فتنة العصر الدعاة المنفلتين الخطر الأكبر

The tribulation of the age

المقدمة:

جاء في الأثر المبارك المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قول الله تعالىٰ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلىٰ طَعامِهِ﴾ (عبس: 24)، أنَّه قال: «فلينظر إلىٰ علمه الذي يأخذه، عمَّن يأخذه»(1).

وليس المقصود من الطعام ما يتغذَّىٰ عليه الإنسان من الأكل والشرب فحسب، وإنَّما المراد أبعد من ذلك لضرورة كون نفس الإنسان وروحه تتقوَّم بالعلم والمعارف، لكن بشرط أن تكون هذه العلوم والمعارف يأخذها الإنسان من منابعها ومناشئها الأصلية، وهما كتاب الله الكريم وسُنَّة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وروايات أهل البيت (عليهم السلام).

فمن هنا كان تفسير الإمام الباقر (عليه السلام) موافقاً لما تقتضيه تفسير الآية المباركة، فلابدَّ أن يكون أخذ العلم والتعلُّم من أهله وهم أهل البيت (عليهم السلام)، لكونهم مضانه ومقره ومستودعه العاملون به العارفون له المبلغون أحكامه الناشرون والموضحون والمبينون حقائقه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«سمعت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يقول: طلب العلم فريضة علىٰ كلِّ مسلم، فاطلبوا العلم من مضانه واقتبسوه من أهله»(2).

وعنه قال (عليه السلام): «والعلم مخزون عليكم عند أهله، قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه، واعلموا أنَّ كثرة المال مفسدة للدين ومقساة للقلوب، وأنَّ كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين وسبب إلىٰ الجنة»(3).

فمن هنا، محل البحث العلمي بأن يطلب العلم والتعلُّم والعمل به، بعد أخذه من أهله، وفي عصر كعصرنا هذا، فإنَّ أهله هم نواب الإمام العدول الذي جعلهم الإمام المعصوم (عليه السلام) نوابه وخلفاءه في عصر غيبته الصغرىٰ، فإنَّهم يعرفون في السفراء الأربعة، وفي غيبته الكبرىٰ هم نوابه العدول الذين يقضون ويحكمون ويفتون علىٰ طبق ما أمرهم الله تعالىٰ وسُنَّة رسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله) باتِّباع أئمة الحق، لكونهم الأدلاء علىٰ طاعته الذين يهتدي بنورهم وهداهم، لنشر الدين القيم وإيضاح أحكامه، فلا يمكن الأخذ عن غيرهم في عصر غيبة قائدهم (عجَّل الله فرجه) من الذين يعرفون بالمتمرجعين(4)، أو الدعاة المنفلتين، الذين ينشرون البدع والضلال والأفكار الهدامة وزرع الفرقة بين المسلمين، عن طريق طرح المسائل العقائدية والاعتقادية التي تكون محلًّا ومستودعاً للخلاف بين المسلمين.

فمن هنا حذَّرت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بالسيد علىٰ الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف)، من هكذا دعاة فضائيين وسمَّتهم دعاة الفتن وعبَّرت عنهم بالخطر الأكبر، وهذا الحث مستوحىٰ من تلك البيانات والتوجيهات الرشيدة عن الدعاة المنفلتين، كما وقد أكَّدت علىٰ ضرورة طرح الحلول الجذرية لمحاربة هذه الظواهر المنحرفة الضالة.

والفتنة يكون المراد منها الكفر والظلم الذي يفسد العقيدة وهو فساد النفوس والعقول وتهديد المجتمع، والقتل يزول بزوال مؤثِّره والفتنة أكبر وأشد من القتل(5)، وهي ابتلاء حلَّ علىٰ فرد أو مجتمع في أمور دينهم أو دنياهم(6)، وهي صدّ الناس عن الحقِّ في اتِّباعه، فالدعاة المنفلتين فتنة زماننا لمّا يقومون به من نشر مبادئ وأفكار الضلال والبدع في الدين عن طريق نشر الشبهات العقائدية والاعتقادية وكذلك في المسائل الفقهية، وعلاجها وعلاج هؤلاء الدعاة علىٰ ما جاءت به الروايات التمسُّك بكتاب الله الكريم وسُنَّة نبيِّه واتِّباع أهل الحق وهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فالمروي عن الإمام أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنَّه شافع مشفع وماحل مصدق ومن جعله أمامه قاده إلىٰ الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلىٰ النار…»(7).

والمروي عن سلمان المحمدي (رضي الله عنه) قوله: (وإذا رأيتم الفتن نحوكم كقطع اللَّيل المظلم فعليكم بأهل بيت محمد فإنَّهم القادة وإليهم المقادة)(8).

فعليكم أيُّها المسلمون أن تتَّخذوا علومكم من هؤلاء القوم، فهم الأدلّاء إلىٰ الله ورسوله الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حتَّىٰ لا يقع المكلَّف بارتكاب المحذور واقتحام الشبهات، فعليكم أن تتزوَّدوا بالعلم والمعارف منهم وعنهم، ولنأخذ منها قول الإمام علي (عليه السلام):

«يوشك أن يأتي علىٰ الناس زمان لا يبقىٰ من الإسلام إلَّا اسمه، ولا من القرآن إلَّا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدىٰ»(9).

أهمية البحث:

تتجلَّىٰ أهمية البحث العلمي في عدَّة أبعاد رئيسية:

الأوَّل: بيان دور الدعاة الحقيقين:

وهم أفراد كثر كبعثة الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، وكذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فما كانت بعثتهم إلَّا الدعوة لله تعالىٰ وتوحيده ونشر دينه وبيان أحكامه، وحفظ الدين وحمايته من التحريف والضلال، والحال نفسه مع الفقهاء العدول -المرجعيات- الذين يفتون ويقضون ويحكمون بما أنزل الله في كتابه وسُنَّة نبيه (صلَّىٰ الله عليه وآله).

الثاني: بيان دور الدعاة المنفلتين:

وهي الأهمية المرجوة من البحث، حتَّىٰ يتسنَّىٰ معرفة حقيقة المتصدِّين للمنبر عبر وسائل التواصل وهم شذَّاذ الآفاق ووعّاظ السلاطين، اللاهثين وراء الشهرة والمال، الدعاة الضالون المبتدعون في دين الله كل محدثة وكل محدثة ضلالة، لذا وجب الحذر منهم والأخذ عنهم فهم خطر جسيم.

أسباب كتابة البحث:

الأوَّل: من أين نأخذ الأحكام؟

ونقصد بها الشرعية، فلابدَّ أخذها من كتاب الله الكريم وسُنَّة نبيِّه الأمين (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فهم مضانّه ومنشأه ومستقرَّه ومستودعه حال وجودهم وفي حضورهم، وعمَّن نصبوهم في غيبتهم الصغرىٰ وهم السفراء الأربعة وفي الكبرىٰ هم المرجعيات الدينية الجامعة للشرائط الشرعية.

الثاني: مدىٰ تأثير منصات التواصل:

والتي يعبَّر عنها بوسائل الغزو الثقافي، وبيان مدىٰ تأثيرها سلباً أو إيجاباً علىٰ المجتمع لهؤلاء الدعاة المنحرفين والمتمرجعين المتصدين بأفكارهم الفاسدة وعقائدهم المسمومة.

الثالث: المعالجة والحلول:

لهذه الظواهر الانحرافية في المجتمع عن طريق التصدِّي لهم وكشف زيف ادِّعائهم ومحاربة أفكارهم فكرياً وثقافياً وفقهياً في عدم اتِّباعهم أو الترويج لهم، وتسفيه عقولهم بعدم الالتفات لهم أو الاهتمام بهم.

مشكلة البحث:

السؤال الرئيسي: من هم الدعاة الحقيقيون لله تعالىٰ، المتبعين لنهج القرآن وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله).

الأسئلة الفرعية:

الأوَّل: هل التوجُّهات والتوصيات من قبل المرجعية الدينية العليا كافية بالتصدِّي لهذه الأفكار الهدامة.

الثاني: كيف يتم معالجة هذه الظواهر من قبل المؤسسة الدينية -الحوزة العلمية الشريفة-.

الدراسات السابقة:

1- فلندعوا إلىٰ الإسلام، محمد سعيد البوطي، الناشر الفارابي.

2- الدعوة الإسلامية، أحمد عمر هاشم، الناشر الغريب.

3- كيف ندعوا إلىٰ الإسلام، فتحي بكين، الناشر الأضواء.

4- فصل المقال في هجر أهل البدع والضلال، عبد الرحمن نور الدين، الناشر المكتبة الإسلامية.

5- الحذر من وهم الوصول (المتمرجعين أنموذجاً)، كاظم المحمداوي، الموقع مقالات.

هيكلية البحث:

ينقسم البحث إلىٰ عدَّة فصول، وكما يلي:

الفصل الأوَّل: إيضاح مفردات البحث.

الفصل الثاني: ضابطة الصناعة الفقهية.

الفصل الثالث: الدوافع والمبررات وطرق العلاج.

