بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِينَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَحُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى مِيزَانِ الْحَقِّ إِذَا اخْتَلَّتِ الْمَوَازِينُ السَّلَامُ عَلَى حُجَّةِ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تُخْتَزَلْ فِي زَمَنٍ، وَلَمْ تُحْبَسْ فِي تَارِيخٍ.
رِحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، لَا نَقِفُ أَمَامَ رَمْزٍ فَحَسْبُ، بَلْ أَمَامَ نَمُوذَجٍ مَعْرِفِيٍّ كَامِلٍ، الْتَقَى فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْعَقْلُ دُونَ صِرَاعٍ، وَالنَّصُّ وَالْوَاقِعُ دُونَ قَطِيعَةٍ، وَالْغَيْبُ وَالْحَيَاةُ دُونَ انْفِصَالٍ.
هُنَا يَتَجَلَّى الدِّينُ بِوَصْفِهِ مَنْظُومَةَ هِدَايَةٍ شَامِلَةً، لَا خِطَابًا سَطْحِيًّا، وَلَا تَجْرِبَةً وِجْدَانِيَّةً مَعْزُولَةً عَنْ مَقَاصِدِهَا الْعُلْيَا.
عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَيْسَ مُجَرَّدَ إِمَامٍ عَادِلٍ كَامِلٍ، بَلْ هُوَ بِنْيَةٌ قِيَمِيَّةٌ مُكْتَمِلَةٌ صَنِيعَةُ الْمَحْكَمَةِ، فَهُوَ عَقْلٌ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْوَحْيِ، وَسُلْطَةٌ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، وَقُوَّةٌ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْمَكَانَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ لَا يُقْرَأُ بِوَصْفِهِ فَضَاءً مِعْمَارِيًّا فَقَطْ، بَلْ يُقْرَأُ بِوَصْفِهِ حَامِلًا لِلْمَعْنَى، وَلِلْهُوِيَّةِ الشِّيعِيَّةِ، وَلِلْهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَوَسِيطًا لِلرِّسَالَةِ، وَلِسَانَ حَالٍ لِلْقِيَمِ السَّمَاوِيَّةِ الْفِطْرِيَّةِ.
إِنَّ مَرْقَدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوِجْدَانِ الشِّيعِيِّ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ الْتِقَاءٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ النَّصِّ وَالْإِنْسَانِ، وَبَيْنَ الْقُدَاسَةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَبَيْنَ الْجَمَالِ الْمَعْنَوِيِّ وَالْهِدَايَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْفَهْمِ الْعَمِيقِ تَتَحَدَّدُ دِلَالَةُ تَجْدِيدِ الْإِيوَانِ الذَّهَبِيِّ، فَتَجْدِيدُ الْإِيوَانِ لَيْسَ فِعْلًا هِنْدَسِيًّا مَحْضًا، وَلَا اسْتِجَابَةً لِحَاجَةٍ إِنْشَائِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ قَرَارٌ مَعْرِفِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِجْرَاءً عُمْرَانِيًّا.
إِنَّهُ وَعْيٌ بِأَنَّ الْعِمَارَةَ الدِّينِيَّةَ لَيْسَتْ حِيَادِيَّةً، بَلْ خَادِمَةٌ لِلْمَعْنَى، وَمُؤَصِّلَةٌ لَهُ، وَمُوصِلَةٌ إِلَيْهِ.
هُوَ مَعْرِفِيًّا:
تَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ، حِينَ يُقَدَّمُ بِلُغَةِ الْجَمَالِ الْمُنْضَبِطِ، لَا يَهْرُبُ مِنَ الْعَقْلِ، بَلْ يَسْتَدْعِيهِ، وَلَا يُخَاصِمُ الْوَعْيَ، بَلْ يَرْتَقِي بِهِ. وَالْجَمَالُ هُنَا لَيْسَ تَرَفًا بَصَرِيًّا، بَلْ أَدَاةُ حِجَاجٍ صَامِتَةٍ، تُثْبِتُ أَنَّ الْحَقَّ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَجَلَّى بِغَيْرِ صَخَبٍ.
وَهُوَ رُوحِيًّا أَيْضًا؛ إِذْ فِيهِ إِعَادَةُ تَشْكِيلٍ لِلْفَضَاءِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ شَرِيكًا فِي تَرْبِيَةِ النَّفْسِ، وَمُمَهِّدًا لِحَالَةِ الْخُشُوعِ، وَحَارِسًا لِلسَّكِينَةِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الدَّاخِلُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ زَائِرَ مَكَانٍ فَحَسْبُ، بَلْ شَاهِدَ تَجْرِبَةٍ رُوحِيَّةٍ لَا بَدِيلَ لَهَا.
وَهُوَ قِيَمِيًّا وَحَضَارِيًّا؛ لِأَنَّهُ تَثْبِيتٌ لِوَاقِعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَفْصَلِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ عَلِيًّا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَيْسَ اسْمًا يُسْتَحْضَرُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ الْكَرِيمَةِ فَحَسْبُ، بَلْ مِيزَانٌ تُقَاسُ بِهِ الْقِيَمُ، وَنَمُوذَجٌ تُخْتَبَرُ بِهِ الْحَضَارَةُ.
إِنَّ تَجْدِيدَ الْإِيوَانِ هُوَ تَجْسِيدٌ لِمَسْؤُولِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ عَالِيَةٍ:
فِي صَوْنِ الْقُدَاسَةِ مِنَ التَّسْطِيحِ،
وَفِي حِمَايَةِ الرَّمْزِ مِنَ الِانْحِدَارِ الْعَاطِفِيِّ،
وَفِي رَبْطِ الْخِدْمَةِ بِالْوَعْيِ.
وَهُوَ إِعْلَانٌ عَمَلِيٌّ بِأَنَّ خِدْمَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تُخْتَزَلُ فِي الْحَجَرِ َالذَّهَبِ،
بَلْ تَقُومُ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ، وَوُضُوحِ الرُّؤْيَةِ، وَعُمْقِ الِانْتِمَاءِ.
فَهُوَ لَيْسَ تَرْمِيمًا لِبِنَاءٍ فَقَطْ، بَلْ تَأْصِيلٌ لِلْمَعْنَى السَّامِي فِي زَمَنٍ تَتَآكَلُ فِيهِ الْمَعَانِي، وَتَجْدِيدٌ لِلْعَهْدِ مَعَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِوَصْفِهِ مِعْيَارًا لِلْعَقْلِ، الْعِلْمِ، وَالْإِنْسَانِ.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَ كُلَّ مَنْ أَسْهَمَ وَيُسْهِمُ فِي هَذَا الْعَمَلِ وَنَظَائِرِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا مَنْظُورًا فِي مِيزَانِ الْحَقِّ، مُمْتَدَّ الْأَثَرِ فِي الْوَعْيِ قَبْلَ الْأَثَرِ، وَفِي الْإِنْسَانِ الصَّالِحِ قَبْلَ الْمَكَانِ، وَفِي عَالَمٍ رَحْبٍ سَنَلْتَحِقُ بِهِ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