الكوثر
عطاء الله لنبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) الذي لا ينقطع
منتظر علي ماهود العامري
يُعد النبيُ محمدٌ (صلَّىٰ الله عليه وآله) أكثرَ الأنبياء تعرُّضًا للأذىٰ من قومه، إذ عانىٰ منهم ألوانًا شتَّىٰ من الإيذاء، جسديًا ونفسيًا.
فقد آذوه وقاتلوه، وضربوه بالحجارة، وحاصروه في شِعب أبي طالب، وتحمّل من أجل تبليغ الرسالة ما تعجز عنه النفوس، غير أنَّ هذا الأذىٰ -علىٰ شدَّته- يبقىٰ هينًا إذا ما قيس بالأذىٰ النفسي الذي كان أشد وطأةً وأعمق أثرًا.
ذلك أنَّ المجتمع الجاهلي كان يتباهىٰ بكثرة الأولاد، ولا سيّما الذكور، ويعد فقدَ الذرية أو انقطاعها من أعظم المثالب، وكان رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قد فُجع بفقد أبنائه الذكور، فاستغل المشركون ذلك ليؤذوه نفسيًا، ولقبوه بـ(الأبتر)؛ استهانةً به وبمستقبل دعوته.
لكن الله (عزَّ وجلَّ) أبىٰ إلَّا أن يكرم نبيَّه (صلَّى الله عليه وآله)، جزاءً لصبره علىٰ أذىٰ القوم، وتعبه في حمل الرسالة، فخاطبه بوعدٍ إلهيً بعطاءٍ عظيم، لا يقتصر علىٰ الدنيا الفانية، بل يمتد إلىٰ العالم الأبدي، فقال سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (الضحىٰ: ٥).
ويمكن تعريف العطاء لغةً: (هو اسمٌ لما يُعطىٰ، ويُطلق علىٰ ما يُبذل من مالٍ أو غيره، فيُقال: عطاءٌ من ذهبٍ أو فضّة)(1)، أي ما جُعل مُعطًىٰ وممنوحًا.
فالعطاء هو التفضل علىٰ الغير ببذل شيء أو منحه، ابتغاءَ نفعه، من غير اشتراطٍ لمقابلٍ من الممنوح له، وأمَّا العطاء الإلهي فهو تفضُّل الله تعالىٰ وإنعامه علىٰ عباده بما يمنحهم من النعم والمواهب والرحمة والمكرمة، ابتداءً أو جزاءً، فهو يفوق الوصف، ويختلف جوهريًا عن عطاء الإنسان؛ إذ إنَّ العطاء عند البشر يتفاوت بتفاوت أحوالهم، من غنيً إلىٰ فقير، ومن كريمٍ إلىٰ بخيل، فتختلف مراتبه ودرجاته بحسب القدرة والسعة والنية، فكيف يمكن قياس هذا العطاء المحدود بعطاء أكرم الأكرمين، وهو الله (جلَّ جلاله)؟
إنَّ عطاء الإنسان -مهما بلغ شأنه- يبقىٰ محدودًا زمانًا أو قيمةً، أمَّا عطاء الله تعالىٰ فإنَّه غير محدود، وغير مشروط، وغير منقطع، بل هو مستمر ومتجدِّد، كما أنَّ العطاء الإلهي يختلف في مظاهره؛ فمنه ما يقاس بالكم، ومنه ما يُقاس بالنوع والأثر، ونحن هنا بصدد الحديث عن العطاء الذي يُقاس بالنوع والأثر، لما له من امتدادٍ عبر الأزمنة.
ومن الشواهد علىٰ ذلك أنَّ عطاء الله لنبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) ما زال حاضرًا ومذكورًا إلىٰ يومنا هذا، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، مما يدل علىٰ أن العطاء الإلهي لا تحكمه المقاييس البشرية، وأنَّ العطاء المعنوي قد يكون أعظم أثرًا من العطاء المادي.
وعليه، فإنَّ الوعد الإلهي بالعطاء، إذا صدر من الله (عزَّ وجلَّ)، فإنَّه يحمل معنىٰ استثنائيًا يتجاوز العرف والمتعارف.
ومن هنا يثار سؤال محوري: ما هو الكوثر الذي جعله الله جوابًا حاسمًا علىٰ تهمة الأبترية؟
وبعد ما تقدَّم من تمهيدٍ إلهي لتكريم النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ينتقل الخطاب إلىٰ التصريح بالعطاء، في قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر: ١).
والكوثر من الكثرة، وهو علىٰ وزن (فوعل)، وهي صيغة تدل علىٰ المبالغة، مما يفيد معنىٰ الوفرة والعظمة، أي الخير الكثير، كما جاء في كتاب العين أن الكوثر هو الخير الكثير(2).
