الفقهاء العدول على نهج آل الرسول (عليهم السلام)

الفقهاء العدول على نهج آل الرسول

للفقه الشيعي الاثنا عشري نكهة خاصة في الأوساط الإسلامية العلمية، علىٰ مستوىٰ المدارس والمذاهب، فقهاً وأصولاً، تفسيراً وتأويلاً، عقداً وعقائداً، والآثار العلمية بين يديك تدل علىٰ ذلك أثراً وتأثيراً، آثارهم موجودة وأعيانهم مفقودة، وقد ملئت منها المكتبة الإسلامية، حتَّىٰ ترجمت الكثير منها إلىٰ اللغات العالمية، وبعضها اليوم يدرّس في عدد من الجامعات العالمية(1).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَا كُمَيْلُ، هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ»(2)، وهي إشارة واضحة علىٰ دوام بقاء الآثار العلمية للعلماء، ونقصد بالآثار العلمية هي كل ما دوَّنته أناملهم الشريفة في العلوم والمعارف الإسلامية وغيرها التي ينتفع بها المسلمين، ويتقرَّب بها زلفىٰ إلىٰ الله تعالىٰ، والمقارنة واضحة الدلالة والمعاني في قوله (عليه السلام) بين خزان المال التي تزول أموالهم وتذهب لغيرهم ميراثاً بموتهم، وبين خزّان العلم والمعارف وهم الفقهاء العدول العلماء العاملون في مشارق الأرض ومغاربها الذين لا تنفذ خزائن علمهم بآثارهم وهي العلوم والمعارف الإسلامية الجليلة حتَّىٰ عرفوا بأهل العلم وأصحاب الذكر، ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (المجادلة: 11).

وهي رفعة ومنزلة لهم في الدنيا والآخرة من عند الله تعالىٰ بما آتاهم من فضله ورحمته حتَّىٰ ورثوا العلم عن الأنبياء والمرسلين، وهذا هو الفضل العظيم والفوز الكبير لقوله تعالىٰ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16)، وهي وراثة النبوة والعلم المبين(3)، والملك علىٰ ما جاء في التفسير وقد يعبر عنه بالإرث العام الشامل للمادي والمعنوي، ومنها العلم والمعرفة في جميع العلوم(4).

عن أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام) قال: «ما بعث الله نبيًّا إلَّا ومحمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) أعلم منه… وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان، وتحيىٰ به الموتىٰ… فنحن الذين اصطفانا الله (عزَّ وجلَّ) وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء»(5).

ومورد كلامنا في هذه الشواهد المباركة، وراثة الأنبياء والمرسلين وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) العلوم والمعارف إلىٰ من توفَّرت فيهم شروط الإفتاء والقضاء والحكم.

الفقهاء العدول: هم الذين حملوا مسؤولية هذا الإرث العظيم من كتاب الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وعلوم أئمة أهل الهدىٰ في زمن غيبة إمامهم (عجَّل الله فرجه) الذين رفعهم الله دون غيرهم بما آتاهم من فضله ورحمته حتَّىٰ تفقَّهوا في الدين استدلالاً واستنباطاً، وأصبحوا يعرفون بالفقهاء لتفقُّههم ومعرفتهم بما ورثوا عن أئمتهم.

والعدول؛ صفة ملازمة للفقاهة مصدر الفعل (عَدَل) وهم من ترضىٰ شهادتهم، الذين يتحلّون في الاستقامة والخير(6).

وفي الاصطلاح: هم الفقهاء والعلماء الذين يعرفون حلال الله وحرامه، لا سيما في الأحكام الشرعية، إلَّا أنَّهم متَّصفون بالعدالة الإسلامية والتي تعني الاستقامة علىٰ جادة الشريعة في إتيان الواجبات والإعراض واجتناب المحرمات(7).

نهج آل الرسول (عليهم السلام):

والنهج: الطريق الواضح المستقيم، أو الطريق الواضح وقيل الإبانة والإيضاح(8)، فهم نهج الحق وقول الصدق وأداء الأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالىٰ وتوحيده وتصديق كل ما جاء به القرآن الكريم وسُنَّة نبيِّه العظيم، وخير من مثل نهج الحق للرسالة المحمدية السمحاء هم آل البيت (عليهم السلام)، فهم الأمناء علىٰ دينه والأدلاء علىٰ توحيده والأسوة والقدوة الحسنة، فقد صانوا النفس عن الهوىٰ واتَّبعوا أمر نبيّهم وعزفوا عن الدنيا وزخرفها، فهم حبل الله المتين في اتِّباع هدي القرآن وسُنن نبيِّه الأمين، الحافظين لآياته، الموضّحين لأحكامه، المطبقين لشرعه وحدوده، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

أهمية البحث:

الأولىٰ: الفقهاء أداة لحفظ الدين:

للفقهاء الدور الأكبر في بيان الأحكام الشرعية أصولاً وفروعاً وعقائداً وأحكاماً، من قبيل التشريعات التي جاءت بها الرسالة السمحاء في كتاب الله العزيز وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) الأمين، موضِّحين ومبيِّنين ومفسِّرين لهذه الأحكام كلّها.

الثانية: تأصيل دور الفقهاء:

وهي السمة المهمة التي دعا لها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في اعتبارهم ورثة الأنبياء والمفوِّضين من قبل الإمام بالرجوع لهم والأخذ عنهم حتَّىٰ عرفوا بالجماعة الصالحة الذين ترجع إليهم جميع أتباع الإمام (عجَّل الله فرجه) ودورهم أصيل في الحفاظ علىٰ هوية التشيُّع الإسلامي ونشر تعاليم الدين الحنيف.

الثالثة: بيان المنهج الرسالي:

وهذا يمكن معرفته من خلال تتبُّع نهجهم وسيرتهم وطريقتهم وآثارهم (عليهم السلام) المروية في المصادر والمراجع الروائية والرجالية.

منهجية البحث:

الفصل الأوَّل: بيان مفردات البحث.

الفصل الثاني: بيان نهج آل الرسول.

الفصل الثالث: بيان نهج الفقهاء العدول.

الفصل الأوَّل: بيان مفردات البحث:

ويمكن إجمالها من الناحية اللغوية والاصطلاحية، لما يتناسب وطبيعة البحث العلمي (الفقهاء، العدول، المنهج، الرسول) وكما يلي:

المفردة الأولىٰ: الفقه:

لغة: العلم بالشيء والفهم له، يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً، إذا فهم وأوتي فلان فقهاً في الدين، أي فهماً(9).

وعرَّفه غير واحد بعدَّة تعريفات، من قبيل:

الفهم والعلم: يقال: فقه الرجل أي فهم وعَلِم وكل علم بشيء يسمَّىٰ فقهاً في الأصل هم الفهم ثم خص في العرف بعلم الشريعة وأحكام الدين لسيادته وشرفه وفضله(10).

وفي الاصطلاح: قال الشهيد الأوَّل: (العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية…)(11).

العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية(12)، أو العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسبة من أدلتها التفصيلية(13)، وهي إشارة واضحة إلىٰ عملية الاستنباط والاستدلال من قبل الفقهاء المجتهدين من الأدلة الأربعة لكلِّ مسائل العبادات والمعاملات.

المفردة الثانية: العدول:

لغةً: ما قام في النفوس أنَّه مستقيم وهو ضد الجور، عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل من قوم عدول، والأخيرة اسم للجمع كتجر وشرب، وعدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدلته، وفي أسماء الله سبحانه العدل هو الذي لا يميل به الهوىٰ فيجور في الحكم(14).

مأخوذة من مادة (ع، د، ل) التي تدل علىٰ الاستواء، والعدل هو التسوية بين الشيئين، ويقال: عدل عن الطريق، أي حاد وعدل في أمره، أي استقام(15).

وفي اصطلاح الفقهاء: والعدل يطلق ويراد به الاستقامة علىٰ جادة الشريعة الإسلامية وهي ملكة نفسية في اجتناب الكبائر والصغائر والتي تعني الالتزام بطاعة الله تعالىٰ.

قال السيد اليزدي: (العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات وترك المحرَّمات، وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنًّا، وتثبت بشهادة العدين بالشياع المفيد للعلم)(16).

وفي العقيدة: وأمَّا أصل العدل هو الاعتقاد بأنَّ الله عادل بالعدل الذي هو مقابل الظلم والجور، أي لا يفعل القبيح ولا يترك ما ينبغي فعله، فكل خلق أو رزق أو إعطاء أو منع صدر منه هو لغاية وهدف وإن لم يعلم الإنسان به(17).

المفردة الثالثة: النهج – المنهاج:

في اللغة: المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح المستقيم، نهج الطريق نهجاً، أي سلكه واتَّخذه طريقاً واضحاً(18)، واستدلوا علىٰ ذلك بقوله تعالىٰ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ (المائدة: 48)، ومعناها: الطريق الواضح البيِّن في الدين.

قال ابن فارس: (النون والهاء والجيم أصلان متباينان: الأوَّل النهج، الطريق. ونهج لي الأمر: أوضحه.

وهو مستقيم المنهاج. والمنهج: الطريق أيضاً، والجمع المناهج. والآخر الانقطاع. وأتانا فلان ينهج، إذا أتىٰ مبهوراً منقطع النفس)(19).

وفي الاصطلاح: لا يختلف حاله عن المعنىٰ اللغوي من حيث كونه الطريق الذي يؤدِّي إلىٰ الوصول لحقائق الأشياء المبحوث عنها عن طريق اتِّباع عددٍ من القواعد والأصول العلمية عقلية وشرعية من أجل الوصول إلىٰ النتائج المرجوة منها(20)، ويدلنا علىٰ ذلك قول ابن عباس: (لم يمت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) حتَّىٰ ترككم علىٰ طريق ناهجه)(21).

وقد تطلق علىٰ مجموعة القواعد والركائز والأُسس التي تحقّق النتائج الإيجابية بالمنهج، فهذه الألفاظ تشترك في عدَّة معاني كالسُنَّة النبوية والطريق والسبيل والهدي والمنهج والمنهاج(22)، فيكون المراد من المنهج الطريق السوي الواضح المبين الذي يوصل الإنسان إلىٰ مقاصده حتَّىٰ يبلغ مبتغاه، ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي»(23).

وهي نص فيما نحن فيه في اتِّباع نهج الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) والمنهج المبحوث عنه في هذا البحث الفقهي العقائدي هو نهج محمد وآل محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) في اتِّباع أثرهم وسيرتهم قولاً وفعلاً وتقريراً في العقيدة والاعتقاد والأحكام، الموصلة إلىٰ مرضاة الله تبارك وتعالىٰ والتقرُّب إليه زلفىٰ.

المفردة الرابعة: الرسول:

لغة: مشتق من مادة رسل، وتعني الإرسال والتوجيه، فالرسول هو المبعوث برسالة، يطلق المصطلح علىٰ الواحد والجمع ويستوي فيه المذكّر والمؤنّث والجميع علىٰ رسل وإرسال ورسلاً، وسمِّي بذلك لكونه مبعوثاً وموجهاً لتبليغ أمر معيَّن(24)، الرسول المرسل الذي بعث برسالةِ يؤدِّيها، فهو فعول بمعنىٰ مفعول، وقيل الذي يتابع أخبار بعثه أخذ من قولهم جاءت الإبل إرسالاً أي متتابعة وأصل (رسل) يدل علىٰ الانبعاث(25).

وفي الاصطلاح: أنَّه (الإنسان الذي اصطفاه الله تعالىٰ وتلقىٰ وحيه ليقوم بمهمة إبلاغ رسالة السماء إلىٰ البشرية)، معصوماً في تبليغه، ومؤيّداً بالمعاجز لتثبيت صدق نبوَّته ودعوته، فهو إنسان من بني البشر ذكراً دون غيره اختاره الله واصطفاه وخصَّه بتبليغ الرسالة عن طريق ما يوحىٰ إليه بإحدىٰ الطرق الثلاثة المعهودة إلىٰ الناس، حتَّىٰ يعلمهم الكتاب والحكمة ويرشدهم إلىٰ صراط مستقيم، فيخرجهم من الظلمات إلىٰ النور(26).

يرىٰ بعض مفسِّري الإسلام أنَّ الرسول معصوم عصمة كلية من ولادته وحتَّىٰ مماته، فلا تجوز عليه الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل ولا بالنسيان(27).