الفصل الأوَّل: إيضاح مفردات البحث:

والفصل مرتَّب علىٰ أمرين، وكما يلي:

الأمر الأوَّل: الدعاة الحقيقيون لله تعالىٰ:

لكلِّ زمان ومكان علىٰ مرِّ التاريخ دعاة في مجتمعاتهم، وهم سادة القوم وقادته، الذين يقدمون النصح والإرشاد والمشورة وإصلاح ذات البين، وتلبية حاجات المحتاجين وسد النقص الحاصل في مجتمعاتهم من أي شيء، إذن هدفهم الأسمىٰ هو خدمة المجتمع وتأمين الحياة الحرة الكريمة، وكلامنا ليس في هذا النوع من الدعاة، وإنَّما كلامنا في الدعاة الحقيقيون المكلفون من قبل الله تبارك وتعالىٰ إلىٰ البشر، الذين ينشرون الدين ويعلمون أحكامه ويتلون كلامه وإيضاح آياته الذين يأمرون بالبر والإحسان وينهون عن الظلم والمنكر مهما كانت بعثتهم ونبوتهم، إلَّا من أجل الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ وتوحيده والإقرار والاعتراف بما أنزل علىٰ البشر من الكتب السماوية، فلابدَّ من التعرُّض لدينه ومعرفة أحكامه حلاله وحرامه، والعمل به والأخذ منه، حتَّىٰ عدَّة ضرورة شرعية لحماية الكتب السماوية وسُنَّة أنبيائه، فالتمسُّك بدين الحق بحماية العقيدة والاعتقاد من الكفر والإلحاد والانحراف ومحاربة البدع والضلالة، فعلىٰ ضوء ما تقدَّم لابدَّ من التعرُّض إلىٰ بعض هذه المصاديق، وهم الدعاة الحقيقيون وإن كان علىٰ نحو الإجمال، وكما يلي:

المصداق الأوَّل: الأنبياء والمرسلين:

وهم الطائفة الأولىٰ في أهل الدعوة الإسلامية إلىٰ الله تعالىٰ والأدلّاء عليه في إقامة الحجة والبرهان علىٰ إثباته وتوحيده ونشر دينه وإيضاح كتابه وتعليم أحكامه، فما كانت بعثتهم إلَّا لنشر الدين الحنيف وهداية الخلق إلىٰ الحق في كلِّ زمان ومكان، فهم يدعون إلىٰ توحيده والإيمان به والإقرار بنبوة الأنبياء والمرسلين وبالكتب السماوية المنزلة من قبل الله علىٰ البشر، حتَّىٰ لا يكون للناس من حجة في عدم علمهم وتبليغهم لما دعا إليه الأنبياء والمرسلين.

ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَىٰ اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 165).

فهم الأدلّاء إلىٰ الله في إرشاد الناس لدين الحق وعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذا لا يتم إلَّا بإثبات الحجة القاطعة والبرهان المتين والاستدلال المكين، فهم مبشرون ومنذرون لأقوامهم لقوله تعالىٰ: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَىٰ اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: 165)، فلابدَّ أن يوافق التبشير الإنذار، وهي رحمة من الله ومنَّة لهم حتَّىٰ يتَّعظوا بعد رشدهم وإنذارهم، فلا يمكن أن يترك الإنسان من دون رقيب ولا حسيب.

لقوله تعالىٰ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىٰ﴾ (القيامة: 36).

وخير مثال علىٰ هذا المصادق نبوة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) محمد الأمين وبه ختمت الرسالات والأديان فهي بعثة هدىٰ في اتِّباع الحق لقوله تعالىٰ: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىٰ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: 1-3).

وظائف البعثة النبوية:

الأولىٰ: التبليغ:

ومعناه: الإيصال والإعلام والإخبار والنشر، أو قل إيصال رسالة أو معلومة إلىٰ من يهمّه، وغالباً ما يستعمل في الدين الإسلامي لنشر الدعوة والأحكام الإسلامية إلىٰ المسلمين من قبل المبلِّغين(10).

لقوله تعالىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2).

ثم حدَّد سبحانه مفهوم رسالة نبيِّه الكريم، بما يلي:

1- ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يبلغهم رسالات ربِّه التي تسير بهم علىٰ طريق الحياة والنجاة.

2- ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهر نفوسهم من الشرك وعقولهم من الجهل وأعمالهم من القبائح والآثام.

3- ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ ينقلهم من ظلمات العمىٰ والجهل إلىٰ نور العلم(11).

قال السيد الخميني (قدّس سرّه):

(إنَّ التبليغ والإعلام مسألة هامة جداً وحساسة للغاية، والدنيا تدير أمورها اليوم بوسيلة التبليغ والإعلام، ويستفيد أعداؤنا ضدّنا من حرية التبليغ والإعلام… فينبغي لنا أن نولي تلك المسألة الهامة اهتماماً خاصاً ونتوجَّه إليها أكثر من توجّهنا إلىٰ مسألة أخرىٰ)(12).

فمعنىٰ التبليغ الإسلامي أو الدعوة إليه نشره بين المسلمين لغرض التعلُّم والعمل بهذه الأحكام الشرعية وهو بمنزلة الصدقة.

لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ما تصدَّق الناس بصدقة مثل علم ينشر»(13).

والمراد من هذه الصدقة الأهمية الكبيرة لنشر وشياع علوم نافعة يبقىٰ أثرها علىٰ مرِّ السنين وهي صدقة جارية ثوابها عند الله تعالىٰ مستمر غير مقطوع ولا ممنوع.

الثاني: الإنذار:

ومعناه: الإبلاغ بالتخويف والتحذير من عواقب أمر قبل وقوعه، بهدف التنبيه واتِّخاذ الحيطة(14)، لقوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (هود: 25-26).

وقوله تعالىٰ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، إشارة ودلالة واضحة في أمر إلهي صادر من الله تعالىٰ بالإنذار إلىٰ الرسول الأكرم بإعلان بدء الدعوة بشكل جلي وواضح إلىٰ أقرب الناس إليه وهم بنو عبد المطلب وآل هاشم وهم أقرب الناس إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).

قال الآلوسي: (وجاء في بعض آخر منها أنَّه (عليه السلام) أمر علياً كرَّم الله تعالىٰ وجهه أن يصنع طعاماً ويجمع له بني عبد المطلب، ففعل وهم يومئذٍ أربعون رجلاً…)(15).

فقد دعا رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) الأقربين من عشيرته وهم بنو عبد المطلب، بالإنذار والوعيد في البعثة السرية في نشر الدين الحنيف وقرآنه الكريم وعبادة الله الواحد الأحد.

الثالث: التدرُّج في نشر الدعوة:

حيث بدأت سرية واستمرت إلىٰ أكثر من ثلاث سنين علىٰ مستوىٰ الأفراد الذين كان لهم الاستعداد الذهني إلىٰ قبول بالدين الإسلامي الجديد وقرآنه الكريم وتوحيد الله تعالىٰ والتصديق بنبوة محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، ثم تدرَّجت الدعوة إلىٰ قريش ومحيطها حتَّىٰ بلغت إلىٰ اليهود والنصارىٰ المجوس، الذين كانوا يسكنون الجزيرة العربية وأصبحت تعرف بالدعوة العلنية، واستمرت الدعوة حتَّىٰ بعد وفاة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).

الرابع: الترغيب والتهريب:

وهو أحد العوامل والركائز المؤثِّرة في نشر الدعوة لله تعالىٰ.

الترغيب معناه: وهو أكثر الأساليب التي اتِّبعها رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في نشر دعوته إلىٰ الآخرين، وهو من الأساليب اختلاف التدرُّج في نشر تعاليم الدين الجديد وقبوله من قبل الآخرين، في الثواب والأجر والحياة الأبدية الخالدة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.

الترهيب معناه: فإنَّه يحذِّرهم وينذرهم من بعد ما ترغبهم علىٰ الدين الإسلامي، بالعقاب والحساب وفي الآخرة من الخاسرين.

لقوله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء: 115).

فالآيات القرآنية ترغبهم في طاعة الله وتوحيده والإقرار بأصول الدين وفروعه ويرهبهم بالوعد والوعيد للعاصين الخارجين عن طاعة الله بالعقاب والعذاب الأليم، وإلىٰ غير ذلك من الوظائف التي لا يسع المقام لذكرها(16).

المصداق الثاني: أهل البيت (عليهم السلام):

وأكتفي بذكر دور واحد وهو بناء الجماعة الصالحة، ليكونوا من بعدهم المبلِّغين والمنذرين والمرشدين، بنشر علوم محمد وآل محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وَليكونوا مكملين ما بدأ به رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في دعوته من خلال الآيات البيِّنات واتِّباع سُنَّة نبيِّه، باتِّخاذهم مجموعة من أصحابهم المقربين لهم للاعتماد عليهم وإيصال مبتغاهم، فما كان الهدف من بناء هذه الجماعة أو الثلة الصالحة هو لحفظ الدين ونشره وحملة تراثه المبين وتبليغ أحكام ربِّ العالمين وإيضاح سُنَّة خاتم الأنبياء والمرسلين، فما كان منهم إلَّا أن يفحصوا أصحابهم ويمحصوهم حتَّىٰ عرفوا بالحواريين وهم أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبأحباء الله وأودائه وهم أصحاب الحسن والحسين (عليهما السلام)، وبالعصابة وهم أصحاب الباقرين (عليهما السلام)، وبالسفراء وهم أصحاب العسكريين وصاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)، وإلىٰ غير ذلك.

فهم حلقة الوصل بين الإمام وأتباعه والأدلّاء عليه، حتَّىٰ تنوَّعت أدوارهم وتباينت وظائفهم فمنهم السادة والقادة الذين قادوا الثورات منذ مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) حتَّىٰ يومنا هذا، ومنهم العلماء الفقهاء العاملون في مشارق الأرض ومغاربها، الذين ترجع لهم أتباع الطائفة في كلِّ عصر ومصر.

وظائف الجماعة الصالحة:

الأولىٰ: حلقة الوصل:

بين الإمام (عليه السلام) وبين أتباعه في كلِّ زمان ومكان، لمعرفة شؤون دينهم ودنياهم، والأخذ منهم والرجوع إليهم.

الثانية: حفظ الدين ونشره:

وهو حفظ التراث الإسلامي قرآن الله الكريم وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وروايات المعصومين (عليهم السلام)، وتحقيق ديمومة نشر الدين الحنيف.

الثالثة: بقاء خط وفكر آل البيت (عليهم السلام):

بالحفاظ عليه ونشره بين أتباعه ومريديه، ونشر فكر أئمة الهدىٰ والتمسُّك بأقوالهم وأفعالهم فهم الأسوة الحسنة والقدوة التي يقتدي بها لقوله تعالىٰ:

﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١).

الرابعة: التمهيد لعصر الغيبة الكبرىٰ لإمامنا الغائب (عجَّل الله فرجه):

عن طريق إيجاد قواعد صحيحة وبناء جماعة صالحة، لسد الفراغ ولو بمقدار يسير لكي لا تشعر أحبابه من أتباعه بهذا الفراغ من عدم وجوده علىٰ ساحة قربه من شيعته، فيكون معرفة أحواله عن طريق السفراء والوكلاء المعتمدين، الذين نصبهم نواباً عنه في عصر الغيبة الصغرىٰ والكبرىٰ.

