المقدمة:
بعد التطوُّر العلمي التكنلوجي ووفرة الأجهزة الطبية الدقيقة، فقد استطاع العلماء من ذي الاختصاص إيجاد الحلول المناسبة، من العلاجات الطبية الهرمونية بأنواعها (الهرمونية والحاجزة) والطرق الطبيعية لمنع وتحديد الحمل عند الرجال والنساء، حيث استعملت النساء ومنذ زمن بعيد وسائل علاجية لتجنُّب نفسها الحمل من الأزواج، باتِّباع بعض الطرق الطبيعية كالاستعمال الخارجي في العلاقة الزوجية، من قبيل ما يعرف بالتفخيذ؛ وهي عملية جعل العضو الذكري للزوج ما بين فخذي الزوجة، للاستمتاع بها قبلاً أو دبراً دون الإدخال في أحد الموضعين.
أو عن طريق العزل؛ الذي معناه ممارسة العلاقة الجنسية بين الأزواج، وبعدها يتم سحب العضو الذكري بعد عملية الإيلاج قُبلاً، ويكون القذف خارج الرحم بإخراج الآلة من الفرج، إلَّا أنَّها تحتاج إلىٰ إذن الزوجة علىٰ تفصيل في محلِّه.
قال السيد السيستاني: (يجوز العزل بمعنىٰ إفراغ المني خارج القُبل حين الجماع عن الزوجة المنقطعة وكذا الدائمة علىٰ الأقوىٰ، نعم الظاهر كراهته)(1).
وقال ابن حجر العسقلاني: (باب العزل، أي النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج)(2).
أو عن طريق اتِّباع عمليتا العدد والحساب، وهكذا الاستفادة من بعض الجداول الزمانية التي تبيِّن زمان انعقاد النطفة في أوقات خاصة(3)، أو عن طريق استعمال بعض العقاقير الطبية التي تؤدِّي نفس الغرض؛ من منع وتحديد الحمل(4)، ولعلَّ أهم هذه الطرق المذكورة وأكثرها شهرةً هو العزل.
أمَّا اليوم فالطرق الوقائية كثيرة من قبيل الكيميائية، والبلاستيكية، والعقاقير الطبية(5)، ومنها اللقاحات، وبعض المستحضرات(6) لقتل الحيوانات المنوية الذكرية وبعضها علاجات هرمونية، بل الأكثر من ذلك هناك طرق جراحية لمنع الحمل (كتعقيم النساء والرجال) هذه هي بعض الطرق المعهودة منذ القدم، وبعضها طبية حديثة لمنع وتحديد الحمل، وسوف نتطرق إليها إن شاء الله تعالىٰ.
أهداف البحث:
أولاً: بيان بعض المصطلحات الفقهية الطبية، والتي أصبحت اليوم من المسائل الابتلائية، ولاسيما الفقهية كالتفخيذ والعزل والإجهاض، والطبية كاللولب الرحمي، والواقي الذكري والأنثوي، والأبر والحبوب الهرمونية، والطبيعية كالعدد والحساب، والمستحضرات العشبية، وإلىٰ غير ذلك.
ثانياً: بيان معنىٰ الحمل لغة واصطلاحاً وتميزه عن مصطلح التنظيم وتحديد النسل، والتي من شأنها أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده، مبتغاه الشرعي في طلب الولد من قبل الزوج أو الزوجة، وهذا المنع بخلاف العطاء، فالمراد بمنع الحمل الحرمان والتعطيل من الخلفة والإنجاب.
ثالثاً: وكذلك بيان الدوافع والأسباب، والتي من خلالها يتم منع الحمل، وهي كثيرة ولكن نكتفي بذكر ثلاثة منها، من قبيل: الصحية، والمادية، والمعنوية.
رابعاً: بيان الطرق التي ذكرتها المصادر والمراجع الطبية القديمة والحديثة، والتي تكون لها مدخلية لمنع الحمل، كالطرق الطبية بأنواعها والطبيعية.
