الحوزة العلمية والزيارة الأربعينية – المبلغين أنموذجاً
الشيخ كاظم المحمداوي
بعث الله سبحانه وتعالىٰ الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين إلىٰ البشر أجمعين، لغاية وهدف محدود عرفه ببعثة الأنبياء والمرسلين، ليكون الغرض منها هداية الناس ورحمةً ومنةً، ودعوتهم بكلِّ فئاتهم وطوائفهم إلىٰ توحيد الله (عزَّ وجلَّ) والتقرُّب إليه زلفة، فهم حجة الله في الأرض لأداء أمانة التبليغ والتثقيف والنصح والإرشاد والدعوة إلىٰ الله ودين الحق، حتَّىٰ لا يقال إنَّ الله سبحانه وتعالىٰ لم يبعث أحداً مرشداً ومبلِّغاً وموضِّحاً ونذيراً وبشيراً، كي لا يكون للناس حجة علىٰ الله تعالىٰ، لقوله تعالىٰ: ﴿رُسُلاً مُبَشِّـرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَىٰ اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ…﴾ (النساء: 165).
فالحوزة العلمية الشريفة هي المؤسّسة الدينية العليا في الأوساط الشيعية المسؤولة عن التوجيه والإرشاد والتبليغ والتوعية، لما لها من تأثير فعال علىٰ المجتمع الإسلامي بكلِّ طوائفه ومذاهبه، ويرجع لهم كل من لم يكن عارفاً عالماً بأحكام الدين وشريعة سيد المرسلين، رجوع الجاهل في الأحكام الشرعية إلىٰ العالم بها النائب عن الإمام (عليه السلام) للتصدِّي في الحكم والقضاء والإفتاء وتطبيق الأحكام الشرعية(1).
الحوزة العلمية الشريفة:
سوف نتعرَّض لها في الفصل الأوَّل إن شاء الله، في لغة العرب مأخوذة من الجذر (ح و ز) وتعني الجمع والضم والناصية والحدود وما يملكه الإنسان.
وهي مؤسسة دينية علمية تعني بتدريس العلوم الإسلامية الشرعية والعقلية والعربية والعقائدية وإلىٰ غير ذلك من العلوم الآلية الأخرىٰ التي تساعد علىٰ الاجتهاد، لتخريج العلماء والفقهاء والفضلاء والمبلِّغين، وفق الضوابط المنهجية العلمية علىٰ نحوها التدريجي وتتعدُّد المرجعيات الدينية في الحوزة العلمية، وقد برز تاريخياً من العلماء الفقهاء بوصفهم من أبرز مراجعها وزعمائها العلمية، ويعد اليوم السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه) من أبرز مراجع التقليد في النجف الأشرف، بل المرجعية الدينية العليا.
المشروع التبليغي:
المقصود من المشروع التبليغي الذي باركت فيه المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تحت ظلِّ رعاية عددٍ من الأساتذة والفضلاء أصحاب الشأن العلمي، من أهل الفضيلة والرأي، فهم منظومة علمية من طلبة وطالبات الحوزة العلمية الشريفة، والذي يكون نهج عملهم الإرشاد والتبليغ والتوجيه والتوعية الدينية، في إيضاح الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، ولا يقتصر نهج عملهم علىٰ تبليغ الأحكام الشرعية فقط، بل والأخلاقية والتربوية والاجتماعية التي تصب في خدمة زوار الإمام الحسين (عليه السلام) يكون الهدف الأسمىٰ منه تثقيف الزائرين والعمل علىٰ خدمتهم ونشر فكر الثقافة الحسينية ومحاربة الأفكار الضالة المنحرفة من قبل المبتدعين الضالين(2)، وهذا المشروع المبارك من توجيهات وتوصيات المرجعية الدينية العليا، بأن تكون الحوزة العلمية الشريفة والمؤسسات الدينية التابعة لها المسؤولية المباشرة عن هذا المشروع الإسلامي.
الزيارة الأربعينية:
أبعاد هذه القضية مأساوية، في قتل أولاد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) في كرب وبلاء، والتي تصادف اليوم الأربعين للاستشهاد العشرين من صفر الخير عام (61هـ)، لمرور أربعين يوماً عرفت بذلك، ولا توجد مناسبة يحيها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أعظم منها.
فَهَوْل المصيبة واضح والجزع واقع والحسرة والكدر معروف علىٰ المسيرات المليونية الراجلة باتِّجاه النجف وكربلاء، وهم يتسارعون للوصول لإقامة مجالس العزاء وإعداد موائد الطعام أو تقديم الخدمات للزائرين، وأفضل شعائر هذه الزيارة هي المسيرات الراجلة والتي تعرف بـ(البيادة)، فالزيارة الأربعينية تعد اليوم شعيرةً إسلامية ولم تكن مختصَّة بالطائفة الشيعية، وقد دلَّت الآيات والروايات علىٰ إحياء هذه الشعائر(3)، قال تعالىٰ: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
وتعظيمها يكون بإجلالها في القلب وإقامتها علىٰ أكمل وجه وتحسينها وإتقانها(4)، والشعائر الحسينية وزيارة الأربعين جزءًا منها.
قال كاشف الغطاء: (اعتبر عدداً من مظاهر الحزن التي تقام علىٰ الإمام الحسين (عليه السلام) من الشعائر)(5)، حتَّىٰ عدَّت هذه الزيارة من علامات المؤمن لقول الإمام العسكري (عليه السلام):
«صلاة إحدىٰ وخمسين وزيارة الأربعين والتختُّم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم»(6).
أهمية البحث:
الأولىٰ: بيان معنىٰ الحوزة العلمية الشريفة ودورها في بيان الأحكام الشرعية لاتِّباعها، باعتبارها مؤسسة دينية علمية مستقلة تكون تحت نظر وإشراف المرجعيات الدينية الرشيدة في مدينة النجف الأشرف.
الثانية: بيان دور المشروع التبليغي الذي باركت فيه المرجعية الدينية العليا وعلىٰ مدار عدَّة سنوات في التصدِّي إلىٰ التبليغ والتوجيه والنصح وإيضاح الأحكام الشرعية.
الثالثة: بيان ماهية وأبعاد الزيارة الأربعينية بالنسبة إلىٰ الشيعة الإمامية، وأشهر مصاديقها في إقامة مجالس العزاء والمسيرة الراجلة وإعداد موائد الطعام، حتَّىٰ عرفت من علامات المؤمن.
مشكلة البحث:
السؤال الرئيسي: تتمثَّل مشكلة البحث في الحاجة إلىٰ دراسة الدور الذي يؤدِّيه المشروع التبليغي الحوزوي في الزيارة الأربعينية، ومدىٰ إسهامه في تلبية الحاجات الدينية والعقائدية والأخلاقية والاجتماعية للزائرين، فضلاً عن قدرته علىٰ معالجة الأسئلة والشبهات التي تطرح في البيئة المرتبطة في الزيارة.
الأسئلة الفرعية:
السؤال الأوَّل: ما أبرز الأبعاد الدينية والتربوية والاجتماعية للزيارة الأربعينية.
السؤال الثاني: ما طبيعة العلاقة بين المشروع التبليغي الحوزوي والزيارة الأربعينية وما أبرز مجالات التكامل بينهما.
السؤال الثالث: ما أبرز التحديات التي تواجه المشروع التبليغي في الزيارة الأربعينية.
الدراسات السابقة:
1- تاريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
2- فقرات وتاريخ المدارس الدينية.
3- ماضي النجف وحاضرها.
4- كامل الزيارات، ابن قولويه القمي.
5- مصباح المتهجد، محمد بن الحسن الطوسي.
هيكلية البحث العلمي:
الفصل الأوَّل: الحوزة العلمية المفهوم النشأة والدور العلمي والاجتماعي.
الفصل الثاني: الأبعاد الدينية والتربوية والاجتماعية للزيارة الأربعينية.
الفصل الثالث: المشروع التبليغي -المبلغين-.
الفصل الأوَّل: الحوزة العلمية المفهوم والنشأة والدور العلمي والاجتماعي:
والفصل منظَّم علىٰ عدَّة نقاط، وكما يلي:
النقطة الأولىٰ: التأصيل العلمي لمفهوم الحوزة العلمية:
لغة: مأخوذة من الجذر (ح و ز) وتعني الجمع والضم والناصية، وما يملكه الإنسان ويحيط به(7)، الحوز الجمع وضم الشيء بالحيازة والاختيار(8)، فالحوزة الجمع والناحية.
واصطلاحاً: علىٰ ما معروف ومألوف هي المؤسسة الدينية الإسلامية الشيعية، التي تعتني بدراسة العلوم الإسلامية والكلامية والعقلية والنحوية وغيرها(9)، فهي مكان ومجمع ومركز ديني للعلم والتعلُّم في المساجد والجوامع والحسينيات وفي بعض الهيئات والمؤسسات أو في مكاتب العلماء والفقهاء والمرجعيات(10)، وشهرتها فائقة كالنار علىٰ الجبل، وأشهر أماكن هذه الحوزات وجوداً وعلماً ومعرفةً وازدهاراً النجف الأشرف عاصمة العلم والعلماء وقم المقدسة، ونظام دراستها قديماً وحديثاً حلقات الدرس ولكلِّ مراحل التدريس، لذا سميت بالحوزة لانحياز الطلاب حول من يعطي الدرس، والذي يميِّزها عن غيرها أنَّها خاضعة أو تحت إشراف المرجعيات الدينية، والتي تعني بالفقه الإمامي الجعفري.
في الاستعمال القرآني:
لم ترد لفظ الحوزة العلمية في القرآن الكريم بهذا الاصطلاح وإنَّما وردت بعض المشتقات اللغوية من المادة ذات الصلة، تدل بمفهومها علىٰ معنىٰ الحوزة من قبيل ما يلي:
الأوَّل: متحيِّزاً:
بمعنىٰ الجمع والضم: لقوله تعالىٰ: ﴿… أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ…﴾ (الأنفال: 16).
والتي تدل علىٰ الانحياز والميل إلىٰ جهة أو جماعة مخصوصة، أو صائراً إلىٰ حيز المؤمنين(11)، وطلبة العلوم الدينية بهذا الوصف يكونون متحيِّزين إلىٰ علمائهم وفقهائهم ومراجعهم العظام.
