الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيِّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد:
أوَّلاً: طبيعة البحث وأهميته:
يشكِّل هذا البحث مقدّمة تأسيسية لمجموعة من الدراسات القادمة، التي ستُعنىٰ بالتحقيق والفحص في عدد من الكتب الروائية، سواء التي تنتمي إلىٰ المجال الفقهي أو تلك الخارجة عن نطاقه، مع ملاحظة أنَّها لا تدخل ضمن الكتب الأربعة المشهورة.
الدافع الأساسي:
السبب الجوهري للشروع في هذا المسار العلمي هو أنَّ هذه المؤلفات تضم بين دفّاتها آلاف الروايات المتصلة بالأبواب الفقهية وغيرها، والتحقيق في اعتبار هذه الروايات له تأثير مباشر وحاسم في عملية الاستدلال الفقهي، من هنا، بات من اللازم تناول هذه النصوص بالدراسة والتمحيص لتمييز الصحيح منها من غيره.
ثانياً: ضرورة البحث في اعتبار المصادر الروائية:
تكمن أهمية هذا النوع من البحوث في أنَّ تلك الكتب تُعد من مظان الدليل اللفظي الشرعي، وبالتالي لا يحق للفقيه أن يغضّ الطرف عنها أثناء عملية استنباط الحكم الشرعي.
وقد قرَّر علم الأصول أنَّ الانتقال إلىٰ الأصول العملية لا يُعد مشروعاً إلَّا بعد التحقُّق من عدم وجود دليل لفظي، وهذا لا يتحقَّق بدوره إلَّا من خلال فحص جميع المصادر الروائية المحتملة، بما فيها هذه الكتب.
ثالثاً: أنماط الروايات الواردة في المصادر:
إنَّ الروايات الفقهية وصلت إلينا عبر مسالك متعدِّدة، يمكن تصنيفها إلىٰ ثلاثة أنماط رئيسية:
النمط الأوَّل: الروايات المباشرة من أصحابها:
وهي الكتب التي:
– ثابتة النسبة لمؤلفيها.
– معلومة النسخة.
– قريبة العهد من عصر النص.
حيث ينقل فيها المؤلف الروايات مباشرة دون وسائط.
مثاله: الكافي للشيخ الكليني (ت 329هـ)، الذي يضم قرابة ستة عشر ألف رواية.
النمط الثاني: الروايات مع مشيخة توثيقية:
– يشمل كتباً ثابتة النسبة أيضاً، ولكن مؤلفيها أبعد زمناً عن عصر النص.
– فاحتاجوا إلىٰ إعداد مشيخات تُوضّح طرقهم إلىٰ الأصول والمصنفات.
من أبرز الأمثلة:
– من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ت 381هـ) ومشيخته الكبيرة.
– التهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي (ت 460هـ) ومشيختهما المعروفة.
وقد كُتبت دراسات تحليلية حول هذه المشيخات، منها:
(بحوث في مشيخة من لا يحضره الفقيه).
(بحوث في مشيختي التهذيب والاستبصار).
النمط الثالث: المصادر المتأخِّرة زماناً:
هذه الكتب تتَّسم بأنَّ الفارق الزمني بين مؤلفيها وأصحاب النصوص يمتدّ لعدَّة قرون.
مثال بارز: وسائل الشيعة للحرّ العاملي (ت 1104هـ)، الذي جمع مادته من:
– الكتب الأربعة.
– عدد كبير من المصادر الأخرىٰ، بعضها وصل إليه مباشرة، وبعضها الآخر نقله عن كتب وسيطة.
رابعاً: الإشكاليات المرتبطة بالمصادر المتأخِّرة:
واجه هذا النمط الأخير عدداً من الإشكالات المنهجية، أبرزها:
1 – ضعف أساليب إثبات النسبة:
– الطرق التي اعتمدها الحر العاملي لإثبات نسبة الكتب لمؤلفيها كانت غالباً شرفية أو تبركية، تفتقر إلىٰ الحجية العلمية الدقيقة.
2 – تعدُّد النسخ:
كثير من هذه الكتب تعدَّدت نُسخها، ما يجعل نسبة النسخة الموجودة موضع إشكال وجدل علمي.
وعليه، فإنَّ طريقة المدرسة الأخبارية التي غالباً ما كانت تُجيز إثبات الصدور بأي طريق غير كافية لإيجاد الاطمئنان العلمي.