سبب اختيار الموضوع:
هذه المسألة من أهم المسائل الفقهية والطبية ابتلاء، وقد كثر السؤال عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما الموقع الرسمي لمكتب السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، لذا لابد من بيان الرأي الفقهي، وإيضاح الحكم الشرعي لهذه الطرق بكل أنواعها، وكذلك بيان الدوافع والأسباب المؤدية إلى عزوف النساء عن الحمل، الذي يعتبر عمله مخالفاً للحكمة الإلهية من التزويج، لقوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد: 38).
والبحث مرتب علىٰ عدَّة فصول، وكما يلي:
الفصل الأوَّل: التأصيل العلمي لمفهوم (الحمل والمنع).
الفصل الثاني: الدوافع والأسباب (المالية والمعنوية والصحية).
الفصل الثالث: التكييف الشرعي لطرق منع الحمل الفقهية (التفخيذ والعزل والإجهاض).
الفصل الرابع: التكييف القانوني الشرعي لطرق منع الحمل الطبية (الميكانيكية والطبيعية والجراحية).
الفصل الخامس: التكييف القانوني لوسائل منع الحمل الفقهية والطبية.
النتائج – التوصليات.
المصادر والمراجع.
السؤال الرئيسي: ما هو الحكم الشرعي والقانوني لوسائل منع الحمل وتحديد النسل؟
والأسئلة الفرعية: ما معنىٰ الوسائل والمنع والحمل لغة واصطلاحاً؟
ما هي الدوافع والأسباب لمنع الحمل وتحديد النسل؟
ما هي طرق منع الحمل الممنوعة شرعاً وقانوناً؟
ما هي طرق منع الحمل المباحة شرعاً وقانوناً؟
الفصل الأول: التأصيل العلمي لمفهوم (الوسائل، المنع، الحمل):
ويمكن إيضاح هذه المفاهيم، بما يلي:
المفهوم الأول: الوسائل:
لغة:
ولها عدَّة معاني مختلفة، باختلاف استعمالاتها علىٰ ما ذكرها أهل اللغة، من قبيل:
الأولىٰ: بمعنىٰ القربة.
الثانية: بمعنىٰ المقام والمنزلة.
الثالثة: تحصيل أسباب التقرُّب.
الوسيلة والواسلة من وسل، وهي المنزلة عند الملك والدرجة والقربىٰ، ورسل إلىٰ الله توسلاً عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل(7)، والوسيلة ما يتقرَّب به إلىٰ الغير والجمع والوسل والوسائل(8).
وفي الاصطلاح:
قال الشيخ السبحاني: (والمقصود من التوسل في المقام هو أن يتقدَّم العبد إلىٰ ربه شيئاً، ليكون وسيلة إلىٰ الله تعالىٰ لأن يتقبل دعاءه ويجيبه إلىٰ ما دعا، وينال مطلوبة، مثلاً إذا ذكر الله سبحانه بأسمائه الحسنىٰ وصفاته العليا ومجده وقدس وعظمه، ثم دعا بما بداله، فقد اتَّخذ أسمائه وسيلة لاستجابة دعائه ونيل مطلوبه ومثله سائر التوسلات…)(9).
وقد جاءت في القرآن الكريم بمعنىٰ كل ما يتوصل بها إلىٰ تحصيل الهدف المنشود، فعلىٰ هذا تكون الوسيلة القربة أو السبيل والطريق إلىٰ مرضاة الله تبارك وتعالىٰ، فهي الأعمال التي يتقرَّب بها العبد إلىٰ الله تعالىٰ، من أفعال خير وعمل صالح، وكذلك التعبديات والتوصليات، ويدلنا علىٰ ذلك هذه الآيات المباركة، وكما يلي:
قال تعالىٰ: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (الإسراء: 57).
قال القمي: (تقربوا إليه بالإمام)(10).
وقال تعالىٰ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: 35).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالىٰ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: «أنا وسيلته»(11)، ومن معانيها واستعمالاتها في القرآن الكريم بمعنىٰ المقام العالي والمنزلة الرفيعة.
ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله ݕ: «سلوا الله الوسيلة فإنِّها درجة في الجنة»(12).
فعلىٰ ضوء ما تم إيضاحه من المعنىٰ اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الوسائل أو الوسيلة، يكون الاستعمال القرآني لبعض الآيات المتقدمة لا يختلف حاله عن المعنيين.