الثاني: الحوزة:
فيكون معناها واشتقاقها القرآني علىٰ الجمع والضم والتجمُّع في ناحية أو مكان، بخلاف الاشتقاق الأوَّل فإنَّه يعني الانحراف والميل إلىٰ فئة، وهذا المعنىٰ يكون شاملاً لهم تجمعهم في الأماكن المخصصة لدراستهم في الجوامع والمساجد وفي الأماكن المخصصة للدرس.
وفي الاستعمال الروائي:
لم ترد في الروايات الشريفة كلمة أو مصطلح الحوزة العلمية، بل وردت بعض المصطلحات تدل علىٰ ذلك من قبيل حلقات العلم ومجالس العلم وحوزات الإسلام وحوزات الدين، وإلىٰ غير ذلك من هذه المصطلحات التي تدل علىٰ حلقات الدرس في المساجد والجوامع، ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس العلم»(12).
النقطة الثانية: لمحة تاريخية:
أكتفي بذكر عددٍ من الشواهد التاريخية التي دوَّنتها أنامل المؤرِّخين الشيعة لتاريخ الحوزات العلمية، والمدارس، والأماكن، التي تعتبر الأكثر شهرةً في العالم الإسلامي، وكذلك نذكر أبرز الفقهاء العلماء الشيعة الإمامية علىٰ مرِّ التاريخ.
المشهور لدىٰ المؤرِّخين أنَّ أوَّل حوزة علمية في العراق كانت في مدينة الكوفة العلوية المقدسة(13)، وقد تأسَّست علىٰ يد الإمام الصادق (عليه السلام) في زمن الأمويين في منتصف القرن الثاني الهجري واستمرت حتَّىٰ الغيبة الكبرىٰ للإمام (عجَّل الله فرجه)، ومنها انبثقت الحوزات الأخرىٰ، فكانت حوزة بغداد في مدينة الكاظمية المقدسة في النصف الأوَّل من القرن الخامس وقد استمرت إلىٰ سقوط العباسيين، وأبرز زعاماتها الدينيين السيد علم الهدىٰ والشيخ المفيد والشيخ الطوسي، وعلىٰ إثر محرقة مكتبات بغداد الإسلامية ودمار المعالم والمدارس الشيعية، انتقلت الحوزة العلمية إلىٰ مدينة النجف الأشرف بجوار أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان الفضل في تأسيسها إلىٰ شيخ الطائفة الطوسي(14).
والمعهود والمعروف أنَّ هذه الحوزات تتَّخذ من المدارس والمساجد والجوامع وإيوانات العتبات مكاناً للدرس والتدريس، ولا يخفىٰ أنَّ من الحوزات العلمية الشريفة التي كانت لها الأثر علىٰ حركة التشيُّع ونشر الدين الحوزة العلمية الشريفة في مدينة الحلة الفيحاء، ويرىٰ المؤرِّخون أنَّ تاريخ تأسيسها بعد احتلال مدينة بغداد وسقوطها علىٰ يد المغول واستمرت في الوجود حتَّىٰ استشهاد الشيخ زين الدين الشهيد الثاني عام (695هـ)(15)، ومن أبرز زعاماتها العلمين ابن إدريس الحلي والمحقِّق الحلي والعلامة الحلِّي وإلىٰ غير ذلك، إلَّا أنَّ أبرز الحوزات العلمية علىٰ مرِّ التاريخ الشيعي وجوداً وبقاءً هي الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف، ولعلَّ من أبرز زعاماتها شيخ الطائفة الطوسي، الشيخ البهبهاني والشيخ البحراني والشيخ الجواهري والشيخ الأنصاري، والشيخ الخراساني والسيد الأصفهاني والسيد الطباطبائي السيد محسن الحكيم، السيد الخوئي، رحمهم الله وطيب ثراهم.
واليوم فإنَّ الحوزة العلمية الشريفة في جميع أماكن تواجدها في النجف الأشرف وكربلاء وغيرهما تكون تحت رعاية المرجع الديني الأعلىٰ السيد علي الحسيني السيستاني، وأمَّا الحوزات العلمية في غير العراق، فالأشهر والأقدم حوزة قم المقدسة وحوزة الإمام الرضا (عليه السلام) وأخرىٰ في شيراز وأصفهان، وفي لبنان في جبل عامل وإلىٰ غير ذلك.
والذي يمكن ملاحظته وعلىٰ مرِّ السنين السابقة واللاحقة، أنَّ الحوزات العلمية لا تخرج عن الإطار التنظيمي لزعاماتها الدينية وهم مراجع الدين والتقليد، التي أمرتنا الآيات المباركة والروايات الشريفة بالرجوع لهم والأخذ منهم، فهم حلقة الوصل بين الإمام (عجَّل الله فرجه) وأتباعه وأنصاره في زمن غيبته الصغرىٰ فضلاً عن الكبرىٰ، فهم الممهدين له والداعين لأجله والمفسِّرين لأحكام القرآن والشارحين والموضِّحين لحلاله ومعرفة حرامه، حكماً وقضاءً وإفتاءً.
النقطة الثالثة: موقعها العلمي:
ونقصد بها الدور الريادي في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، بعد غلق باب العلم عند غيرنا(16)، وانفتاحه علىٰ مصراعيه في المدرسة الإمامية، المبني علىٰ الأُسس والقواعد والأعراف العلمية الرصينة في مرحلة التدرُّج العلمي الكسبي آخذين بنظر الاعتبار أهمية هذه المراحل المقسمة علىٰ الأُسس المنطقية العقلية السليمة، حيث تبدأ الدراسة بمرحلة المقدمات التي تؤهِّل الدارس بدنياً وعلمياً ومعرفياً لاستقبال غيرها في المراحل اللاحقة لها، وهكذا بقية المراحل الأخرىٰ تسايراً، وطبيعة الدراسة الحوزية ومدىٰ فهم المطالب ومتابعة الأبحاث الاستدلالية للفقهاء، وتبدوا أهمية موقفها العلمي من أهمية فقهائنا وعلمائها ورجالاتها الذين نذروا أعمارهم لخدمة الدين الإسلامي الحنيف، امتثالاً لقوله تعالىٰ: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
قال الطبرسي: (أي جماعة قليلة منهم ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ليتكفَّلوا الفقاهة فيه، ويتحمَّلوا المشاق في تحصيلها ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ وليجعلوا غرضهم بالتفقُّه إنذار قومهم وإرشادهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ عقاب الله ويطيعونه)(17).
وكذا فإنَّ أهميتها العملية من أهمية الأبحاث التي تُدرس الفقه والذي هو أشرف العلوم، لما يبتني عليها معرفة آيات الأحكام الشرعية، والأصول العلمية الناشئ من حيث كونه تفسير للآيات والسورة القرآنية، والتي هي كلام الله تعالىٰ المنزل علىٰ نبيِّه المرسل (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم)، فلابدَّ من معرفة وفهم المراد من الآيات البيِّنات ومن علوا وأهمية الأبحاث العلمية العقائدية والاعتقادية، لضرورة كونها مسائل تتعلَّق بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة، فمن هنا قلنا: إنَّ الموقع العلمي للحوزة الشريفة لكونها تبحث في مسائلها العقائدية والاعتقادية الحقة، فشرفية المبحوث عنه هو الله تعالىٰ، التي تشرَّفت العلوم الإسلامية والإنسانية بذكرها وبحثها، وبها يتم التوحيد لله تعالىٰ يقيناً قاطعاً لكي تطمئن بها النفوس من الشك والريبة ونصحِّح عمل عباداتنا ومعاملاتنا، فلا يستقيم السلوك الإنساني إلَّا من خلال الالتفاف حول الحوزة العلمية الشريفة ومراجعها العظام وهم حجج الله علىٰ خلقه.
لقول الإمام (عجَّل الله فرجه): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله»(18).
النقطة الرابعة: قيادتها للمجتمع:
وأكتفي بذكر بعض من مصاديق الحوزة العلمية الشريفة، من مراجع الدين العظام ولا أريد أن أتطرَّق إلىٰ قيادات الثورات الشعبية العارمة التي قادها مراجع الدين العظام والحوزة العلمية الشريفة كثورة التنباك ضد الإنكليز سنة (1309هـ) ضد شاه إيران بقيادة الميرزا محمد حسن الشيرازي، وثورة العشرين ضد الإنكليز بقيادة المرجعية الدينية في النجف المتمثلة بالمرجع الميرزا تقي الشيرازي، لقد عاصرنا وعايشنا بعض من عصرهم الذهبي ومرجعيتهم الرشيدة المباركة، لكي يكون مصداقاً حقيقياً في قيادة الأُمَّة الإسلامية، لضرورة كونه مرجعاً للطائفة الشيعية الحقة، والذي تعرفه الشيعة بالمرجع الديني الأعلىٰ وأخرىٰ بالمرجعية الرشيدة، وأكتفي بذكر عناوين قيادية ألقت بظلالها علىٰ ردع المعتدين ومحاربة المفسدين، والنيل من المبتدعين والضالين والمنحرفين، في محاربة أفكارهم الهدامة والمسمومة، في بناء دولة إسلامية شرعية، دستورها الدين الإسلامي الحنيف عن طريق دعم التصويت للدستور وإقرار فقراته الشرعية، وإقامة انتخابات عادلة نزيهة تضمن حقوق جميع مكونات وأطياف الشعب العراقي، فقد حفظ الأرض والعرض والدماء والمال من كيد الغاصبين والحاقدين شُذّاذ الآفاق، الذين يتبجَّحون بالطائفية، وهي الفتنة النائمة لإيقاظها، فنراه متمسكاً بما تمسَّك به مالك الأشتر (رحمه الله) بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كتب له عهداً:
«اشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكون عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنَّهم صنفان: إمَّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»(19).
هذا هو المرجع الديني الأعلىٰ السيد السيستاني (دام ظلّه) علىٰ نهج مالك الأشتر قد عرف بالرعاية العلمية والرعاية واللُّطف والمحبة لشيعة الإمام (عليه السلام).
وأمَّا أهم مصاديق قيادته الحكيمة والتي أكتفي بمصداقين منها وأترك البقية لاطِّلاع القارئ اللبيب الذي عاش وعاصر العظماء من مراجع الدين رحم الله السابقين وحفظ الباقين، وكما يلي:
المصداق الأوَّل: الدفاع عن الشعب العراقي:
علىٰ إثر صدور الفتوىٰ المباركة للجهاد الدفاعي الكفائي علىٰ كلِّ من كان قادراً علىٰ حمل السلاح للقتال دفاعاً عن الأرض والعرض واستباحة الدماء ونصرة الضعيف، وحفظ بيضة الإسلام والمسلمين (15/ شعبان/ 1435هـ- الموافق 13/ حزيران / 2014م).