الخامسة: نظام إداري:

أي جعل نظام إداري قائم علىٰ وجود الوكلاء والمعتمدين للإمام في جميع أنحاء البلاد الإسلامية لإيصال التعليمات والتبليغات واستلام الحقوق وتسليمها، والأكثر من ذلك في محاربة المفسدين في الأرض من قبل مدَّعين السفارة والنيابة والمتمرجعين والدعاة المنفلتين، والرد علىٰ فرق الضلالة والحركات المتطرفة المنحرفة(17).

قال السيد محمد الصدر: (وكانوا علىٰ اتِّصال مع سائر وكلاء الإمام في شتَّىٰ بقاع العالم الإسلامي يحملون إليهم رسائله وتوصياته المعروفة في الوسط الشيعي بالتوقيعات)(18).

وهذا الحال ساري المفعول مع السفراء الأربعة (رحمهم الله تعالىٰ)، إلَّا أنَّ وظيفتهم الكبرىٰ مع تلك الوظائف التمهيد لغيبة صاحب العصر والزمان، وإرجاع الموالين إلىٰ وكلاء ونواب الإمام (عجَّل الله فرجه)، فهي أعظم وظيفة عقائدية علىٰ مرِّ التاريخ الإمامي.

المصداق الثالث: نواب الإمام العدول (المرجعيات):

ويمكن أن نبحثها في ثلاثة أمور، وكما يلي:

الأوَّل: تأصيلها العلمي:

المرجعية مفهوم مشكّك تختص بالفكر والفقه الإمامي الشيعي وإليه ترجع الناس في تدبير شؤون حياتهم.

ولفظ المرجعية الدينية بنظر فقهائنا منتزع من قول الإمام (عجَّل الله فرجه) في التوقيع الشريف لفظ «ارجعوا»(19): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها»، وهذا الرجوع بطبيعته يحمل في طيات تفسيره جانبان التنظيمي لشؤون الأُمَّة الإسلامية والأخرىٰ العقائدية، فهي الامتداد الحقيقي للإمامة الحقة والتي يكون مقتضاها الامتداد النبوة(20).

الثاني: الدليل عليها:

قوله (عليه السلام): «أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك… وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله»(21).

ورواية أبي خديجة الظاهرة في الحكم والقضاء المروية عن إمامنا الصادق (عليه السلام): «اجعلوا بينكم حكماً رجلاً يعرف حلالنا وحرامنا فإنِّي جعلته عليكم قاضياً»(22).

وإلىٰ غير ذلك من الروايات الكثيرة.

قال الشيخ المظفر: (وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنَّه نائب الإمام (عليه السلام) في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليهم راد علىٰ الإمام والراد علىٰ الإمام راد علىٰ الله تعالىٰ وهو علىٰ حدِّ الشرك بالله…)(23).

الثالث: وظائف المرجعية:

نتبرَّك ببعض منها، وكما يلي:

الوظيفة الأولىٰ: الامتداد الطبيعي (الموروث العقائدي):

للإمامة في زمن الغيبة لصاحب العصر والزمان، فيكون الامتداد الوظيفي الطبيعي لإدارة شؤون الإسلام والمسلمين في بيان مسائل الحلال والحرام، فيكون المراد من الامتداد لا بمعنىٰ الامتداد لمقام الامامة والعصمة المنصوص عليها، وإنَّما يكون الامتداد لكونه نائباً معيَّناً عن الإمام (عجَّل الله فرجه) فهو المبيِّن للأحكام في الإفتاء والقضاء والحكم وتطبيق الأحكام وإقامة الحدود وغيرها، فيكون لها أبعاد تنظيمية وعقائدية وقيادية في إدارة شؤون الأُمَّة الإسلامية(24).

الوظيفة الثانية: حفظ الدين:

من الانحراف والتحريف والبدع والأهواء والضلال وصيانته وحمايته، وهي من أهم الوظائف، لا سيما بعد انحراف الأُمَّة عن طريق الحق، واغتصاب حق من حقوق الآخرين، كما هو اليوم في محاربة المتمرجعين، والدعاة المنفلتين.

الوظيفة الثالثة: الحفاظ علىٰ التراث الإسلامي:

وهما الثقلان كتاب الله الكريم وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) من الانحراف والتزوير، وحفظ الدين من خلال حفظ الإرث الإسلامي الكبير والعظيم، والأهم من ذلك أن يحفظ في عقولهم علماً، وفي قلوبهم ورعاً ويترجم في أعمالهم مسلكاً ومنهاجاً(25)، فلا يمكن من حفظ هذا الدين، إلَّا من قبل العلماء العاملين، وهو نواب الإمام وحملة علومه، علىٰ ما دلَّت عليه جملة من النصوص الروائية، من قبيل:

قول الإمام موسىٰ بن جعفر (عليهما السلام): «العلماء أُمناء الرسل والفقهاء حصون الإسلام»(26).

فلولا وجود العلماء والمرجعيات نواب الإمام (عجَّل الله فرجه) لانمحىٰ الإسلام فأولئك هم خبراء الإسلام ولقد صانوا الإسلام حتَّىٰ لان ويجب أن يبقوا ليبقىٰ مصوناً(27)، أولئك العلماء هم مظهر الإسلام، إنَّهم مبيِّنوا القرآن، وأنَّهم مظهر النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله)(28).

الوظيفة الرابعة: إيضاح الأحكام:

وقد يعبّر عن المرجعيات الدينية بالمرجع الرسالي علىٰ ما ذكره الشيخ الصغير(29)، وهي إشارة واضحة إلىٰ أنَّ الفقهاء ومراجع الدين مبلغين وموضحين ما جاءت به الرسالة السمحاء من الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والقضاء والأحكام وغيرها، لذا أصبح رجالات الدين هم المبلغين والمرشدين إلىٰ أحكام الله تعالىٰ والأدلاء عليه منذُ البعثة النبوية إلىٰ ظهور القائم (عجَّل الله فرجه)، والمرجع من رجعه الله رياسة المسلمين ورجعت إليه الناس، فهذه هي جل الوظائف السامية لفقهاء الدين، وأركان المذهب، وحصون الإسلام.

الأمر الثاني: الدعاة المنفلتين فتنة العصر -الخطر الأكبر-:

والدعاة: قلنا مصطلح يطلق علىٰ دعاة الدين الإسلامي في أغلب الأحيان، الذين تكون وظيفتهم نشر الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة من رجالات الدين، بغض النظر عن فكرهم أو مذهبهم أو عقيدتهم فهم المبلغين والمرشدين والموضحين للأحكام الشرعية في الدين الإسلامي، والمنفلتين صفة لحقت بهم لكونهم يتَّخذون في المنصات الفضائية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وسيلة لنشر أو ترويج أفكارهم أو محاضراتهم، وإلىٰ غير ذلك.

قلنا: إنَّ مورد كلامنا ليس بالدعاة الحقيقيون في هذا الفصل فهم نواب الإمام من العلماء العدول والفقهاء، وقد ذكرنا دورهم المشرف في الحفاظ علىٰ الدين الإسلامي.

وإنَّما كلامنا هنا في الدعاة الذين يعتبرون اليوم فتنة العصر بين المسلمين والخطر الأكبر الذي يريد زعزعت أبناء الإسلام عن إسلامهم بالأفكار المتطرفة أو عن طريق تمييع الدين بالتساهل أو إنكار الثوابت العقائدية والاعتقادية أو الفقهية، حتَّىٰ أصبحوا يطلقون علىٰ أنفسهم أصحاب التقريب بين المذاهب والأديان، فقد حذَّرت منهم المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بالسيد علي السيستاني (دام ظله) عن طريق الوكلاء والمعتمدين والخطباء المتصدِّين لهذه الظاهرة الخطيرة، لقد حذَّر رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) من دعاة الشياطين أهل البدع والضلال، أهل القول الباطل هم من استجاب لهم في قعر جهنم لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «دعاة علىٰ أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوها فيها»(30).

وقال النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله): «من يأمر الناس بالبر وينسىٰ نفسه بأنَّهم رجال تقرض شفاههم بمقاريض من نار»(31).

ومن شواهد عصر الرسالة من الدعاة الفاسدين ابن أبي سلول رأس المنافقين(32) وزعيمهم، وقد عرف عنه تحامله علىٰ الإسلام والمسلمين، وبالخصوص علىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وله من الأقوال والأفعال ما ذكره القرآن الكريم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَىٰ الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

والأمر الثاني منتظم علىٰ نقطتين، وكما يلي:

النقطة الأولىٰ: أقسام الدعاة المنفلتين:

وهذا التقسيم مقتبس من كلام وتوجيهات المرجعية الدينية العليا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات ومنابر الجمعة والجماعة، وكما يلي:

القسم الأوَّل: المتطرِّفون:

ومعنىٰ التطرُّف: وهو الوقوف في الطرف البعيد عن الوسط، كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك فهو بشكل عام يعني الخروج عن الأعراف والمفاهيم(33)، وفي الاصطلاح المبالغة في الأمر ومجاوزة الحرفية إلىٰ حيز الإسراف(34).

ولعلَّ السبب الرئيسي فيه قلة العلم والمعرفة أو ما يعبّر عنه بالوعي الثقافي، وكذلك لليأس من الحياة بسبب فراغهم من أيِّ شيء وعدم تمسكهم بالموروث الأخلاقي الإسلامي أو عن الأعراف وهي العادات والتقاليد الحسنة، والذي يهمنا في المقام التطرف الديني دون غيره من الأنواع الأخرىٰ، ومعناه في الإسلام الغلو والمبالغة وهو مذموم في الشريعة الغراء، لما دلَّت عليه من آيات بيِّنات ورواية عن أئمة أهل الحق.

قال تعالىٰ: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَىٰ اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: 171).

والمروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قوله:

«إيَّاكم والغلو في الدين فإنَّما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»(35).