فالوسائل المبحوث عنها في منع الحمل، يكون المراد منها جميع الطرق والأدوات المستعملة طبياً وطبيعياً، لغرض منع حصول الحمل بين الأزواج، بغض النظر عن كونها طرقاً مشروعة، أو غير مشروعة.
المفهوم الثاني: المنع:
والمنع لغة:
المانع هو الحائل بين شيئين، وهو اسم فاعل من منع. والامتناع، وهو الكف عن الشيء، أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده، وهو خلاف العطاء(13).
وفي الاصطلاح:
لا يوجد فرق بين المعنىٰ اللغوي والاصطلاحي الفقهي للمنع فهو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم، أو عدم السبب، فالمانع معنىٰ معلوم محدَّد يمنع وجود الحكم، أو يمنع تحقق السبب، وحقيقته أن يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم(14)، وله من الأمثلة الفقهية الشيء الكثير من قبيل منع الإرث والنفقة عن الناشز.
قال ابن حمزة: (وأمَّا النشوز فقد يكون من جهة الرجل، ومن جهة المرأة أيضاً، فما يكون من جهة الرجل، هو أن يكره المقام معها وتكره هي فراقه، وأمارته غير خافية لمنعه إياها حقوقها، من النفقة والقسم، وغير ذلك)(15).
قال محمد علي الطباطبائي: (الثانية: في بيان (موانع الإرث، وهي) كثيرة ذكر الماتن منها هنا (ثلاثة) هي أظهر أفرادها (الكفر والقتل والرق)(16).
المفهوم الثالث: الحمل:
في اللغة:
حمل: حمل الشيء يحمله حملاً وحملانا فهو محمول وحميل واحتمله(17)، ويطلق علىٰ حمل الشيء باليد أو علىٰ الظهر ونحوه، مصدر حمل الشيء يحمله، حملاً: إذا دفعه وأقله، والحمل: ما يحمل في البطن من الأولاد في جميع الحيوان(18)، ولها معاني كثيرة منها حمل المرأة في الرحم، وحمل الشجر ثمرها، والثقل وكل ما يحمل علىٰ ظهر الآدمي والحيوان، وإلىٰ غير ذلك من المعاني الأخرىٰ.
المعنىٰ الاصطلاحي:
معنىٰ الحمل في اصطلاح الفقهاء هو نفس المعنىٰ اللغوي وهو وجود الجنين في بطن المرأة، ويعرف بانقطاع الحيض وانتفاخ البطن، الأنثىٰ من الأولاد(19)، حالة المرأة منذ تلقيح بيضتها بحيمن الرجل، حتَّىٰ الولادة(20).
المعنىٰ الثاني: الطبي:
والحمل فترة – المدة الزمنية بالأيام أو الأسابيع، التي يبقىٰ فيها الطفل في الرحم، بمعنىٰ فترة النمو للجنين أو أكثر داخل الرحم، وبعد تخصيب بويضة الأنثىٰ بالسائل المنوي الذكري(21).
معنىٰ منع الحمل:
هو عدم الإنجاب بين الأزواج، باستعمال واستخدام عدداً من الوسائل الطبية والطبيعية لمنع حصول الحمل، لأسباب صحية، أو اجتماعية، أو معيشية، التي تكون مباحة من الناحية الشرعية، فالمنع هو الكف عن الحمل، لغرض تنظيم الأسرة والحدّ من تكاثرها.
وهناك مصطلح آخر يتعلَّق بالمنع للحمل هو التحديد، وتعني الاقتصار في الإنجاب علىٰ عددٍ من الأبناء باتِّباع الطرق والوسائل لتحديد أو تقليل من احتمالات حصول الحمل للزوجة، فهي مجموعة من الاحترازات طبية أو طبيعية، لغرض تنظيم النسل، فتكون لهذه الإجراءات دوافع وأسباب لغرض تحديد الحمل.
لذا يرىٰ بعض الفقهاء، أنَّ كلمة تحديد منع الحمل مطلقاً ودائماً حرام شرعاً، ضرورة كونه من أسباب القضاء علىٰ النسل، (فلا فرق بين المصطلحين المنع والتحديد، لكونهما يؤدِّيان إلىٰ قطع النسل، وحرمان الزوجين من الإنجاب)(22).