فقد حفظت الفتوىٰ المباركة الأرض والحدود العراقية بالكامل، ومنعت وحدَّدت تقدُّمهم، وساهمت في تحرير الأرض، وردّ كيدهم علىٰ أعقابهم خائبين خاسرين كما وأنَّها ساهمت وبشكلٍ فاعل بتوحيد الشعب العراقي بجميع أطيافه ومكوناته، وأنَّها أصبحت صمام الأمان لكلِّ العراقيين من أيِّ عدوان خارجي أو داخلي، فقد عمَّ الأمن والأمان وانتعشت الحياة الحرة الكريمة في ربوع العراق، وبدأت الهجرة العلمية من العراق وخارجة لغرض طلب العلم وتحصيله، وانتعاش عدد من القطاعات، السياحية، والنقل، والمواصلات، والتجارة، والاقتصاد، ويشهد لذلك حركة رؤوس الأموال الداخلة للعراق والخارجة منها، فالمرجعية الدينية العليا هي أعلىٰ السُلَّم الهرمي للمؤسسة الدينية، والتي تعرف بالحوزة العلمية الشريفة، فنعم القيادة والريادة والإدارة للمجتمع الإسلامي، ونعمة الحوزة العلمية بمراجعها ومجتهديها وفضلائها وطلابها، ولكلِّ أطيافه ومكوِّناته الدينية من السُنَّة والشيعة واليهود والنصارىٰ والصابئة والإيزديين ومن جميع القوميات العربية والأعجمية.
وقد اتَّسم خطاب المرجعية الدينية العليا في عدد من المواقف العامة بالتأكيد علىٰ حفظ المواطنين بمختلف مكوِّناتهم وتعزيز السلم الأهلي والتعايش السلمي.
قال الإمام الهادي (عليه السلام) في حقِّهم: «لولا من يبقىٰ بعد غيبة قائمكم عليه الصلاة والسلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه … لما بقي أحد إلَّا ارتدَّ عن دينه، ولكنَّهم الذين يمسكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الأفضلون عند الله»(20).
المصداق الثاني: الإشراف علىٰ صياغة الدستور 2005م:
ودورها وقيادتها الحكيمة واضح الدلالة والآثار بمنع قوات الاحتلال من صياغة الدستور والتحكُّم بمقدرات الشعب العراقي، حتَّىٰ سعت جاهدة لانتخاب عدد من الشخصيات الدينية والعلمية والقانونية والإدارية، والبالغ عددهم خمسة وخمسون عضواً عاملاً فعالاً في مجالات عملهم واختصاصاتهم وهم ممثِّلين عن جميع مكوِّنات الشعب العراقي، حتَّىٰ عرفت بلجنة صياغة الدستور المنبثقة من الجمعية الوطنية الانتقالية، لإعطائها ومنحها الصفة الشرعية والقانونية فكلَّفت هذه اللجنة كتابة مسودة تتعلَّق بفقرات الدستور، ومن ثمَّ عرضها علىٰ الشعب العراقي لإجراء التصويت عليها، وهذا يتطلَّب إقامة انتخابات عامة في العراق لأجل اختيار من يمثِّل الشعب العراقي، والتصويت بعد ذلك علىٰ الدستور العراقي الإسلامي الجديد، علىٰ أنَّ الدين الرسمي والأساسي للعراق هو الإسلام واحترام جميع الأديان الأخرىٰ للمكوِّنات العراقية(21).
فدور المرجعية واضح في التدخُّل بشكلٍ مباشر في دراسة فقرات الدستور والقوانين والتشريعات الدستورية، التي تضمن العدالة والمساواة بين مكوِّنات الشعب العراقي وإلىٰ غير ذلك من الأدوار الريادية والقيادية، من قبيل موقفها من الأزمة السورية والأزمة اللبنانية وأزمة إيران ودول الخليج العربي وأمريكا، فحماية السلم الأهلي للشعب العربي والعراقي من أولويات نهج عمل المرجعية، وقد تعامل مع الشأن السياسي العالمي بحكمة وقيادة بأن يكون موقفه محايداً من جميع الأزمات، أمَّا في القضايا المصيرية لا سيما التي تتعلَّق بالوطن والمواطنة فإنَّ تدخُّله مباشر، مراعياً في ذلك مصلحة الشعب العراقي.
فائدة عامة: مصطلح المرجعية الدينية العليا:
مصطلح المرجعية الدينية العليا مصطلح حديث، ظهر وبشكلٍ جلي وواضح بعد سقوط بغداد واحتلال العراق في سنة 2003م، يطلق ويراد به القيادة الروحية الدينية في الحوزة العلمية الشريفة للشيعة الإمامية، وهي رأس السلم الهرمي في المؤسسة الدينية، ولا يوجد أعلىٰ منها علىٰ الساحة الدينية الشيعية، وقد انحصرت هذه التسمية بشخص المرجع الديني السيد علي الحسيني السيستاني أعزَّه الله وأعزَّ به العباد والبلاد، من دون منازع أو شريك في التسمية، وهي المرجعية العلمية الرشيدة الجامع لشرائط الإفتاء والقضاء والحكم، وقد يعبّر عنه بنائب الإمام للروايات الدالة علىٰ ذلك بتعبير النواب العدول(22)، فمنها النيابة العامة وهم الفقهاء العلماء بعد زمن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) والسفراء الأربعة وهم أصحاب النيابة الخاصة، والروايات الدالة علىٰ ذلك كثيرة نتبرَّك ببعضها:
في النيابة الخاصة (السفارة):
عن أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) أنَّه قال: «العمري وابنه ثقتان فما أدَّيا إليك فعنِّي يؤدِّيان وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان»(23).
وعن الإمام العسكري (عليه السلام) عندما سئل عن الخلاف من بعده فقال: «اشهدوا علىٰ أنَّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأنَّ ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم»(24).
وفي النيابة العامة:
قال الإمام العسكري (عليه السلام): «… فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلِّدوه»(25).
وقوله (عليه السلام): «ينظران إلىٰ من كان منكم ممن قد روىٰ حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً»(26).
فالمرجعية الدينية: صفة للمرجع الذي يرجع إليه المسلمون في الإفتاء والقضاء والحكم ممن توفّر فيهم الشروط الشرعية، والتي تعتبر عند الإمامية الاثنا عشرية القيادة والزعامة الروحية للطائفة الشيعية، علىٰ مرِّ السنين ومنذ زمن الغيبة الكبرىٰ وإلىٰ يومنا هذا.
وأمَّا مصطلح (العليا):
في اللغة:
العليا اسم المكان العالي، وللفعلة العالية(27)، وقد استدل علماء اللغة بالحديث الشريف: (اليد العليا خير من اليد السفلىٰ)(28).
وفي الاصطلاح: تدل علىٰ رفعة وسمو المكانة العالية، وغالباً ما تطلق علىٰ الأمور العلمية والأخلاقية والعقائدية من قبيل المرجعية الدينية العليا، المُثل العليا، والمحكمة العليا، الدراسات العليا.
والمرجعية الدينية العليا هل هي عنوان فقهي مستقل في نفسه، أم أنَّه مصطلح عقائدي له امتداد يتعلَّق بنواب الإمام العدول؟
هذا مصطلح في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) له جنبتان، وكما يلي:
الجنبة الأولىٰ: الفقهية:
وذلك لتعلُّق مسائله بفرع من فروع الدين وهي مسألة الاجتهاد والتقليد، وبالخصوص في مرجع التقليد، لضرورة رجوع المقلِّدين له في المسائل والأحكام الشرعية فقهاً وأصولاً، لقول الفقهاء: (عمل العامي بلا تقليد باطل)(29).
الجنبة الثانية: عقائدية:
لوجود الامتداد العقائدي الفكري بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وحركة سفرائه ونوابه الخاصين العدول حال غيبته الصغرىٰ والكبرىٰ، فيكون الاعتقاد مسلّماً علىٰ كون المسألة لها جذور عقائدية تتعلَّق بغيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فعلىٰ هذا أنَّ المفهوم لهذا المصطلح فقهياً وعقائدياً، لضرورة ارتباط الأحكام الشرعية والعقائدية بهذا المصطلح.
مصطلح العليا؛ والتي تعني العلو والرفعة؛ صفة لحقت بمقام المرجعية الرشيدة لمكانتها العلمية وقدسيتها في نفوس أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فهم القدوة التي يقتدىٰ بهم والأُسوة الحسنة، وأنَّهم خير خلفاء للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في زمن غيبته، فهم النجوم التي يهتدىٰ بها كل ضال، والبحر الذي يغرف منه كل عطشان.
الفصل الثاني: الأبعاد الدينية والتربوية والاجتماعية للزيارة الأربعينية:
ونقصد بالأبعاد الدينية التي تكون لها مساس ومدخلية بتكوين الدين الإسلامي الحنيف، من قبيل الأبعاد العقائدية كوجود الباري والإقرار بالرسالات السماوية والإيمان ببعثة الأنبياء والمرسلين، وكذلك الأبعاد التربوية الأخلاقية، وهي منظومة القيم والمبادئ والأعراف والعادات والتقاليد الإسلامية الصحيحة، والأبعاد الاجتماعية ونقصد بها الروابط الأُسرية المجتمعية التي من شأنها أن تعزِّز التكامل الاجتماعي.