وكما أنَّ عطاء الله تعالىٰ واسعٌ في ذاته، فإنَّ الكوثر -بما يدل عليه من الخير الكثير- لا يقتصر علىٰ نوعٍ واحد من العطاء، بل يشمل كل ما يُعدّ نعمةً عظيمة، سواء في الجوانب المادية أو المعنوية، من خيرات الدنيا إلىٰ نعيم الآخرة، وغير ذلك مما يندرج تحت معنىٰ الكثرة والوفرة.
ولم يأت ذكر الكوثر في هذا الموضع عبثًا، بل جاء في سياق الرد علىٰ ما رمىٰ به المشركون النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) من وصفه بالأبتر، أي منقطع الذرية والأثر، فجاء الجواب الإلهي بإثبات عطاءٍ عظيم له، وهو الكوثر، الذي يدل علىٰ الخير الكثير والفيض الواسع، ليكون بذلك ردًا بليغًا يقابل تلك الإهانة بأسمىٰ معاني التكريم.
وإذا كان الكوثر يدل علىٰ الخير الكثير، فما هي أبرز مصاديقه؟ وهل يختص بجانبٍ دون آخر، أم يشمل الدنيا والآخرة؟
وننقل لكم تفسير سورة الكوثر عما جاء في (مختصر الأمثل) للشيخ ناصر مكارم الشيرازي يقول: إنَّ سبب نزول السورة هو أنَّها (نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنَّه رأىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يخرج من المسجد… وتحدثا… فلمَّا دخل العاص قالوا: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبتر.
وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وهو من خديجة، وكانوا يسمون من ليس له ابن، أبتر، فسمَّته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبوراً.
فنزلت السورة تبشر النبي بالنعم الوافرة والكوثر وتصف عدوّه بالأبتر.
… وكان للنبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) ولدان من أُم المؤمنين خديجة (عليها السلام) (القاسم والطاهر) ويسمَّىٰ أيضاً عبد الله، وتوفي كلاهما في مكة، وأصبح النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) من دون ولد.
… فاستغلَّ الأعداء ذلك للطعن بالنبي، وظنّوا أنَّ الرسالة سوف تنتهي بوفاته.
السورة نزلت لتردّ علىٰ هؤلاء الأعداء ولتقول لهم: إنَّ عدوّ الرسول هو الأبتر، وأنَّ الرسالة سوف تستمر وتتواصل….
وفي المجمع قال ابن عباس: لما نزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ صعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) المنبر، فقرأها علىٰ الناس، فلما نزل قالوا: يا رسول اللَه، ما هذا الذي أعطاك الله؟ قال: «نهر في الجنة، أشدّ بياضاً من اللبن، وأشدّ استقامة من القدح، حافتاه قباب الدرّ والياقوت».
وقيل: هو النبوّة والكتاب، وقيل: هو القرآن، وقيل: هو كثرة الأصحاب والأشياع، وقيل: هو كثرة النسل والذرية، وقد ظهرت الكثرة في نسله من ولد فاطمة (عليها السلام)… وقيل هو الشفاعة، رووه عن الصادق (عليه السلام).
ولكن هذه التفاسير تبيِّن غالباً المصاديق البارزة لمعناها الواسع وهو (الخير الكثير)، إنَّ كل الهبات الإلهية لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في كلِّ المجالات تدخل في إطار هذا الخير الكثير، ومن ذلك انتصاراته علىٰ الأعداء، وعلماء أُمَّته الذين يحملون مشعل الإسلام والقرآن في كل زمان ومكان….
وفي آخر آية يقول الله سبحانه لنبيِّه ردّاً علىٰ ما وَصَمه به المشركون: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، و(الشانئ): هو المعادي من (الشنان) – علىٰ وزن ضربان – وهو العداء والحقد.
و(أبتر): في الأصل هو الحيوان المقطوع الذنب….
والقرآن يقول لهؤلاء الأعداء في الواقع: إنَّكم أنتم تحملون صفة الأبتر لا رسول الله.
فاطمة (عليها السلام) والكوثر:
إنَّ (الكوثر) له معنىٰ واسع يشمل كل خير وهبه الله لنبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ومصاديقه كثيرة، لكن كثيراً من علماء الشيعة ذهبوا إلىٰ أنَّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أوضح مصاديق الكوثر… لأنَّ المشركين وصموا النبي بالأبتر، أي بالشخص المعدوم العقب، وجاءت الآية لتقول: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾.
ومن هنا نستنتج أنَّ الخير الكثير أو الكوثر هو فاطمة الزهراء (عليها السلام) لأنَّ نسل الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) انتشر في العالم بواسطة هذه البنت الكريمة… وذريّة الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) من فاطمة (عليها السلام) لم يكونوا امتداداً جسمياً للرسول فحسب، بل كانوا امتداداً رسالياً صانوا الإسلام وضحوا من أجل المحافظة عليه وكان منهم أئمّة الدين الاثنا عشر(3).