ويقع قبال الاعتدال والاستقامة وهي الوسطية أو لزوم الوسط، وهو من أشد الآفات التي تنخر الجسد الإسلامي، منذ عصر صدر الإسلام إلىٰ يومنا هذا، والشواهد التاريخية كثيرة علىٰ ذلك، بل قد وصل منها الشيء الكثير، ولا سيما في المذهب الواحد، ولعلَّ من أهم أسباب التطرُّف هو عدم الإلمام والإحاطة بالدين الإسلامي الحنيف بشكلٍ كامل، أو علىٰ أكمل وجه والذي يعبّر عنه بالفهم الخاطئ للحقيقة الإسلامية وللدين، أو بسبب الميول والرغبات وإثارة الفتن عن طريق نشر الفكر الإرهابي عن الإسلام والمسلمين وتضليل الحقائق، أو عن طريق اتِّباع نفر ممن يدَّعي العلم والذي يدَّعي التشدُّد في الدين وعدم التسامح، فعلىٰ هذا يكون المنع الرئيسي للتطرف ذاتي من قبيل الأفراد الذين يتأثرون بالآخرين الذين يرجعون إليهم وللبيئة تأثير واضح بالإضافة إلىٰ مبدأ الأنا الفردية، فمن تربَّىٰ ونشأ في بيئة متطرفة فكرياً لازمه عدم التحرُّر منها، بالإضافة إلىٰ الانهزام النفسي أمام التطوُّر والرقي للحضارات الأخرىٰ، مما تسبَّب في إحباط هم المسلمين في عدم قدرتهم لمجارات هذا التقدُّم والتطوُّر التقني الذي أحدث شرجاً بين شعوب العالم.

فالدعاة المنفلتين المتطرفين في خطابهم الديني من علىٰ منصات التواصل الاجتماعي، مستغلين عدم المعرفة والجهل وسذاجة العواطف لأتباعهم والذين هم علىٰ شاكلتهم، بطرح الأفكار المسمومة المتطرفة التي لا تناسب الرؤيا الفقهية والأخلاقية للحوزة العلمية الشريفة وبيانات وتوصيات المرجعية دالة علىٰ ذلك بقولها: (إنَّ مكافحة الإرهاب يجب أن تتم من خلال التصدِّي بجذوره الفكرية والدينية وتجفيف منابعه البشرية والمالية والإعلامية، ويتطلَّب ذلك العمل وفق خطط مهنية مدروسة لتأتي بالنتائج المطلوبة… إلَّا أنَّ من الضروري أن يقترن ذلك بالعمل التوعوي لكشف زيف وبطلان الفكر الإرهابي وانحرافه عن جادة الدين الإسلامي الحنيف)(36).

القسم الثاني: المتساهلون:

من سهل وسهل الشيء، أي لم يتعاسر، والمتساهل هو من يسلك طريق التيسير والتسامح واللين(37)، وهو التهاون في تطبيق الضوابط الشرعية وأحكامها من قبل بعض المتصدِّين المحدثين الذين لا يلتزمون بما جاء به الشرع الشريف، بحجة التسهيل علىٰ المسلمين ولمصالح العباد، فهم يتساهلون ويتسامحون في الأحكام الشرعية وفي الثوابت الفقهية والعقائدية والاعتقادية، وهذا بحدِّ ذاته يعني تمييع الدين الحنيف فهم يشككون بها فينكرونها حتَّىٰ تفقد هذه الثوابت قيمتها وأهميتها في المجتمع.

ونقصد بهذه الثوابت أصول الدين وفروعها الثابتة بقرآن الله تبارك وتعالىٰ وسُنَّة نبيِّه الأمين (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فلا زمان ولا مكان يغيرها أو يبدلها، وهذه الثوابت في الشريعة الغراء من المسلَّمات عند المسلمين بالضرورة والعقل، لأن إنكارها تمييعها وهذا مما لا يكون فبقاءها ببقاء الدين الحنيف.

لقوله تعالىٰ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2).

فذكر الشبهات ونشرها والترويج لها من قبل هؤلاء الدعاة المغرضين المنفلتين، ما هو إلَّا محاولة لزعزعت الثقة في نفوس المسلمين، وتزين هذه الإشكالات ما هو إلَّا محاولة دنيئة لطمس الهوية الإسلامية، فالتنازل عن الثوابت العقائدية والاعتقادية من قبل المنفلتين، ما هو إلَّا لمحاربة الدين والقضاء علىٰ أركان المسلمين بالتشكيك بها والعمل علىٰ تذويبها وتمييعها، فهم مفسدون في الأرض ومحاربون لله ورسوله لضرورة كونهم مبتدعين في الدين أهلاً لنشر البدع والضلال.

القسم الثالث: المبتدعون:

والمبتدع هو المخترع هو الذي أتىٰ ببدعة في الدين والبدعة هي الأمر الذي خلاف ما شرعه الله تعالىٰ والمبتدع من يحدث البدعة ويدعوا لها ويقيم الحجة والبرهان عليها من وجهة نظرة خاطئة جزماً(38)، أو قل كل من ابتدع علىٰ هواه ورأيه والأصل بها أن تكون مخالفة لكلِّ ما أتىٰ بها الشرع الشريف في كتاب الله تعالىٰ وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله)، والذي يفهم من روايات أئمة أهل الحق (عليهم السلام) هو كل من يدخل في الدين ما ليس فيه من قبيل التغيير والتحريف وزيادة ونقص في الحكم، فهو تحت ضابطة كل من خالف أمر الله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «أمَّا بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدي هدىٰ محمد، وشر الأمور محدثاتها»(39).

وقد عبَّر عنها رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) محدثة في الأمور: «وإيَّاكم ومحدثات الأمور فإنَّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»(40).

فهؤلاء الدعاة المنفلتين محدثين في أقوالهم وأفعالهم، يأخذون العلم والمعارف لا عن بيِّنة ولا دليل يفترون علىٰ الله ورسوله، وكذلك يتأوَّلون كلام العلماء والفقهاء لأجل مصالحهم الفئوية والشخصية، فهم دعاة باطل والخطر الأكبر وفتنة العصر، فمن هنا قلنا أصحاب المنصات الفضائية من الدعاة المعممين لابدَّ الحذر منهم ومن أفعالهم وأقوالهم حيث ينشرون الرذيلة دون الفضيلة، ويعلمون الناس الفتنة وينشرونها كما وأنَّهم يدعون إلىٰ الضلال وكتب الضلال، لذا حذَّرت المرجعية من هؤلاء القوم بخطاباتها، فخطر الابتداع في الدين وتشيعه، فقد يحدث هذا الأمر تشعبات في العقائد والاعتقاد مما يؤدِّي إلىٰ إحداث فرق ومذاهب متباينة، وهذه أبرز المشاكل في منصات التواصل الاجتماعي وفي الخطاب المنبري المعاصر، فمن خلال سماعها ورؤيتها إلىٰ هؤلاء الدعاة، فهم يهدمون الدين بضرب الثوابت وتمييعها بأقوالهم وأفعالهم فقد أصبح الحذر منهم واجب شرعي وعدم سماع دعواهم ومتابعتهم، بل علىٰ المجتمع الإسلامي الاهتمام بهذه الظواهر الهدامة والحد منها بالطرق العلمية والعملية من أجل إيقافها والقضاء عليها والحد منه.

قال تعالىٰ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلىٰ طَعامِهِ﴾ (عبس: 24).

والمقصود من الطعام العلم الذي يأخذه الإنسان من أين؟ ولم يكن المقصود الطعام الأكل والشرب وإنَّما العلم الذي هو غذاء الروح.

حيث قال (عليه السلام): «علمه الذي يأخذه عمن يأخذه»(41).

فعلينا الانتباه إلىٰ توصيات المرجعية الدينية العليا في هذا الخصوص، بأنَّ علىٰ المكلفين أن يأخذوا المعلومات من مصادرها الموثوقة ومتابعة الخطباء الذين يعملون بتوصيات وتوجيهات المرجعية العليا علىٰ الساحة العلمية، وعدم الاعتماد علىٰ الدعاة المنفلتين المنافقين الذين ليس لهم علاقة ولا شأن بالمرجعية العليا، ومن جملة الإرشادات للمبلغين هذا النص المبارك علىٰ الذين يذهبون إلىٰ التبليغ أن يكونوا دعاة إلىٰ الله وإلىٰ الأئمة الطاهرين ليس بألسنتهم فحسب، بل بغير ألسنتهم أيضاً كما ورد عنهم (عليهم السلام):

«كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة…»(42)، والمقصود من الاجتهاد العمل بطاعة الله ومرضاته، وعليهم الاعتناء بشؤون الفقراء وإعانة الناس(43).

وفي توصيات أخرىٰ:

(وعلىٰ الإجمال فإنَّه لابدَّ من تركيز المبلغين والدعاة علىٰ عناصر الرشد والحكمة والأخلاق في أقوالهم وسيرتهم (صلوات الله عليهم)، واستنطاقها والاهتمام بإيضاحها والدعوة إلىٰ وعيها واتِّباعها والتأسي بها بما يلائم مقتضياتها في الزمان الحاضر)(44).

النقطة الثانية: فتنة العصر الخطر الأكبر:

فتنة العصر بعد التطوُّر التقني الإلكتروني هو الموبايل عن طريق الاستعمال الخاطئ لمنصات التواصل الاجتماعي وكذلك منابر الجمعة والجماعة، والفتنة معناها وقوع الخلاف والاختلاف الذي تكون أسبابه حب الدنيا والرياسة، فهي الاختبار والابتلاء والامتحان في شؤون الناس، مما تكون نتائجها هلاك الناس بعد اختلافهم في الرأي بسبب ضعف الإيمان وقلَّة المعرفة في الدين، وهذه الفتنة علىٰ مستوىٰ الإسلاميين يمكن حصرها في الشبهات.

والشبهة معناها: ما اشتبه حالها علىٰ الناس من الحق أو الباطل والهدىٰ والضلال، فيكون ضعف الإيمان وقلَّة البصيرة وعدم المعرفة وحصول الهوىٰ وابتغاء الملذات.