والفصل مرتب علىٰ مطلبين:
المطلب الأوَّل: الأبعاد الدينية والتربوية:
البُعد الأوَّل: الارتباط المنهجي (ثواب الأعمال):
هو ما يمكن الاستفادة منه في المنهج الفكري من سلوكيات لهذه القضية الحسينية، والاستفادة من أبعادها كثورة لها مبادئ وقيم وفكر كونها منهج علمي وعملي يقتدىٰ بها في الحياة الاجتماعية، ومن مناهج القضية الإصلاح الذي سعىٰ إليه الإمام والالتزام بنهجه والذي يعني إصلاح النفس نحو إصلاح حقيقي وزيادة الوعي وبيان أهداف هذه النهضة والغرض والغاية التي كانت عليها في زمان الدعوة إلىٰ الإصلاح، فدراسة المنهج الحسيني علىٰ كونها منظومة أخلاقية عقائدية تربوية ضد حكّام الجور والضلال لطمس هوية الرذيلة والفساد والظلم والجور الذي أصاب الجسد الإسلامي، فمن هنا كان أتباع أهل البيت (عليهم السلام) يتمسَّكون بهذا الفكر لأجل الحصول علىٰ ثواب الأعمال والأجر في الدنيا، حتَّىٰ يقال: هي منهجية في بناء الكمالات الإنسانية التي تعود بأجرها ومنافعها علىٰ المؤمنين المطيعين المتمسِّكين بحبل الله المتين من أفعال حسنة وأقوال تدلِّل علىٰ التزامهم الديني ونهجهم السوي، فقبول أعمال العباد بعد اتِّباع المنهج ولا سيما الحسيني منة فما هو إلَّا منَّة ورحمة وتفضُّل وتحنُّن من الله (عزَّ وجلَّ)، لقوله تعالىٰ: ﴿… إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 100)، فلابدَّ من الثواب من قبل الله تعالىٰ علىٰ ما يفعله الإنسان من أفعال البر والإحسان، التي تدلّل علىٰ عظمة التأثُّر والارتباط بالمنهج الحسيني.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثواب العمل علىٰ قدر المشقة منه»(30).
البُعد الثاني: الارتباط التربوي -نشر الوعي-:
من ثوابت القضية الحسينية هو نشر الوعي الفكري والثقافي ولجميع المناسبات لا سيما المناسبات التي تدلِّل علىٰ النهضة الحسينية، من قبيل إصلاح المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتأكيد علىٰ الجوانب الأخلاقية عن طريق نقل هذه الثقافة الأخلاقية من الأخلاق السامية والاحترام المتبادل والنظر في شأن المسلمين، وحسن الجوار واحترام حقوق المسلمين وغيرهم، نحو بناء مجتمع مسلم قائم علىٰ أساس التعايش السلمي ولجميع الأطياف، وهذا كلُّه يجب أن يكون تحت بناء منظومة عقائدية تبليغية، من خلال المنابر الحسينية أو خطب الجمعة والجماعة أو عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، أو الترويج إلىٰ ثقافة الإسلام المحمدي الأصيل القائم علىٰ الأهداف الإسلامية السامية في الخطابات العقلائية ومحاربة الأفكار الضالة الهدَّامة ومواجهة تحدِّيات المجتمعات الأخرىٰ الفاسدة المنحرفة التي تسوِّق ثقافة الغرب الكافر، فلابدَّ من الالتفات إلىٰ ذلك، والتي يعبَّر عنها بتبعية الأفكار أو الغزو الثقافي والذي يرمز إلىٰ تبنِّي أفكار ومعتقدات الشعوب الغربية وكذلك عاداتهم وتقاليدهم وعيش حياتهم الانحلالية(31).
البُعد الثالث: الأخلاقي:
والذي يعبَّر بالبُعد الأخلاقي في القضية الحسينية، حتَّىٰ عُدَّ جوهراً ومحرِّكاً وباعثاً للنظر في واقعة الطف، فقيمة المجتمعات من قيمة أخلاقها، والقيم الأخلاقية والتربوية في النهضة الحسينية كانت مصداقاً لإصلاح الأُمَّة الإسلامية بعد أن استشرىٰ فيها الفساد بكلِّ ما تحمله الكلمة، حتَّىٰ قالها الإمام (عليه السلام): «ما خرجتُ إلَّا لأجل الإصلاح»، وأهم ما في إصلاح هذه الأُمَّة، هو إصلاحها الأخلاقي، فإنْ صلحت أخلاقهم صلحوا، قال الإمام علي (عليه السلام): «فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء»(32).
قال الشاعر:
إنَّما الأُمم الأخلاق ما بقيت * * * فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا(33)
لذا فإنَّ من مظاهر ومبادئ هذه الثورة الإصلاحية استلهام المبادئ السامية والأخلاق العالية، من قبيل وفاء الشيعة الإمامية بالبيعة والولاء والبراءة من الأعداء، لذا فإنَّا نجدِّد لهم عهداً وعقداً لا نحول عنهم ولا نزول في اتِّباع نهجهم والسير علىٰ طريقهم، فأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا ميراث وامتداد لأخلاقهم.
قال الإمام الباقر (عليه السلام):
«إنَّا وشيعتنا خُلقنا من طينة من عليين وخُلق عدوّنا من خبال من حمأ مسنون»(34).
قال السيد السيستاني (دام ظلّه): (من صفات المؤمنين الصالحين التحلِّي بمكارم الأخلاق تأسِّياً بالنبي الكريم (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم)… وكذلك صدق في القول والعمل والوفاء بالوعد …)(35).
البُعد الرابع: الارتباط العقائدي (إحياء الشعائر):
لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»(36)، وهذه الحرارة توارثها أتباعه من الشيعة الإمامية إلىٰ يوم يبعثون، لكونها وصية لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) إلىٰ المؤمنين الموالين في آخر الزمان الذين يحيون ذكر محمد وآل محمد، لذا يعتبر السبب الرئيسي لصلة الوصل والرحم.
لقول الإمام الباقر (عليه السلام): «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي (عليه السلام)، فإنَّ إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع السوء، وإتيانه مفروض علىٰ كلِّ مؤمن يقر للحسين (عليه السلام) بالإمامة من الله تعالىٰ»(37).
لكون واقعة الطف من أعظم الوقائع والحوادث التاريخية في العالم الإسلامي.
إذن هذه الزيارة لابدَّ أن يكون لها أبعادها، ومن أهم أبعادها الأخلاق والتربية والعقائد علىٰ ما تراه توجيهات المرجعية العليا من خلال منبر الجمعة بقوله:
(إنَّ هذه الزيارة لابدَّ لها أن تكون مدروسة عقائدية وتربوية وأخلاقية وهي تحمل الكثير من كنوز العلم والمعرفة والعقائد الحقة والأخلاق الحسنة والسلوك الطيب ومعاني الولاء الصادق، فحريٌّ بنا أن نأخذ من هذه الكنوز وننهل من معانيها)(38).
فالارتباط العقائدي واضح الدلالة والمعاني لكوننا خُلقنا من فاضل طينتهم التي خُلقوا منها وهي أشرف الترب وأطهرها.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «رحم الله شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا، يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا»(39).
المطلب الثاني: الأبعاد الاجتماعية:
ونقصد بالأبعاد الاجتماعية كل ما يتعلَّق بالعلاقات المترتبة علىٰ ظاهرة الزيارة الأربعينية من خلال العلاقة والارتباط بين الزوار وحركة النهضة الحسينية، من تفاعل المجتمع فيما بينهم من أجل النهوض بواقع القضية الحسينية، فلابدَّ من تفاعل هذه العلاقات والتواصل من أجلها لتحقيق المودَّة والرحمة وصلة الرحم ونبذ الفرقة والتوحُّد لتحقيق مبدأ العدالة والمساواة، وتقديم الخدمات العامة التي تساهم في نجاح ظاهرة الزيارة الأربعينية، ومن أهم هذه الأبعاد، ما يلي:
البُعد الأوَّل: التراحم بين الناس:
صلة الرحم من أولويات القضايا الإسلامية التي دلَّت عليها النصوص من قبيل قوله تعالىٰ: ﴿… وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرحامَ…﴾ (النساء: 1).
ولقوله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ…﴾ (الرعد: 21).
عن علي ابن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: «إنَّ الرحم معلقة في السماء بالعرش تقول: اللَّهمَّ صل من وصلني واقطع من قطعني وهي رحم آل محمد وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ورحم كل ذي رحم»(40).
لما فيه من الفضل والقرب والدنو من الله تعالىٰ، وزيادة في الرزق وسعة في تسهيل الأمور لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «من أحبَّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه»(41).
لضرورة وصل صلة الرحم كأنَّما وصل الله في عرشه، وهي أحب الأعمال إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) والأئمة (عليهم السلام)، فمن أراد أن يصل الله فعليه أن يصل رحمه وابغض ما يبغض الله تعالىٰ قطيعة الرحم.
قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصل الله، ومن قطعني قطعه الله»(42).
وهذا نراه واضح في التحابب والتزاور والتوادد بين الزائرين، وبشكل جلي في المسير، وفي أماكن المبيت وفي موائد الإطعام، فيعطفون علىٰ الصغير ويحترمون الكبير ويخدمون النساء والأطفال لا سيما في فصل الشتاء والصيف بعد ارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها، فترىٰ خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) يضحون ويسهرون ويتسابقون في تقديم أفضل الخدمات وأرقاها، فهي مغنم ومكسب لهم لإحياء الشعائر الدينية الحسينية، كما وأنَّها إدامة لصلة الرحم مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال تقديم الخدمات الجليلة.
لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أرىٰ شيئاً يعدل زيارة المؤمن إلَّا إطعامه، وحقٌّ علىٰ الله أن يطعم من أطعم مؤمناً من طعام الجنة»(43).
البُعد الثاني: الوحدة بين أبناء الشعب:
ويدلّنا علىٰ أنَّها توحِّد الأُمَّة وتجمع الكلمة، أعداد الزائرين واختلاف جنسياتهم وأماكن سكناهم، فلا يوجد تجمُّع بشري بهذا الحجم والكيفية حتَّىٰ يصل أعداد الزائرين إلىٰ أكثر من أربعة وعشرين مليوناً، ومن جميع الأديان والطوائف والملل فأي وحدة أعظم من هذه، وأي روح محبة وتسامح أكبر من ذلك، يتناغمون يتسامرون يأكلون يسيرون ينامون يجتمعون فيما بينهم علىٰ حبِّ كلمة لا إله إلَّا الله محمد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم)، يحيون ذكرىٰ فاجعة أليمة فجع بها الإسلام بفقدهم أولاد الرسالة ومعدن الوحي ومهبط التنزيل.
قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «مثل المؤمنين في توادّهم وترحُّمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكىٰ منه عضو تداعىٰ له سائر الجسد بالسهر والحمَّىٰ»(44).
البُعد الثالث: نبذ الفرقة:
الوحدة الإسلامية التي دعا لها القرآن الكريم في العديد من آياته وأحاديث رسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) هي شوكة في عيون الحاقدين المتربصين بالدولة الإسلامية، التي قامت علىٰ أساس العدل والمساواة واحترام الحقوق للأقليات، فقد نبذ الإسلام الفرقة بين المسلمين، بل بين الأديان والطوائف والشعوب لكون نتائجها الفرقة في المجتمع وقتل هوية التعايش السلمي بين الشعوب، ومن دلائل الاجتماع ونبذ الفرقة قوله تعالىٰ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).
