المقدمة:
شهد الفكر الإسلامي الشيعي المعاصر تحولات منهجية كبرىٰ في التعاطي مع النص القرآني، ولم تكن هذه التحوُّلات مجرَّد تغيير في أدوات التفسير، بل مسَّت جوهر الوظيفة التي يؤدِّيها (العقل) في عملية الفهم، إن الانتقال من التفسير الترتيبي التجزيئي، الذي يركِّز علىٰ استجلاء مراد الآية في سياقها المحدود، إلىٰ التفسير الموضوعي الذي يسعىٰ لبناء نظريات قرآنية شاملة، استوجب إعادة النظر في حدود العقل وطبيعة علاقته بالوحي، وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند المقارنة بين مدرستين رائدتين: مدرسة (الميزان) للعلامة الطباطبائي التي تضع العقل في مقام الحارس والضابط، ومدرسة (المدرسة القرآنية) للشهيد الصدر التي تدفع بالعقل ليكون محاوراً ومستنطقاً.
السؤال الرئيسي في هذه الوقفة: تتمثَّل المعضلة البحثية في التساؤل التالي: ما هو طبيعة التحوُّل الوظيفي للعقل عند الانتقال من المنهج التجزيئي إلىٰ المنهج الموضوعي في الفكر الشيعي المعاصر؟ وكيف تباينت هذه الوظيفة بين كونها قوة ضابطة تحمي النص من التأويل الخارجي عند الطباطبائي، وكونها قوة كاشفة تستنطق النص لتقديم حلول لإشكالات الواقع عند الشهيد الصدر؟
المحور الأوَّل: العقل أداةً لضبط النص وحراسة المعنىٰ (رؤية العلامة الطباطبائي):
يرتكز منهج العلامة الطباطبائي علىٰ مبدأ انضباط النص، حيث يرىٰ أنَّ العقل وظيفته هي الفهم والاستظهار وليس فرض القواعد الخارجية.
1 – المنهج البياني وحاكمية النص:
يرىٰ الطباطبائي أنَّ القرآن الكريم وصف نفسه بأنَّه بيان وتبيان لكلِّ شيء، ومن هذا المنطلق، يرفض الطباطبائي أن يحكم العقل أو القواعد الفلسفية علىٰ النص من الخارج.
فوظيفة العقل هنا هي (التدبُّر) الذي يربط الآيات ببعضها البعض لاستيضاح المعاني، محذراً من تحويل العقل إلىٰ حاكم يفرض قبليات فلسفية تؤدِّي إلىٰ تطبيق الأفكار علىٰ القرآن بدلاً من تفسيره.
قال (رحمه الله): (هذا هو الطريق المستقيم والصراط القويم السوي الذي سلكه معلموا القرآن وهداته (صلوات الله عليهم)، وسنضع ما تيسَّر لنا بعون الله سبحانه… أن نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنىٰ الآية من نظيراتها… ولا يعثر المتتبِّع الباحث فيها علىٰ مورد واحد يستعن فيه علىٰ تفسير الآية بحجَّة نظرية ولا فرضية علمية)(1).
2 – حدود العقل والتمييز بين الحجية والتفسير بالرأي:
يضع العلامة الطباطبائي حدوداً دقيقة للعقل لضمان نقاء الفهم القرآني:
فهو يرىٰ أنَّ العقل الفطري البرهاني الذي هو العقل المدرك لبديهيات والنتائج اليقينية، وهذا النوع هو حجة يدعو إليها القرآن دائماً.
وأيضاً كون العقل أداة لاستنباط المعاني واستكشاف القرائن التي وضعها النص، ولا يجوز له الانفراد بتفسير آية بعيداً عن سياق الآيات الأخرىٰ أو بما يخالف صريح النص، لذلك يرىٰ أنَّ التفسير بالرأي هو إخضاع القرآن للميول النفسية أو المذاهب المسبقة، وهو الحد الذي يجب أن يتوقَّف عنده العقل لأنَّه يؤدِّي لتحريف المعنىٰ.