وفي المقابل أفتىٰ فقهاء الإمامية بعدم الحرمة والجواز، باستعمال ما يمنع الحمل من العلاجات الطبية والطبيعية، بشرط أن لا يلحق ضرراً بالزوجة، وكذلك إجراء عمليات التداخل الجراحي(23).
إذن الفرق واضح بين المصطلحين، فالمنع توقف كل شيء تماماً عن الحمل وعدم حصوله بشكل نهائي، وهو محرَّم شرعاً إلَّا لضرورة؛ والتحديد هو التقيد ببعض قيود وحدود الحمل، لغرض حدوثه بشكل منظَّم، فتحديد الحمل أو النسل وتنظيمه بعدد من الأبناء لا يوجد مانع شرعي منه.
الفصل الثاني: الدوافع والأسباب (المالية والصحية والمعنوية):
الدوافع هي كل ما يؤثِّر علىٰ سير وسلوك الآخرين بالأفعال والأقوال، سواء كانت داخلية أو خارجية، التي تدفع الآخرين من القيام بها، لذا لابدَّ أن تكون لهذه الدوافع والأسباب جوانب موضوعية، بمعنىٰ أن يكون لها غرض أو حاجة أو هدف لتحققه، فهي أن يشعر الإنسان بالرغبة في تحققها، كالزواج وشراء الدار والسفر، أو أن يشعر الإنسان بالنفور عنها، كما في تجنُّب الأشياء الضارة والمخيفة.
فالدوافع والأسباب لمنع الحمل كثيرة، وسوف أقتصر البحث علىٰ ثلاثة منها، وكما يلي:
الدافع الأوَّل: المادي:
ونقصد به المالي والمعبر عنه بالدافع الاقتصادي، وهو بخلاف الدافع المعنوي، ومعناه عدم قدرة الأزواج من تحقيق الحياة الكريمة لأبنائهم، من السكن اللائق بحالهم والعيش الرغيد وتوفير كل احتياجاتهم الداخلية والخارجية، حيث إنهم يعتبرون الإقدام علىٰ هذه الأعمال هو من عوامل تنظيم الأسرة وسعادة أفرادها، علىٰ القدرة والرعاية للأطفال بشكل ملائم، لذا فإنَّ الأزواج يعتقدون أن الموارد المالية غير كافية لسد احتياجات الأسرة، وهو بطبيعة الحال يؤدِّي إلىٰ الضيق والحرج والعسر الشديد، مما يجعل الإباء أو الأسرة من ارتكاب بعض المحرَّمات أو المحذورات لسد تلك الاحتياجات.
فمن هنا كانت فكرة أن يحدِّد الإنسان أو يمتنع عن الحمل لغرض تنظيم الأسرة، وأن تكون هناك فرصة للأُسرة الكريمة من توفير كافة احتياجاتها المادية.
لذا يرىٰ بعض أهل العلم أنَّ الجانب المادي – الاقتصادي لا يمكن أن يسد الحاجات الطبية للولادات، فكيف بإنجابهم وكثرتهم، وهو مما يؤدِّي إلىٰ الوقوع في الضيق المادي والحرج الدنيوي(24).
وكأنَّما في هذه الدوافع المادي إشكالاً مقدراً، حاصله أنَّ سبب منع الحمل للأزواج، هو عدم وجود القدرة المالية لسد نفقات واحتياجات الأسرة، ويمكن أن نرد علىٰ هذا الإشكال بما حاصله:
قال تعالىٰ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (الإسراء: 31).
والإملاق هو الفقر والافتقار والإفلاس، فما كان قتل الأولاد لأجل الخشية من الفقر، فإنَّ الله تعالىٰ تكفل بالرزق ووصف نفسه بالرزاق، كما تدل عليه الآية المباركة لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58).
وقوله تعالىٰ: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرضِ إِلَّا عَلَىٰ اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: 6).
وهذه الآية تدل علىٰ أنَّ الله تبارك وتعالىٰ، متكفِّل بالرزق لعباده، كما وأنَّها تدل علىٰ أنَّ الرزاق هو الله تعالىٰ، وهو الذي يبسط الرزق ويقبض ويقدر، وهو علىٰ كل شيء قدير.