ومن مظاهر الآية المباركة التجمُّع الوحدوي الكبير في زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، حتَّىٰ أصبحت تعرف بالظاهرة المليونية فهي رسالة حبّ ووئام وعيش بسلام بين الأفراد والمجتمعات والشعوب والمذاهب والأديان، فهي رسالة تسامح وتآلف بين المجتمعات، حتَّىٰ عُدَّت ظاهرة حضارية للعيش بسلام، فتعاليم هذه الرسالة الحسينية أصبحت ذات صبغة عالمية علىٰ تعزيز الوحدة الإسلامية، ونبذ الفرقة ومحاربة الطائفية الفتنة النائمة، كما وأنَّها تعزِّز الأخوَّة والصداقة بين المجتمعات الإسلامية وغيرها، فالظاهرة الحسينية الزيارة الأربعينية ظاهرة إنسانية في تنمية الوعي الاجتماعي والأخلاقي في ترسيخ أواصر المحبة والتسامح، لذا فإنَّها تبرز الوجه الحقيقي لمشروع الإصلاح الحسيني الذي خرجت من أجله ومن بين هذه المشاريع الوحدة الإسلامية ونبذ الفرقة، فنرىٰ العديد من الآيات تذم الفرقة وتضعف القوم حتَّىٰ تجعلهم شِيَعاً لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَىٰ اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159).
البُعد الرابع: محطة إيمانية:
بكلِّ ما تعنيه هذه الدلالة الروحية، حتَّىٰ عُدَّت تزكية للنفس، كما أنَّ للمال والحلال زكاة فإنَّ زيارة الحسين (عليه السلام) ومظاهر هذه الظاهرة العظيمة تزكية للبدن والروح، نعم نجدِّد العهد ونديم الوعد ونسير علىٰ الطريق، لأنَّ منهجهم حقّ وقولهم صدق، فهم الآية الكبرىٰ والنبأ العظيم، وحجة الله وحبله المتين، فعلىٰ الإنسان المسلم السوي، وفي كلِّ عام أن يستأنس من الظاهرة الحسينية في إصلاح ذاته وتقويم نفسه بمفاهيم الظاهرة الحسينية التي لا تعد أهدافها ولا تحصىٰ منافعها، فلنسلك طريق الحق ونصحِّح منهج النفس الأمَّارة بالسوء في تجسيد هذه المحطة الإيمانية عملياً باتِّباع الخطوات التي من شأنها أن نصحِّح سلوكيات الأفراد في المجتمع ونجعل من الإمام الحسين (عليه السلام) المدرسة الدينية الأخلاقية والاجتماعية، فنتزوَّد منها ما نريد وننهل منها ما نحب، ومن ثمار المحطة الإيمانية تحمُّل الصبر والتضامن مع الآخرين ونصرة المظلومين والمحتاجين واستلهام العبر وأخذ الدروس، ومن ملامح المحطة الإيمانية مشروع تعلُّم القراءة الصحيحة داخل وخارج العتبات، وكذلك محطات قرآنية ثابتة وأخرىٰ جوالة لتعلُّم قراءة القرآن، وكذلك وجود الهيئة العلمية للمبلِّغين والمبلِّغات وكذلك وجود مراكز إرشاد التائهين، فالمحطات الإيمانية لها أبعاد حقيقة مستقبلية تأخذ بأيدي الزائرين إلىٰ برِّ الأمان.
قال تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77).
مسك الختام:
فضل زيارة الحسين (عليه السلام):
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فإنَّ إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء وإتيانه مفترض…»(45).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تدع زيارة الحسين بن علي (عليه السلام)، ومُر أصحابك بذلك يمد الله في عمرك، ويزيد الله في رزقك، يحييك الله سعيد ولا تموت إلَّا شهيداً»(46).
قال الإمام الرضا (عليه السلام): «إنَّ أيام زائري الحسين (عليه السلام) لا تحسب من أعمارهم ولا تعد من آجالهم»(47).
وفي التوصيات الصادرة من مكتب المرجع الديني الأعلىٰ السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه) قال: (وقد رغَّب الله تعالىٰ إلىٰ زيارة مشاهدهم تخليداً لذكرهم وإعلاءً لشأنهم وليكون ذلك تذكرة للناس بالله تعالىٰ وتعاليمه وأحكامه، حيث إنَّهم كانوا المثل الأعلىٰ …)(48).
الفصل الثالث: المشروع التبليغي – المبلِّغين:
المشروع التبليغي حالة صحية علمية إنسانية، باركت فيه المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف؛ للإشراف علىٰ الكوادر العلمية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) المتمثِّلين بطلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية، لنشر العلوم والمعارف الدينية وتبليغ الأحكام الشرعية وتوضيحها تحت شعار الحديث النبوي الشريف: «زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه»(49).
وهم كوادر علمية من مجتهدين وفضلاء وأساتذة العلوم والمعارف وفي جميع الاختصاصات ولكافة المناسبات الدينية الكبيرة التي يكون تواجد وتوافد الزائرين فيها للعتبات بشكل كبير ولافت للنظر.
فأثر الاهتمام من قبل المرجعية العليا واضح وجلي من خلال حجم الإمكانات البشرية المعنوية فضلاً عن المادية، بل لجميع النواحي التي يتطلَّبها المشروع التبليغي والذي قد مضىٰ عليه أكثر من أربعة عشر عاماً، فهنا لابدَّ من الإشارة إلىٰ جملة أمور لابدَّ من بيانها في المشروع التبليغي وهي كفيلة بإعطاء صورة واضحة بيضاء لمعرفة التأصُّل العلمي للتبليغ والمبلِّغين وبيان الكوادر العلمية والأقسام اللاحقة بها، وبيان أهمية هذا المشروع الحسيني وما يترتَّب عليه من أثر شرعي علىٰ ذلك من الأدلة الشرعية عليها، والفصل منظَّم علىٰ عدَّة أمور، وكما يلي:
الأمر الأوَّل: التأصيل العلمي:
المشروع لغة: (ش ر ع) مفعول من شرع، عمل مشروع، عمل مسوغ، أي ما سوَّغه الشرع(50).
وفي الاصطلاح: هو وجود مجموعة مترابطة ومتكاملة من الأنشطة والتي من خلالها يتم توظيف مزيج من الموارد بكافة أنواعها لتحقيق أهداف أو منافع معيَّنة، فلابدَّ أن يكون لذلك المشروع أبعاد حسب ما تقتضيه مصلحة هذه المشاريع(51)، ومشروع المرجعية التبليغي هو أحد المشاريع الإسلامية التي تكون لها أبعاد دينية شرعية في بيان الأحكام الشرعية والأخلاقية في محاربة ظواهر الانحلال الأخلاقي والتربوي وتقديم النصح والإرشاد والتوعية، ومن أبعاد هذا المشروع هو إدامة صلة الرحم بين المؤسسة الدينية الحوزوية وبين اتِّباع الشارع المقدَّس، ومن أبعاد هذا المشروع هو إحياء ذكر محمد وآل محمد (عليهم السلام) بتبليغ الأحكام وإيضاحها وبيان أسباب النهضة الحسينية، وزيادة ثقة الجماهير بالقيادة الدينية العليا المتمثِّلة بالسيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه)، فمن هنا قلنا: إنَّ كلّ عمل يقوّم أي فرد أو أي جهة أو مجموعة يكون من شأنها التبليغ والتعليم أو النصح والإرشاد فهو يدخل في حيز المشروع، لأنَّه شرع فيه ببيان شيء من قبيل الأحكام الشرعية للمبلِّغين أثناء تأدية عملهم التوجيهي التبليغي، فيكون لهذا المشروع صفة شرعية عن طريق التكليف الرسمي من قبيل المشرفين علىٰ إدارة المشروع التبليغي الحوزوي.
والتبليغ لغةً: بمعنىٰ الإيصال، والاسم منه البلوغ، إذ يقال: بلغ الصبي أي وصل إلىٰ سن الرشد، وهو يشمل كل رسالة سماوية أو أي نداء من الله تعالىٰ إلىٰ الناس، والبلوغ والإبلاغ والتبليغ بمعنىٰ: الانتهاء، والوصول والإيصال والتوصيل إلىٰ غاية مقصودة أو حدٍّ مراد، سواء كان هذا الحد أو تلك الغاية مكاناً أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدرة معنوياً(52).
والذي نريد الوصول إليه من التعريف اللفظي هو عبارة إيصال شيء إلىٰ شيء آخر، بمعنىٰ وصول ما تبغيه المرجعية الرشيدة العليا إلىٰ أتباعها عن طريق المبلِّغين وبكلِّ الوسائل المتاحة لديها.
وفي الاصطلاح: المراد من التبليغ الإسلامي هو إيصال التعاليم والأحكام الشرعية إلىٰ المسلمين كافة عن طريق المنذرين والمرشدين والأولياء والصالحين والأنبياء والمرسلين(53).
ويدلّنا علىٰ ذلك بعض النصوص نتبرَّك ببعضها:
قال تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ…﴾ (الأعراف: 67)، وقوله تعالىٰ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفىٰ بِاللهِ حَسِيباً﴾ (الأحزاب: 39).
فعلىٰ ضوء ما تقدَّم يكون معنىٰ المشروع التبليغي هو:
علىٰ ما تراه المرجعية الدينية الرشيدة منهج عمل علمي وتطبيقي علىٰ أرض الواقع، يدعوا ويرشد ويبيِّن الأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات وغيرها، لمن يحتاجها من السائلين الزائرين، فإيصال التعاليم الإسلامية عن طريق منظومة عمل متكاملة لرجالات الدين من العلماء والفقهاء والفضلاء والمبلِّغين والمبلِّغات، الذين لهم الأثر الواضح لنشر القيم والمبادئ السامية، حتَّىٰ أصبح هذا المشروع المبارك يعرف بالمشروع التبليغي الحوزوي، فذاع صيته ونشر فكره واتَّسع نطاقه تحت مظلَّة شرعية حوزوية غطائها المرجعية الدينية العليا، في توجيه النخب العلمية والمعرفية لنشر الوعي الديني والأخلاقي، فهو برنامج توعوي فكري عقائدي أخلاقي، يدخل تحت عنوان ديني كبير القدر، عظيم الشأن، يعرف بالمشروع التبليغي، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفىٰ بِاللهِ حَسِيباً﴾ (الأحزاب: 39).
