافقه الشيخ الأصفهاني(43) وكذا السيد الخوئي في مصباح الفقاهة(44).

تلخيص واستنتاج:

يمكن تلخيص البحث في أمور:

1- قد اختلف الأصوليون في المراد المفهوم وذكروا له تعاريف مختلفة ولعلَّ الأصح في تعريف المفهوم هو ما ذكره السيد الشهيد الصدر(قدّس سرّه) حيث ذكر أنَّ المفهوم هو المدلول الالتزامي للربط الخاص القائم بين الجزاء والشرط في الجملة الشرطية أو المستثنىٰ والمستثنىٰ ‌منه في الجملة الاستثنائية وبه يخرج مفهوم الموافقة ومقدمات الواجب.

2- يرتكز ثبوت المفهوم في قاعدة الاستثناء علىٰ ركني المفهوم أحدهما أن يكون ارتباط الحكم بالمستثنىٰ علياً انحصارياً علىٰ المشهور أو ثبوت التوقّف والالتصاق علىٰ مسلك السيد الشهيد الصدر، والثاني أن يكون المنتفي هو طبيعي الحكم وسنخه، وقد وجدنا أنَّ ضابطة المفهوم هذه منطبقة علىٰ هذه القاعدة في قسمين منها، وهما الاستثناء من الإثبات والاستثناء من النفي فيثبت لها المفهوم في هذين القسمين علىٰ ما هو الصحيح، وأمَّا القسم الآخر وهو الاستثناء من الموضوع فلا يثبت له المفهوم.

3- ولمفهوم الاستثناء فروع وتطبيقات فقهية ذكرنا منها ثلاثة: أحدها في باب الصلاة والآخر في باب الخمس والثالث في باب الشروط، أمَّا في باب الصلاة فقوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلَّا من خمس» ومفهومها صحة الصلاة في غير الخمس إلَّا ما خرج بالدليل، وأمَّا في باب الخمس فقوله (عليه السلام): «لا خمس إلَّا في الغنائم»، فيثبت المفهوم وهو انحصار الخمس في الغنائم فيتعارض هذا المفهوم مع الروايات المثبتة للخمس في غير الغنائم، ولذا ذكروا عدَّة أجوبة لحلِّ هذا التعارض، وأمَّا في باب الشروط فقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلَّا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً»، وذكرنا أنَّ الفقهاء استفادوا المفهوم من هذه الرواية وهو عدم وجوب الوفاء بالشرط إذا كان مخالفاً للكتاب والسُنَّة، ولكن اختلفوا في بعض الموارد المشكوكة هل أنَّها مخالفة للكتاب والسُنَّة أوَّلاً وذكرنا آراء الفقهاء فيها.

فهرست المصادر:

  1. ابن الحاجب، جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر، منتهىٰ الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ/1985م.
  2. الأصفهاني، محمد حسين. نهاية الدراية في شرح الكفاية. تحقيق: مهدي إحدىٰ أميركلايي. قم: انتشارات سيد الشهداء، الطبعة الأولىٰ، 1374 هـ.ش.
  3. الأصفهاني، محمد حسين. حاشية كتاب المكاسب. تحقيق: الشيخ عباس محمد القطيفي. قم: دار ذوي القربىٰ، الطبعة الثانية، 1427 هـ.ق.
  4. الأراكي، محمد علي. أصول الفقه. قم: مؤسسة در راه حق، الطبعة الأولىٰ، 1415 هـ.ق.
  5. الأنصاري، مرتضىٰ. كتاب المكاسب. قم: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1420 هـ.ق.
  6. الاجتهادي، علي. مدارك العروة. قم: منشورات مكتبة الإرشاد، الطبعة الأولىٰ، 1417 هـ.ق.
  7. التوحيدي، محمد علي. مصباح الفقاهة في المعاملات (تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي). قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولىٰ، 1426 هـ.ق / 2005 م.
  8. الحائري، عبد الكريم. درور الفوائد. قم: منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الأولىٰ، 1408 هـ.ق.
  9. الحائري، مرتضىٰ (ابن الشيخ عبد الكريم الحائري). كتاب الخمس. تحقيق: الشيخ محمد حسين الأستادي. قم: منشورات الحائري، الطبعة الأولىٰ، 1418 هـ.ق.
  10. الخراساني، محمد كاظم. كفاية الأصول. تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الخامسة، 1429 هـ.ق.
  11. الخميني، روح الله. جواهر الأصول (تقرير أبحاث الإمام الخميني بقلم الشيخ محمد حسن القديري). قم: تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولىٰ، 1418 هـ.ق.
  12. الخوئي، أبو القاسم. أجود التقريرات (تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين النائيني). قم: مؤسسة صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)، الطبعة الأولىٰ، 1420 هـ.ق.
  13. الخوئي، أبو القاسم. موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولىٰ، 1418 هـ.ق.
  14. السبزواري، عبد الأعلىٰ. مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام. قم: مؤسسة المنار / مطبعة المنار، الطبعة الرابعة، 1413 هـ.ق.
  15. الصدر، محمد باقر. دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة). قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر / مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1414 هـ.ق.
  16. الطوسي، محمد بن الحسن. تهذيب الأحكام في شرح المقنعة. تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان. طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1390 هـ.ق.
  17. العاملي، محمد بن الحسن. تفصيل وسائل الشيعة إلىٰ تحصيل مسائل الشريعة. تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم المقدسة، الطبعة الأولىٰ، 1409 هـ.ق.
  18. عبد الساتر، حسن. بحوث في علم الأصول (تقرير أبحاث الشهيد السيد محمد باقر الصدر). بيروت: الدار الإسلامية، الطبعة الأولىٰ، 1405 هـ.ق.
  19. العراقي، ضياء الدين. نهاية الأفكار. تقرير: الآغا ضياء الدين العراقي، بقلم الشيخ محمد تقي البروجردي. قم: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولىٰ، 1405 هـ.ق.
  20. العراقي، ضياء الدين. مقالات الأصول. تحقيق: مجتبىٰ المحسني الأراكي. قم: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولىٰ، 1414 هـ.ق.
  21. العسكري، أبو هلال. الفروق اللغوية. تحقيق: بيت أفكار الدولية، مؤسسة النشر الإسلامي. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1412 هـ.ق.
  22. الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي. قم: نشر أسوة، الطبعة الثانية، 1410 هـ.ق.
  23. الكاظمي، محمد علي. فوائد الأصول (تقرير أبحاث الميرزا محمد حسين النائيني). قم: مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة التاسعة، 1419 هـ.ق.
  24. الحكيم، محسن. مستمسك العروة الوثقىٰ. قم: مؤسسة دار التفسير، الطبعة الأولىٰ، 1416 هـ.ق.
  25. المنتظري، حسين علي. كتاب الخمس والأنفال. قم المقدسة: انتشارات أرغوان دانش، الطبعة الرابعة، 1428 هـ.ق.
  26. الهاشمي، محمود. بحوث في علم الأصول (تقرير أبحاث الشهيد السيد محمد باقر الصدر). قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1417 هـ.ق / 1996م.
  27. اليزدي، محمد كاظم. العروة الوثقىٰ. قم: منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الأولىٰ، 1419 هـ.ق.
  28. اليزدي، محمد كاظم. حاشية كتاب المكاسب. تحقيق: الشيخ عباس محمد القطيفي. قم: منشورات طليعة نور (توزيع مؤسسة طيبة لإحياء التراث)، الطبعة الثانية، 1429 هـ.ق.