العامل الرئيسي وراء إحياء هذه الشبهات وإثارتها(45)، وقد تكون هناك منافع فئوية طائفية أو سياسية أو عقائدية، وهذه الشبهات توصل أصحابها إلىٰ الوقوع بالكفر والشرك والنفاق وإضلال الناس بعد إضلال الحقائق، فيعبر عنها بفتنة المنافقين وهم أهل البدع والضلال، ولذا قالت المرجعية: هؤلاء الدعاة هم فتنة العصر وهم الخطر الأكبر لضرورة كون خطرهم علىٰ الإسلام والمسلمين، مما يؤدي إلىٰ حدوث شيءٍ أكبر مما يتوقعون، والفتنة علىٰ نوعين:

الأولىٰ: الشبهات:

وهي ما اشتبه بها الحق بالباطل، فالتبس أمرها واختلط بعضها ببعض خلط عليه الأمر حتَّىٰ اشتبه بغيره(46).

فمن هنا جاء الحديث المروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بقوله: «فمن اتَّقىٰ الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»(47).

وهي كثيرة في المجتمع الإسلامي كالشبهات العقائدية بين المذاهب الإسلامية، والتي تعتبر هذه الشبهات التي تطرح من قبل الدعاة المنفلتين المنافقين من الثوابت التي لا يمكن الحياد والتنازل عنها من قبيل ظلامة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وخلافة أمير المؤمنين وفي الاعتقاد كما في شبه الوحي والرسالة وإلىٰ غير ذلك، فهذه الشبهات التي يحدثها الدعاة المنفلتين ثوابت عندنا لا يمكن تمييعها والمجاملة فيها أو علىٰ حسابها، فبيان المرجعية العليا في النجف الأشرف واضح الأبعاد والدلالة؟

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ المُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ المُفَاخَرَةِ، أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ»(48).

الثانية: الشهوات:

معناها: الميل والرغبة: مصدر افتعال هو مشتق من الشهوة(49)، الاستعمال التشريعي للشهوة ومصاديقها الممدوحة في القرآن تستعمل كلمة الشهوة في الاستعمالات الشائعة للإشارة إلىٰ الغرائز والرغبات الجسدية، ولا تستعمل هذه الكلمة للتعبير عن الميول المعنوية من قبيل الرغبة في مناجاة الله(50)، إذن هي ملذات نفسية شخصية كالأكل والشرب والشهوات الجنسية، والفواحش من الزنا والخمر والأعمال الموبقة، ومن نتائج هذه الشهوات والملذات التصرُّف السيئ في نشر الفتن وتفريق المسلمين وإيقاعهم بالحرام، بتحريضهم علىٰ اتِّباع أهل الضلالة والدعوة لهم، وحثِّ الناس علىٰ السير إليهم واتِّباع منهجهم.

لذا قالت المرجعية الدينية العليا: (إنَّ الدعاة المنفلتين الخطر الأكبر، لما يترتَّب علىٰ أقوالهم وأفعالهم من أثر شرعي علىٰ الإسلام والمسلمين، ومن الشرك بالله تعالىٰ وبالعقائد والمعتقدات وكذلك الوقوع في البدع والضلال، ولعلَّ أهم أوجه التخلُّص منها التمسُّك بحبل الله المتين وكتابه العزيز وسُنَّة نبيِّه الأمين (صلَّىٰ الله عليه وآله) والرجوع إلىٰ العلماء الفقهاء في زمن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن غيبته الكبرىٰ، وهم المرجعيات الدينية الرشيدة لضرورة كونهم نواب الإمام وخلفائه، ومحاسبة النفس الأمارة بالسوء بالعمل الصالح كالصبر والحلم وقطع الطريق أمام الدعاة المنفلتين بعدم ترويج أفكارهم والاستماع لهم، وحثِّ الناس علىٰ اجتنابهم لكونهم أهل البدع وضلال).

الفصل الثاني: ضابطة الصناعة الفقهية لمفهوم الدعاة المنفلتين:

إنَّ مفهوم الدعاة المنفلتين المنافقين عنوان يمكن انطباق الكثير من الأحكام الفقهية عليه، فيترتَّب عليها الأثر الشرعي، انطباق الكلي علىٰ مصاديقه الخارجية المتحقِّقة، لذا سوف نسعىٰ جاهدين في تطبيق هذه الأحكام الشرعية علىٰ هذا العنوان، وكما يلي:

الضابط الأوَّل: قول الزور:

والزور لغة: هو الكذب والباطل فعلهما(51)، يقال: زوَّر فلان الكتاب والكلام تزورياً: إذا قوَّاه وشدَّده وسوّاه وحسَّنه، والكلام المزوَّر أي: المحسن الذي يبدوا حقيقياً وجواباً(52)، والتزوير هو التزيين والتحسين والتشبيه وفعل الكذب والباطل، وأهل الزور الميل والعدول، وبهذا يكون المعنىٰ اللغوي للزور أنَّه الكذب والباطل بكلِّ أشكالهما وصورهما(53).

ولا يختلف معناه الاصطلاحي ومعناه في الاستعمال القرآني، فهما يدلان علىٰ الميل والانحراف الذي يصحبه تحسين الباطل وإظهاره علىٰ غير حقيقته، وله من المصاديق الشيء الكثير والكذب وشهادة الزور وغيرها(54).

ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30).

ويدلّنا عليه قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «يا أيها الناس عدلت شهادة الزور بالأشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ اجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به»(55).

وقول الزور من مصاديقه ومن أفراده الشهادة أي شهادة الزور، وهو قول الكذب وإنكار الحق، ولعلَّ أهم من ذلك إنكار أو كتمان الحقائق وتزويرها وتضليلها لغرض إيقاع الفتنة وإلحاق الأذىٰ، لذا عدَّت في الإسلام من كبائر الذنوب.

قال الشيرازي: (إنَّ هذا الحديث إشارة إلىٰ سعة مفهوم هذه الآية)(56)، لضرورة انطباقه علىٰ أفراده سعةً وضيقاً، فالدعاة المنفلتين من الإسلاميين قولهم وفعلهم حرام لضرورة كونهم يقولون ما لا يفعلون.

قال تعالىٰ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 226).

وأنَّها وردت في سياق ذم أهل الشعر من الشعراء الذي وصفهم القرآن الكريم بالغاوين، وهم الضالون عن الحق وأهله الذين يتَّبعون أهواءهم وشهواتهم، فهم متمردون عصاة السائرون في طريق الباطل، فهم الذين يحسنون كلام الغير ويزينونه ويشبهونه بكلام الأولياء والصالحين، فهم يسوقون أفكار الآخرين المسمومة المريضة المحرضة لنشر فكر الضلال والكفر والفتنة المدروسة المعدة مسبقاً، من قبيل تفعيل الشبهات وترويجها والعمل بها، واقتحام المطالب العليا في العقيدة والاعتقاد، فهم الخطر الأكبر في المجتمع إمَّا لخطابهم الطائفي: والذي معناه الدعوة إلىٰ التعصب للطائفة بغض النظر عن كونها مذهبية أو دينية أو لكونهم متساهلين: في الثوابت عن طريق تميعها وتسهيل أمرهما تخفيفاً علىٰ العباد والأخذ بالقياس والتشكيك في بعض الحقائق وإنكارها، حتَّىٰ تفقد قيمتها وموقعها.

الضابط الثاني: معونة الظالمين بظلمهم:

الظلم المعصية والعدوان علىٰ الآخرين، والمعونة تقديم يد العون والمساعدة لهم علىٰ ظلم الآخرين لأجل الحصول علىٰ المكاسب والجوائز المعبر عنها بجوائز السلطان الجائر(57)، وهو حرام عقلاً وشرعاً وعليه إجماع الأُمة الإسلامية، لضرورة كون الظلم قبيح حتَّىٰ عدَّ من كبائر الذنوب، وهذا العنوان له بحث مستقل تحت عنوان إعانة الظالم(58)، والتي معناها نصرتهم والتعدِّي علىٰ حقوق الآخرين بالباطل.

قال تعالىٰ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).

والركون معناه: تعاون علىٰ الإثم والعدوان لكونه ظالماً بالقول الباطل أو الفعل القبيح حتَّىٰ وعدهم الله هؤلاء الظالمين ومنهم الدعاة المنفلتين بالانقلاب عن حقيقة أمورهم فلا نصير لهم ولا شفيع فما يجنون إلَّا ما كانوا يكسبون في الدنيا، فنرىٰ الدعاة المنفلتين ساعون إلىٰ نصرة كل من ظلم حقًّا وأكل سحتًا وفعل قبيحاً ولو في القول من حيث تحسين أقوالهم وأفعالهم.

ويدلّنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «قام عيسىٰ بن مريم (عليهما السلام) خطيباً في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تعينوا الظالم عن ظلمه فيبطل فضلكم»(59).

فمن هنا يرىٰ الشرع الشريف أنَّ معونتهم ومودَّتهم ومساعدتهم تجعلهم يطغون في أفعالهم وأقوالهم، نعم الكثير من الظلمة لا يباشرون الظلم بأنفسهم إلَّا أنَّهم يباشرونه عن أعوانهم والدعاة لهم والتمهيد لنصرتهم، فالحركات السياسية والمهدوية ودعاة القضية ونشر الضلالة والإلحاد، ما هو إلَّا تمهيد لنصرة الظلمة من قبل أعوانهم، لذا فإنَّ أحاديث النهي كثيرة وهم ينطقون بها ولا يلتفتون لها ولا يعملون بها، فإن ذكروها في المحافل والمناسبات فهم كلمة حق يراد بها باطل، كما فعلها أسلافهم من قبل ذلك.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لم تكن بيعتكم إيَّاي فلتة وليس أمري وأمركم واحد، إنَّي أريدكم لله، وأنتم تريدوني لأنفسكم، أيُّها الناس أعينوني علىٰ أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم ولأقودن الظالم بخزامته حتَّىٰ أورده منهل الحق وإن كان كارهاً»(60).

الضابط الثالث: سب المؤمنين:

ومعنىٰ السب: الشتم والإهانة والتعبير بنسبة العيب للإنسان(61)، فعلىٰ هذا يكون من السب والسباب هو نطق الكلام الذي فيه منقصة وإهانة وهو فعل وقول قبيح لضرورة كونه نقص واستخفاف، علينا أن نجعل ضابطة فقهية للمؤمنين في نظرية أهل البيت (عليهم السلام) ولا علاقة لنا بغير منهجهم، لضرورة كون منهجهم ونهج عملهم السوي المستقيم.