أمَّا الروايات المباركة:
الحديث القدسي المروي عن رسول الله ݕ: «يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب»(25).
والمروي عن أمير المؤمنين ݠ قوله: «اطلبوا الرزق فإنَّه مضمون لطالبه»(26).
فتوكَّلوا علىٰ الله في ضمان أرزاقكم في الدنيا، فهو الرزاق المتكفل بالرزق القوي العزيز الجبار المتكبر، من خلال السعي وراء أسباب الرزق؛ فإنَّ الله لا يخيب سعي من توكل عليه.
الدافع الثاني: الصحي:
والصحة تعني السلامة والكمال البدني والعقلي والاجتماعي، أي اكتمال السلامة البدنية والعقلية(27)، أو قل دوافع وأسباب الضرر الذي يلحق بالزوجة من هذا الحمل، مما يؤدِّي إلىٰ تدهور حالتها الصحية وهذه الأسباب والدوافع الطبية هي كل ما يعرض حياة المرأة أو صحَّتها للخطر إذا حملت، ومن حق كل زوجين أن يعرفا بعض الأسباب الطبية التي تمنع الحمل، وهذا الخوف من قبل الزوجة يكون منشأه عقلائي لا سيما بعد تشخيص هذه الحالة من قبل الطبيب المختص الحاذق مما يؤدِّي إلىٰ منع الحمل ولو مؤقتاً.
قال السيد السيستاني (دام ظله): (قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو احتماله الموجب لصدق الخوف جاز لأجله الإفطار ولا يجوز الإفطار بقوله في غير هذه الصورة)(28).
وآخر يكون منشأه لفظي من قبيل قول رسول الله ݕ: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»(29).
فيكون مفاد هذه القاعدة الفقهية نهي رسول الله ݕ عن إلحاق الأذىٰ والضرر في النفس، وكذلك في الآخرين فلابدَّ من رفع هذا الضرر عن النفس، وكذلك قاعدة: (الضرورات تقدر بقدرها).
فعلىٰ هذا يكون رفع الضرر جراء الحالة الصحيحة الحرجة واجبة عن نفس الآدمي وهي الزوجة، فلابدَّ لها من رفع هذا الخطر والضرر عن نفسها بهذا المقدار.
ويطلق الضرر في اللغة العربية علىٰ عددٍ من المعاني، من قبيل الضيق والشدة وسوء الحال، والحال نفسه عندما يكون النقص في المال والحال والعرض(30).
فالحمل من قبل الزوجة معناه الضيق والشدَّة والحرج والجهد عليها، مما يؤدِّي إلىٰ إضعافها، وعدم قدرتها إلىٰ تحقيق الشيء الذي تصبوا إليه، لقوله تعالىٰ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾ (البقرة: 286).
فيكون المراد من الآية: (لا يكلف الله تعالىٰ فوق طاقة كل الإنسان)، وهو لطف ومنَّة من الله تعالىٰ، لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ (يوسف: 100).
فكل ما من شأنه أن يؤدِّي إلىٰ الإضرار في بدن الآدمي محرَّم شرعاً، فلا يجوز أن يعرض بدنه إلىٰ كل ما يضره، لضرورة كون بدن الآدمي عنده أمانة، ويمكن الاستفادة من القاعدتين المتقدمتين يكون الضرر نقصاً في حيثيته أو خصوصيته من خصوصيات الزوجة، مما يؤدي إلىٰ المشقة والعسر والضيق، الذي يكون مانعاً للحمل، والذي يفهم من قول الشهيد الأول: (… فالموضوعي يتمثَّل في تفسيرها الضرر بالنقص في المال والنفس والكرامة، والذاتي أو النفسي هو الذي يعبر عنه بسوء الحال والضيق والشدة)(31).
فالدوافع الصحية تكون متعلقة بعددٍ من الأفراد، وكما يلي:
الفرد الأوَّل: الأُم أو الزوجة:
وهو الأعم الأغلب في منع الحمل جراء إصابة رحمها أو مبايضها، ببعض الأمراض الداخلية، مما يجعل صعوبة الحمل والتولد توجب عسراً أو مشقة بصحتها، وقد تؤدِّي الولادة والطلق إلىٰ إزهاق روحها.