قال السيد الطهراني: (ومن هذا المنطلق فإنَّ شأن الرسالة في القرآن هو البلاغ)(54).
الأمر الثاني: الإشراف الحوزوي -التبليغي-:
لم نستطع الحصول علىٰ معلومات التي يمكن القطع بها علىٰ المشروع التبليغي، لعدم الحاجة بهذه المعلومات من جهة، ولحسابية المسألة من جهة أخرىٰ، لكن يمكن أن نثبت بعض المعلومات ذات الصلة المباشرة بالمشروع التبليغي، وكما يلي:
عمر المشروع والقائمين عليه:
أكثر من أربعة عشر سنة هجرية وتقريباً 1434هـ، وبإشراف سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الأشكوري وعدداً من الشخصيات العلمية الحوزوية من المساعدين له، يعرفون بهيئة الإشراف من أساتذة الحوزة العلمية الشريفة كما وأنَّ المشروع يحوي علىٰ أكثر من ألفين وخمسمائة مبلِّغاً، وأكثر من ألف وثلاثمائة مبلِّغة حوزوية، يتواجدون علىٰ طول طريق المواكب والحسينيات ولجميع المحافظات وبحدود ألف من المعلِّمين المشرفين علىٰ تعليم القراءة الصحيحة لسورة الفاتحة وبعض سور القرآن الكريم، يتوزَّعون علىٰ شكل حلقات ومحطات لغرض تعليم الزائرين.
نشاطات المشروع التبليغي:
الأكثر وضوحاً إقامة المؤتمرات والندوات واللقاءات مع المرشدين والمبلِّغين وأصحاب المواكب والحسينيات وبعض الصنوف من الهيئات والمؤسسات الحسينية الداعمة للمشروع التبليغي وعلىٰ مدار السنة، لاسيما في موسم شهر محرم الحرام وصفر الخير، بل في كل الزيارات والمناسبات كالشعبانية والرجبية ومناسبات الاستشهاد للمعصومين (عليهم السلام).
أهداف المشروع:
الأوَّل: تبليغ الأحكام الشرعية والمسائل العقائدية والأخلاقية، ولا سيما الابتلائية.
الثاني: إقامة الصلوات اليومية الجماعية تحت نظر وإشراف المبلِّغين المتواجدين في الحسينيات والمواكب والاهتمام بالصلاة الموحَّدة، بالإضافة إلىٰ استقبال عددٍ من الشخصيات العلمية.
الثالث: الرد علىٰ الشبهات ومواجهة الانحرافات العقائدية، بالطرق العلمية الصحيحة والدقيقة، بما يتلاءم وطبيعة السؤال.
الرابع: تغذية الزائر روحياً، وهذا ما قال به السيد الأشكوري المشرف العام علىٰ المشروع التبليغي بقوله:
(هناك ضرورة لإشعار الزائر بارتباطه الوثيق بالإمام المعصوم، وذلك من خلال نشر الثقافة الدينية والفقهية بين الزائرين)(55).
الأمر الثالث: الأبعاد الحقيقية للمشروع:
لكلِّ علم غايات وأهداف، ولكلِّ عمل قيمة ما يحسنه العامل، ولكلِّ مشروع يقام علىٰ أرض الواقع لابدَّ أن يكون له أبعاد، وهذه الأبعاد لابدَّ أن تكون حقيقية لضمان نجاحه، عن طريق استراتيجية وتخطيط عالي المستوىٰ من قبل المشرفين عليه، لاسيما إذا كان المشرفون عليه من أرباب العلم والفضل، فتكون نتائج عملهم مرموقة وموفقة، والأكثر من ذلك إذا كانت في سبيل الله تعالىٰ ونيل مرضاته.
قال تعالىٰ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَىٰ اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥).
وهو أمر من الله بالعمل الصالح الذي تكون فيه مرضاته، ومرضاة الله هي مرضاة لرسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم)، فلابدَّ للإنسان من مراقبة أعماله في السرَّاء والضرَّاء، لكونها منظورة عند الله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم).
لقوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠-١٢).
وموضوع بحثنا من هذا القبيل في المشروع التبليغي للأحكام الشرعية، الذي شرع بتخطيط واستراتيجية علمية دقيقة وبإشراف طاقات وكوادر من العلماء والفقهاء والفضلاء، يكونون علىٰ رأس السلم الهرمي الذين يأخذون معالم التبليغي أو معارفهم من المرجعية الدينية العليا حفظها الله ورعاها لخدمة الإسلام والمسلمين، فلابدَّ أن يكون لهذا المشروع المبارك أبعاد حقيقية لكونها تصب نتائجها لمرضاة الله ورسوله وأهل بيته (عليهم السلام)، وكذلك من جملة نتائجها تلقىٰ بظلالها الخير والبركة علىٰ الأُمَّة الإسلامية لفعل الخير وهو من أهم مقاصد الشرع الشريف، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿… وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77)، وقوله تعالىٰ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 114).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «افعلوا الخير ولا تحقِّروا منه شيئاً، فإنَّ صغيره كبير وقليله كثير»(56).
ومن أفعال الخير علىٰ الأُمَّة الإسلامية في تبليغ الأحكام الشرعية وغيرها، المشروع التبليغي، فما هي أبعاده وأهدافه الحقيقية التي وُجد من أجلها؟
أقول: من خلال متابعة نهج عمل الكوادر العلمية، والطاقات الإبداعية يمكن أن نحصرها بما يلي:
البُعد الأوَّل: الفكري العقائدي:
يقصدون به الخلفية والقاعدة والأساس والمنطق سواء كان عقائدي أو ثقافي تبتني عليه قناعات الأفراد أو الجماعات أو المذاهب والأديان، فيكون مرجعهم في ذلك، وبه يتوجَّه الفرد ويقوم عمله علىٰ أساس منهج هذه العقيدة أو الفكر، ومن خلال هذا الفكر يحدِّد الإنسان رؤياه وتصوُّراته في الحياة بشكل عملي، فمن خلال قناعات الإنسان المسلم السوي المستقيم، ومن خلال منظومة منطلقات وثوابت دينية أو عقلية عرفية، يصل الإنسان إلىٰ منهج الهداية الإسلامية، ومعرفة طريق الحق للإيمان بالله ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) وبالكتاب المبين ودينه الحق، حتَّىٰ يمكن أن نعدّها من ألطاف الله علىٰ عباده، التي تحمينا من الضلال والانحراف، لقوله تعالىٰ: ﴿… فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً…﴾ (طه: 123-124).
والبُعد الفكري الإمامي لا يختلف عن كونه منظومة مفاهيم وحقائق وقواعد تحوم حول مفهوم الإمامة، والولاية بالنصوص القرآنية وبالسُنَّة النبوية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والمراد من المشروع التبليغي بأن يكون له بُعد عقائدي فكري، هو لأجل بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات وبالعقائد في أصول الدين، فبيان هذه الأصول كالتوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، في غاية الأهمية، حتَّىٰ يتسنَّىٰ للزائر أو السائل معرفة المنهج السوي للمفاهيم إسلامية عقائدية تتعلَّق بأصول المذهب وأخرىٰ تتعلَّق في أصول الإسلام، فالإمامة لها مفهومها والولاية لها مفهوم غيره، وكذلك مفهوم العصمة له دلائله التي تتعلَّق فيه، فمن نتائج المشروع المبارك إيضاح هذه المفاهيم بالإجابة علىٰ الأسئلة وردّ الشبهات في المسائل المستحدثة، فعلينا اليوم واجباً عظيم الشأن ورفيع المستوىٰ بربط المفاهيم الحسينية وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف بمفاهيم الإسلام من نصرة المظلومين والضعفاء والخروج علىٰ الحاكم الجائر، وكذلك رفض الظلم والظالمين، فما كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته إلَّا لذلك.
البُعد الثاني: الاجتماعي – الإصلاحي:
وهو يعني محاربة الظواهر السلبية التي ظهرت في المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في مجتمعنا الشيعي ووسطنا الإمامي، لغرض طمس الهوية الشيعية والقضاء علىٰ الإرث الفكري الحسيني، عن طريق التشكيك بهذا الإرث وتمزيق شمل أصحابه بإثارة البدع والهفوات وتزييف الحقائق واللعب علىٰ الوتر الطائفي.
مما يضيف عبئاً آخر علىٰ الكوادر العلمية التبليغية في محاربة الظواهر الدخيلة علىٰ المجتمع الشيعي، لأجل ضرب منظومة المفاهيم العقائدية التي تتعلَّق بالشعائر الحسينية ومظاهر الخدمة في المسيرات المليونية الراجلة والمنابر الحسينية، فنراهم يتصنَّعون المواقف السلبية لأجل إفراغ القضية الحسينية من محتواها الحقيقي، فلابدَّ من وجود مشروع إسلامي تبليغي يعتني بذلك، فالحوزة العلمية ومؤسساتها التبليغية وعلىٰ أثر التوجيهات والتوصيات الدينية من المرجعية الدينية العليا كانت كفيلة بالتصدِّي لهذه الأفكار الضالة الهدامة، عبر مشروع إصلاحي قائم علىٰ أساس تبليغ الأحكام وتوضيحها ومحاربة كل أنواع الانحراف العقائدي، وتحت نظر وإشراف مجموعة من العلماء العاملون لأجل خدمة الدين الإسلامي ونصرة الحق ونشر علوم محمد وآل محمد (عليهم السلام)، وكذلك بإيصال الحقائق للثورة الحسينية وبيان أسبابها والنتائج المترتبة عليها.
البُعد الثالث: الأخلاقي:
الأخلاق منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والعادات والتقاليد التي يكتسبها الإنسان المسلم السوي، إمَّا عن طريق الوراثة أو عن طريق الاكتساب من تأثير المجتمع عليه، فمن الأبعاد الحقيقية للمشروع التبليغي هو بناء وتأسيس ما أفسده العطار، وعطارنا اليوم الغزو الثقافي العقائدي ومدىٰ تأثيره علىٰ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) من المستضعفين ومن الفقراء والمساكين، فوسائل التواصل الاجتماعي منظومة فكرية تفسد الأخلاق الإسلامية عن طريق الترويج للأفكار الهدَّامة التي تحرف بها أولادنا وإبعادهم عن المنهج الحسيني، وإدخال الشبهات العقائدية في القضايا الحساسة لا سيما في مفهوم الإمامة والولاية والعصمة، بل الأمر أكثر من ذلك بزرع فتيل حرمة التقليد وعدم صحة الرجوع إلىٰ المرجعيات الدينية، بحجج واهية بعدم احتياجهم علىٰ أنَّ المفاهيم الإسلامية والأحكام الشرعية واضحة الدلالة والمعاني.