إنَّ علاقة النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) بفاطمة (عليها السلام) لم تكن مجرد علاقة أب بابنته، وإنَّما كانت لها منزلة خاصة في قلب رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وقد عبَّرت الروايات عن شدة محبَّته لها وقربها منه، لأنَّه يعلم بعلم الله تعالىٰ أنَّها من أهم الأسباب التي أدَّت إلىٰ حفظ الشريعة وبقائها فيراها صمام أمان إلىٰ ما بعث من أجله وما أفنىٰ عمره فيه وتأكد بها لن يذهب تعبه سدىٰ.
ومن الروايات عنه (صلَّىٰ الله عليه وآله): «هي بضعة منّي، وهي قلبي وروحي التي بين جنبي»(4).
وكان (صلَّىٰ الله عليه وآله) كل ما رآها دخل السرور إلىٰ قلبه لما لها من قرب معنوي ومكانة خاصة عنده، وهذا السرور هو مصداق لقول الله تعالىٰ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) هو دائم الرضا والشكر لله فهو ليس مجرَّد إنسان عادي حتَّىٰ يتذمَّر من حالته وعدم إنجابه للذرية الذكورية، بل هو أعلىٰ شأن من ذلك، بل الآية كانت تتحدَّث عن عطاء إلهي مستقبلي يبلغ به رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) مقاماً من الرضا والسرور أعظم مما كان عليه.
فإنْ كان المقصود بالكوثر هو فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فإنَّ ذلك يفتح بابًا وجدانيًا مهمًّا في فهم قوله تعالىٰ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، فاطمة (عليها السلام) كانت لها منزلة خاصة في قلبه ووجدانه، وقد عبَّرت الروايات عن شدة محبته لها وقربها منه.
ومن هنا يمكن النظر إلىٰ الكوثر بوصفه عطاءً إلهيًا يحمل في ذاته معنىٰ الفرح والسرور للنبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، دون أن نجزم بأنَّ الآية تقصد هذا المعنىٰ وحده، بل نترك اجتماع دلالة الآيتين مع الروايات يكشف عن علاقة عميقة بين العطاء الإلهي والرضا النبوي.
الخاتمة:
الله كريم، وكرمه يفوق كل كريم مهما علا شأنه، وأنَّ كرم الله تعالىٰ لنبيِّه محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) لم يكن فقط لكونه خاتم الأنبياء والمرسلين، بل كان أيضًا تكريماً لما تحمَّله من مشاقّ وتعب، وما مر به من آلام نفسية وجسدية، فهو بشرٌ يشعر بما يشعر به الإنسان من ألم وحزن وتعب، وقد واجه من الصعوبات في زمان الجاهلية ما يفوق الوصف.
ولعلَّ في هذا التكريم الإلهي لنبيه (صلَّىٰ الله عليه وآله) درساً عظيماً لنا؛ لندرك أنَّ كرم الله لا حدود له، وأنَّ رحمته لا تنقطع، وأنَّ البلاء والمشقة لا يعنيان غياب لطفه أو رحمته، فإذا كان الله تعالىٰ قد أكرم نبيَّه بعد كل ما مرَّ به من عناء، فإنَّ ذلك يعلِّمنا ألَّا نيأس من رحمته، وألَّا نقطع الرجاء به مهما اشتدَّت بنا المحن وضاقت بنا السبل.
فالله سبحانه وتعالىٰ أكرم من أن يضيِّع عبدًا رجاه، وأرحم من أن يترك قلبًا تعلَّق به، ولذلك يبقىٰ الرجاء بالله العلي العظيم هو الملاذ، وتبقىٰ الثقة بكرمه ورحمته نورًا يهدي الإنسان في أشدّ لحظات حياته، حتَّىٰ يأتي فرج الله من حيث لا يحتسب.
وهكذا يبقىٰ الكوثر رسالةً تتجاوز حدود قصةٍ مضت؛ فهو يعلِّمنا أنَّ ما يراه الإنسان انقطاعًا قد يجعل الله بعده كثرة، وما يظنه الناس نهايةً قد يكون عند الله بدايةً لعطاءٍ لا ينقطع، فإذا كان الله قد وعد نبيَّه بالعطاء حتَّىٰ يرضىٰ، وأعطاه من الكوثر ما بقي أثره ممتدًا في الدنيا والآخرة، فما علينا إلَّا أن نحسن الظن بربِّنا، وألَّا نستعجل رحمته، وألَّا نقطع الرجاء به؛ فإنَّ كرم الله إذا أقبل، جاء بما يفوق ظنون البشر وتقديراتهم.
الهوامش:
(1) العين: ج٢، ص٢٠٨.
(2) العين: ج٥، ص٣٤٨.
(3) مختصر الأمثل: ج٥، ٥٤٧-٥٥٠.
(4) الاعتقادات: ص٣٤٠.