يقول (رحمه الله): (القرآن الذي يعرف نفسه… بأنَّه هدىٰ للعالمين ونور مبين وتبيان لكلِّ شيء… مهدياً إليه بغيره ومستنيراً بغيره ومبيناً بغيره، فما هذا الغير! وما شأنه! وبماذا يهدي إليه! وما هو المرجع والملجأ إذا اختلف فيه! وقد اختلف واشتد الخلاف، وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم – مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي – الكلمات أو الآيات ، فإنَّما هو كلام عربي مبين لا يتوقَّف في فهمه عربي ولا غيره ممن هو عارف باللغة وأساليب الكلام العربي)(2).
المحور الثاني: العقل قوة كاشفة ومستنطقة للواقع (رؤية الشهيد الصدر):
أمَّا رؤية الشهيد الصدر فإنَّها قفزة نوعية في تاريخ المناهج القرآنية، حيث نقل العقل من دور المتلقي الساكن للنص إلىٰ دور المحاور المستنطق له.
1 – العقل وحركة الاستنطاق (القرآن لا ينطق بنفسه):
ينطلق الصدر من رؤية مفادها أنَّ النص القرآني صامت يختزن الحقيقة ولا يبديها إلَّا لمن يطرح عليه الأسئلة، فالعقل هنا ليس مجرَّد كاشف للغة، بل هو سائل ومحاور يمتلك إشكالات معاصرة ويبحث عن إجاباتها، لأنَّه ينطلق من نص لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ»(3).
إذاً العقل عند الصدر يتحرَّك من الواقع الخارجي بحصيلة التجربة البشرية، ثم يعود للقرآن ليحاكمه ويستنطقه، يقول الشهيد الصدر: (إنَّ التفسير الموضوعي يبدأ بالواقع الخارجي بحصيلة التجربة البشرية… ومن أفكارها ومن مضامينها ثم يعود إلىٰ القرآن الكريم ليحكم القرآن الكريم ويستنطق القرآن الكريم)(4).
2 – العقل جسراً بين الواقع والنص (التفسير الموضوعي):
في التفسير الموضوعي، لا يكتفي العقل بفهم مفردات الآية، بل يسعىٰ لاكتشاف النظرية التي تحكمها حركة تصاعدية يتحرَّك العقل فيها من الواقع إلىٰ النص، بحيث يجمع شتات الآيات المتفرقة ليبني منها هيكلاً نظرياً لم يكن ظاهراً بمجرد القراءة اللفظية.
وأيضاً العقل أداة تركيب حيث يؤكِّد الصدر أنَّ العقل هو الذي يقوم بعملية التركيب بين الجزئيات القرآنية ليصل إلىٰ الحقيقة الكلية أو الموقف النظري تجاه جوانب الحياة، بل يصف الشهيد الصدر العقل بـ(المُبرز) لأنَّ الحقيقة موجودة فعلاً في النص لكنها مستترة والذي يزيل هذا الستار هو العقل عبر التحليل والربط.
النتائج:
من خلال تحليل المنهجين، نصل إلىٰ النتائج التالية التي توضح الفوارق الجوهرية في توظيف العقل بين المدرستين:
1 – عند الطباطبائي، العقل دوره الضابط حيث يمنع المفسر من الخروج عن حدود اللغة والآيات الأخرىٰ (تفسير القرآن بالقرآن)، بينما عند الصدر، العقل كاشف يقتحم النص بالأسئلة ليفجر طاقاته التغييرية.
2 – العقل عند الطباطبائي يخدم النص ليبقىٰ نقياً من الشوائب الخارجية، أمَّا عند الصدر، فالعقل يستخدم النص ليخدم الإنسان ويقدم حلولاً لمشاكله الحضارية والعملية.
3 – طبيعة الحركة: يتحرك العقل في منهج الطباطبائي في دائرة النص (من الآية إلىٰ نظيراتها)، بينما يتحرَّك عند الصدر في دائرة تكاملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالنص لصياغة نظرية موضوعية.
4 – النتيجة المعرفية: ينتهي دور العقل عند الطباطبائي عند حدود (الفهم والاستظهار) المنضبط، بينما يتجاوز ذلك عند الصدر ليصل إلىٰ (الاستنطاق والإبراز) للحقائق الكامنة خلف الألفاظ.
الهوامش:
(1) الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص11-12.
(2) الميزان: ج1، ص9.
(3) نهج البلاغة: ج2، ص54.
(4) المدرسة القرآنية: ص33.