فالمؤمن لغة: أمن: الأمان: والأمانة بمعنىٰ وقد أمَّنت، فأنا آمن وأنت غيري من الأمن والأمان، والأمن ضد الخوف(62).

وفي الاصطلاح: والأمانة ضد الخيانة والإيمان ضد الكفر، والإيمان بمعنىٰ التصديق ضد التكذيب(63).

هو كل مسلم قائل بأصول الدين من التوحيد لله تعالىٰ، ولنبوة محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، والمعاد والإمامة الحقة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والولاية لهم علىٰ نحو العموم المجموعي(64)، وأبرز صفاتهم الولاية لهم جميعاً والبراءة من أعدائهم والمراد من الإيمان هو الإيمان الفعلي القلبي الجازم الذي يعبر عنه إقرار اللسان والقلب والعمل بالجوارح لهذه الولاية(65).

لذا قال الشيخ الأنصاري: (سبّ المؤمن حرام في الجملة بالأدلة الأربعة، لأنَّه ظلم وإيذاء وإذلال)(66)، وقد تجتمع سباب المؤمن وهجائه عدَّة خصال مذمومة من قبيل:

واحد: ظلم وهو خلاف العدل وهو جور ومجاوزة الحد، فإنَّه التعدِّي من الحق إلىٰ الباطل لكونه تصرُّف في حقوق الآخرين فيقع الظلم علىٰ نفسه أوَّلاً وعلىٰ الآخرين ثانياً بالتعدِّي عليهم(67).

اثنان: الغيبة من كبائر الذنوب في الإسلام، وهي ذكر أخيك حال غيبته بما يكره أو بما يسوء إليه، في دينه أو خلقه، حتَّىٰ عدَّها الشرع الشريف أكل لحم الميتة(68)، وهو بهذا يرد أن يذكر عيوب الآخرين المستورة التي سترها وأخفاها الله تعالىٰ، وهي محرمة بإجماع المسلمين، وقد استدل الشيخ الأنصاري بروايتين عن سباب المؤمن نتبرَّك بواحدة منها:

المروية عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه»(69).

وقد وصفهم رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالمشرفين علىٰ الهلكة لضرورة كون نتائجها اكتساب العداوة والبغضاء والقطيعة والشحناء، وهي فتنة في المجتمع والتي قد تكون أشد من القتل، ومن مصاديق الدعاة المنفلتين من المعممين وغيرهم الذين يظهرون في الإعلام ويتصدّون في مواقع التواصل الاجتماعي الكثير، إلَّا أنَّ الأعم الأغلب منهم وعلىٰ شاكلتهم الذين يجعلون من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف أعلىٰ الله مقامها وأدامها ذخراً وذخيرة وحماها ومن يحوم حولها، محل ومحور بحوثهم بالسباب والشتم والنيل منهم بالقول والفعل المنكر، لاستمالة قلوب وعقول ضعفاء النفوس السذج من الشيعة، بإثارة الشبهات حول المرجعية وما التقليد إلَّا أكذوبة لعدم ورود كتاب التقليد في الكتب الفقهية عند فقهائنا المتقدمين، وكذلك فإنَّهم ينالون من المرجعية بقول الزور والبهتان عليهم، وهذا يعد نوعاً من أنواع الظلم للآخرين المنهي عنه بروايات أئمة أهل الحق، وغالباً ما يجعلون من شبهات الأموال في الصدقات والهبات والخمس والزكاة مرتعاً لهم ولأفكارهم الهدامة، بإقحام المرجعيات الدينية بشبهات الفساد وعدم صحة تصرُّفهم فيها، متناسين قول الإمام (عجَّل الله فرجه) فيهم وقد تضافرت الروايات عليهم وبهم حتَّىٰ بلغت حدِّ الشهرة عند عامة المسلمين، ونتبرَّك بواحدة منها لقول صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(70).

فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أعلم من الدعاة المنفلتين، بمن يضع حجَّته فهم أصحابه كالنجوم يستنير بهم ويهتدي بقولهم وعملهم، فمن هنا حذَّرت المرجعية العليا وعلىٰ لسان بعض ممثليها عن الحذر من تمييع الدين وضرب الثوابت ومن ثوابت عقيدتنا المرجعية الدينية حيث نعتبرها الامتداد الطبيعي إلىٰ صاحب العصر والزمان، فالسب والشتم لها تقليل من قيمتها المعنوية وتعدي علىٰ حقوق أئمة بأكملها وهو نوع من أنواع الظلم(71)، لأنَّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يرون المرجعية الدينية مقامها سامي وموقعها مرموق ومنصبها ثابت شرعاً وعقلاً.

الضابط الرابع: هجاء المؤمن:

مصطلح يطلق ويراد بها الهمز واللمز وأكل اللحم وتعبير وإذاعة سرّ كل ذلك كبيرة موبقة(72)، وهو مطابق بمعناه اللغوي حيث هو فن شعري، يتضمَّن ذمّ وكشف عيوب الآخرين ويعتبر مناقضاً للمدح(73)، فمن هنا مال صاحب المقاصد المحقِّق الكركي في كون الهجاء قد خصَّ به الشعر لضرورة كونه فن شعري(74)، وقد استدل الفقهاء علىٰ حرمته بالعقل والنقل والإجماع، فهو حرام لما يترتَّب عليه من آثار كالغيبة والنميمة والذم والتفكُّه بأحوال الآخرين وإذاعة السر، بل كل ما هو معيب، لذا لا يمكن تخصيصه بالشعر.

وغالباً ما يكون علىٰ نحو السب والشتم والقذف، لوقعهن وتأثيرهن علىٰ سامعهن فيكون المراد من ذلك ذكر ما يسوؤه وتعدّد نقائصه سواء كانت دينية أو اجتماعية أو أخلاقية وفي بعض الأحيان سياسة، وغالب أفراده الشخصي والمذهبي والفئوي والقومي، وأحلىٰ وأسمىٰ مصاديقه الشخصي، وهو ما يتعرَّض إليه اليوم المرجع الديني الأعلىٰ للطائفة الحقة ونجله السيد أبا الحسن (حفظهما الله وسدَّد خطاهما)، وهو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي بالتهجُّم علىٰ الحوزة العلمية الشريفة وقطب رحاها السيد المرجع (حفظه الله)، وغالباً ما يكون هذا التهجُّم من شذاذ الآفاق الذين لا يؤمنون بخط المرجعية وهم نواب الإمام وخير من يمثِّله بعصر الغيبة الكبرىٰ، ولنا علىٰ هذا مصداق بالأمس القريب وهي ظاهرة الانتخابات البرلمانية والتي سعت بعض الأحزاب والكتل والكيانات، بل حتَّىٰ الأفراد من استغلال اسمه المبارك ولا سيما الأحزاب الإسلامية العاملة علىٰ الساحة عن طريق إذاعاتهم ومنصاتهم ووسائل التواصل الاجتماعي وشبكاتهم العنكبوتية الالكترونية، لترويج أفكارهم وبثّ سمومهم مستغلين اسم المرجعية في تلك الدعايات الانتخابية، وهذا ظهر جلياً واضحاً من قبل الشيوعين والقوميين في زمن السيد محسن الحكيم زعيم الطائفة ومحاربة الخط المرجعي بمحاربة علمائه ومجتهديه وفضلائه، وفي زمن الهدام كان البعثيون أكثر من الشيوعين في نشر الفتنة وتحريض الآخرين وتمزيق صفوة الحوزة عن طريق منصات التواصل الاجتماعي من الدعاة المنفلتين، وهم يتصدُّون لنشر كل ما من شأنه أن يكون مهموزاً أو ملموزاً وموبقاً ضد المرجعية الدينية لضرب الثوابت التي تربَّىٰ عليها الفكر الإمامي وزرع الفتنة مع أتباعها.

ملاحظة: أحكام أخرىٰ:

تنطبق عليهم من قبيل المفسدون في الأرض، المحاربون لله ولرسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وأهل البدع والضلال وأهل الغيبة والشبهات، وإلىٰ غير ذلك، ولا يسع المقام ذكرها(75).

الفصل الثالث: الدوافع والمبررات وطرق العلاج:

توضيح الدوافع والمبررات: هي الأسباب التي تدفع الإنسان للقيام ببعض السلوكيات النفسية لإشباع حاجات ورغبات، فتحرّك الإنسان وتوجّهه للحصول علىٰ أهدافه وغاياته، فمن هنا لابدَّ من معرفة هذه المبررات وإيضاحها ودراستها لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء ادِّعاء الدعاة المنفلتين، بالتصدِّي لظاهرة المنصات الفضائية، ولعلَّ أكثر هذه المبررات والدوافع شهرةً الظهور والحاجة المادية في المجتمع الذي يؤمن بهؤلاء الجهلاء، وأهم هذه الدوافع، ما يلي:

الدافع الأوَّل: نوازع شخصية:

أو قُل حبّ الأنا أو الذات، من أجل الحصول علىٰ الجاه والشهرة والسمو والرفعة، وكلها مبررات شخصية تعود بالنفع علىٰ صاحبها، حتَّىٰ يكون مؤثراً في نفسه وعلىٰ غيره، فلا يعبئون بمنافع المجتمع ومصالحه، فهم يُغلّبون المصالح الشخصية علىٰ غيرها، فيرىٰ علماء الأخلاق أن حب النفس من الأنا(76)، وهي من الأمراض النفسية القائمة علىٰ المنافع الدنيوية، حتَّىٰ عدَّت هذه الدوافع والنوازع من اتِّباع الهوىٰ وحبّ الحياة لدنيا زائلة، وقد عرف عن المجتمع الإسلامي العادات الحسنة، والطبائع الممدوحة، وحسن الخلق، والمعاملة، والنصيحة، ولقد عاقت الأنانية المجتمع العربي في الجاهلية، وجاء الإسلام ليخلصنا منها بالمؤاخاة، والإيثار لنصل إلىٰ مرحلة القوة والاتِّحاد(77).

ويدلّنا علىٰ ذلك قول إمامنا الصادق (عليه السلام): «حب الدنيا رأس كل خطيئة»(78)، وهو اتِّباع الهوىٰ والبحث عن الملذات والنساء، وحبّ الرياسة والتصدِّي للمناصب.