الفصل الثاني: نهج آل الرسول:

لابدَّ من بيان بعض المصطلحات ذات العلاقة ببحث الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) من قبيل (آل الرسول وأهل البيت والعترة الطاهرة، وأصحاب الكساء) وإلىٰ غير ذلك من العناوين اللاحقة بمصلح الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله)، والفصل مرتَّب علىٰ نقطتين رئيسيين، وكما يلي:

النقطة الأولىٰ: بيان المصطلحات:

الأوَّل: آل الرسول:

معناها أهل الرجل، أتباعه، عائلته، أو من يؤول إليهم، يرجعون إليه بالقرابة أو النسب، كما تأتي بمعنىٰ السراب، وتستخدم للإشارة إلىٰ الأشخاص ذوي المكانة(28)، فهم الأهل والعصبة والأتباع علىٰ ما ذكره بعض مفسِّري الإمامية(29)، وقد أضيفت الآل إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لقرابته منهم، وهم أهل بيته وخاصَّته علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).

والمروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): إنِّي قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فنحن أهل بيته»(30)، وكذا فسّرت الآل بالأهل كما في قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33).

قال الطبرسي: فقال النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله): «اللَّهم هؤلاء أهلي»(31).

ومعناه بإجماع الطائفة أهل البيت وآل محمد الأشخاص المعدودين المخصوصين بالعصمة المطهرين الطاهرين بنص آية التطهير التي أذهبت الرجس عنهم ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها والتسعة المعصومين من ذرية الحسين (عليه السلام)(32)، لتواتر الأحاديث والروايات في ذلك، وحديث الكساء بين يديك وآية التطهير وغيرها من الشواهد الروائية، وهذا هو المعنىٰ الخاص.

يمثِّلون الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية السمحاء والنبوة التي يقتدي بها في الدنيا والآخرة، فهم القدوة والأُسوة الحسنة.

وهم حلقة الوصل بين الرسالة والإمامة، فإنَّهم يمثِّلون الركن الهادي والمكانة المقدسة والبعد الحقيقي للإسلام والمسلمين، لضرورة قربهم من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، لذا أوجب الله طاعتهم ومحبتهم وتعظيم شأنهم والتمسُّك بهم لأنَّهم حبل الله المتين ودستوره الأمين، لذا فإنَّ طاعتهم هدىٰ وحبهم رحمةً للعالمين، ويدلنا علىٰ ذلك بعض الروايات المباركة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حب أولياء الله واجب، والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة ومن الذين ظلموا آل محمد (صلَّىٰ الله عليهم) وهتكوا حجابه…»(33).

الثاني: أصحاب الكساء:

وأكتفي بحديث الكساء تبركاً: «هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها، فقال جبرائيل: يا رب، أتأذن لي أن أهبط إلىٰ الأرض لأكون معهم…»(34).

قال السيد الطهراني: (تتَّفق المذاهب الإسلامية جميعها علىٰ أنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) عندما أشفق علىٰ أهل بيته جمعهم تحت الكساء وغشَّاهم به، ثم سأل الله الرحمة لهم…)(35).

الثالث: العترة الطاهرة:

والعترة: تطلق ويراد منها نسل الرجل وقرابته(36)، ويدلّنا عليه حديث الثقلين لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنِّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي…»(37).

وأكثر ما استعمل في اللغة أنَّ معنىٰ العترة علىٰ ما هو معروف في قواميس اللغة العربية علىٰ أصل الرجل ونسله وأخص أقربائه(38)، والذي يظهر من كلماتهم أنَّهم استفادوا من معناه الشرعي من مصطلحي العترة وأهل البيت وإن اختلفا في الشكل والهيئة إلَّا أنَّ معناها واحد، وكذلك يمكن الاستفادة من حديث الكساء علىٰ ما هو معروف لدىٰ عامة المسلمين، لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «هؤلاء أهل بيتي وعترتي»(39)، تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(40).

والطهارة صفة ملازمة لهم لآية التطهير في قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33)، وفي الخبر الصحيح عن الريان بن الصلت، قال: حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو… فقال المأمون: من العترة الطاهرة؟

فقال الرضا (عليه السلام): «الذين وصفهم الله في كتابه فقال (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وهم الذين قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): إنِّي مخلِّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يفترقا حتَّىٰ يردا عليَّ الحوض…»(41).

النقطة الثانية: نهج آل الرسول:

يكون المدار في هذه النقطة علىٰ ثلاثة موارد رئيسية لإيضاح حقيقة المنهج الرسالي لآل البيت (عليهم السلام)، وأكتفي بهذه الموارد تاركاً الإطالة إلىٰ أُمَّهات المراجع والمصادر.

المورد الأوَّل: في القرآن الكريم:

من القراءة والتلاوة وأحكام القراءة والتلاوة والتفسير والتأويل والتدبُّر والتفكُّر والفهم والبيان والبلاغة والبديع والمعاني ومعرفة علوم القرآن ظاهراً وباطناً محكماً ومتشابهاً من الآيات والسور والأجزاء والأحزاب وأسباب النزول والإعراب وإلىٰ غير ذلك، فلا مفسِّر ولا مبيِّن ولا شارح ولا موضِّح عام وخاص مطلق ومقيّد مجمل ومبيّن إلَّا هم، أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويدلنا علىٰ ذلك بعض النصوص، وكما يلي:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «نحن ولاة أمر الله وخزّان علم الله وورثة وحي الله وحملة كتاب الله…»(42).

وقال (عليه السلام): «نحن جنب الله تعالىٰ عن صفوة الله نحن أُمناء الله، نحن مستودع مواريث الأنبياء…»(43).

فمن هنا نريد أن نسلِّط الضوء علىٰ منهج آل الرسول القرآني عن طريق إيضاح بعض من آيات الذكر الحكيم، وبيان الكيفية والآلية والمنهج المتَّبع في التعامل مع هذه النصوص تفسيراً وتأويلاً، فمن خلال فهم هذه الآلية والمنهج القرآني ممكن أن نفهم الآلية والمنهج المتَّبع مع أتباعهم ومحبِّيهم، بل مع سائر المسلمين، سوف نقف علىٰ بعض أعتاب هذا المنهج وكما يلي:

الأوَّل: التدبُّر والتفكير:

والتدبُّر: وأصلها آخر الشيء وخلفه، دبر الأمر وتدبُّره، أي نظر في عاقبته وعرف الأمر تدبُّراً أي بآخره، فنتدبَّر الكلام أي النظر في أوَّله وآخره ثم أعاد النظر مرة بعد مرة(44).

يقصدون به إطالة النظر في آيات القرآن الكريم للوصول إلىٰ المعاني السامية من دلالات الكلام في القرآن الكريم، لذا فقد عرَّفوه بأنَّه التفكُّر الشامل الواصل إلىٰ أواخر دلالات الكلام ومراميه(45).

والتفكُّر: تردُّد القلب في الشيء، يقال: تفكَّر إذا ردَّد قلبه معتبراً(46).

وفي الاصطلاح: إعمال الفكر للنظر في الشيء للوصول إلىٰ حقائق الأشياء وجواهرها، ومنها آيات القرآن الكريم(47)، فمرادهم من التدبُّر والتفكير والفهم القرآني علىٰ ما ذكرته الروايات والآيات هو الحث علىٰ معرفة ألفاظ ومعاني آيات القرآن والتأمُّل بها لمعرفة كلام الله، قال الإمام (عليه السلام): «ألا لا خير في علمٍ ليس فيه تفهُّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبُّر»(48).

قال تعالىٰ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ * إِنَّهُ عَلىٰ رَجْعِهِ لَقادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَىٰ السَّرائِرُ * فَما لَهُ مِنْ…﴾ (الطارق: 5)، هي دعوة حقيقة صادقة من قبل الله تبارك وتعالىٰ إلىٰ الإنسان بأن يتفكَّر بخلق الإنسان في أصل خلقته من أين يتكوَّن ومن أين يخرج.

وعن الحثِّ في التدبُّر لآيات الله تعالىٰ قول منقول عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: (حدَّثنا من كان يقرئنا من الصحابة أنَّهم كانوا يأخذون من رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) عشر آيات فلا يأخذون العشر الأخرىٰ حتَّىٰ يعلموا ما في هذه من العلم والعمل)(49)، أي لا يأخذون الأخرىٰ حتَّىٰ يتدبَّروا الأولىٰ.

الثاني: معرفة أحكام القرآن:

وقد دوّنت أنامل الفقهاء والعلماء والمختصين في الشأن القرآني، عدداً من المصادر والمراجع(50)، لها الأثر المبارك في شرح وإيضاح هذه الأحكام التي يترتَّب عليها الكثير من المسائل، لهذه الأحكام والمعرفة والتدبُّر بها استنباط لها من قبل الفقهاء – العلماء، لأجل الوصول إلىٰ الحكم الشرعي من هذه الآيات والسور، وهذه الأحكام القرآنية كثيرة ومتنوّعة من قبيل الأحكام الاعتقادية والعقائدية والأحكام الشرعية كالمعاملات والعبادات والحدود وغيرها من الأحكام التي تنظِّم العلاقات الإنسانية بين المسلمين، وكلمة أحكام من الحكم إلَّا أنَّها لها عدَّة معاني كالعلم والتفقُّه والقضاء في الشرع(51)، وتعد معرفة أحكام القرآن من مقاصده الأساسية لضرورة كون معناها الاصطلاحي خصوص ما جاء في القرآن من الأحكام الشرعية بالمعنىٰ الأصولي الفقهي(52).

ولعلَّ من أهم أسباب التفكُّر والتدبُّر والحثّ علىٰ معرفة الآيات القرآنية فضلاً عن السور؟ هو ما ورد في فضل هذا التدبُّر والتفكُّر في القرآن الكريم والسُنَّة المطهَّرة، فمن القرآن قوله تعالىٰ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله): 24).

والمروي عن زين العابدين (عليه السلام) قوله: «آيات القرآن خزائن، فكلَّما فتحت خزينة لينبغي لك أن تنظر ما فيها»(53).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الله تبارك وتعالىٰ أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتَّىٰ والله ما ترك شيء يحتاج إليه العباد حتَّىٰ لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن؟ إلَّا وقد أنزله الله فيه»(54).

ومحلّ كلامنا من أنَّ منهج العترة الطاهرة من حثّ المسلمين علىٰ تدبُّر القرآن والتفقُّه فيه ومعرفة أحكامه هو كون القرآن الكريم تبيان لكلِّ شيء لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، لضرورة كونه الدستور الأوحد الذي جعله الله للمسلمين بإيضاحه وتبيانه وشرحه بسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وعترة أهل بيته، فهو الهادي والمرشد الأمين، ويمكن إضافة أهمية أخرىٰ لهذا التفكُّر والتدبُّر القرآني؟ هو استفادة الإنسان المسلم المكلَّف من قدرات عقله العلمية والمعرفية في التعرُّف علىٰ قدرات الله تبارك وتعالىٰ وعظمة خلقه وما صنع من الطبيعة في الأرض ومن خلق السماء ورفعها دون عمد، فإنَّ التدبُّر والتفكُّر يقوي الإيمان ويثبت التقوىٰ في النفس، ومن خلالها يشكر الإنسان ويحمد الله علىٰ ما هو فيه من نعمة وآلاء، ومن نعمة آلائه خلق الإنسان في أحسن تقويم، قال تعالىٰ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4).

الثالث: التفقُّه في آياته:

ونعني بها آيات الأحكام التي هي المحور الأكثر أهمية لهذا التدبُّر، لما يتوقَّف عليها الكثير من مسائل الحلال والحرام (الواجب والمحرَّم والمستحب والمكروه والمباح)، ويرىٰ بعض المختصين في الفقه القرآني من الفقهاء أنَّ أهمية البحث في هذه المسائل يمكن إيضاحها من عدَّة جهات، وكما يلي:

واحد: كلام الله تعالىٰ:

الآيات القرآنية المبحوثة في هذه النقطة هي كلام الله تبارك وتعالىٰ، وهي نور وهدىٰ يسترشد بها وإليها كل ضال وكل تائه، فالبحث في إيضاح كلام الله هو الفوز العظيم لقوله تعالىٰ: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (الرحمن: 2-4)، هنا كان الحث علىٰ التدبُّر والتفكُّر من أهم مقاصد آل البيت لهذه الحقيقة القرآنية.

قال الايرواني: (فمن جهة هو بحث عن كلام الله سبحانه وتدقيق في كلماته التي يستنار بها)(55)، ومحل الشاهد في كون البحث عن آيات الأحكام التفقُّه بها لكونها كلام الله.

اثنان: التفقُّه في الآيات:

ونقصد بها الاستنباط من آيات الأحكام علىٰ ما هو مقرَّر ومعروف من قبل الفقهاء في مجال استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، ولعلَّ القرآن الكريم بآياته المباركة هو الركن والدليل الأوَّل لها، لذا قال تعالىٰ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1).