 

 

 

 

الهوامش:


(1) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج 4، ص 61.

(2) العسكري، أبو هلال الحسن، الفروق اللغوية، ص 505.

(3) انظر: ابن الحاجب، جمال الدين، منتهىٰ الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ص 147.

(4) انظر هداية المسترشدين، ج2، ص408. وانظر: مطارح الأنظار، ص176.

(5) انظر: العراقي، ضياء الدين، مقالات الأصول، ج1، ص395.

(6) كفاية الأصول، ص193.

(7) انظر بحوث في علم الأصول، ج3، ص139.

(8) لا حظ فوائد الأصول، ج1، ص477.

(9) لاحظ هامش اجود التقريرات، ج 1، ص414.

(10) انظر: بحوث في علم الأصول، ج3، ص138.

(11) نهاية الدراية في شرح الكفاية الأصفهاني، ج2، ص410 -412.

(12) انظر بحوث في علم الأصول، ج3، ص140.

(13) لاحظ الحلقة الثالثة، ص123-124؛ لاحظ بحوث في علم الأصول محمود الهاشمي (تقريرات الشهيد الصد) ج3، ص140-141؛ ولاحظ أيضاً بحوث في علم الأصول، عبد الساتر، ج6، ص576.

(14) أجود التقريرات ج1، ص416.

(15) لاحظ: بحوث في علم الأصول، الهاشمي، ج3، ص143.

(16) انظر: الحائري، درر الفوائد، ص207.

(17) انظر: الأراكي ، أصول الفقه، ج1، ص271.

(18) جواهر الأصول، للإمام الخميني، ج4 ص309.

(19) بحوث في علم الأصول، عبد الساتر ج6، ص735.

(20) لاحظ: كفاية الأصول، ص209.

(21) بناءً علىٰ المشهور وأمَّا بناءً علىٰ مسلك الشهيد الصدر (قدّس سرّه) فيكفي الالصاق وهو متوفر أيضاًً في الجملة الاستثنائية.

(22) لاحظ بحوث في علم الأصول عبد الساتر، ج6، ص736.

(23) لاحظ كفاية الأصول، ص209.

(24) وسائل الشيعة: ج‌6، ص91.

(25) مدارك العروة (للإشتهاردي)؛ ج‌17، ص400.

(26) مهذب الأحكام (للسبزواري)؛ ج‌8، ص191.

(27) مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 5، ص227.

(28) العروة الوثقىٰ (للسيد اليزدي): ج‌2، ص3.

(29) مستمسك العروة الوثقىٰ: ج‌7، ص382.

(30) موسوعة الإمام الخوئي؛ ج‌18، ص66.

(31) تهذيب الأحكام؛ ج4، ص124.

(32) كتاب الخمس للحائري، ص20.

(33) وسائل الشيعة، ج9، ص485 ولاحظ: المنتظري كتاب الخمس والأنفال، ص398.

(34) المكاسب، ج6، ص29-30 بتوضيح و تصرف منا.

(35) حاشية المكاسب اليزدي الطبعة القديمة، ج2، ص11.

(36) حاشية المكاسب، الأصفهاني، ج5، ص135.

(37) لا حظ مصباح الفقاهة، ج5، ص307-308 بتصرف منا.

(38) المكاسب: ج6، ص30.

(39) حاشية المكاسب السيد اليزدي: ج2، ص11.

(40) حاشية المكاسب الأصفهاني: ج5، ص136.

(41) مصباح الفقاهة، ج5، ص311، 312.

(42) حاشية المكاسب السيد اليزدي، ج2، ص11.

(43) حاشية المكاسب الأصفهاني: ج5، ص136-137.

(44) مصباح الفقاهة، ج5، ص313-314.

Scroll to Top