من الأمثلة علىٰ هذه الكتب:
– قرب الإسناد.
– مسائل علي بن جعفر.
– فقه الرضا.
– المحاسن للبرقي.
– الجعفريات (الأشعثيات).
خامساً: أهمية البحث الرجالي في هذا السياق:
تُطرح هنا أسئلة محورية:
هل يجب علىٰ الفقيه بحث اعتبار هذه الكتب قبل الخوض في المسائل الفقهية؟
أم يمكنه تأجيل ذلك إلىٰ أثناء أو بعد الاستدلال؟
الجواب:
من الضروري إجراء هذا التحقيق الرجالي مسبقاً، أي قبل الشروع في التفصيلات الفقهية؛ لأنَّ الفقيه لا يستطيع الانتقال إلىٰ الأصول العملية إلَّا بعد استيفاء الفحص الكامل عن الدليل اللفظي.
وهذا الفحص لا يتم إلَّا بعد تحديد المصادر الروائية المعتبرة.
سادساً: خلاصة وتمهيد للغرض:
يتَّضح مما سبق أنَّ الأبحاث الرجالية ليست ترفاً أو بحثاً جانبياً، بل تمثِّل أساساً جوهرياً في المنهج الفقهي، وهي الضمان الحقيقي لسلامة الاستنباط، وتحقيق براءة ذمة الفقيه عند الإفتاء.
الحلقة الأولىٰ:
الكتاب الأوَّل: مسائل علي بن جعفر:
تمهيد حول الكتاب ومؤلفه:
يدور الحديث حول واحد من أبرز الكتب التي احتوت علىٰ روايات فقهية تمس القضايا الشرعية التي يحتاجها الفقيه أثناء عملية الاستنباط، مؤلف هذا الكتاب هو علي بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وهو بدوره ابن الإمام محمد الباقر (عليه السلام).
وقد ذكر ابن عنبة أنَّ علياً كان أصغر أبناء الإمام جعفر الصادق، وأنَّ والده توفي وهو لا يزال طفلاً(1)، كما أكَّد ابن عنبة أنَّ علي بن جعفر كان من أتباع مذهب الإمامية(2)، ويُعد أخاً للإمام موسىٰ الكاظم (عليه السلام) وعمّاً للإمام علي الرضا (عليه السلام).
الخلاف حول نسبة الكتاب – الإمام الكاظم أم علي بن جعفر:
وفي المقابل، وردت رواية أخرىٰ تقول بخلاف ذلك، حيث يُنسب تأليف هذه المسائل إلىٰ الإمام موسىٰ الكاظم (عليه السلام)، وتُفهم علىٰ أنَّها أسئلة كان يوجهها لأبيه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، الذي استُشهد عام (148هـ)، ويُستدل علىٰ ذلك من خلال صيغة الروايات، حيث تبدأ الأولىٰ بعبارة: (سألت أبا جعفر بن محمد)، ثم تتكرَّر صيغة (سألته) مراراً، مما يُشير إلىٰ أنَّ السائل هو موسىٰ بن جعفر (عليه السلام)، والمجيب هو جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وبالتالي يُعد علي بن جعفر – الأخ الأصغر للإمام الكاظم (عليه السلام) – مجرَّد راوٍ لتلك المسائل، وينتهي إليه السند قبل أن يصل إلىٰ الإمام الكاظم (عليه السلام).
رأي السماهيجي ورد الطهراني عليه:
وكان أوَّل من نبَّه إلىٰ هذا الرأي هو الشيخ عبد الله السماهيجي في إجازته الكبرىٰ للشيخ ناصر، كما نقل الطهراني في كتابه (الذريعة)(3).
إلَّا أنَّ المحقِّق الشيخ آغا بزرك الطهراني (رحمه الله)، المتوفىٰ سنة (1389هـ)، خالف هذا الرأي، وردَّ علىٰ ما ذكره السماهيجي، قائلاً:
(إنَّ في بعض مواضع هذا الكتاب، مثل مسألة رفع اليدين بالتكبير، ورد نصه: قال علي بن جعفر: قال أخي (عليه السلام): علىٰ الإمام أن يرفع يديه في الصلاة، وليس علىٰ غيره ذلك، وقال: قال أخي: قال علي بن الحسين… إلىٰ نهاية الحديث).