الفرد الثاني: الحفاظ علىٰ الأطفال:
وقد تكون الدوافع الصحية متعلقة بالحفاظ علىٰ الأولاد، لضرورة كونه من أهم عوامل المحافظة علىٰ تنظيم الأسرة، فالعناية الأولية بالطفولة واجبة علىٰ الأبوين، والتي تعرف بفترة الرضاعة والحضانة، وأنَّها من أخطر فترات تأثيراً علىٰ الأولاد، ويبدو أنَّ الأمر واضحاً لا سيما مع الرضيع، وكون الأُم حاملاً، حيث إنَّ الحمل يفسد اللبن ويضعف الأُم والرضيع، ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله ݕ: «لا تقتُلوا أولادَكُم سرًّا فإنَّ قتلَ الغَيلِ يدرِكُ الفارسَ فيُدَعْثرُهُ عن ظَهْرِ فرسِهِ»(32).
الدافع الثالث: المعنوي:
المعروف عند المتشرِّعة وجود بعض القواعد الفقهية التي تدل علىٰ ذلك، والتي تسمَّىٰ بقاعدة الاعتدال بالإنفاق أو الوسطية بالإنفاق، دون أن يكون الإنسان مسرفاً ولا مقتراً علىٰ عياله، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْـرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (الفرقان: 67).
فاليوم نلاحظ أن عمليات منع أو تحديد الحمل تكون خاضعة للظروف والمناسبات وكذلك فإنَّها خاضعة إلىٰ المعتقدات الدينية.
وخير مثال علىٰ ذلك اختلاف وجهات النظر في الديانة المسيحية في أوربا بين الكنيسة الكاثوليكية والكنسية البروتستانتية:
فبعضهم يطرح فكرة تحديد النسل علىٰ أنَّها نمط من أنماط التحوُّل والتقدُّم نحو بناء أُسرة منظَّمة مرتبة علىٰ أساس التنظيم الطبيعي للحياة الاجتماعية والاقتصادية.
والبعض الآخر يطرح فكرة تحديد النسل أو منعه ما هو إلَّا تدخل بالشأن الأُسري، فلا يحق لهذه المؤسسات أو الحكومات أن تمنع وأن تصادر الحقوق الشخصية(33).
وموقف علماء الإسلام والمسلمين علىٰ هذا النحو من الاختلاف، ويمكن إيضاح هذا الموقف في هذه المسألة بما حاصله:
القول الأوَّل: الحرمة:
وهو محل وفاق واتِّفاق بين الفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرىٰ، علىٰ أنَّ استعمال موانع الحمل بشكل دائم وغير مؤقت حرام(34).
القول الثاني: الجواز:
وهو قول بعض الأعاظم لفقهائنا، كالسيد السبزواري(35)، والسيد السيستاني(36)، والسيد محمد سعيد الحكيم(37)، والشيخ مكارم الشيرازي(38)، بجواز استعمال موانع الحمل الطبية والطبيعية ما لم يكن هناك ضرراً في استعماله علىٰ المرأة.
الفصل الثالث: طرق منع الحمل الفقهية (التفخيذ والعزل والإجهاض):
التي هي محل الابتلاء بين الأزواج، ونقتصر المقال علىٰ ثلاثة مصاديق، وكما يلي:
المصداق الأوَّل: المفاخذة:
الاستمتاع بالمرأة فيما بين فخذيها من غير إدخال الذكر في الفرج(39).
وهي أكثر أنواع الطرق الجنسية شيوعاً أو استعمالاً بين الأزواج، لغرض منع وتحديد الحمل، وهي أقدم الممارسات الجنسية عرفها البشر، وقد يكون المقتضي لهذه العملية هو التحفيز الجنسي للذكر، فيكون معناها جلوس الرجل بين فخذي المرأة كجلوس النكاح، وهو من المباحات الاستمتاعات الشرعية بين الأزواج.
ومن محاسن هذه الطريقة هو عدم حصول الحمل بين الأزواج وكذلك عدم وجود الأضرار الجانبية لضرورة كونها من الطرق غير الفعالة، ولها من المساوئ كون الرغبة واللذة منحصرة بالرجل دون الأنثىٰ، حيث يبلغ الرجل ذروته، كما وأنَّها طريقة غير آمنة في حصول الحمل لسبق المني علىٰ فضاء الفرج، وقد تكون هذه الطريقة غير محببة للمرأة لما لها من آثار غير مرغوب فيها من وجود السائل المنوي علىٰ فرجها مما يثير الاشمئزاز والنفرة.