لذا جاء في الأثر المروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إلَّا أنَّ أخوف ما أخاف عليكم خلتان، اتِّباع الهوىٰ وطول الأمل، أمَّا اتِّباع الهوىٰ فيصد عن الحق…»(79).

الدافع الثاني: التأثُّر بالآخرين:

من مشاهد التواصل الاجتماعي (التك توك -السيشل ميديا- المنصات الالكترونية الأخرىٰ) فلها تأثير فعال علىٰ حياة السذج المدَّعين، والتأثير بالآخرين، وهذا لا يكون إلَّا بتأثرهم بحركاتهم وسكناتهم، بل تقليدهم في كلِّ شيء قولاً وفعلاً، فهم يتقمَّصون ما يحلوا لهم من المناصب والمقاعد لغرض أن يتصدّون في هذه المنصات الفضائية، متَّخذين من الدين لهواً وهزواً ولعباً، فتراهم متأثِّرين بالباطل دون الحق، وهم يعملون ذلك متَّخذين من خطوات الآخرين منهجاً وفكراً متَّبعاً في عملهم، فيطبقون ما تمَّ معرفته منهم علىٰ منهجهم بسبب ذلك التأثير، وهنا يعد مؤثِّراً سلبياً في المجتمع الذي يحكمه الشرع الشريف، ويتَّخذ من العادات والتقاليد مناراً وهدىٰ ورحمة للعيش الكريم.

فهم تحت طائلة القانون الإلهي الشرعي، الذي تعبّر عنه الآيات، والروايات بالمفسدين في الأرض.

قال تعالىٰ: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85).

وهذا التأثير قد يؤثّر علىٰ فكرة تارة، وأخرىٰ علىٰ عقيدة وأخرىٰ علىٰ مذهب ودين، كما هو واضح من منهج بعض المنصات الفضائية، كالمهدوية، والصرخية، واليمانية، وأصحاب القضية، وأهل البدع والضلال، فيكون تأثير الدعاة المنفلتين عن طريق نشر هذا الفكر، والدعوة لمنهجهم، وتحسين صورهم، والاهتمام والالتفات حولهم، وهذا بطبيعة الحال مذموم عقلاً وشرعاً، فهؤلاء مبتدعون في الدين والإسلام، فيجب مقاطعتهم واجتنابهم والابتعاد عنهم قولاً وفعلاً، فقد أحدثوا في الإسلام مثلبة، لذا حذَّرت المرجعية الرشيدة منهم، علىٰ لسان الوكلاء والمعتمدين والفضلاء ومنابر الجمعة والجماعة، حاكمة ودالة علىٰ ما ندَّعي حفاظاً علىٰ الدين، ونصيحة للمسلمين.

الدافع الثالث: المنافع المادية:

يعبَّر عنها بالمنافع سواء كانت نقدية تدفع مباشرةً، أو تكون علىٰ شكل خدمات تقدَّم ملموسة، ولابدَّ أن يكون لها قيمة اقتصادية، أو ذات قيمة معتد بها عند العقلاء(80).

والمراد بالمنافع في بحثنا، المادية الشخصية، تدفع علىٰ أنَّها جائزة تقدّم لأصحاب المنصات الدعاة المنفلتين، لما يقومون به من أفعال وأقوال في قلب الحقائق، ونشر أُسس الفتن، وهدم الدين وتمييع الثوابت، والحث علىٰ الخطاب الطائفي، وحكمها في الشرعية الإسلامية حرام بإجماع الأُمَّة(81)، لاشتراطهم المنافع الشرعية المباحة والمقصودة في حال السعة والاختيار(82)، فأين المنافع المباحة من هذه الأفعال التي تهدم الدين، وتنشر الفرقة بين المسلمين، حتَّىٰ عدَّت ولحقت بمفهوم الغيبة والنميمة والبهتان، وكلّها أوصاف تشعر بالذم والمنقصة وإهانة للمؤمن، وقد يدخل تحت ضابطة الهمز واللمز بالألقاب.

ويدلّنا علىٰ ذلك قول الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه): (وإن كان من الأوصاف المشعرة بالذم، أو قصد المتكلم التعبير والمذمة بوجوده، فلا إشكال في حرمة الثاني، بل وكذا الأوَّل: لعموم ما دلَّ علىٰ حرمة إيذاء المؤمن وإهانته، وحرمة التنابز بالألقاب، وحرمة تعيير المؤمن علىٰ صدور معصية منه، فضلاً عن غيرها)(83).

واستدل علىٰ ذلك بقول الإمام (عليه السلام): «من عيَّر مؤمناً علىٰ معصية لم يمت حتَّىٰ يرتكبه»(84).

ويرىٰ فقهاء الإسلام أنَّ هذه الأموال والتكسُّب بها من الخبائث الغير مشروعة، بضرورة كون منشأها ومستندها الإعانة علىٰ الإثم والعدوان، فمن هنا قلنا ببطلان هذه المعاملة وفسادها، لكونها مخالفة للأعراف العقلية والشرعية(85).

فيعد أخذ هذه الأموال مقابل هذه المذكورات أكل للمال بالباطل، والمعبر عنه بالسحت(86)، ويقصدون به كسب المال بالحرام وله وجوه، من قبيل الرشوة والسرقة، وكل ثمن من المحرمات، وقد يعبّر عنها بالكسب غير المشروع، لكونها أموال كسبت من ظلم الولاة، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: 63).

وقول الإمام الصادق (عليه السلام): «والسحت أنواع كثيرة: منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، ومنها أجور القضاة، وأجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ المسكر والربا بعد البينة»(87).

الأسباب الحقيقية: المبررات:

وأكتفي بذكر توجيهات المرجعية الدينية العليا علىٰ لسان ممثليها من أساتذة البحث العلمي في معرفة الأسباب الحقيقية وراء هذه الأفعال، وقد عبَّرت عنها بما حاصله:

السبب الأوَّل: الفضاء الاقتراني:

نعم إنَّ المؤسسة الدينية المتمثلة بالحوزة الدينية الشريفة، وكل المسميات التابعة لها من الهيئات والمؤسسات والمساجد والجوامع والحسينيات، ودور التبليغ والتدريس فعالة ومؤثِّرة وموجودة، إلَّا أنَّ وجودها وتمثيلها في الفضاء الاقتراني بنسبة ضئيلة جداً، مما فسح المجال أمام الأعداء الاستفادة من هذا الوجود المتواضع علىٰ الساحة الفضائية.

السبب الثاني: الأساليب الجذابة:

عدم توفر أو تحسين الأساليب العلمية والعملية في المراكز الدينية، من قبيل عدم تطوّرها وتقدّمها أو في إدخال بعض الأساليب التي تجذب الأجيال لها، من قبيل استخدام الآلات الالكترونية كالكومبيوتر والأجهزة الأخرىٰ، أو إدخال ما يعرف اليوم بالمكتبة الرقمية أو الاهتمام بوسائل التواصل الاجتماعي، فلا ينجذبون لها لعدم وجود هذا الأساليب، فضلاً عن عدم توفرها أو لعدم الإحاطة بها علماً ومعرفةً.

السبب الثالث: الدعاة غير مؤهّلين:

واستغلالهم لسدِّ هذا الفراغ في الفضاء الاقتراني، فهم دعاة فضائيين غير قادرين علىٰ مجارات غيرهم في العلم أو المعرفة، لذا لا يستطيعون تقديم ما عندهم تجاه دينهم أو مذهبهم، فيلجؤون إلىٰ بيع ذممهم بثمن بخس فيتَّبعون نهجهم ونشر أفكارهم، والسير علىٰ خطاهم، وهذا بطبيعة الحال يشوش عقائد الآخرين، مما يؤدِّي إلىٰ إضلالهم وانحرافهم والذي يمكن ملاحظته أنَّ الإعلام الفكري الالكتروني من أهم وأخطر المسائل في العصر الراهن تأثيراً علىٰ شرائح المجتمع الإسلامي لما له من أهمية النفوذ في نفوس مريديه.

طرق العلاج: الوقائية:

ونكتفي بذكر بعض منها، وكما يلي:

الأوَّل: تفعيل دور الجوامع والمساجد:

بإحياء الشعائر الإسلامية من الواجبات كإقامة صلاة الجمعة والجماعة وتفعيل دور المنبر الإسلامي، من خلال خطب الجمعة والوعظ والإرشاد والتبليغ الديني، وكذلك بإحياء بعض المستحبات من قبيل إقامة بعض مجالس العزاء الرمضانية وكذلك في شهري محرم الحرام وصفر، فهذه المنابر لها الأثر الواضح علىٰ محاربة هذه الأفكار المسمومة التي أصبحت آفة في الجسد الإسلامي، فمن خلالها نصل بالمجتمع الإسلامي إلىٰ برِّ الأمان.

الثاني: تقديم النصيحة:

من قبل المتصدين في خدمة المجتمع المسلم، وهم الوجهاء والصلحاء وأهل الفضل والعلم، لأجل نصح وإرشاد هؤلاء المنفلتين الدعاة، وحثَّهم علىٰ العودة إلىٰ جادة الصواب، وترك الأفعال والأقوال التي تؤدِّي إلىٰ حدوث الفتن، والمؤامرات في المجتمع، ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «مَنْ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يُصْبِحُ وَيُمْسِي نَاصِحًا للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ»(88).

الثالث: تقليل من شأن تأثيرهم:

عن طريق حثّ المجتمع بعدم الاستماع لهم والاهتمام بهم في مقاطعتهم، وعدم مجالستهم، والتقليل من شأنهم وعدم الاكتراث لهم، بمعنىٰ عزل الدعاة المنفلتين عن المجتمع الإسلامي، بشكل يندمون علىٰ فعلهم وقولهم، فمن هنا كان تأثير الفقهاء والعلماء واضح في شأن هؤلاء الدعاة المنفلتين في توجيه وإرشاد المجتمع ونشر الوعي والتمسُّك بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) والالتفاف حول أهل العلم من العلماء العاملين علىٰ الساحة العلمية وأرض الواقع.