ويُفهم من هذا أنَّ المسائل هي روايات لعلي بن جعفر عن أخيه الإمام موسىٰ الكاظم (عليه السلام)، حيث يذكر الأخ أحياناً الجواب من عنده، وأحياناً يروي عن أبيه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أو عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، وتبدأ هذه المسائل بالسؤال عن رجلٍ واقع زوجته قبل طواف النساء متعمِّداً، فما حكمه؟ فكان الجواب: (يطوف عليه بدلاً)(4).
ويبدو أنَّ ما رجَّحه المحقِّق الطهراني (قدّس سرّه) هو الأقرب إلىٰ الصواب.
أمَّا بالنسبة للتفاصيل المتعلِّقة بعمر علي بن جعفر، وسنة ولادته ووفاته، وأساتذته وتلامذته، ومكان دفنه، فهذه لا تُعد ذات أهمية من ناحية علم الرجال، خاصة إذا كانت الغاية منها الاستفادة في مجال الاستدلال الفقهي، ولمن أراد الاطِّلاع علىٰ تلك الجوانب، يمكنه الرجوع إلىٰ المصادر التي اهتمَّت بتلك الجهات، كالمقدمة المحقّقة لكتاب (مسائل علي بن جعفر)(5) مكانة علي بن جعفر عند الرجاليين ووثاقتهم.
مكانة علي بن جعفر عند الرجاليين ووثاقته:
عند الحديث عن علي بن جعفر، فإنَّنا نقف أمام شخصية لها مكانة رفيعة في التراث الروائي والرجالي، وقد نال احتراماً وتقديراً خاصاً من كبار العلماء في علم الرجال، واعتُبر من أهل الورع والعلم والفضل.
شهادة الشيخ المفيد:
قال الشيخ المفيد (رحمه الله):
(كان راوية للحديث، سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، ولزم أخاه موسىٰ (عليه السلام)، وروىٰ عنه كثيراً من الأخبار)(6).
ثم زاد في مدحه فقال:
(كانا من الفضل والورع علىٰ ما لا يختلف فيه اثنان)(7).
وهذا النصّ يوضِّح ما لعلي بن جعفر من موقع متميِّز في الورع، والصدق في نقل الحديث، وكثرة الرواية، والالتزام بأئمة أهل البيت (عليهم السلام).
مظاهر ورعه واحترامه للأئمة (عليهم السلام):
لم يكن التقدير الذي يكنّه علي بن جعفر للأئمة مقتصراً علىٰ من هم أكبر منه سنّاً أو مقاماً، بل امتد احترامه حتَّىٰ إلىٰ الأئمة الذين كانوا في مقام أولاده أو أحفاده، وقد دلَّت علىٰ ذلك مجموعة من الروايات.
الرواية الأولىٰ – ما رواه الكشي:
قال الكشي:
(علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال حمدويه بن نصير: قال: حدَّثنا الحسن بن موسىٰ الخشاب عن علي بن أسباط وغيره عن علي بن جعفر بن محمد، قال:
قال لي رجل أحسبه من الواقفة: ما فعل أخوك أبو الحسن؟
فقلت: قد مات.
قال: وما يدريك بذلك؟
قلت: قسمت أمواله، وأنكحت نساءه، ونطق الناطق من بعده.
قال: ومن الناطق من بعده؟
قلت: ابنه علي.
قال: فما فعل؟
قلت له: مات.
قال: وما يدريك أنَّه مات؟
قلت: قسّمت أمواله، ونُكحت نسائه، ونطق الناطق من بعده.
قال: ومن الناطق من بعده؟
قلت: أبو جعفر ابنه.
قال: فقال لي: أنت في سنّك وقدرك وأبوك جعفر بن محمد تقول هذا القول في هذا الغلام؟!
قال: قلت له: ما أراك إلَّا شيطاناً.
قال: ثم أخذ بلحيته فرفعها إلىٰ السماء ثم قال: فما حيلتي إن كان الله رآه أهلاً لهذا، ولم تكن هذه الشيبة لهذا أهلاً؟)(8).