وحكم المفاخذة الإباحة والجواز قُبلاً أو دبراً دون الإدخال بين الأزواج من الدوام والانقطاع والمملوكة والأَمة(40).
قال السيد اليزدي: (… وأمَّا سائر الاستمتاعات بما عدا الوطء من النظر واللمس بشهوة والضم والتفخيذ فجائز في الجميع)(41).
قال السيد السيستاني: (وأمَّا سائر الاستمتاعات الأخرىٰ كاللمس بشهوة والتقبيل والضم والتفخيذ فلا بأس بها)(42).
المصداق الثاني: العزل:
فتسمَّىٰ عملية سحب العضو الذكري – الآلة- من فرج المرأة الدائمة والمتمتع بها والقاء أو قذف السائل المنوي خارج الرحم بالعزل الشرعي، وبهذا يمنع دخول الحيوان المنوي إلىٰ مهبل الزوجة، أي منع تلقيح البويضة داخل الرحم مما يؤدِّي إلىٰ منع الحمل، وقد تؤدِّي هذه الطريقة إلىٰ حصول الحمل لسبق المني أو دخوله داخل المهبل، لذا تعد من مساوئ هذه الطريقة حصول الحمل دون أن تشعر الزوجة به، إلَّا أنَّها أكثر الطرق الشرعية رواجاً بين الأزواج، ونظراً لأهمية المسألة ودقتها لابد من بيان الأقوال فيها:
القول الأوَّل: الجواز علىٰ كراهة:
لافتقاره إلىٰ رضا الزوجة أو اشتراط الزوج عليها حين العقد.
قال السيد الخوئي: (ويكره مستقبل القبلة ومستدبرها… والنظر في فرج المرأة، والكلام بغير الذكر، والعزل عن الحرة بغير إذنها، وأن يطرق المسافر أهله ليلاً، ويحرم الدخول بالزوجة قبل بلوغها تسع سنين)(43).
قال السيد السيستاني: (يجوز العزل بمعنىٰ إفراغ المني خارج القُبل حين الجماع عن الزوجة المنقطعة، وكذا الدائمة علىٰ الأقوىٰ، نعم الظاهر كراهته، إلَّا مع رضاها أو اشتراطه عليها حين العقد)(44).
القول الثاني: الحرمة:
ومفاده أن العزل عن الحرة لا يجوز إلَّا برضاها، فمتىٰ ما عزل دون رضاها أثِم، ووجب عليه الدية للزوجة، وهو القول المنسوب إلىٰ بعض فقهائنا المتقدمين(45).
قال البوطي: (حكم العزل عند الفقهاء… ذهب الأئمة الأربعة اعتماداً منهم علىٰ الأحاديث المذكورة إلىٰ جواز عزل الرجل مادة عن زوجته مع الكراهة التنزيهية، واتَّفق الأئمة الثلاثة (مالك وأحمد وأبو حنيفة) علىٰ أنَّ ذلك مشروط برضا الزوجة…)(46).
ما يترتَّب علىٰ العزل:
من الدية الشرعية ومقدارها ومصرفها، فمقدارها عشرة دنانير من الذهب الخالص ومصرفها للزوجة(47)، إن ثبت من مال زوجها أو من متبرِّع، ولها الخيار في الأخذ والإسقاط، وفيها قولان:
القول الأوَّل: الوجوب:
وهو القول المنسوب إلىٰ فقهائنا المتقدمين القائلين بحرمة العزل عن الحرَّة، وحكم مصرف الدية إلىٰ الزوجة، فإنَّ ثبوت الدية بناءً علىٰ القول بحرمة العزل عن الحرة إلَّا برضاها.
القول الثاني: عدم الوجوب:
وهو قول مشهور فقهاء الإمامية علىٰ ما نقله المحقِّق الحلي(48)، وقال به الشيخ الأعظم الأنصاري(49).
وتابعهم علىٰ ذلك السيد السيستاني (دام ظله) بقوله: (… لا تثبت عليها دية النطفة علىٰ الأقوىٰ)(50).