ثلاثة: أنَّها تخص الأحكام الشرعية:

لذا يكون المقصود من التفقُّه في آيات الأحكام هو كل ما يختص بالأحكام الشرعية استدلالاً واستنباطاً (العبادات والمعاملات والأحكام كالحدود والقضاء وغيرها)، وسمِّي هذا العلم بفقه القرآن أيضاً، بمعناه الاصطلاحي لا بمعناه اللغوي حيث إنَّ المعنىٰ اللغوي للفقه هو الفهم، والاصطلاحي حيث إنَّه يطلق علىٰ كلِّ المسائل الفقهية التي تقع في قبال العقائد وحيث إنَّها أضيفت إلىٰ القرآن فيراد بها الآيات التي تحوي علىٰ الحكم الشرعي(56).

والآيات والروايات تدل وتحث علىٰ التدبُّر والتفكُّر بهذه الأحكام الشرعية، والالتفات لها ضرورة كونها تبيِّن حقائق كل المسائل والقواعد والقوانين الشرعية التي يرجع إليها المكلَّف، فمن هنا منهج آل البيت (عليهم السلام) في إمعان النظر في كلِّ آيات القرآن الكريم علىٰ حدٍّ سواء، لقولهم في ذلك قال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما من القرآن آية إلَّا ولها ظهر وبطن»(57).

ومن منهجهم أنَّهم يقولون اعرضوا كلامنا (الأحاديث والروايات) علىٰ آيات القرآن الكريم، فإن لم تكن موافقة فلا عبرة بها وارموا بها عرض الجدار، لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «خطب النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) بمنىٰ فقال: أيُّها الناس ما جاءكم عنِّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله»(58).

فالتفقُّه في الآيات والتدبُّر بها يدل علىٰ فهم المراد والمقاصد الشرعية منها لمعرفة أحكام الحلال والحرام والانتفاع بها، ويدلنا علىٰ ذلك بعض الآيات البيِّنات، قال تعالىٰ: ﴿… فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا…﴾ (التوبة: 122).

والمروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لوددت أنَّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتَّىٰ يتفقَّهوا»(59).

وعن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّه فِي دِينِ الله ولَا تَكُونُوا أَعْرَاباً فَإِنَّه مَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فِي دِينِ الله لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْه يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولَمْ يُزَكِّ لَه عَمَلًا»(60).

مسك ختام التفقُّه:

قال أستاذنا الايرواني: (إنَّ من الضروري للطالب الحوزوي أن يطَّلع قبل وصوله إلىٰ مرحلة الخارج علىٰ آيات الأحكام وما يمكن أن يستفاد منها في مجال الفقه ولو بشكل إجمالي ومضغوط ليتهيأ له في تلك المرحلة التوسُّع والبحث التفصيلي)(61).

المورد الثاني: في السُنَّة المطهَّرة:

مساهمة آل البيت (عليهم السلام) في إيضاح السُنَّة وشرحها وتبيانها والحفاظ عليها في الشريعة الغراء، من أهم أولويات نهجهم السوي وصراطهم القويم وطريقهم المستقيم، فلهم الدور الجوهري والأساسي في توضيح المسائل وتأسيس القواعد لضرورة كونهم عدل القرآن وأحد الثقلين الذين يكمل بعضهم البعض الآخر، فهم المرجعية العليا للمسلمين في زمن الرسول وبعده وهم أئمة المسلمين في كلِّ زمان ومكان، وهذا مما اتَّفقت عليه كلمة الإسلام والمسلمين، لذا فإنَّهم حفظوا الحديث وحافظوا عليه حتَّىٰ طبعه الله في صدورهم وأصبحوا يعرفوا بأئمة المسلمين، ولنا علىٰ ذلك شواهد من الآخرين:

الأوَّل: قال أحمد بن حنبل: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) من الفضل ما جاء لعلي (عليه السلام))(62).

الثاني: قول الشافعي في حقِّ الإمام زين العابدين: (هو أفقه أهل المدينة، وعن الذهبي قوله: كان له جلالة عجيبة وحق له والله ذلك فقد كان أهل للإمامة العظمىٰ لشرفه وسؤدده وعلمه وتألهه وكمال عقله)(63).

الثالث: قول الجاحظ في حقِّ الإمام الباقر (عليه السلام): (هو سيد فقهاء أهل الحجاز ومنه ومن أبيه جعفر تعلم الناس الفقه وهو الملقب بالباقر، لقَّبه به رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ولم يخلق بعد…)(64).

أصبح لزاماً علينا إيضاح -المنهج العلمي- لأئمة آل البيت (عليهم السلام) في حفظ السُنَّة وتوضيحها وإيضاحها وردّ الشبهات عنها والدفاع لها؟ وفق منهج مستقيم، وكما يلي:

المنهج الأوَّل: حفظها في صدور المسلمين:

بناء الجماعة الصالحة منذ زمن الرسالة المحمدية حتَّىٰ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) كان من أولويات الفكر الإمامي الاثنا عشري، لضرورة الحفاظ علىٰ الجو العام من جهة والاهتمام بالإرث الإمامي من جهة أخرىٰ حتَّىٰ عرفوا في زمن أمير المؤمنين بحواريي علي (عليه السلام) وكذلك عرفوا بشيعته وأهل الإجماع والعصابة والسفراء والنواب العدول، فكانت من أولويات منهجهم الحفاظ علىٰ السُنَّة والاهتمام بها وتطبيقها والعمل بها.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادىٰ منادٍ: أين حواري محمد بن عبد الله رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر، ثم ينادي منادٍ: أين حواري علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وصي رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فيقوم عمرو ابن الحمق ومحمد ابن أبي بكر وميثم التمار مولىٰ بني أسد وأويس القرني، قال: ثم ينادي المنادي… فهؤلاء المتحورة أو السابقين وأوَّل المقرَّبين وأوَّل المتحورين من التابعين)(65).

فما كان الهدف الأسمىٰ من بناء الجماعة الصالحة، إلَّا لهذه الوظيفة العظيمة لحفظ الأحاديث الشريفة والروايات المباركة في صدور الصحابة والتابعين، والمحافظة عليها وتناقلها بين الموالين والتابعين لهم في نشر الدين الحنيف والأخذ من شريعة سيد المرسلين، وحديث أو رواية السياط علىٰ الرؤوس بين يديك، فهو يدلّل صراحة علىٰ شدة خطاب الإمام لأصحابه من المتفقِّهين دون غيرهم، لما للفقه والتفقُّه من الأثر البالغ علىٰ عوام الشيعة والموالين لقوله (عليه السلام): «سارعوا في طلب العلم، فوالذي نفسي بيده، لحديث واحد في حلال وحرام تأخذه عن صادق خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة»(66).

المنهج الثاني: العمل بها (تطبيقها):

وهذا لا يتم إلَّا عن طريق تطبيق المنهج الرسالي علىٰ أرض الواقع، وقد ظهر هذا النهج بشكل لافت للنظر في أمرين أساسيين، وكما يلي:

الأمر الأوَّل: بعد وفاة الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله):

فلا مفسِّر ولا شارح ولا موضِّح ولا مبيِّن للقرآن الكريم والسُنَّة النبوية بعد رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) غير أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم حبل الله المتين وقرآنه الناطق.

الأمر الثاني: بعد الغيبة الكبرىٰ:

وقد فوض الأمر إلىٰ الفقهاء العدول الذين هم علىٰ نهج آل الرسول، وهو مورد بحثنا المبارك الذين ترجع إليهم الموالين والتابعين وهم الذين يعرفون بالمراجع لرجوع الناس لهم، في الإفتاء والحكم والقضاء، وتطبيقها، أي: (السُنَّة) علىٰ منهج آل البيت، يمكن إيضاحه، بما يلي:

التطبيق الأوَّل: بيان المفاهيم القرآنية:

قال السبحاني: (تبيين مفاهيم القرآن الكريم وحل معضلاته وبيان مقاصده، وهذا هو من أبرز وظائف النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)…)(67)، وبالأولوية القطعية يكون الإمام مبيِّن وشارح لمقاصد القرآن ومداليله.

ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44).

ومرادهم من المفاهيم القرآنية، القواعد والمصطلحات والدلالات بأنواعها التي استعملت في آيات القرآن والسور، التي كان الغرض منها بيان الحقائق العقائدية والاعتقادية والإيمانية والأخلاقية، والتي تعتبر ذات أبعاد ودلائل إلهية ربانية، تختلف شكلاً ومضموناً عن معانيها اللغوية والاصطلاحية، لذا فإنَّ من أهم برامج منهجهم هو بيان هذه الدلالات والمفاهيم عن طريق شرحها وتوضيحها وتبيانها، وأكثر هذه الإيضاحات تكون إمَّا عن طريق السؤال المباشر أو عن طريق الوكلاء والمعتمدين من قبلهم، الذين تمَّ تنصيبهم من قبل الإمام ليكونوا حلقة الوصل بينهم حتَّىٰ عرفوا برواة الحديث والجماعة الصالحة أو العصابة، أو السفراء.

التطبيق الثاني: بيان الأحكام الشرعية:

والمقصود بالأحكام الشرعية، التشريعات التي جاءت بها رسالة السماء في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) في قرآنه الكريم والسُنَّة النبوية الشريفة المفسّرة والموضّحة لهذه الأحكام من العبادات والمعاملات ومسائل العقيدة والاعتقاد، فالسُنَّة المباركة والروايات ما كانت إلَّا لكونها تبيان لهذه الأحكام، فمعرفة الأحكام التكليفية من الواجب والمندوب والمحرَّم وغيرها، وكذلك الأحكام الوضعية من الصحة والفساد والشرط والمانع، لا يكون إلَّا بإيضاحها وشرحها؟

فمن المسؤول عن إيضاح هذه الأحكام وتبيانها، هم أهل الذكر الذين أوجب الله تعالىٰ علينا بالرجوع لهم والأخذ منهم لقوله تعالىٰ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43؛ الأنبياء: 7).

فهم أهل البيت (عليهم السلام)، ويدلنا علىٰ ذلك قول الإمام الباقر (عليه السلام): «نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون»(68).

والمروي عن جابر الجعفي، قال: لما نزلت الآية ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال علي (عليه السلام): «نحن أهل الذكر»(69).

وقد فسَّر الذكر بالقرآن الكريم وأهله عطف عليه فهم أهل الذكر في كتاب الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) والمروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قوله: «الذكر أنا والأئمة أهل الذكر»(70)، وفي قوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (الزخرف: 44)، قال الإمام الباقر (عليه السلام): «نحن قومه ونحن المسؤولون»(71).

المنهج الثالث: الدفاع عنها:

ومعنىٰ الدفاع عن السُنَّة المطهَّرة، حمايتها وصونها من الانحراف والطعن وردّ الشبهات ورفعها بإقامة الحجة والدليل القاطع والبرهان الساطع علىٰ حجيَّتها وعلىٰ كونها المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم بإجماع المسلمين، فالدفاع عنها نصراً عزيزاً للإسلام والمسلمين، نصراً لشريعة سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وهذا يمكن تحقيقه بعدَّة أساليب، وكما يلي:

الأوَّل: التمسُّك بها:

من قبل المسلمين وعلىٰ جميع المستويات، بشرط صحَّتها وقبولها عند علماء الحديث والرجال، دون غيرها من الضعيفة والشاذة والنادرة، فلا يصح الأخذ عنهم إلَّا ما كان محقّقاً ومنقّحاً، عند العلماء، لضرورة ترتُّب الآثار الشرعية عليها، فمن هنا يكون الأمر بتطبيقها علىٰ جميع المستويات وفي جميع أبواب الفقه والأصول وغيرهما.

الثاني: الرد علىٰ الشبهات:

تعني رفع وإزالة الشكوك والشبهات التي تلتبس علىٰ العقل، فتوهن الإيمان وتضعفه فيلتبس عليه الحق مع الباطل، فهو الخطر الأكبر والأعظم في الإسلام، لذا فإنَّ الشبهة معناها هو ما التبس أمره من حقٍ أو باطل، سواء كان حراماً أو حلال(72)؟

وأغلب هذه الشبهات تكون في العقيدة والدين، حيث الأفكار الضالة المنحرفة المضلة في أصول الدين وفروعها، والسؤال المنهجي: كيف رد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) علىٰ شبهات المغرضين والمضللين من أهل الكفر والزندقة والإلحاد؟ المعروف بين المسلمين أنَّ المنهج العلمي والعملي المتَّبع من قبل أئمة المسلمين محمد وآله الطيبين الطاهرين كان بطريقين وكما يلي:

الطريق الأوَّل: المنهج العلمي:

كما فعل الإمام الرضا (عليه السلام) مع علماء المذاهب الإسلامية وأهل الملل والنحل وأهل البدع والكفر والزنادقة بإقامة الدليل الشرعي من كتاب الله وسُنَّة نبيِّه، بعد تفكيك وإيضاح الشبهات ومناقشتها وتفنيدها وردّها علىٰ أصحابها، ومثال ذلك: مناظرة الإمام الجواد (عليه السلام) علىٰ إثبات الإمامة عن طريق المحاورة والمناظرة؛ قال الراوي: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): إنَّهم يقولون في حداثة سنِّك، فقال: «إنَّ الله تعالىٰ أوحىٰ إلىٰ داوود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعىٰ الغنم، فأنكر ذلك عبَّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحىٰ الله إلىٰ داوود أن خذ عصىٰ المتكلِّمين وخذ عصىٰ سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة فأخبرهم داوود فقالوا لقد رضينا وسلمنا»(73).