الرواية الثانية – ما نقله الكليني:
قال الكليني:
(الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهْدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادِ الصَّيْقَلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ جَالِساً بِالمَدِينَةِ، وَكُنْتُ أَقَمْتُ عِنْدَهُ سَنَتَيْنِ أَكْتُبُ عَنْهُ مَا يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ – يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) – إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام) المَسْجِدَ – مَسْجِدَ الرَّسُولِ (صلىٰ الله عليه وآله) – فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ بِلَا حِذَاءٍ وَلَا رِدَاءٍ، فَقَبَّلَ يَدَهُ وَعَظَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا عَمِّ اجْلِسْ رَحِمَكَ اللهُ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، كَيْفَ أَجْلِسُ وَأَنْتَ قَائِمٌ؟
فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَىٰ مَجْلِسِهِ جَعَلَ أَصْحَابُهُ يُوَبِّخُونَهُ، وَيَقُولُونَ: أَنْتَ عَمُّ أَبِيهِ وَتَفْعَلُ بِهِ هَذَا الْفِعْلَ؟
فَقَالَ: اسْكُنُوا، إِذَا كَانَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) – وَقَدْ قَبَضَ عَلَىٰ لِحْيَتِهِ – لَمْ يُؤَهِّلْ هَذِهِ الشَّيْبَةَ، وَأَهَّلَ هَذَا الْفَتَىٰ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، أُنْكِرُ فَضْلَهُ؟ نَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا تَقُولُونَ، بَلْ أَنَا لَهُ عَبْدٌ)(9).
شهادة الشيخ الطوسي في موضعين:
وقد وثقه الشيخ الطوسي (رحمه الله) صراحة في موضعين:
الموضع الأول – في (الرجال):
قال عنه:
(عمه، له كتاب، ثقة، من أصحاب أبي الحسن موسىٰ الكاظم (عليه السلام))(10).
ورغم أنَّ كتاب (الرجال) للطوسي ليس مخصصاً للتوثيق أو التضعيف، إلَّا أنَّ وضوح مقام علي بن جعفر وعظمة شأنه حملت الشيخ الطوسي علىٰ التنصيص علىٰ وثاقته.
الموضع الثاني – في (الفهرست):
ذكر في ترجمته:
(جليل القدر، ثقة)(11).
ويُفهم من ذكره في (الفهرست) أنَّه من أصحاب الكتب، إذ إنَّ الغاية من (الفهرست) هي حصر المؤلفين من أصحابنا، وبيان مؤلفاتهم.
أقوال الأعلام المتأخِّرين:
وتوالت بعد ذلك كلمات التوثيق والمدح من كبار العلماء بعد الشيخ الطوسي، منهم:
– ابن شهر آشوب في غير مورد(12).
– العلامة الحلي (قدس سره) المتوفىٰ سنة (726 هـ)، حيث وثّقه وذكر جلالته في كتاب (الرجال)(13).
– الذهبي، حيث قال في وصفه:
(كان من أجلة السادة الأشراف)(14).
– اليافعي(15).
– ابن العماد(16).
وقد استمرَّت عبارات التقدير والثناء عليه من قبل المتأخِّرين ومتأخِّريهم، بشكل لا يدع مجالاً للشك في مكانته وعلو مقامه.
خلاصة القول:
إنَّ جلالة قدر علي بن جعفر وشأنه الرفيع أظهر من أن تُذكر، أو تحتاج إلىٰ مزيد من البيان، وكتابه المشهور (مسائل علي بن جعفر) هو مؤلف فقهي روائي يتضمَّن أجوبة الإمام موسىٰ الكاظم (عليه السلام) عن مجموعة من الأسئلة التي وجَّهها إليه أخوه الأصغر علي بن جعفر.
ملاحظات حول عدد الروايات في كتاب (مسائل علي بن جعفر):
من المهم الالتفات إلىٰ أنَّ عدد روايات هذا الكتاب مختلف بين النسخ:
– (429 رواية) في النسخة غير المبوبة (أي غير المرتبة علىٰ الأبواب الفقهية)، وهي التي ضمَّها (بحار الأنوار) للمجلسي، و(وسائل الشيعة) للحر العاملي، برواية علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن علي بن جعفر.
– (533 رواية)، أو (535 رواية) بحسب ما ظهر من الاستقراء في النسخة المبوبة (المرتبة علىٰ أبواب الفقه)، والتي يرويها حفيده عبد الله بن الحسن، والمودعة في كتاب (قرب الإسناد) للحميري – تحديداً في القسم الثاني من الكتاب.