الخاتمة والنتائج:

الأولىٰ: التأصيل العلمي لمفهوم الدعاة الحقيقيون:

الدعاة هم العلماء الذين يدعون إلىٰ الله تعالىٰ علىٰ بيِّنة وبصيرة من أمرهم، وكونهم علىٰ بصيرة أي أنَّهم علىٰ بصيرة علىٰ اتِّباع نهج وهدىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، واتِّباع دينه والتفقه فيه، وخير مثال ومصداق الدعاة في الإسلام بعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي زمن الغيبة الصغرىٰ هم السفراء الأربعة، وفي الغيبة الكبرىٰ هم الفقهاء العدول الجامعين لشروط الإفتاء والقضاء والحكم.

الثانية: الاستعمال القرآني:

إنَّ الاستعمال القرآني لهذا المفهوم الدعاة، فقد تنوَّعت استعمالاته لمعاني وألفاظ متعدِّدة ومختلفة كثيرة، ولكلِّ واحد من هذه الاستعمالات دلالة قرآنية دالة عليه، كالنداء، والطلب، والتحريض، والسؤال، وإلىٰ غير ذلك.

الثالثة: الدعاة المنفلتين:

فتنة العصر والخطر الأكبر بين المسلمين وقد عبَّر عنهم القرآن الكريم بأنَّهم مثل الحمار يحمل أسفاراً، وهم الذين حملوا العلم وأمروا بنشره وتبليغه، إلَّا أنَّهم لم يفعلوا ولم يعملوا به، ولم يهتموا بشأنه، فبأس ما فعلوا فما كان همّهم إلَّا الشهرة، وجمع المال ونشر الفتنة، والعمل علىٰ تحريض الآخرين لزعزعة الأمن والاستقرار.

الرابعة: أقسام الدعاة المنفلتين:

الأوَّل: متطرِّفون في الفكر الديني بخروجهم عن صدِّ الاعتدال، ولعلَّ السبب الرئيسي عن ذلك قلة العلم والمعرفة، الذي يعبر عنه بعدم وجود الوعي الثقافي عندهم.

الثاني: المتساهلون في الدين والشريعة الإسلامية، بتمييع الثوابت الإسلامية عن طريق التساهل بها أصولاً وفروعاً، فالتنازل والتسامح في هذه الثوابت ما هي إلَّا محاولة دنيئة لطمس الهوية الإسلامية، ولا سيما في العقائد والاعتقاد.

الخامسة: فتنة العصر والخطر الأكبر:

وهو ما عبَّرت عنهم المرجعية الدينية العليا عن لسان خطباء منابر الجمعة والجماعة، وفي المؤتمرات والندوات والتوصيات والتوجيهات، فكونهم فتنة عن طريق استعمالهم الخاطئ لمنابر المنصات الفضائية لنشر الأفكار المسمومة، وأمَّا كونهم الخطر الأكبر بسبب حجم الخطر الذي يتعرَّض له الإسلام والمسلمين، مما يؤدِّي إلىٰ حدوث شيء أكبر من مما يتوقَّعون منه ومن الفتنة.

السادسة: ضابطة الصناعة الفقهية:

إن يصدق عنهم عدَّة عناوين فقهية، من قبيل سباب المؤمن، وهجائه، والكذب، والغيبة، والمفسدون في الأرض، والمحاربون وأهل البدع والضلال.

السابعة: الدوافع والمبررات:

قد تكون شخصية ذات منافع مادية أو بسبب التأثر بالآخرين أو بسبب الفراغ الفضائي أو عدم وجود الأساليب الجديدة أو بسبب كون الدعاة غير مؤهّلين.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 18/43؛ انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 61، 132.

(2) انظر: الكافي، الكليني، 1/30-33.

(3) انظر: المصدر نفسه.

(4) انظر: موقع مقالات، كاظم المحمداوي، بحث حول المتمرجعين.

(5) انظر: مع الشباب، ياسين عيسىٰ، 196-197.

(6) انظر: التفسير الكبير، فخر الرازي، 5/112.

(7) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 4/828.

(8) الموقع العتبة العلوية:

HTTPS://TAbLEEGh. IMAMALL.NET

(9) انظر: مهج البلاغة، صبحي الصالح، 540.

(10) انظر: مفردات الراغب، الأصفهاني، مادة بلغ.

(11) انظر: التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية، 7/322.

(12) صحيفة النور الإيرانية – الرسمية، 4/42 – 43.

(13) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2/25.

(14) انظر: المفردات، الراغب، 742؛ انظر: ابن الأثير، 5/39؛ انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 619.

(15) تفسير الآلوسي، أبو الفداء: 19/135.

(16) انظر: تسنيم في تفسير القرآن، عبد الله جوادي آملي، 2/251؛ انظر: القرآن والوعيد والإنذار، نور الدين أبو لحية، ص5-6.

(17) انظر: الغيبة، أبو جعفر الطوسي، 226.

(18) تاريخ الغيبة، محمد الصدر، 1/612.

(19) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27/140.

(20) انظر: المرجعية الدينية، الصغير، 9.

(21) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27/140.

(22) المصدر نفسه.

(23) انظر: عقائد الإمامية، المظفر، 46.

(24) انظر: المرجعية الدينية، باقر الحكيم، 22.

(25) انظر: موقع مقالات، كاظم المحمداوي، الحذر من وهم الوصول المتمرجعين.

(26) انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 403.

(27) انظر: قوانين الأصول، القمي، 92.

(28) صحيفة النور الإيرانية، الخميني، 41/93.

(29) انظر: المرجعية العليا، محمد حسين الصغير، ص91 – 95.

(30) انظر: صحيح ابن ماجة، ص3229؛ انظر: صحيح مسلم، ص1847.

(31) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 16/147.

(32) انظر: الدر المنثور، جلال الدين السيوطي، 5/1-6.

(33) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 9/ 194.

(34) انظر: المجاز القرآني، السيوطي، 2/300؛ انظر: التطرف والعنف، مجموعة باحثين، 1/21.

(35) انظر: موسوعة المفاهيم، مجموعة مؤلفين، ص141.

(36) شبكة النت خطبة الجمعة، في 26/ربيع الأوَّل/1439 هـ- 15 12 – 2017م.

https://wwwsistani.org

(37) انظر: المقدمة، ابن الصلاح، ص103؛ انظر: لسان العرب، ابن منظور، 7/250.

(38) انظر: الصحاح، الجوهري، 3/1183؛ انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 2/240.

(39) انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 3/2518.

(40) انظر: مسند أحمد، أحمد بن حنبل، 2/371؛ انظر: صحيح مسلم، مسلم ابن الحجاج، 3/11.

(41) الكافي، الكليني، 1/50؛ انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 6/199.

(42) الكافي، الكليني، 2/78.

(43) انظر: قناة العالم، المرجعية – توجه نصائح، 24/3/2019.

(44) شبكة النت الموقع الرسمي، وصايا المرجعية طول شهر محرم الحرام، 1441هـ.

(45) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2/263؛ انظر: العين، الفراهيدي، ص462.

(46) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 8/18.

(47) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27/163.

(48) نهج البلاغة، الخطبة 5.

(49) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص468.

(50) انظر: أصلح الناس وأفسدهم، مصباح اليزدي، 81.

(51) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/36.

(52) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري، 1/487؛ انظر: لسان العرب، ابن منظور، 4/337.

(53) انظر: المفردات، الراغب، 386؛ انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1/260.

(54) انظر: تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي، 8/402؛ انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، 3/147.

(55) نقلاً عن تفسير الصافي، الفيض الكاشاني، 3 /361.

(56) انظر: تفسير الأمثل، مكارم، 8/402.

(57) انظر: شرائع الإسلام، المحقق الحلي، 2/7؛ انظر: المكاسب، الأعظم الأنصاري، 2/202.

(58) انظر: النهاية، الطوسي، ص356؛ انظر: مصباح الفقاهة، الخوئي، 1/661.

(59) انظر: الكافي، الكليني، 1/42.

(60) نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، 1/2459.

(61) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 7/100.

(62) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/164.

(63) انظر: التحقيق في كلمات القرآن، المصطفوي، 11/79.

(64) انظر: أصول المظفر، 2/465؛ انظر: المعجم الأصولي، محمد صنقور، 2/348.

(65) انظر: الشريعة، الآجري، ص612؛ انظر: مجلة تراثنا، جعفريان، العدد 81، جمادي الأول/1426هـ.

(66) المكاسب، الشيخ الأنصاري، 1/253.

(67) انظر: التعريفات، الجرجاني، 186؛ انظر: العين، الفراهيدي، 154.

(68) بتصرف: المكاسب، الأنصاري: 2.

(69) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 8/61.

(70) انظر: كمال الدين وإتمام النعمة، الصدوق، 2/420.

(71) شبكة النت الموقع الجهات الإخبارية، السيد الخباز:

https://www jehat>net

(72) انظر: المكاسب، الأنصاري، 2/117.

(73) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 15/32؛ انظر: المصباح المنير، الفيومي، 2/635.

(74) انظر: جامع المقاصد، المحقق الكركي، 4/26.

(75) انظر: موقع مقالات، المتمرجعين، كاظم المحمداوي.

(76) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي، 1/274.

(77) المفصل في تاريخ العرب، جواد علي، 10/283.

(78) انظر: الخصال، الصدوق، 25.

(79) انظر: الكافي، الكليني، 8/58.

(80) انظر: الفقه الإسلامي وادلته، وهبة الحيلي، 10/7523.

(81) انظر: مسند أحمد بن حنبل، 3/364؛ انظر: مجمع البيان، الطبرسي، 3/303.

(82) انظر: منتهىٰ الآداب، ابن النجار، 2/254؛ انظر: كشاف القناع، البهوتي، 3/141.

(83) المكاسب، الأنصاري، 1/328.

(84) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 8/587.

(85) انظر: المكاسب، الأعظم الأنصاري، 1/26/30؛ انظر: المواهب في تحرير المكاسب، السبحاني، ص71.

(86) انظر: الذنوب الكبيرة، دستغيب، 1/401.

(87) انظر: الكافي، الكليني، 5/126؛ وسائل الشيعة، الحر العاملي، 17/95.

(88) انظر: الترغيب والترهيب، المنذري، 2/577؛ انظر: دعائم الإسلام، القاضي نعمان، 2/47.

Edit Template
Scroll to Top