الطريق الثاني: المنهج العقلي:

علىٰ ما هو معروف أن يكون العقل هو الأداة الأساسية للرد علىٰ الشبهات وإقامة الحجة والبرهان به، لعدم قناعة المشككين في الرد علىٰ شبهاتهم بالأسلوب الأوَّل، والمهم في هذا المنهج أنَّه مكمل للمنهج العلمي اللفظي، فيكون خطابه ومنهجه متوجِّهاً إلىٰ أصحاب العقول بإقامة الحجة والبرهان العقلي، وأنَّ عمدة هذا المنهج لا يكون معارضاً للمنهج العلمي وإنَّما يكون موافقاً ومكملاً له، وذلك لضرورة استعانة المنهج العقلي بالقرائن القطعية والمؤيِّدات الخارجية لفهم النصوص والمسائل، ومثاله: الكثير من المسائل الفلسفية والمنطقية والعقائدية.

الفصل الثالث: نهج الفقهاء العدول:

وفي هذا الفصل يكون البحث عن ثلاثة أمور، وكما يلي:

الأوَّل: بيان أهمية التفقُّه:

الثاني: موارد استعمال العدول:

الثالث: منهجهم:

الأوَّل: بيان أهمية التفقُّه:

الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلَّتها التفصيلية(74).

وموضوع الفقه: أفعال المكلَّفين من حيث الاقتضاء والتخيير وأوصاف الأفعال والتروك(75). فعلىٰ ضوء ما تقدَّم يكون المراد من الفقيه في الفقه هو ما يفهمه من الأحكام الشرعية الفرعية حتَّىٰ يستنبط منها حكماً شرعياً.

وفي الاستعمال القرآني لكلمة الفقهاء: لم نعثر في المصادر والمراجع القرآنية كالتفسيرية أو لعلوم القرآن الأخرىٰ، أي أثر لكلمة الفقهاء وإنَّما توجد بعض الاشتقاقات من قبيل يفقهون وتفقهون ويفقهوه ونفقه وليتفقهوا كما في قوله تعالىٰ: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١٢٢).

فيكون المراد من الفقهاء هم الذين يعرفون أحكام الدين وقواعده وهم التي عبرت عنهم الآية بقوله تعالىٰ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا(76)، ومن المصطلحات العلمية التي يكون معناها مطابقاً لمعنىٰ الفقهاء من قبيل (الراسخون في العلم، أولي الأمر) وهنَّ مرادفات لمعنىٰ الفقهاء، وقد دلَّت علىٰ ذلك عدداً من الآيات المباركة، من قبيل: (سورة فاطر 28، وسورة التوبة 22، سورة آل عمران 7 و18، وإلىٰ غير ذلك).

وتبدو أهمية الفقهاء واضحة الآثار والدلالة عند المسلمين لضرورة كونهم ورثة الأنبياء وترجمان وحي الرسالة المحمدية من بعد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لذا فإنَّ بعض الروايات وصفتهم بحملة الشريعة الإسلامية فيهم تترجم الروايات وتفهم النصوص لكونهم المستنبطين منها الأحكام الشرعية وبهم تحفظ الآثار وتكشف الأسرار والفقهاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة في باب العلم والتعلُّم، ولكنَّنا نتبرَّك باثنين منها، وكما يلي:

الرواية الأولىٰ: الفقيه كل الفقيه:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الفقيه كل الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله»(77).

الرواية الثانية: رواية البصيرة:

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «تفقَّهوا في دين الله فإنَّ الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلىٰ المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا»(78).

الثاني: موارد استعمال العدول:

تقدَّم معنىٰ العدالة، ونريد هنا التأكيد علىٰ أنَّ العدول له معاني متعدِّدة، فهو مصطلح يلحق غالباً بالإضافة إلىٰ عددٍ من المصطلحات الفقهية من قبيل الفقهاء العدول والحكام العدول والشهود العدول وإلىٰ غير ذلك. لذلك فإنَّ تعريف العدالة والعدول عند الفقهاء متعدِّد تبعاً لاستعماله وقد يكون لهذا التعدُّد معنىٰ واحد(79)، كون المسلم مستقيماً في قوله وفعله وعمله وجميع تصرُّفاته، ومن بين هذه التعاريف ما يلي:

قال الجاحظ: (استعمال الأمور في مواضعها وأوقاتها ووجوهها ومقاديرها من غير سرف ولا تقصير)(80).

وعند علمائنا له معنيان، وكما يلي:

المعنىٰ الأوَّل: العقائدي:

ونقصد به أصل من أصول الدين والذي يعرف بالعدل الإلهي، والذي نعني به تنزيه الله تعالىٰ من فعل القبائح أو الظلم أو الإخلال بالواجب أو تكليف البشر بما لا يطبقون أو العقوبة من دون ذنب تعالىٰ الله علوًّا كبيراً(81).

قال العلامة: (اعلم أنَّ هذا الأصل العدل عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً وبدونه لا يتم بشيء من الأديان)(82).

وأمَّا أصل العدل هو الاعتقاد بأنَّ الله عادل بالعدل، الذي هو مقابل الظلم والجور، أي لا يفعل القبيح ولا يترك ما ينبغي فعله، فكل خلق أو رزق أو عطاء أو منع صدر منه هو لغاية وهدف وإن لم يعلم الإنسان(83).

المعنىٰ الثاني: الفقهي:

وهي غالباً ما تتعلَّق بالأفراد والأشخاص لبيان استقامتهم الشرعية، وغالباً ما تتعلَّق بالمناصب الفقهية كما في إمام الجامع والمسجد، وكذلك بالنسبة للمتصدين للمناصب الفقهية كالاجتهاد والمرجعية وولاية المسلمين وهكذا.

والذي يمكن ملاحظته أنَّ العدالة ملكة نفسانية تكون راسخة في الإنسان المسلم السوي المستقيم والتي تؤدِّي به إلىٰ الاستقامة والطاعة والصواب علىٰ جادة الشريعة، حتَّىٰ تمكنه من اجتناب كل ما من شأنه معصية الله تعالىٰ في ارتكاب القبائح والذنوب والمعاصي كبارها وصغارها، وهذا ما يوافق الرؤية الفقهية للسيد السيستاني (دام ظله) حيث قال: (الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة الناشئة غالباً من خوف راسخ في النفس، وينافيها ترك واجب أو فعل حرام من دون مؤمن ولا فرق في المعاصي في هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة وترتفع العدالة بمجرَّد وقوع المعصية وتعود بالتوبة والندم)(84).

المشهور عند فقهاء الإمامية اشتراط مجموعة صفات أساسية في مراجع التقليد منذ زمن غيبة إمامنا (عجَّل الله فرجه) في غيبته الصغرىٰ إلىٰ يومنا هذا، والعدالة منها حتَّىٰ أصبحت صفة لهم تلازمهم لا تنفك عنهم عرفوا بها وتميَّزوا عن غيرهم من أجلها وأصبحوا يعرفون بالفقهاء العدول.

قال السيد الخوئي (قدّس سرّه): (تثبت عدالة المرجع في التقليد بأمور: الأوَّل: العلم الحاصل بالاختبار أو بغيره، الثاني: شهادة عادلين به… الثالث: حسن الظاهر المراد به حسن المعاشرة والسلوك الديني…)(85).

الثالث: منهج الفقهاء:

قال تعالىٰ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: 21).

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إلَّا أنَّ مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق وهوىٰ»(86).

فمنهجهم الاقتداء والتمسُّك بهم لضرورة كونهم الأسوة والقدوة الحسنة، وهم سفن النجاة التي من ركبها نجا وفاز فوزاً عظيماً، فهم الأُمناء علىٰ شرع الله والأدلّاء عليه، وهم حبل الله المتين، والفقهاء العدول هم العلماء الذين يخشون الله سراً وعلانيةً، أنَّ العلماء بالمنطق القرآني ليسوا أولئك تحوَّلت أدمغتهم إلىٰ صناديق للآراء والأفكار المختلفة… بل أنَّ العلماء هم أصحاب النظر الذين أضاء نور العلم والمعرفة كل وجودهم بنور الله والإيمان والتقوىٰ والذين هم أشد الناس بتكاليفهم مع ما يشعرونه من عظم المسؤولية إزاءها(87).

وخير من يمثِّل نهج الإسلام والمسلمين هم الأُمناء الأدلّاء فقهاء الدين، فقد تمسَّكوا بكتاب الله العظيم تفكُّراً وتدبُّراً وعلماً وعملاً به، موضِّحين لأحكامه شارحين لآياته، لذا فإنَّهم تفقَّهوا في الدين وعرفوا حلال وحرام ربّ العالمين فقد جعلوا القرآن نبراساً ومنهجاً وقدوة، فأوَّلوا الاهتمام به وبكلِّ ما لحق إليه من العلوم والمعارف القرآنية وعلم آيات الأحكام (التفقُّه في القرآن) خير شاهداً ودليل علىٰ ذلك، فما من متصدِّي من الفقهاء ما لم يكن عالماً وعارفاً ومتفقِّهاً بآيات الأحكام وأمَّا تمسُّكهم بنهج العترة وبالأحاديث والروايات الشريفة فهي لا تقل أهمية عن العدل الأوَّل (القرآن الكريم) فالمنزلة واحدة في التشريع لحديث الثقلين والكساء، فمن هنا يكون انطلاق هذا المورد في إيضاح منهج الفقهاء العدول التي ذكرت الآيات والروايات علىٰ أنَّهم الخلفاء والأُمناء والأدلّاء إلىٰ الله تعالىٰ وعلىٰ سُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) وهم حلقة الوصل بين الإمام (عجَّل الله فرجه) وأتباعه في الغيبة الصغرىٰ والكبرىٰ، وقد أُمروا باتِّباع الرسول وأهل بيته، فامتثلوا لهم وانتهوا عما نهو عنه لقوله تعالىٰ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ…﴾ (الحشر: 7)، فمنهجهم سوي وطريقهم مستقيم قائم علىٰ أساس الأخذ والاقتداء بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) ويؤيِّد كلامنا قول الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّ الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة المتمسِّك بسُنَّة النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)…»(88)، وإيضاح منهجهم يكون بذكر الشواهد الأكثر وضوحاً بين عامة الناس، وكما يلي:

المنهج الأوَّل: التمسُّك بالمنهج القرآني:

وعلوم آيات الأحكام والذي يعرف بفقه القرآن بين يديك، دلالةً ومعنىٰ، فما من فقيه من فقهاء الإسلام والمسلمين إلَّا وقد جعل القرآن وآياته مرجعاً لمعرفة الأحكام الشرعية حلالها وحرامها، عقداً وعقيدتنا أصولاً وفروعاً، فهم الذين يتدبَّرون القرآن ويتفكَّرون أحواله ويطبقون شرع أحكامه، بعد استنباط هذه الأحكام من تلك الآيات البيِّنات منطلقين من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «إنَّا لا نعد الفقيه منهم فقيهاً حتَّىٰ يكون محدثاً»(89).

والمروي عن الكشي عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من روايتهم عنَّا، فإنَّا لا نعد الفقيه منهم فقيهاً حتَّىٰ يكون محدثاً فقيل له: أو يكون المؤمن محدثاً؟ قال: يكون مفهماً والمفهم المحدث»(90).

والمحدث مصطلح حديثي رجالي يطلق علىٰ العلماء الذين يقومون بدراسة الحديث وجمعه وفحصه وتمحيصه من جهة السند ومعرفة متونها من جهة الدلالة، أو من يعمل بعلم الحديث رواية ودراية(91)، فيكون دوره مقتصراً علىٰ نقل الروايات والأحاديث من قبيل الشيخ الكليني والصدوق والطوسي وغيرهم، والفقيه هو كل من كانت له القدرة والقابلية علىٰ استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية(92)، فعلىٰ هذا تكون نسبة العموم والخصوص من وجه بينهما، فكل فقيه محدث لكونه عالماً وعارفاً بأسانيد الروايات ومتونها وله القدرة علىٰ فهم تلك النصوص واستنباط الأحكام الشرعية منها.

