فقه الهداية والأرسال
كلمة سماحة أستاذ البحث الخارج السيد أحمد الأشكوري أدام الله بقاءه في المدرسة الغروية
بمناسبة افتتاح حوزة المصباح الدينية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
((وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم)) سورة ابراهم، الآية 4.
من إشارات الآية:
1- فعل الهداية لا مجرد ابلاغ المعلومة. أن الهدف ليس مجرد (الخطاب). بل (تفعيل المعرفة)، وهذا ما يحول حركة المؤسسة الدينية من إطار التبسيط التبليغي الوعظي، إلى إطار الهندسة الاجتماعية والنفسية، فتحصل الهداية.
2- اللسان أوسع من اللغة. فاللغة هي المفردات والقواعد، أما اللسان فهو الثقافة، والوعي، والهموم المشتركة، والسياق التاريخي والنفسي للمخاطَب.
نسعى لطرح يعالج إشكالية معاصرة وملحة في الفكر الديني والحوزوي، وهي الفجوة بين (الإنتاج المعرفي) و(الأثر الهدايتي). وسيكون الحديث في مجموعة محاور.
المحور الأول: التحول المطلوب: الارتقاء بحوزة التحصيل إلى حوزة الهداية.
تعريف حوزة التحصيل: بمعنى تحصيل العلم، وضبط المباني، وتحقيق النصوص، وصولاً الى صناعة ملكة استنباط الاحكام من الأدلة الشرعية.
حوزة الهداية: مضافاً لما سبق، تشخيص واقع الانسان، وفهم اسئلته. واكتشاف قلقه، وصياغة الجواب القادر على ايصاله إلى الحقيقة. وهذا الدور الرسالي يستدعي الإحاطة بعلوم تساعد طالب الحوزة في مهمته من قبيل: (علم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع الديني، وتفكيك الفلسفات المعاصرة).
تنبيه: ليست القضية هي الانتقال من العلم إلى الخطاب، بل من انتاج المعرفة الى إيصال المعرفة، ثم تفعيل المعرفة عند الانسان. مما يستدعي الانتقال من لغة (يجوز/لا يجوز) الجافة، إلى لغة تبيّن (الحكمة والمصلحة الفلسفية والتربوية) للحكم الشرعي ليصبح قادراً على الإقناع.
المحور الثاني: المعاصرة لا تعني تغير الدين. بل تغيير طريق الوصول الى الانسان.
مجموعة قواعد
1- ثبات الحقيقة الدينية يستدعي ثبات اليات عرضها.
2- ثبات النص يستدعي ثبات لغة الخطاب.
3- ثبات الأصول يستدعي ثبات وسائل الاقناع.
4- ثبات القيم يستدعي ثبات التطبيقات الاجتماعية.
من خلال ما تقدم يتضح امر في غاية الأهمية وهو: لابد من ثبات المرجعية الدينية، وتجدد هندسة الوصول لبُنية الخطاب. وهذا لا يتم إلا بعد التخلص من اتجاهين يشكل كل منهما مانعاً من ارتقاء الحوزة من حوزة تحصل الى حوزة هداية.
الاتجاه الأول: الجمود. بمعنى إبقاء طريقة البيان القديمة، وعدم السعي لتطويرها.
الاتجاه الثاني: الذوبان. بمعنى تغيير مضمون الدين، لإرضاء الانسان المعاصر.
المحور الثالث: تقديم فقه السؤال على فقه الجواب.
حيث ينقل التعامل مع التساؤلات البشرية من مجرد ردود أفعال سطحية، إلى تفكيك بنيوي وفهم واعي لعمق الإنسان.
اولاً- فقه السؤال: معرفة ما الذي يسأل عنه الانسان حقيقة، لا ما يقوله بلسانه فقط. فلا بد من التميز بين:
1- السؤال المعرفي.
2- السؤال الوجودي.
3- السؤال النفسي الروحي.
4- السؤال الأخلاقي.
5- السؤال الاجتماعي.
6- السؤال الديني.
7- السؤال الاحتجاجي.
الهدف هنا ليس الإجابة عن الكلمات الظاهرة، بل الإجابة عن الإنسان الذي ينطق بها. ولازم هذا ضرورة تطبيق الخطوات التالية:
اولاً- اكتشاف السؤال الكامن خلف السؤال الظاهر. كثيراً ما يطرح الشخص سؤالاً معرفياً مثال: (لماذا يسمح الله بالألم؟)، بينما سؤاله الحقيقي هو سؤال نفسي روحي مثال: (أنا أتألم وأشعر بالوحدة، هل الله يراني؟). الفقه هنا هو الإجابة عن الألم لا عن الفلسفة.
ثانياً- معرفه مصدر السؤال ومنشأه. هل نابع من صدمة نفسية؟ أم من قراءة لكتاب فلسفي؟ أم من ضغط اجتماعي؟ تحديد المنشأ يحدد لغة الخطاب.
ثالثاً- معرفه مستوى السائل. خير الأدوات العقلية واللفظية المناسبة لعمر السائل، وخلفيته الثقافية، وقدرته على الاستيعاب.
رابعاً- معرفه المسلمات عند السائل. ما هي الأرضية المشتركة التي ينطلق منها؟ (هل يؤمن بالغيبيات؟ هل يحتكم للعقل المجرد فقط؟) البدء من نقطة الاتفاق هو سر النجاح.