فاليوم نحن كطلبة مبلِّغين علينا مواجهة هذه الأفكار اللاأخلاقية المنحرفة عن طريق نشر الوعي الديني وتفعيل دور المنبر الحسيني والأخذ بنصائح وتوصيات وتوجيهات المرجعية الدينية العليا، ومحاربة الأفكار الضالة الهدامة، والتوجيه بالابتعاد عن سماع المحاضرات الهدامة للفكر والعقل، والابتعاد عن موارد الشبهات، فواجبهم عظيم في نشر العلوم وإيضاحها، فالتصدِّي من قبل المبلِّغين اليوم ظاهرة حضارية صحية، تعالج الأخلاق المسمومة وتبني المجتمعات وتحافظ علىٰ الموروث الأخلاقي والفكري الشيعي.
الأمر الرابع: الآثار المترتبة علىٰ المشروع:
وأعني بها النتائج المرجوة من المشروع التبليغي، وهذا يمكن إيضاحه بما يلي:
الأثر الأوَّل: التوفيق الإلهي:
وهذا مستفاد من توصيات المرجعية الدينية العليا، فإنَّها تؤكِّد علىٰ الأعمال التي يتقرَّب بها المسلم إلىٰ الله حتَّىٰ ينال رضاه، ويدلّنا علىٰ ذلك.
قال السيد السيستاني (دام ظلّه): (أوَّلاً: تجديد النية وإخلاص القصد ينبغي أن يستشعر الخطيب أنَّ المنبر الحسيني أمانة إلهية)(57).
التفاتة عظيمة من مرجع عظيم، وهي تجديد النية والإخلاص في العمل، والتقرُّب بها إلىٰ الله تعالىٰ، قال تعالىٰ: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)، والبر كلمة جامعة لأفعال الخير، ومن أفعال الخير تعليم الأحكام الشرعية وإيضاحها لمن يريد أن يتعلَّم منها، فهو عمل صالح وفيه مرضاة الله الدالة عليه، لاسيما إذا كانت أعمال تتعلَّق في تعليم القرآن، أو معرفة الأحاديث أو بيان الأحكام، وقد عدَّ في بعض الروايات من الزكوات والصدقات والهدايا.
لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه»(58).
وقال (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «ما تصدَّق الناس بصدقة مثل علمٍ ينشر»(59).
وقال (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم): «العالم والمتعلِّم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس»(60).
فعمل المرشدين في مواسم الحج والمبلِّغين في مواسم الزيارات في محرم وصفر من أعظم ما يوفَّق لها طالب العلم لكون عملهم زكاة وصدقة وبر يقع في يدي الله تعالىٰ فيكون أجره علىٰ الله فيوفيهم إن شاء أجورهم.
لقوله تعالىٰ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 30).
وهذا الوفاء من الله تعالىٰ علىٰ ما فعلوا في الدنيا جزاءً للأعمال الخيرية التي عملوها في التبليغ لكونهم صبروا وظفروا، فقد تحمَّلوا حرَّ الشمس والوقوف طويلاً في المواكب والحسينيات للرد علىٰ الأسئلة والاستفسارات، وعرَّضوا أنفسهم لمخاطر الحياة التي تحيط بهم من الأعداء والمخالفين لمنهج المرجعية الدينية العليا، حتَّىٰ أصبحوا مصداقاً للصابرين، حتَّىٰ نالوا رضا الله تعالىٰ ووفقوا في عملهم.
الأثر الثاني: تنفيذ توصيات المرجعية الدينية:
وهذا هو الأثر المبارك من المشروع التبليغي، في تحقيق الصلة بين المرجعية العليا الأبوية وبين الأُمَّة الإسلامية المتمثِّلة برجوع مقلِّديها إليها، رجوع الجاهل بالأحكام الشرعية إلىٰ من كان عالماً بها، هم الفقهاء العدول(61)، أو ما يعرفوا بنواب الإمام (عجَّل الله فرجه) الجامعين لشروط استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
نعم، نأخذ منهم الأحكام الشرعية والوصايا والتوجيهات والتبليغات لكونهم خلفاء الأئمة ونوابهم العدول التي دلَّت الآيات والروايات بالرجوع لهم والأخذ منهم، قال تعالىٰ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).
عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، من المعنون بذلك؟ فقال: «نحن والله»، فقلت: فأنتم المسؤولون؟ قال: «نعم»، قلت: وعليكم أن تجيبونا؟ فقال: «لا، ذلك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شأنا تركنا»، ثم قال: «﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (ص: 39)»(62).
قال الإمام العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء، صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه»(63).
والأكثر من ذلك فإنَّ بناء العقلاء بين يديك في شؤون الحياة الاجتماعية برجوع الناس إلىٰ أهل الخبرة والاختصاص لمن كان محتاجها كما في البناء والمرض وغيرها، والأحكام الشرعية واحدة منها رجوع المقلِّدين إلىٰ من كان جامعاً لشروط الإفتاء، لذا فإنَّ الجمهور الحسيني ومن خلال المسيرة الحسينية بكلِّ أبعادها وأفرادها ومصاديقها، يؤمنون ويطيعون ويأتمرون لهذه النصائح والتوصيات، لكونها صادرة من أعلىٰ سلطة تشريعية في المدرسة الإمامية، فأمرهم مطاع ونهيهم متَّبع، وتوصياتهم نافذة وتوجيهاتهم سديدة رشيدة، فهذه الثمرة المرجوة من المشاريع التبليغية تطبيق التوجيهات والتوصيات، واعتبارها منهج عمل يلقي بظلاله علىٰ أتباع الأئمة (عليهم السلام) بالتمسُّك بمنهج الحق وطريق الصدق، في اتِّباع المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، لكونها المنار الهادي في تنوير العقول بالدفاع عن العقيدة الإسلامية من الانحرافات العقائدية والعقدية.
الأثر الثالث: هداية المجتمع:
هداية المجتمع نحو طريق الحق بإخراجهم من كلِّ ما علق في أذهانهم من الشبهات العقائدية والاعتقادية، التي يثيرها المغرضون المتربِّصون بنا للنيل من الدين الحنيف في مسائل أصول الدين وفروعه، وهذا يمكن مشاهدته علىٰ طول طريق الخدمة الحسينية، من خلال المسائل الخلافية وإثارتها أو عن طريق افتعال الشبهات والترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلابدَّ من إخراج المؤمنين من هذه الظلامات والضلالات إلىٰ نور الهداية الإسلامية، عن طريق ردع هذه الشبهات الانحرافية والحد منها بإقامة الحجة والبرهان عليها، فثمرة التبليغ حقيقةً هي الدعوة علىٰ أرض الواقع، لأخذ معالم الدين ومعرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، من خلال الالتفاف حول المرجعيات الدينية الرشيدة، أو من خلال آثارهم العلمية ورسائلهم العملية أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فوظيفة التبليغ وظيفة إلهية أسَّس أصلها الأنبياء والمرسلين وسار علىٰ نهجها الأولياء والصالحون، وطبَّق عملها في اتِّباع طريقهم والاقتداء بهم العلماء – الفقهاء، نواب الإمام (عجَّل الله فرجه).
لقول الإمام (عجَّل الله فرجه): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(64).
فمن هنا تكون هداية المجتمع علىٰ أيدي العلماء والفقهاء، لأنَّنا نرجع لهم، ونأخذ عنهم ونقتدي بأقوالهم وأفعالهم، فنهتدي طريق الحق والصواب.
قال السيد الخوئي ݞ: (فإنَّ أمر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه إلىٰ رواة الحديث وهم حكام الشرع ويكون قولهم حجة متَّبعة وحكمهم نافذاً في الأُمَّة)(65).
ولم تقتصر وظائف التبليغ الإسلامي علىٰ ما هو معهود ومعروف في إيضاح وبيان مسائل الحلال والحرام وتعليم أحكام الصلاة وقراءة القرآن، وإنَّما الأكثر من ذلك من قبيل تقديم الخدمات الإنسانية الضرورية لمن يحتاجها كالنصح والإرشاد والوعظ الاجتماعي والأخلاقي ومحاربة الظواهر اللاأخلاقية في مظاهر الخدمة الحسينية(66)، ونشر القيم والمبادئ السامية والحث علىٰ التمسُّك بالعادات والتقاليد والأعراف المحترمة في المجتمع بعيداً عن التعصُّب الجاهلي.
الخاتمة والنتائج:
ويمكن إجمالها بما يلي:
الأولىٰ: الحوزة العلمية:
مؤسسة دينية علمية تعتني بنشر الفكر الإسلامي الشيعي، تتَّخذ من المساجد والجوامع وأماكن مخصوصة تعرف بالبرانيات لغرض الدرس والتدريس، من قبل كبار العلماء والفقهاء، والمرجعيات فضلاً عن الفضلاء وأساتذة العلم والمعارف، وتكون تحت نظر وإشراف المرجعية الدينية العليا في مدينة النجف الأشرف، بالإضافة إلىٰ وجود أماكن أخرىٰ من قبيل قم المقدسة وكربلاء وسامراء.
الثانية: الزيارة الأربعينية:
ظاهرة حضارية صحية في المجتمع الإسلامي الشيعي، لإحياء ذكر آل البيت (عليهم السلام) في مصاب سيد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في واقعة الطف في عام (61هـ)، متَّخذين من شعار «رحم الله من أحيا أمرنا»، إحياءً لأمرهم واتِّباع منهجهم والسير علىٰ خطاهم (عليهم السلام).
الثالثة: المشروع التبليغي:
تجربة علمية أشرفت عليها مجموعة من العلماء والفقهاء وعدداً كبير من طلبة الحوزة العلمية الشريفة من المبلِّغين والمبلِّغات، وبعض الصنوف الساندة من اللجان العلمية والخدمية، لدعم هذا المشروع الإسلامي، والذي يكون الهدف منه نشر فكر محمد وآل محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلَّم) وإحياء ذكرهم وتبليغ الأحكام الشرعية، والرد علىٰ أسئلة الزائرين وإرشادهم، وهذا المشروع الكبير يكون تحت نظر وإشراف المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف.