ويرىٰ الفقهاء العدول أنَّ التمسُّك بالمنهج القرآني لا يخلو من فائدتين أساسيتين لهما الدور الأكمل والأتم في الاعتناء والتدبُّر والفهم القرآني، وكما يلي:

الفائدة الأولىٰ: كونه كلام الله:

ونقصد به وحي إلهي قد نزل به جبرائيل (عليه السلام) علىٰ نبيِّنا محمد بن عبد الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وأنَّه محدث وغير مخلوق عند أئمتنا (عليهم السلام)، فهو قطعي الصدور، ظنّي الدلالة(93).

الفائدة الثانية: كونه مصدراً تشريعياً:

قال الايرواني: (ومن جهة أخرىٰ هو بحث عما يهم الفقيه ويرتبط به في مجال الاستنباط فإنَّ للفقيه ركنين يستند إليهما في المجال المذكور: كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وسُنَّة نبيِّه وأهل بيته الأطهار)(94).

فالعلاقة بين الفقهاء العدول والمنهج القرآني علاقة تدبُّر وتفقُّه واستنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم، الفقه القرآني أو فقه القرآن أو فقه آيات الأحكام أو أحكام القرآن، بحسب التسمية الموروثة فقه يتَّخذ من النص القرآني موضوعاً لدرايته ومرجعاً لاستنباط الأحكام الشرعية منه، فهو ملتقىٰ علمين إسلاميين اثنين أحدهما تفسير القرآن الكريم وثانيهما علم الفقه القرآن(95)، وعلاقة الفقهاء بالمنهج القرآني لم تكن مخصوصة علىٰ الاستنباط والاستدلال الفقهي، بل الأمر أكثر من ذلك كما في التفسير والتأويل معرفة أصول الدين وفروعها فيأخذون الأصول من تلك الآيات المتعلقة بالعقيدة والاعتقاد من خلال تفسيرها أو تأويلها ويدلّنا علىٰ ذلك، قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1-4)، والتي يعتبرها الفقهاء أعلىٰ مراتب التوحيد في ذات الله فضلاً عن صفاته، التي تدل علىٰ نفي النظير والشبيه والعديل والشريك، فمن هنا استفاد الفقهاء علىٰ أنَّ من الأدلة علىٰ أصل الدين سورة الإخلاص بكلِّ آياتها المباركة، وقد عرفت هذه السورة بالتوحيد لضرورة كونها التوحيد بعينه من دون إقامة الحجة والبرهان في الاستدلال، ومن أدلة فروع الدين المستفاد من الآيات البيِّنات، قوله تعالىٰ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَىٰ الْخاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)، قوله تعالىٰ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)، فالمستفاد من هاتين الآيتين الصوم الذي هو بمعنىٰ الصبر والصلاة وكذلك الزكاة، وهنَّ أعظم الواجبات في فروع الدين الحنيف، وإقامة الحدود والحكم والقضاء هو المستفاد أيضاً من الآيات البيِّنات الدالة علىٰ ذلك لقوله تعالىٰ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما…﴾ (المائدة: 38)، وقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ…﴾ (المائدة: 33)، فالمنهج الفقهي لفقهائنا العدول وعلاقة القرآن الكريم نابع من أُسس علمية رصينة، من قبيل:

الأساس الأوَّل: كونه المصدر الرئيسي الأوَّل للتشريع.

الأساس الثاني: كون القرآن بجميع سورة وآياته حاكماً ومقدماً علىٰ مصادر التشريع الأخرىٰ.

الأساس الثالث: استنباط الأحكام الشرعية.

الأساس الرابع: بالإضافة إلىٰ ما تقدَّم والأهم أنَّ القرآن الكريم كلام الله المنزل علىٰ نبيِّه المرسل المنقول إلينا بالتواتر.

المنهج الثاني: التمسُّك بالمنهج الروائي:

ونقصد بالمنهج الروائي هو الأخذ والاعتماد بشكل كلِّي أو جزئي بالروايات والأحاديث الشريفة الصادرة عن أئمة آل البيت (عليهم السلام) جميعاً قولاً وفعلاً وتقريراً لبيان الأحكام الشرعية وتوضيح المقاصد الفعلية من الآيات القرآنية، لأنَّهم المفسِّرون والمبيِّنون والموضِّحون لهذه الآيات القرآنية، فهم الأدلّاء عليهنَّ والساعون إلىٰ شرحهنَّ والعاملون بهنَّ، لضرورة كونهم الراسخون بالعلم، بل هم أولوا العلم، فمن هنا تمسَّك فقهاؤنا العدول منذُ زمن الغيبتين إلىٰ يومنا هذا بهذا المنهج السوي والطريق المستقيم، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: 12).

وجاء في الأثر المبارك المروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار أنَّ الإمام المبين هو أمير المؤمنين (عليه السلام) لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن أبي الجارود عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه عن جدِّه (عليهم السلام): ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾، قام أبو بكر وعمر عن مجلسهما فقالا: يا رسول الله هو التوراة؟ قال: «لا»، قالا: فهو الإنجيل؟ قال: «لا»، قالا: فهو القرآن؟ قال: «لا»، قال: فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «هو هذا، إنَّه الإمام الذي أحصىٰ الله تبارك وتعالىٰ فيه علم كلّ شيء»(96)، لذا اقتدىٰ فقهاؤنا العدول تمسَّكوا بهم وتمسَّكوا بحبل مودَّتهم والأخذ عنهم ومنهم ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلىٰ طَعامِهِ﴾ (عبس: 24).

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «فلينظر إلىٰ علمه الذي يأخذه عمَّن يأخذه»(97)، فإنَّ الفقهاء يأخذون علومهم من هذه الأحاديث والروايات لضرورة كونهم منبعها ومنشأها ومصدرها الثاني بعد كتاب الله تعالىٰ، فهم مضانه ومستودع علمه ومقرّه والعاملون به والعارفون أحكامه(98)، ويدلنا علىٰ ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «سمعت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يقول: طلب العلم فريضة علىٰ كلِّ مسلم، فاطلبوا العلم من مضانِّه واقبسوه من أهله»(99)، والمنهج الروائي المتَّبع عند فقهاء الإمامية العدول يعرف بالاستنباط القائم علىٰ أصول الفقه، فما هو المراد من أصول الفقه.

قال الشيخ المظفر: (علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي)(100).

أو (العلم الذي يدرس فيه العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي)(101).

إذن منهج أصول الفقه من ناحية دراسته يبحث عن بعض القواعد والعناصر المشتركة والتي تعرف في علم الرجال أو الحديث بوثاقة الراوي أو الرواة، ومقصودهم في ذلك: وهي تشخيص الجرح والتعديل بحق رواة السند وبيان مذهبهم(102)، وأخرىٰ دلالةً والتي تعرف بمتن الرواية، ويكون المقصود من المتن هو: أو الدلالة أو نص ما قاله المعصوم (عليه السلام) والمعبّر عنه بالحديث أو الرواية الفعلية وتشمل جميع عبائر المتن التي قالها المعصوم ونقلها عنه الراوي(103)، فتكون هذه الروايات والأحاديث الشريفة خاضعة للدراسة والتحقيق والفحص والتمحيص من الناحية السندية والدلالية علىٰ كون سلسلة السند من الثقات العدول الحافظين في النقل بحيث تجتمع فيهم الشروط الموضوعة من قبيل علماء الرجال والحديث، والحال نفسه في تحقيق وتدقيق المتن من الناحية اللغوية والتأكد من سلامة النص، فعند التأكُّد من سلامة النصوص الروائية سنداً ومتناً، يبدأ المنهج العلمي الروائي للفقهاء العدول بتطبيق قواعد الأصول علىٰ هذه النصوص والتي تعرف اليوم بعملية الاستنباط والاستدلال الشرعي لهذه الروايات، فقبل البحث عن المنهج للفقهاء العدول في تطبيقه والتمسُّك به، لابدَّ من إيضاح بعض المصطلحات التي تتعلَّق بالمنهج الروائي، وكما يلي:

المصطلح الأوَّل: علم الرجال:

هو العلم الذي يبحث فيه عن قواعد معرفة أحوال الرواة من حيث تشخيص ذواتهم وتبيّن أوصافهم التي هي شرط في قبول روايتهم أو رفضها(104)، بمعنىٰ إخضاع الراوي إلىٰ التقييم في علم الرجال تقييماً يؤدِّي إلىٰ جرحه أو تعديله، مما يؤدِّي به إلىٰ توثيقه أو تضعيفه(105)، فتعديله تعني وثاقته وجرحه تعني عدم توثيقه.

المصطلح الثاني: علم الحديث:

(هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره)(106)، وعلم الحديث يكون معناه العلم الذي يعتني بنفس الحديث ضبطاً وتوثيقاً، فعلىٰ هذا الفرق واضح من كون علم الرجال يبحث أحوال الراوي وعلم الحديث يبحث في الحديث نفسه.

فكل ما تقدَّم من إيضاح كان الغرض منه أن يكون مقدمة لما ينبغي الوصول إليه من البحث العلمي وهو كيفية العمل بالمنهج الروائي من قبل فقهائنا العدول، وهذا يمكن إيضاحه، بما يلي:

الأمر الأوَّل: فحص وتمحيص وتدقيق الروايات:

بكلِّ ما يعني التدقيق والتحقيق للرواية علىٰ ما هو المعهود سنداً أو متناً، ولنا في السيد الخوئي أُسوة حسنة في هذا المضمار الرجالي حيث يعتمد في منهجه الرجالي الروائي علىٰ عدَّة أمور، من قبيل:

أوَّلاً: توثيق سند الرواية:

وهذ يظهر جلياً واضحاً في اعتماد الرواة العدول الثقات كما جاء في أسناد كتاب كامل الزيارات، ولا يختلف الحال مع تفسير علي بن إبراهيم القمي لكونه ثقة عند الخوئي إلَّا أنَّه في أواخر حياته الشريفة تراجع عن عدد من أسانيد كامل الزيارات بعد الفحص والتدقيق وكذلك في سند علي بن إبراهيم القمي(107)، علىٰ تفصيل في محلِّه.

ثانياً: الاعتماد علىٰ المبادئ الاجتهادية:

عن بعض أهل العلم قوله: (انتهج السيد أبو القاسم الخوئي في كتابه منهجين اثنين تميَّز بهما عمَّن سبقوه من المؤلفين في هذا المجال وهما: أوَّلاً: المبادئ الاجتهادية، فقد مزج بين القواعد التاريخية الموروثة في علم الرجال مع الاجتهاد الفقهي، فكان يخضع الرواة إلىٰ القوانين الفقهية)(108).

ولا يختلف الحال في تحقيق سند الروايات عند تلامذة السيد الخوئي وطلابه، وقد سار عن نهجه في التشدُّد السندي السيد السيستاني في كتابه تعارض الأدلة – تقريرات السيد هاشم الهاشمي(109)، وكذلك محمد آصف محسني في كتابه رجال الحديث(110).

ثالثاً: الاعتماد علىٰ مبدأ الاستقراء:

التام والشامل لجميع الروايات التي يرويها الراوي، ومعرفة عمَّن يروي وعمَّن يرونه عنه لمعرفة مدىٰ صحة انطباق المعايير والقواعد الرجالية عن هذا الراوي، وكذلك تقصِّي أحواله من الكتب الرجالية الأخرىٰ المعتمد عند علماء الإمامية كرجال الشيخ الكشي والنجاشي والطوسي، وقد اشترط علماء الرجال بعض الشروط العامة بالراوي من قبيل الإسلام والبلوغ والعقل، وشروط أخرىٰ خاصة من قبيل كون الراوي إمامياً اثني عشرياً عدلاً مستقيماً علىٰ جادة الشريعة ذو ضبط في حفظ الحديث أو الرواية واشتراط وثقاته، فإن لم يكن عدلاً تكفي وثاقته علىٰ مبنىٰ السيد الخوئي(111)، بأن يكون صادقاً في النقل، بالإضافة إلىٰ كون سند الرواة متَّصلة بالمعصوم (عليه السلام) من دون انقطاع في سلسلة السند.