ويُلاحظ أنَّ الفرق بين النسختين من حيث عدد الروايات يصل إلىٰ نحو (20%)، وهو اختلاف كمّي وكيفي، ما يدعو إلىٰ الدراسة والتحقيق حولهما.
ملاحظة حول الفروقات الكيفية بين نسخ كتاب (مسائل علي بن جعفر):
أمَّا من الناحية الكيفية، فإنَّ الاختلاف بين النسخ المختلفة لكتاب مسائل علي بن جعفر لا يقتصر فقط علىٰ عدد الروايات، بل يظهر كذلك في مضمون بعض المسائل والروايات التي تنفرد بها بعض المصادر دون غيرها، ويمكن ملاحظة هذا التفاوت من خلال عدَّة صور، نعرضها كما يلي:
الصورة الأولىٰ:
ما رواه الكليني (رضي الله عنه) عن محمد بن يحيىٰ، عن العمركي بن علي البوفكي، وهو أحد رواة كتاب علي بن جعفر – كما سيتَّضح لاحقاً بتفصيل – حيث وردت في هذا الطريق عدة مسائل لا توجد في النسختين المعروفتين:
– لا في النسخة المدرجة في قرب الإسناد.
– ولا في النسخة المودعة ضمن بحار الأنوار وسائر المصادر الأخرىٰ(17).
الصورة الثانية:
ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) مبتدئاً السند باسم علي بن جعفر، ويبدو بوضوح أنَّه اعتمد فيه علىٰ كتابه، وبالأخص من رواية العمركي وموسىٰ بن القاسم، حيث وردت عدَّة مسائل في هذا السياق لا تتوفر في النسختين المشار إليهما سابقاً(18).
الصورة الثالثة:
ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله)، كذلك مبتدئاً السند بعلي بن جعفر، وهو ما يظهر أنَّه مأخوذ من رواية العمركي، كما يتبيَّن من خلال المشيخة، وقد وردت فيه روايات كثيرة لا نجد لها أثراً في أي من النسختين(19).
الصورة الرابعة:
ما ورد في كتابي المحاسن والتهذيب، بإسنادهما إلىٰ علي بن أسباط، وهو أحد رواة كتاب علي بن جعفر – كما ستُذكر الإشارة إليه لاحقاً – وفي هذا الطريق رويت مجموعة روايات كذلك لا توجد في أي من النسختين المذكورتين(20).
الخاتمة:
بهذا يُفهم أنَّ الفروقات بين نسخ كتاب مسائل علي بن جعفر ليست فروقات عددية فقط، بل هناك فروقات نوعية وكيفية تُضاف إلىٰ الاختلاف الكمّي، مما يوجب التحقيق المقارن بين النسخ والمصادر المختلفة لهذا الكتاب الروائي الفقهي المهم.
الهوامش:
(1) ابن عنبة – عمدة الطالب: ص٢٤١.
(2) ينظر: المصدر نفسه.
(3) ينظر: الطهراني ، الذريعة: ٢٠/٣٦٠.
(4) المصدر نفسه.
(5) ينظر: مسائل علي بن جعفر: مقدمة المحقق السيد محمد رضا الحسيني.
(6) الإرشاد ، المفيد ٢/٢١٤.
(7) المصدر نفسه: ٢/٢١٦.
(8) الطوسي ، اختيار معرفة الرجال: ٢/٧٢٨ – ٧٢٩.
(9) الكليني ، الكافي: ١/٣٢٢.
(10) الطوسي ، الرجال: ص٣٧٩ / ٣.
(11) الطوسي ، فهرست كتب الشيعة وأصولهم: ص٨٧ /٣٦٧.
(12) ينظر: ابن شهر آشوب ، مناقب آل أبي طالب: ٤/ ٣٢٥ ، ٣٨٠.
(13) ينظر: العلامة الحلي ، الرجال: ص٩٢ / ٤.
(14) الذهبي، العبر: ١/٢٨٢.
(15) ينظر: اليافعي، مرآة الجنان: ٢/٦٨.
(16) ينظر: ابن العماد، شذرات الذهب: ٢/٢٤٠.
(17) ينظر: مسائل علي بن جعفر.
(18) ينظر: المصدر نفسه.
(19) ينظر: المصدر نفسه.
(20) ينظر المصدر نفسه.