الرابعة: المرجعية الدينية:
من المصطلحات العقائدية في الفكر الإمامي الشيعي الاثنا عشري، والتي ترمز إلىٰ الحوزة العلمية الشريفة، وقد عبَّرت عنهم الروايات المباركة بالفقهاء العدول ونواب الإمام، الذين يرجعون لهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في معرفة الأحكام الشرعية في بيان حلالها وحرامها، والعليا صفة العلو والاحترام أضيفت لها احتراماً وتقديراً وتقديساً لها.
المصادر والمراجع:
1- كتاب الله العزيز – القرآن الكريم.
2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مكارم الشيرازي، الناشر مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ط1، 1417هـ.
3- التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، الناشر دار المنهاج، ط1، 1433هـ.
4- المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، الناشر دار العلم، ط1، 1412هـ.
5- الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، الناشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1417هـ.
6- وسائل الشيعة، الحر العاملي، الناشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1418هـ.
7- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، الناشر مؤسسة الأعلمي، ط1، 1429هـ.
8- لسان العرب، ابن منظور، الناشر دار صادر، ط3، 1414هـ.
9- تاج العروس من جواهر القاموس، مرتضىٰ الزبيدي، الناشر مؤسسة الكويت، ط1، 1424هـ.
10- موسوعة الإمام الخوئي، أبا القاسم الخوئي، الناشر المكتبة النجفية، ط1، 2023هـ.
11- مستدرك الوسائل، النوري، الناشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1418هـ.
12- نهج البلاغة، الشريف الرضي، الناشر مؤسسة الأعلمي، 1426هـ.
13- مجمع البيان، أبا علي الطبرسي، الناشر دار الكتب العلمية، ط3، 1422هـ.
14- الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، الناشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1418هـ.
15- البرهان في تفسير القرآن، البحراني، الناشر دار الفكر، 1420هـ.
16- صحيح مسلم، مسلم ابن الحجاج، الناشر السلطانية – المطبعة الكبرىٰ، ط1، 1422ه.
17- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، الناشر السلطانية – المطبعة الكبرىٰ، ط1، 1422هـ.
18- السنن الكبرىٰ، البيهقي، الناشر دار الكتب الإسلامية، 1418هـ.
19- أبحاث هيئة كبار العلماء، مجموعة من المؤلفين.
20- المرجعية الدينية، محمد حسين الصغير، الناشر الرئاسة العامة للبحوث – الرياض، ط4، 1435هـ.
21- كشف الغطاء، جعفر كاشف الغطاء، الناشر مطبعة الآداب، 1968م.
22- تهذيب الأحكام، الطوسي، الناشر دار الأضواء، 1418هـ.
23- معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، دار الفكر 1417هـ.
24- القاموس المحيط، الفيروز آبادي، الناشر الأعلمي 1422هـ.
25- الحوزة العلمية، محمد الغروي، الناشر شبكة الفكر – مكتبة نرجس.
26- الحوزة العلمية في النجف، علي البهادلي، الناشر دار الزهراء.
27- الخلافة، رشيد رضا، الناشر الزهراء للأعلام العربي – القاهرة.
28- جوامع الجامع، أبو علي الطبرسي، الناشر الأضواء، 1420هـ.
29- كمال الدين واتمام النعمة، الصدوق، الناشر الأعلمي، 1417هـ.
30- نهج البلاغة، الشريف الرضي، الناشر دار الأبرار، 1424هـ.
31- الإمام علي (عليه السلام)، الناصري، الناشر دار الجبيل الجديد، 1418هـ.
32- مفاتيح الجنان، عباس القمي، الناشر مطبعة النجف الأشرف.
33- سلطة النص الديني، حيدر سلمان، الناشر العارف للمطبوعات.
34- بصائر الدرجات، الصفار، الناشر دار إحياء التراث العربي، 1416هـ.
35- منهاج الصالحين، الخوئي، الناشر المؤرِّخ العربي، 1418هـ.
36- منهاج الصالحين، السيستاني، الناشر الرضوية 1418هـ.
37- مدخل إلىٰ الفلسفة، المطهري، الناشر قم استاره 1417هـ.
38- المدرسة الفلسفية في الإسلام، الفيومي، الناشر مصطفىٰ اللبابي.
39- جامع احاديث الشيعة، البروجردي، الناشر إحياء التراث العربي.
40- كامل الزيارات، ابن قولويه، الناشر الأعلمي 1416هـ.
41- معرفة الإمام، محمد حسين الطهراني، الناشر قم – مجموعة المدرسين.
وسائل التواصل الاجتماعي:
أوَّلاً: موقع مقالات.
ثانياً: مؤسسة الإمام علي (عليه السلام).
ثالثاً: شبكة الكفيل العالمية، العتبة العباسية.
رابعاً: العتبة الحسينية.
خامساً: الموقع الرسمي لمكتب السيد السيستاني (دام ظلّه).
سادساً: الموقع ويكي الشيعة.
الهوامش:
(1) انظر موقع مقالات، الفقهاء العدول علىٰ نهج آل الرسول، كاظم المحمداوي، https://www magaalorg
(2) انظر موقع مقالات، فتنة العصر الدعاة المنفلتين، كاظم المحمداوي. https://www magaal
(3) انظر موقع مقالات، مظاهر الخدمة الحسينية، كاظم المحمداوي. https://www magaal.org
(4) نظر: مجمع البيان، الطبرسي، 1/13.
(5) كشف الغطاء، جعفر كاشف الغطاء، 1/ 96.
(6) انظر: تهذيب الأحكام، الطوسي، 6 / 52.
(7) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 4 / 267.
(8) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 2 / 117. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 2 / 172.
(9) انظر: موسوعة الأسئلة العقائدية، مركز الأبحاث العقائدية، 5 / 521.
(10) المصدر نفسه.
(11) تفسير الطبري، ابن جرير، 13 / 436.
(12) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2 / 207.
(13) بتصرف: الجامعة العلمية في النجف الاشرف، محمد بحر العلوم، ص11.
(14) بتصرف: شبكة الساعة، الحوزات الشيعية. https://alssaa. com
(15) بتصرف: شبكة ويكيبيديا، الحوزة العلمية. https://ar. Wikipedia. org
(16) انظر: الخلافة، رشيد رضا، ص80. انظر: المستذهب، خالد الرويتع، 3 / 1413.
(17) تفسير جوامع الجامع، الطبرسي، 2 / 104.
(18) انظر: كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، 2 / 440.
(19) انظر: نهج البلاغة، ص426 الرسالة 53. انظر: مع الإمام علي، باقر الناصري، ص36.
(20) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2 / 6.
(21) انظر: سلطة النص الديني، حيدر سلمان، ص38.
(22) انظر موقع مقالات، الفقهاء العدول علىٰ نهج آل الرسول، كاظم المحمداوي.
(23) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 138. انظر: مرآة العقول، المجلسي، 4 / 7.
(24) انظر: إثبات الهداة، الحر العاملي، 3 / 511.
(25) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 /13.
(26) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 18 / 99.
(27) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 10 / 268.
(28) انظر: معاني الأخبار، الصدوق، 156. انظر: بصائر الدرجات، الصفار، 1 / 43. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 22 / 307.
(29) انظر: منهاج الصالحين، الخوئي، 1/ 5. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1/6
(30) غرر الحكم، الآمدي، 183.
(31) انظر: الغزو الثقافي، الشهيد علي الخامنئي، المقدمة ص4 -6.
(32) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 75 / 82. انظر: كشف الغمة، الأربلي، 2 / 349.
(33) انظر: وحي العلم، أحمد شوقي، 3 / 278.
(34) انظر: فضائل الشيعة، أبو معاش، 2 / 246. انظر: معجم الأحاديث المعتبرة، المحسني، 1 / 271.
(35) شبكة النت الموقع مكتب سماحة المرجع الاستفتاءات، مكارم الأخلاق. https://www Sistani. org
(36) انظر: جامع أحاديث الشيعة، البروجردي، 12 / 555. انظر: مستدرك الوسائل، النوري، 10 / 318.
(37) انظر: كامل الزيارات، ابن قولويه، 1 / 150.
(38) موقع العتبة الحسينية، فلسفة زيارة الأربعين. https:// imamhussam.orm
(39) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 53 / 302. انظر: شجرة طوبىٰ، المازندراني، 1 / 3.
(40) انظر: الكافي، الكليني، 2 / 151.
(41) انظر: صحيح البخاري، البخاري، 2067. انظر: صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، 2557.
(42) انظر: شعب الإيمان، البيهقي، 7559.
(43) انظر: الكافي، الكليني،2 / 203.
(44) صحيح البخاري، البخاري، برقم 6011. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 58 / 150.
(45) بحار الأنوار، المجلسي، 3 / 101.
(46) انظر: كامل الزيارات، ابن قولويه، ص121.
(47) التهذيب، الطوسي، 6 / 26.
(48) الموقع الرسمي – توجيهات زيارة الأربعين. Gttps://www Sistani.irg
(49) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2 / 25.
(50) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 1 / 481. انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1 / 310. انظر: لسان العرب، ابن منظور، 8 / 175.
(51) انظر: مفهوم المشروع وخصائصه، مصطفىٰ محمود، ص261.
(52) انظر: مفردات الراغب، الأصفهاني، ص71.انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1 / 346.
(53) بتصرف شبكة النت شبكة المعارف الإسلامية، مفهوم التبليغ. https: almaaref. on
(54) معرفة الإمام، محمد حسين الطهراني، 7 / 105.
(55) شبكة النت، الموقع شبكة الكفيل العالمية – العتبة العباسية-. https://www alkafeel.net
(56) انظر: نهج البلاغة، ص740.
(57) شبكة النت، مؤسسة الإمام علي (عليه السلام)، التوجيهات العامة للخطباء والمبلغين. https://www najaf.org
(58) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2 / 25.
(59) انظر: مستدرك الوسائل، النوري، 7 / 264.
(60) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 2 / 25.
(61) انظر: موقع مقالات، الفقهاء العدول، كاظم المحمداوي. https://magaal. org
(62) انظر: تفسير القمي، علي بن إبراهيم، 2 / 67. انظر: البرهان، البحراني، 3 / 802.
(63) انظر: تفسير الإمام العسكري، 1 / 300. انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 131.
(64) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 18 / 101.
(65) موسوعة الإمام الخوئي، الخوئي، 22 / 82.
(66) انظر: موقع مقالات، مظاهر الخدمة الحسينية، كاظم المحمداوي. https:// magaul. org