الأمر الثاني: فقه الرواية:

وفقه الرواية دلالتها مفهوماً ومنطوقاً، أي ما يفهم منها من الحديث والرواية، وقد يعبّر عنها بنص الحديث نفسه وأخرىٰ بظاهر الرواية أو متنه(112)، ويعبّر عنها أيضاً بالدراية والتي تعني فهم المعنىٰ والإحاطة بكلِّ جوانبه(113)، فالمنهج المتَّبع من قبل الفقهاء العدول هو دراسة هذه النصوص الحديثة الروائية بشكل تفصيلي تحليلي يتناسب والذوق الفقهي للفقيه، لفهم معاني الدلالات اللفظية لهذه الروايات من حيث تعارضها أو حمل مقيّدها علىٰ المطلق أو جمعها أو الخاص علىٰ العام، وكذلك فإنَّهم يعتمدون علىٰ فهم هذه المتون من خلال فهم معناه اللغوي والاصطلاحي، وكذلك يمكن الاستفادة من سياق الكلام أو ما لحقه الروايات من القرائن الحالية أو مقالية، فقواعد الجمع العرفي هو الحل الأمثل للجمع بين الروايات المتعارضة ظاهراً، أو مبدأ التساقط عند التعادل والترجيح إذا كان التعادل مستقراً، فهذه كلّها من المنهج المتَّبع للفقهاء العدول في فهم النصوص الروائية، فلا يمكن الاكتفاء بظاهر الروايات في كتب الرجال والحديث من الأصول الأربع مائة أو الكتب الروائية الأربعة، والذي هو مبنىٰ المدرسة الإخبارية في الاعتماد والاكتفاء بظاهر الروايات(114)، والمدرسة الإمامية الأصولية لا ترىٰ الاكتفاء بظاهر النص الروائي وإنَّما تحتاج إلىٰ الفحص والتمحيص والتدقيق وهو منهج سار عليه جلّ فقهاء الإمامية، باتِّباع القواعد الأصولية والتي تعرف اليوم بمناهج الاستدلال لأصول الفقه.

فمنهج الفقهاء العدول هو الفهم والفقه والتدبُّر والتفكُّر سنداً ودلالةً، من دون الاعتماد علىٰ الرواية فقط، لفهم كلامهم (عليهم السلام) بطريقة صحيحة تتلاءم ومرادهم الجدِّي من الرواية وقد حثَّت الروايات علىٰ ذلك في التفقُّه والفهم لهذه النصوص الشرعية، ويدلّنا علىٰ ذلك بعض الروايات من قبيل ما يلي:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإنَّ رواة العلم كثير ورعاتهم قليل»(115).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حديث تدريه خير من ألفٍ ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتَّىٰ يعرف معاريض كلامنا»(116).

ومعارض كلام الأئمة (عليهم السلام) هو متون الأحاديث والروايات التي يتفقَّه فيها فقهاؤنا العدول، لذا لابدَّ أن نتعامل مع رواياتهم بطريقة علمية فقهية قائمة علىٰ أساس التفقُّه والتدبُّر وفهم كلامهم والأخذ به، لضرورة كونهم عدل القرآن ومبينين الأحكام.

الأمر الثالث: الاستنباط:

قلنا سابقاً: إنَّ علوم أصول الفقه هو القواعد الكلية التي يستعملها الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية الأربعة مع مساعدة عدد من العلوم الآلية الأخرىٰ، وهذا يعني الجهد والعمل المنظّم علىٰ أُسس رصينة ومتينة في استنباط الحكم الشرعي، فهو يتطلَّب المعرفة في أصول الفقه وبعض العلوم الأخرىٰ كعلم الرجال الباحث عن أحوال رجال الرواية والدراية وعلوم اللغة العربية، وكذلك القواعد الفقهية والتي من خلالها يتمكَّن الفقيه من استعمال هذه الأدوات مجتمعة للوصول إلىٰ الهدف الأسمىٰ والمنشود من عملية الاستنباط، فمن خلال ما يتم معرفته من الآيات المحكمات والمتشابهات ومن خلال معرفة قول المعصوم وفعله وتقريره، وكذلك معرفة آراء الفقهاء واتِّفاقاتهم والتي تعرف بالإجماع ونقصد به إجماع الطائفة أو إجماع المسلمين، ومن خلال ما حكم به العقل حكم به الشرع يكون الفقيه العادل مستنبطاً حكماً شرعياً يكون المراد الجدي لما جاءت به الآيات والروايات بعيد عن الرأي أو القياس أو ما تعرف بالمصالح المرسلة وغيرها لما وافق رأي المذاهب الإسلامية(117).

وتجدر الإشارة في الفقه الإسلامي الإمامي أنَّ باب استنباط الأحكام الشرعية مفتوح علىٰ مصراعيه لمن كان له القدرة والقابلية علىٰ الاستنباط لضرورة مواكبة قضايا العصر ومستحدثات المسائل الشرعية، فإنَّ التطوُّر الهائل والحاصل من جراء تقدُّم عدداً من العلوم الآلية الأخرىٰ كالأجهزة الدقيقة والمعدات الإلكترونية المتقدمة أصبحنا في حاجة ماسة لهذه التشريعات، فالأمر الذي جعل فقهاؤنا العدول من التصدِّي لهذه المستحدثات ومواكبة حركة التقدُّم العلمي بتطبيق القواعد الفقهية والأصولية لاستنباط الحكم الشرعي منها.

فالاستنباط لغة: من نبط وهو في اللغة بمعنىٰ استخراج الشيء(118).

وفي الاصطلاح: عملية استخراج الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية(119) أو يطلق الاستنباط علىٰ استخراج المعاني من النصوص(120).

قال السيد محمد باقر الصدر: (ولما كان علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط فهو يزوّد كلا الفرعين بعناصر المشتركة وعلىٰ هذا الأساس ننوِّع البحوث الأصولية إلىٰ نوعين: نتكلَّم في النوع الأوَّل عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثَّل في أدلة محرزة للحكم، ونتكلَّم في النوع الثاني… التي تتمثَّل في أصول عمليه)(121).

أمَّا مصادر الاستنباط عند علماء الإمامية علىٰ ما هو المقرَّر في أصول الفقه(122)، ما يلي:

المصدر الأوَّل: كتاب الله:

كلام الله المنزل علىٰ نبيِّنا محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) المرسل رحمة للعالمين بلسان عربي مبين وهو معجزة الرسالة الخالدة المنقول إلينا بالتواتر(123).

المصدر الثاني: السُنَّة المباركة:

هي قول وفعل وتقرير الرسول الأعظم (صلَّىٰ الله عليه وآله)(124)، أو الطريقة التي كان النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) يتحرَّاها في تنفيذ ما بعثه الله من الهدىٰ ودين الحق(125).

المصدر الثالث: الإجماع:

والمعبَّر عنه بالإجماع الدخولي الكاشف عن رأي المعصوم فيكون اتِّفاق الفقهاء الطائفة في هذه المسألة حجة(126).

المصدر الرابع: حجية العقل:

والعقل عند الشيعة الإمامية مصدر من مصادر التشريع وهو المناط الذي يدور عليه التكليف والثواب والعقاب وهو هبة الله للخلق والحجة الباطنة عليهم(127)، وهذه هي المصادر الشرعية المعتمدة عندنا علىٰ ما جاءت به الآيات والروايات الشريفة والتي يمكن الاستدلال عليهما بما حاصله.

حجية القرآن الكريم: قال تعالىٰ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١-42)، وقوله تعالىٰ: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩).

وأمَّا حجية القرآن من السُنَّة المباركة: قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنِّي تارك فيكم ما إنْ تمسَّكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنَّهما لن يفترقا حتَّىٰ يردا عليَّ الحوض»(128).

وأمَّا حجية السُنَّة المطهرة: قال تعالىٰ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ (النساء: ٨)، وقوله تعالىٰ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، ودلالة الآيتين واضحة كوضوح الشمس وأنَّها أمراً من الله تعالىٰ علىٰ طاعة رسوله الأمين (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وقد جعل طاعته تعالىٰ بطاعة رسوله، لذا فقد أوجب طاعته والأخذ عنه لكونه لا ينطق عن الهوىٰ، فهي المصدر التشريعي الثاني من بعد كتاب الله ولا حاجة لنا بذكر حجية الأدلة الأخرىٰ لاكتفاء المورد بالدليلين.

الرابع: آلية الاستنباط:

ونقصد بآلية الاستنباط في الفقه الإسلامي والمعبّر بالاستنباط الفقهي وهو استخراج الفقيه للأحكام الشرعية من الأدلة الأربعة المتقدمة، بعد تطبيق القواعد الكلية علىٰ فروعها والآلية المتَّبعة عند فقهاء الإمامية يمكن إجمالها بما يلي:

الآلية الأولىٰ: دراسة وتقييم السند الروائي:

عندما نتتبَّع السيد الخوئي في رجاله، نراه يقيم السند الروائي بإخضاعه إلىٰ عدَّة معايير علمية رجالية، من قبيل اشتراط عدالة الراوي، فضلاً عن وثاقته وحفظه وضبطه في جميع سلسلة السند انتهاءً إلىٰ المعصوم (عليه السلام)، وكذلك فإن يعتمد في توثيق الرواة علىٰ منهج مشايخ الثقات(129) المباشرون لأصحاب الأصول والكتب الرجالية، وكذلك فإنَّ مبناه الرجالي بأن يأخذ ويعمل بالتوثيقات العامة الرجالية ومبناه في كامل الزيارة وتفسير القمي واضح وجلي وإن حصل العدول في أواخر عمره الشريف عن ذلك الرأي(130) فضلاً عن عدم اهتمامه بشهرة السند أو المضمون، وكذلك في الإجماعات غير المحضة، إلَّا أنَّه يعتمد علىٰ القرائن القطعية التي تفيد العمل بها، كما وأنَّه لا يعمل بالروايات ضعيفة السند والمرسلة، علىٰ ما هو مقرَّر في رجاله(131)، لذا قال (رحمه الله): (لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شكَّ في أنَّ بعضها ضعيفة، بل أنَّ بعضها ضعيفة، بل أنَّ بعضها يطمئن بعدم صدورها من المعصوم (عليه السلام))(132).

ومن فقهائنا العدول المتشددين في السند الروائي السيد السيستاني، حيث يرىٰ عدم استفادة التوثيق لا للمشايخ ولا لغيرهم(133).

الآلية الثانية: تحليل النص الروائي (الدلالي):

يعتبر الاستدلال اللغوي من أهم القواعد الرجالية في تحليل النصوص والمتون الحديثية أو الروائية لما للغة العربية من مدخل رئيسي لإيضاح مفردات المتون علىٰ ما مقرَّر في علم الرجال، فبها يمكن إيضاح واستجلاء المعاني الحقيقية والمجازية من نفس المتن الروائي، وكذلك لابدَّ أن تكون دلالة الرواية أو متنها موافقة إلىٰ القرآن الكريم من حيث الهدف والروح علىٰ ما وصفه القرآن الكريم وليس علىٰ الموافقة مع ظاهر القرآن من الإطلاقات والعمومات، فهذا المقصود من الموافقة.

قال السيد السيستاني: (إنَّ المراد من الموافقة ليس هو الموافقة مع ظاهر القرآن كالموافقات مع إطلاقاته وعموماته، فإنَّ هذا ليس مقصوداً، بل المراد من الموافقات هو الموافقة من حيث الهدف والروح، أي بناءً علىٰ المخطط الذي وضعه القرآن لهداية البشر بلحاظ الجوانب الفردية والاجتماعية والدنيوية والأخروية، فإنَّ تلك الأهداف العليا المتمثِّلة بالقرآن لابدَّ أن يكون الخبر موافقاً معها أي يكون في امتداد ذلك الخط وعلىٰ ضوء نفس القواعد الأصولية)(134).

الآلية الثالثة: تطبيق القواعد الأصولية:

نقصد بها تطبيق القواعد الكبرىٰ الأصولية، القاعدة الفقهية علىٰ صغريات المسائل، لأجل استنباط حكمٍ شرعيٍ، وهذه التطبيقات يجريها الفقهاء العدول المجتهدين العاملين في حقول المعرفة الشرعية، من قبيل حجية خبر الثقة عند علماء الأصول وهي كبرىٰ كلية، ولأجل إثبات وثاقة الراوي لخبر أو نص معيَّن نقله لمسألة معيَّنة، من وجوب الفعل أو حرمته، وهو ما أثبته السيد هاشم الهاشمي الكلبيكاني عن المنهج الأصولي العلمي بقوله: (يتميَّز منهج السيد السيستاني في تطبيق القواعد الأصولية علىٰ صغريات بالدقة البالغة والتحليل المعمق حيث يرىٰ أنَّ المائز الأساسي للمجتهد يكمن في قدرته علىٰ تشخيص المصاديق الصغريات وإثبات انطباق القاعدة الكلية الكبرىٰ عليها بدلاً من الاكتفاء بالتطبيق السطحي أو الاستظهار العرفي)(135).