ثانياً- فقه الجواب: لكي يكون الجواب شافياً ومعمّقاً، يجب ان تتوفر فيه اركاناً أربعة.
1- صحة المصدر: الاستناد إلى حقائق صلبة ومصادر موثوقة (نقلية أو عقلية أو علمية).
2- صحة الفهم: الفهم الدقيق لمراد المصدر وسياقه، والفهم الدقيق لمراد السائل.
3- صحة الاستدلال: الربط المنطقي السليم بين المصدر والمسألة المطروحة دون تعسف.
4- صحة التطبيق: إنزال الجواب الكلي على حالة السائل الجزئية بما يصلح شأنه.
الانتقال من تقاطع الجواب الى ثقافة الحوار
تقاطع الجواب يعنى الصدام المعرفي، حيث يرى المسؤول نفسه مالكاً للحقيقة المطلقة ويقذف بالجواب كقذيفة تُنهي النقاش وتُفحم السائل (عقلية الإفحام والإسكات). أما ثقافة الحوار، فتعني تحويل الجواب إلى جسر يربط بين عقلين.
المحور الرابع: ثلاث كفاءات تحقق هداية معاصرة.
1- الكفاء العلمية (تحقق الاستنباط، وفهم التراث، ومعرفة المدارس الفكرية).
2- الكفاءة الانسانية (فهم الانسان، وقراءة حاجاته، وتشخيص القلق).
3- الكفارة التواصلية (ترتيب الحجج، وادوات الحوار، والوسائل المعاصرة)
خاتمة
ضرورة بناء تساوق ضرورات الهداية.
1- ضرورة الايمان (لماذا نؤمن؟).
2- ضرورة المعنى (المبدأ والمصير والغاية وكيف أعيش).
3- ضرورة الاخلاق (النظرية والعملية والتطبيقية والأخلاق الوحيانية، والفطرية، والوجدانية، والعلمية).
4- المناعة الفكرية لا مجرد المعالجة الاسعافية.
5- خارطة الاسئلة المعاصرة (معرفه الاسئلة المتكررة، والصامتة، والخجولة، والمستقبلية)
6- فقه الانسان، فقه التحولات، فقه الشبهة.
بناءً على ما تقدّم، نخلص إلى أنَّ الهداية في المنظور الإسلامي والمعرفي ليست مجرد جزيئات متناثرة أو استجابات وعظية مؤقتة، بل هي بنية متساوقة متكاملة يشترط كمالُها تلاحمَ أركانها الستة.
إنَّ هذا التساوق يبدأ من ضرورة الإيمان بوصفه الإجابة الكبرى عن سؤال (لماذا نؤمن؟) ليمد الإنسان بالطاقة الروحية والوجودية المطلقة، وهو الذي يثمر تلقائياً ضرورة المعنى؛ ليتضح للمرء مبدؤه، ومصيره، وغايته، ويجيب عن سؤاله العملي: (كيف أعيش؟).
ومن رحم هذا المعنى تتولد ضرورة الأخلاق بأبعادها النظرية والعملية والتطبيقية، لتتكامل فيها الأخلاق الوحيانية مع الفطرية، والوجدانية، والعلمية، صانعةً سلوكاً إنسانياً منضبطاً ومتوازناً.
ولمواجهة تيارات العصر، يبرهن هذا البحث أن الاكتفاء بالمعالجات الإسعافية السطحية لم يعد كافياً، بل يتعين الانتقال الصارم نحو المناعة الفكرية المستدامة التي تبني العقل وتؤصله. هذه المناعة لا تكتمل إلا بامتلاك خارطة الأسئلة المعاصرة، والقدرة على فرزها وتفكيكها؛ سواء كانت أسئلة متكررة تملأ الساحة، أو صامتة تكتمها الحيرة، أو خجولة يمنعها الحياء، أو مستقبلية تتخلق في رحم التحولات القادمة.
وأخيراً، يتوج هذا البناء التساوقي بثلاثية فقهية حاسمة تشكل وعي المؤمن المعاصر: فقه الإنسان في مركزيته وتكريمه، وفقه التحولات في رصد متغيرات الواقع وسننه، وفقه الشبهة في تفكيك الحوار المعرفي والرد عليه بأسس علمية متينة. إنَّ بناء هذا التساوق المعرفي والروحي هو السبيل الأوحد لتحقيق الهداية الشاملة التي تحمي الفرد، وتنهض بالأمة، وتواجه تحديات الراهن والمستقبل بثبات وبصيرة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.
[1] وهذا ما يدعونا الى تفعيل قاعدة مفادها: ثبات الحقيقة الدينية، وتجدد هندسة الوصول. وترجمتها عملياً من خلال استخدام المنصات الرقمية، والفنون، والخطاب التفاعلي، وتفكيك الشبهات بأسلوب حواري، وما شابه من الأدوات العصرية. مضافاً الى ضرورة التمييز بين (لغة الاستنباط الداخلي والتي يكون تكون بين العلماء) وبين لغة البلاغ الخارجي التي تكون مع عموم الناس والشباب).
[2] الذوبان يفرغ الدين من حقيقته. وعليه لابد من اعمال فن التكامل بين الثوابت الدينية والمغيرات المعاصرة.