قال السيد محمد باقر الصدر: (إنَّ تطبيق القاعدة الأصولية الكبرىٰ علىٰ الرواية أو الآية الصغرىٰ يتطلَّب استحضار السياق التاريخي والنكات البلاغية والخصوصيات الموضوعية مما يجعل التطبيق جزءاً لا يتجزأ من عملية الاستنباط)(136).

ومثاله التطبيقي ما ذكره المظفر (قدّس سرّه) حيث قال: (إنَّ الصلاة واجبة في الشريعة الإسلامية وقد دلَّ علىٰ وجوبها من القرآن الكريم، قال تعالىٰ: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: 72]، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء: 103]، ولكن دلالة الآية الأولىٰ متوقِّفة علىٰ ظهور صيغة الأمر نحو ﴿أَقِيمُوا﴾ هنا في الوجوب ومتوقفة أيضاً علىٰ أنَّ الظهور العرفي حجة يصح الاستدلال به… فإذا علم الفقيه من هذا العلم أنَّ صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب وأن ظهور القرآن حجة استطاع أن يستنبط من هذه الآية الكريمة المذكورة أنَّ الصلاة واجبة)(137).

المنهج الثالث: إيضاح وبيان الأحكام الشرعية:

إيضاح وبيان الأحكام الشرعية من وظائف الفقيه وليس منهجاً له، ولكن من خلال مناهجهم واستعمال أدواتهم العملية المعروفة بأصول الفقه، التي تقع نتائجها علىٰ عهدة المكلّفين المسلمين البالغين؛ والتي تعرف بالأحكام التكليفية، والتي يترتَّب عليها الأثر من الصحة والفساد والتي تعرف بالأحكام الوضعية في العبادات والمعاملات والأحكام الأخرىٰ في باب القضاء والحدود والتعزير ونحوه، فالحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله تعالىٰ لتنظيم حياة الإنسان سواء كان متعلقاً بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرىٰ داخلة في حياته(138).

فالأحكام التكليفية معناها: (هو الحكم الذي تعلَّق بأفعال المكلَّفين مباشرة وبدون واسطة وبهدف تحريك المكلَّف أو منعه أو السماح له من قبل الله تعالىٰ بفعل معيَّن)(139)، وتتعلَّق هذه الأحكام بمختلف أبعاد الحياة البشرية سواء الاجتماعية منها أم العبادية أو الأُسرية إلىٰ ذلك(140).

وقد حدَّد الشرع الشريف هذه الأحكام إلىٰ خمسة من قبيل الواجب والمندوب والمكروه والحرام والمستحب(141)، فوظيفة الفقهاء العدول تبيين هذه الأحكام للمكلَّفين وإيضاحها من خلال الكتب العلمية والرسائل الفقهية ومسائل وردود وبالإضافة إلىٰ الاستفتاءات وبحسب الملاحظة أنَّ الحكم التكليفي له تقسيم آخر عند الفقهاء تعرف بأقسام الحكم التكليفي كالإجمالي والتفصيلي.

ويرىٰ بعض الأصوليين أنَّ الحكم التكليفي بشكل عام ينقسم إلىٰ إلزامي وغير إلزامي(142)، وإلىٰ ذلك القول ذهب مكارم الشيرازي بقوله: (وجوهر هذه الأقسام والأصل فيها هو ما تقدَّم من القسمين المذكورين آنفاً إلزامي وغير إلزامي)(143).

والأحكام الوضعية معناها:

هو كل غير الأحكام التكليفية الخمسة، فمع أنَّ الوضع له هو الله تعالىٰ، كما هو حال الحكم التكليفي إلَّا أنَّ هذه الأحكام موجودة في عرف العقلاء أيضاً من قبيل الزوجية والملكية والولاية(144).

وأمَّا المنهجية المتَّبعة في تبيين الأحكام الشرعية عند الفقهاء يمكن حصرها في موردين وكما يلي:

الأوَّل العلمي – الاستدلالي:

وهو علىٰ ما هو معروف في الأوساط العلمية الحوزوية، الذي يحاكي العقول العلمية المتعلمة ذوات الاختصاص في الشأن الإسلامي، كالفضلاء والعلماء والمجتهدين وأضرابهم من طلبة العلوم الدينية(145)، الذين يتَّخذون من العلوم والمعارف الإسلامية مرتعاً ومأنساً لهم وأدلة الحث علىٰ طلب العلم وتحصيله ونشره كثيرة نتبرَّك ببعض من ذلك، قال تعالىٰ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).

ونداء الله تعالىٰ واضح المعنىٰ والدلالة للرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) وللبشرية بالحثِّ علىٰ اكتساب العلوم والمعارف الإسلامية وغيرها، قال تعالىٰ: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، وهذه الآية كفيلة بالرجوع إلىٰ أهل الذكر في طلب العلم والتعلُّم وتحصيل المعارف من أهل الاختصاص وهم العلماء الذين جعلهم الله ورثة الأنبياء.

الثاني: العملي:

المتَّبع من قبل المقلِّدين للمرجعيات الدينية الذين يرجعون بأخذ الأحكام الشرعية من الرسائل العملية والاستفتاءات ومسائل وردود وغيرها، وهو منهج علمي يقصر علىٰ معرفة الأحكام التكليفية والوضعية من أحكام العبادات والمعاملات والقضاء وإقامة الحدود وغيرها.

ومنها الردود علىٰ المسائل الابتلائية والمستحدثة، فالفقهاء العدول هم صمام الأمان لاتِّباع أهل البيت (عليهم السلام) للأخذ منهم هذه الأحكام(146).

كيفية بيان الأحكام: بعد الفراغ من المراحل المتقدِّمة لعملية الاستنباط من قبيل وثاقة الراوي ومعرفة متن الحديث أو النص الروائي تبدأ مرحلة استنباط الحكم الشرعي بكلِّ واقعة أو مسألة في الأحكام الشرعية من قبل المجتهد الجامع لشروط الإفتاء والقضاء والحكم في تطبيق القواعد الأصولية الكلية والفقهية علىٰ الآيات والروايات، فلا يمكن أن يكون الفقيه فقيهاً، ما لم يكن مستنبطاً لهذه الأحكام، فتبدأ مرحلة إيضاح وتبيين الأحكام الإلزامية وغيرها كالأحكام التكليفية الخمسة والأحكام الوضعية من الصحة والفساد، فمن هنا حثَّت الآيات البينات والروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) برجوع الجاهل في الأحكام الشرعية إلىٰ العالم بها وهم الفقهاء العدول الذين يعرفون بنواب الإمام والأخذ عنهم المسائل الشرعية والعقلية لكونهم هم أولوا العلم وأصحاب العقول الذي جوَّزت الروايات بالرجوع إليهم في زمن الغيبة الكبرىٰ للإمام (عجَّل الله فرجه)، وكذلك بعدم الرد عليهم لأنَّهم حجة الله في الأرض مخوّلين ومعينين ومنصَّبين من إمام الزمان (عجَّل الله فرجه) ويدلنا علىٰ ذلك بعض النصوص في الرجوع لهم والأخذ منهم، وكما يلي:

قال تعالىٰ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7؛ النحل: 43)، قال السيد المصطفوي: (قاعدة رجوع الجاهل إلىٰ العالم، المعنىٰ هو تعلُّم الجاهل أحكامه الشرعية من العالم بها، وقد يعبّر عنه بالرجوع إلىٰ أهل الخبرة، فإنَّ كل فرد لا يعرف ما يحتاج إليه فعليه أن يتعلَّم ممن كان عالماً به ويكون مختصًّا به وهذا أمر واضح كرجوع المريض إلىٰ الطبيب)(147).

قال أبو عبد الله (عليه السلام) لحمران بن أعين في شيء سأله: «إنَّما يهلك الناس لأنَّهم لا يسألون»(148).

حكم العقل: من الضروريات العقلية واستقرار بناء العقلاء في العالم الإسلامي، برفع الجهل عن الجاهل عن طريق ما يتعلَّمه من العالم به فجرت سيرة العرف في ذلك وقد يكون من الأمر الفطري ويدلنا علىٰ ذلك قول السيد الخوئي: (فإنَّها السيرة قد جرت علىٰ رجوع الجاهل إلىٰ العالم في أمورهم الراجعة إلىٰ معادهم ومعاشهم، بل هو أمر فطري يجده كل من راجع نفسه وارتكازه)(149).

فالأحكام التي يبيِّنها الفقيه هي:

الأحكام الأولىٰ: التكليفية:

ويقصدون الفقهاء والأصوليين بها، كل حكم تعلَّق بأفعال كل من تكلَّف بهذه الأحكام، وهي المعروفة بين المسلمين بالأحكام التكليفية الخمسة (الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة والاستحباب)(150).

الأحكام الثانية: الوضعية:

وهي الأحكام التي يترتَّب عليها الحكم الشرعي من الصحة والفساد والتي تشمل السبب والشرط والمانع علىٰ ما هو مقرَّر في علم أصول الفقه(151).

الأحكام الثالثة: الفتوائية – الاجتهادية:

وهي الأحكام التي يستنبطها الفقيه المجتهد بناءً علىٰ قدرته وقابليته علىٰ استنباط الأحكام الشرعية في المسائل الحلال والحرام والأحكام الأخرىٰ والتي تعرف اليوم بالرسائل العملية والاستفتاءات الشرعية ومسائل وردود(152) التي يأخذ المكلَّف تعاليم دينه بشكل مباشر من هذه المسائل الفتوائية.

الخاتمة والنتائج:

ويمكن إجمالها بعدَّة نقاط وكما يلي:

الأولىٰ: نهج آل الرسول:

هم الأهل والعصبة والأتباع للرجل، وقد أضيفت الآل إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لقرابته منهم، وهم أهل بيته وخاصَّته (علي فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)) ويعبّر عنهم ببعض المصطلحات العقائدية من قبيل بأحد الثقلين وأصحاب الكساء وأهل البيت والعترة الطاهرة.

ومنهجهم علىٰ ما هو المقرَّر في أُمَّهات المراجع والمصادر، بما يلي:

1- بيان القرآن: إيضاح أحكامه فهماً وحفظاً وتدبُّراً وتطبيقاً وتأويلاً وتفسيراً.

2- بيان السُنَّة: المطهَّرة للمسلمين من قولٍ وفعلٍ وتقريرٍ، في إيضاح أصول الدين وفروعها والأحكام المتعلقة بها.

الثاني: نهج الفقهاء العدول:

الفقهاء العدول مصطلح عقائدي – فقهي يختص في المدرسة الإمامية، يطلق ويراد به الفقيه الذي له القدرة والقابلية علىٰ استنباط الأحكام الشرعية، حكماً وقضاءً وإفتاءً، والعدول لحقت بهم وهي ملازمة لهم لضرورة كونها تعني الاستقامة علىٰ جادة الشريعة الإسلامية ومنهجهم أنَّهم سائرون علىٰ خطىٰ آل البيت في التمسُّك بالقرآن الكريم وسُنَّة نبيِّه والعمل بهن، فهم الأمناء والأدلاء في إيضاح الأحكام الشرعية وبيانها وهم حلقة الوصل بين الإمام وأتباعه، وقد فوَّض الإمام (عجَّل الله فرجه) بأن يكونوا نوابه وقادته في المجتمع حتَّىٰ عرفوا بالنواب والمرجعيات، لرجوع المسلمين إليهم، ومنهجهم علىٰ ما هو معروف عند الجميع، ما يلي:

1- بيان أحكام القرآن والسُنَّة النبوية والرواية وتطبيقها والعمل بها.

2- بيان الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها الأربعة علىٰ ما هو مقرَّر في محلِّه.

3- حلقة الوصل بين الإمام (عجَّل الله فرجه) وأتباعه الموالين إليه.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: مؤلفات السيد محمد باقر الصدر (الأُسس المنطقية، الاقتصاد الإسلامي، فلسفتنا).

(2) انظر: الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، 1 /182. انظر: تهذيب الكمال، عبد الرحمن المزي، 24 / 220. انظر: جامع الأحاديث.

(3) السيوطي، 29 /176. انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، 1 / 80. الخصال، الصدوق، 186.

(4) انظر: الميزان، الطباطبائي، 15 179. انظر: تفسير الآلوسي، 19 171. انظر: تفسير ابن كثير، 6 / 182.

(5) مسند الإمام الكاظم أبي الحسن موسىٰ بن جعفر (عليه السلام)، عزيز الله العطاردي، 1 288-289.

(6) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 14 / 366. انظر: الصحاح، الجوهري، 2 282.

(7) انظر: وسائل الشيعة، 27/ 131. انظر: بحار الأنوار، 2 / 6. انظر: تهذيب الأحكام، 6/ 178.

(8) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 14 / 366. انظر: الصحاح، الجوهري، 2 / 282.

(9) انظر: العين، الخليل، 178. انظر: لسان العرب، ابن منظور، 11 / 210.

(10) انظر: مختار الصحاح، الرازي، 1 / 242.

(11) ذكرىٰ الشيعة، الشهيد الأوَّل، 1 / 40.

(12) انظر: أصول المظفر، محمد رضا، 1 /11.

(13) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، 1 / 15.

(14) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 10 / 62.

(15) انظر: العين، الخليل، 2 38. انظر: الصحاح، الجوهري، 5 760. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4 / 247.

(16) العروة الوثقىٰ، اليزدي، 1 / 270.

(17) انظر: البراهين القاطعة، الأسترآبادي، 105.

(18) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2-383.

(19) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5-361.

(20) انظر: المعجم الفلسفي، جميل صلبي، ص195.

(21) الفائق في غريب الحديث، الزمخشري، ص399.

(22) انظر: التكامل المعرفي، فتحي ملكاوي، ص69.

(23) المنتخب من مسند عبد الحميد، الكشي، ص240.

(24) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 6 / 153.

(25) انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 2 392. انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1 / 226.

(26) بتصرف: مباحث العقيدة، ناصر الشيخ، ص466. انظر: التعريف في الإسلام، مجموعة باحثين، ص134.

(27) انظر: النكت الاعتقادية، المفيد، 1 / 25. انظر: معالم النبوة، السبحاني، ص5-6.

(28) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1 /137.

(29) انظر: الميزان، الطباطبائي، 9 / 411. انظر: الأمثل، مكارم الشيرازي، 2 / 528.

(30) انظر: بصائر الدرجات، الصفار، ص434.

(31) مجمع البيان، الطبرسي، 8/528.

(32) انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفىٰ2 / 82. انظر: أهل البيت، جعفر العاملي، 1 / 28. انظر: المعجم الوسيط، الطبراني، 22 / 491.

(33) انظر: الخصال، الصدوق، ص607.

(34) انظر: مفتاح الجنان، عباس القمي، 1 / 715. انظر: غاية المرام، الآمدي، ص289.

(35) معرفة الإمام، محمد حسين الطهراني، 3 / 131.

(36) انظر: العين الخليل، 2 /66. انظر: لسان العرب، ابن منظور، 10/25.

(37) انظر: شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني، 2 / 30. انظر: الجامع الصحيح، الترمذي، 6 / 125.

(38) انظر: تاج العروس، مرتضىٰ الزبيدي، 12/ 12. انظر: الصحاح، الجوهري، 2 / 735.

(39) انظر: الأمالي، الطوسي، 161. انظر: المناقب المغازلي، 254.

(40) انظر: فيض القدير، المناوي، 3 / 14. انظر: نوادر الأصول، الترمذي، 69.

(41) انظر: الأمالي، الصدوق، ص616. انظر: عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الصدوق، 1 / 207.

(42) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 192.

(43) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 26 / 259.

(44) لسان العرب، ابن منظور، 4 / 273.

(45) انظر: قواعد التدبر، عبدالرحمن حنكه، 5.

(46) انظر: معجم القاموس، ابن فارس، 4 / 446.

(47) انظر: المفردات، الراغب، 2 / 11. انظر: الكليات، الكفوي، ص978.

(48) بحار الأنوار/ المجلسي، 92/211.

(49) بحار الأنوار، المجلسي، 92 / 106.

(50) انظر: أحكام القرآن، الزلمي، ص27. انظر: البرهان في علوم القرآن، 3 / 2. انظر: كنز العرفان، السيوري، ص7.

(51) انظر: المختصر النافع، القمي، 1 / 30 -35. انظر: نهج الحق، العلامة الحلي، ص379.

(52) انظر: موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، المقدمة 5-6.

(53) انظر: الكافي، الكليني، 2 / 6-9.

(54) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 59.

(55) آيات الأحكام، الايرواني، 1 / 11.

(56) بتصرف: فقه القرآن، مرتضىٰ جمال الدين، 2 -3.

(57) انظر: كنز العمال، تقي الدين الهندي، 1 / 550.

(58) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 18 / 79.

(59) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 31.

(60) الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص31، ح7.

(61) آيات الأحكام، الايرواني، 1 / 13.

(62) انظر: المستدرك، النيسابوري، 3 / 107.

(63) انظر: الرسائل، الجاحظ، ص106.

(64) سير أعلام النبلاء، الذهبي، 2 / 342.

(65) الاختصاص، 61. انظر: المعارف، حرز الدين، 2 / 342.

(66) انظر: مستطرفات السرائر، ابن إدريس، 284.

(67) العقيدة الإسلامية، جعفر السبحاني، 200.

(68) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 211.

(69) انظر: فضائل الخمسة من الصحاح الستة، الفيروز آبادي، 1 / 329.

(70) انظر: بصائر الدرجات، الصفار، 1 / 58.

(71) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 210.

(72) انظر: الدعاة المنفلتين، كاظم المحمداوي، الموقع مقالات.

(73) انظر: تفسير الإمام العسكري، 1 /346. انظر: الإمام العسكري، علي الكوراني، ص383.

(74) معالم الأصول، العاملي، 1 / 43. انظر: الإبهاج، السبكي، 2/ 72. انظر: منهاج الوصول، البيضاوي، ص51.

(75) محاضرات في أصول الفقه، الفياض، 1 / 32.

(76) انظر: نظرية العلم في القرآن، غالب حسن، 44.

(77) انظر: شرح غرر الحكم، الآمدي، 2 /62. انظر: شرح ابن أبي الحديد، 18 / 243.

(78) انظر: ميزان الحكمة، الري شهري، 3 / 2454. انظر: غرر الحكم، ص4076.

(79) تهذيب الأخلاق، الجاحظ، ص28.

(80) نهج الحق، العلامة الحلي، 1 / 72.

(81) انظر: البراهين القاطعة، الأسترآبادي، 2 / 367.

(82) نهج الحق، العلامة، ص72.

(83) البراهين القاطعة، محمد جعفر الأسترآبادي، 2 / 367.

(84) منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 14 -15.

(85) منهاج الصالحين، الخوئي، 1 / 5-6.

(86) انظر: مجمع الزوائد، الهيتمي، 9 / 168. انظر: كنز العمال، الهندي، 12 / 94.

(87) الأمثل، مكارم الشيرازي، 14 / 77.

(88) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 70-72.

(89) انظر: فقه المعاريض والتورية، ص154.

(90) انظر: اختيار معرفة الرجال، الكشي، 1 /6. وسائل الشيعة، الحر العاملي، 27 / 149.

(91) انظر: النكات، الزركشي، 1 / 53. انظر: تدريب الرواي، السيوطي، 1 / 30-34.

(92) انظر: أصول الفقه، المظفر: 1.

(93) انظر: التوحيد، الصدوق، ص224. انظر: المناهج التفسيرية، جعفر السبحاني، ص49.

(94) آيات الأحكام، الايرواني، 1 / 11.

(95) شبكة النت مركز البحوث المعاصرة، المدخل إلىٰ الفقه القرآني، حيدر حب الله، سبتمبر 19 / 2015.

(96) انظر: معاني الأخبار، الصدوق، 95.

(97) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 18 / 43. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 61 / 132.

(98) انظر: موقع مقالات، كاظم المحمداوي، مقال الدعاة المنفلتون، ص6.

(99) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 30-31.

(100) أصول الفقه، محمد رضا المظفر، 1.

(101) الحلقات، محمد باقر الصدر، 1.

(102) انظر: أصول الرجال، جواد الشبيري، ص56.

(103) انظر: الرواشح السماوية، للمير داماد، ص126.

(104) انظر: أصول علم الرجال، الفضلي، 11. انظر: أصول الحديث، الفضلي، 14.

(105) انظر: الجرح والتعديل، السبحاني، 153.

(106) المصدر نفسه.

(107) انظر: معجم رجال الحديث، الخوئي، 1 / 49. التوثيقات العامة.

(108) انظر: مجلة الآداب – الجامعة المستنصرية، م. د عثمان محمد حسن ص283. انظر: معجم السيد الخوئي، 1 / 11.

(109) انظر: تعارض الأدلة واختلاف الحديث، تقريرات السيد هاشم الهاشمي.

(110) انظر: رجال الحديث، محمد آصف المحسني، المقدمة، انظر: موسوعة الآثار الرجالية والحديثية، محمد آصف المحسني.

(111) معجم رجال الحديث، الخوئي، 1 / 49-51.

(112) انظر: دروس تمهيدية في الرجال والحديث، جعفر سبحاني، 6 / 5337.

(113) انظر: الرعاية في علم الدراية، الشهيد الثاني، ص45.

(114) انظر: التفسير بالمأثور، إحسان الأمين، ص351.

(115) ينظر: نهج البلاغة، الشريف الرضي، 576.

(116) انظر: معاني الأخبار، 1 / 2.

(117) انظر: الحاوي الكبير، أبو الحسن الماوردي، 16 / 131.

(118) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2 / 588. انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5 / 481. انظر: الصحاح، الجوهري، 3 / 1142.

(119) بتصرف: أصول الفقه، المظفر، 1-2 / 5.

(120) انظر: آداب القاضي، 1 / 535. انظر: الحاوي الكبير، الماوردي 16 / 13. انظر: التعريفات، الجرجاني، 38.

(121) دروس في علم الأصول، محمد باقر الصدر، 1 / 68.

(122) انظر: كفاية الأصول، الآخوند. انظر: أصول المظفر، 1-2 / 41.

(123) انظر: مجاز القرآن، أبي عبيدة، 1 / 1. انظر: تفسير القرطبي، 2 / 298. انظر: علوم القرآن، باقر الحكيم، 1 / 455.

(124) انظر: أصول المظفر، المظفر، 2 / 49.

(125) انظر: إرشاد الفحول، الشوكاني، 32. انظر: المعجم الوسيط، مجموعة باحثين، 1 / 455.

(126) انظر: الأصول العامة للفقه المقارن، 261. انظر: أنوار الأصول، مكارم الشيرازي، 2 / 364. انظر: مصطلحات، المشكيني، 2 / 23.

(127) انظر: دور العقل في المعرفة، حيدر نور الدين، مجلة المنهاج العدد 58 بتاريخ فبرورسي 11/ 2015.

(128) انظر: تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، 399. انظر: صحيح مسلم، 7 / 122.

(129) انظر: قبسات في علم الرجال، 1 / 150. انظر: رجال الحديث، الخوئي، 1 / 72-73.

(130) انظر: دروس في علم الرجال، القزويني، 1 / 50.

(131) بتصرف: معجم رجال الحديث، الخوئي، 1 / 92.

(132) معجم رجال الحديث، الخوئي، 10 / 92.

(133) انظر: تعادل الأدلة واختلاف الحديث، الهاشمي، المقدمة.

(134) حجية خبر الواحد، السيستاني، 23.

(135) القواعد الفقهية، هاشم الهاشمي، المقدمة التمهيدية، 7-9.

(136) المدرسة الأصولية للسيد الشهيد باقر الصدر، نصوص معاصرة، الشيخ رضا إسلامي فبراير 17 / 2017.

(137) أصول المظفر، محمد رضا المظفر، 1-2/ 5.

(138) المعالم الجديدة للأصول، محمد باقر الصدر، 100.

(139) موسوعة الفقه الإسلامي، مكارم الشيرازي، مكارم الشيرازي، 1 / 401.

(140) انظر: المعالم الجديدة للأصول، 100.

(141) انظر: الأصول العامة الفقه المقارن، محمد تقي الحكيم، 54.

(142) انظر: منية المريد، الشهيد الثاني، 1 / 106.

(143) موسوعة الفقه الإسلامي، مكارم الشيرازي، 1 / 402.

(144) انظر: موسوعة الفقه، مكارم الشيرازي، 1 / 402. انظر: المعالم الجديدة 100.

(145) انظر: كشف اللثام، الفاضل الهندي، المقدمة، ص33.

(146) بتصرف: مناهج الفقهاء، زهير الأعرجي، مجلة تراثنا ص8، العدد 102 لسنة 1431هـ.

(147) مائة قاعدة فقهية، المصطفوي، 134. انظر: مصباح الأصول، تقريرات درس السيد الخوئي، 3 / 449.

(148) انظر: الكافي، الكليني، 1 / 31 ح 2.

(149) مصباح الأصول، السيد الخوئي، تقريرات، 3 / 448.

(150) انظر: دروس في علم الأصول، الصدر، 3 / 14.

(151) نفس المصدر.

(152) انظر: منهاج الصالحين، الخوئي، 1 /5. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1 /6.

Scroll to Top