وذلك لكون سائله المنوي والمعبَّر عنه بالروايات (ماء الزوج) ملكاً للرجل دون الزوجة، لذا فلا يلزم بدفع الدية إلىٰ الزوجة، لكونها لا تملك لأمر ماء الزوج، كما وأنَّ الدية في العزل بناءً علىٰ القول بتحريمه، لذا فإنَّ المشهور قالوا بعدم وجوب الدية في العزل مطلقاً(51).
المصداق الثالث: الإجهاض:
أو ما يعبَّر عنه بالإسقاط وهي أكثر المسائل ابتلاءً في الوقت الحاضر، لما لهذه المسألة من عواقب وخيمة من الناحية الشرعية والقانونية والنفسية وكذلك الطبية، وهي محل اتِّفاق بين فقهاء المذاهب الإسلامية علىٰ حرمة الإجهاض(52) ما لم تكن هناك دوافع وأسباب شرعية وعقلية علىٰ الإجهاض، سوف نتعرَّض لها إن شاء الله، وكما يلي:
الإجهاض لغة:
جهض اسم الحي من الولد السقط، مجاهض ومجاهيض، اسم فاعل مجهض: من القت ولدها قبل اكتماله، خروج الجنين من الرحم قبل الشهر الرابع، القت ولدها غير التام(53).
وفي الاصطلاح:
هو إخراج الحمل من الرحم وإنزاله قبل تمام خلقه أو بعده، حياً كان أم ميتاً بفعل منها أو من غيرها باستعمال الدواء أو بأي طريقة أخرىٰ، وهو حرام شرعاً لما يترتَّب عليه العقوبة والدية والكفارة(54)، وله عدَّة أنواع من خلال متابعة بعض المصادر الطبية(55)، وكما يلي:
الأوَّل: التلقائي:
الذي يؤدي إلىٰ حدوث الإسقاط لأسباب وعوارض طبيعة التي لا دخل لشيء في حصوله، كالصدمات والحمل الثقيل والقفز أو تعرّض الحامل للخوف المفاجئ.
الثاني: الطبي:
وهو ما يلجأ إليه الأطباء لغرض المحافظة علىٰ حياة الأُم الحامل من خطر الموت الذي يهدد حياتها، فيكون الإجهاض لدواعي وأسباب طبية خاصة تتعلَّق بالأُم فيكون الحمل له تأثير سيء علىٰ حالتها.
حكم الإجهاض:
حكم فقهاء الإمامية بالحرمة علىٰ قتل الأجنة سواء كانت في الرحم أو كانت خارج الرحم كما في عنق الرحم أو المهبل، وكذا في كون الإجهاض قبل ولوج الروح فيه أو بعد الولوج، فتسمَّىٰ عمليات قتل الأجنَّة سواء كانت مخلقة أو غير مخلقة بدءً من مراحل تكوين البيضة المخصبة والتي تعرف بالنطفة إلىٰ تمام الأعضاء والجوارح بالإجهاض أو السقط، حرام شرعاً بإجماع الطائفة الحقة، إلَّا إذا خيف علىٰ الأُم الضرر(56).
قال السيد الخوئي: (لا يجوز الإجهاض في هذا الفرض في تمام الصور والله العالم)(57).
قال السيد السيستاني: (فلا يجوز الإسقاط مطلقاً حتَّىٰ في حال الضرر والحرج علىٰ الأحوط لزوماً)(58).
إذا خيف علىٰ الأُم الضرر علىٰ نفسها من استمرار وجوده، أو كان موجباً لوقوعها في حرج شديد لا يتحمَّل فإنَّه يجوز لها عندئذٍ إسقاطه ما لم تلجه الروح، أمَّا بعد ولوج الروح فيه فلا يجوز شرعاً إسقاطه حتَّىٰ في حالة الضرر والحرج، وكذا يحرم قتل الأجنَّة خارج جسم الأُم كالإنجاب الصناعي (طفل الأنابيب) فإنَّه حرام، وهو كل لقيحه خارج رحم الأُم سواء كان بالحاضنة الصناعية أو في الأنابيب أو في رحم المرأة الأجنبية أو رحم الضرة(59).
الفصل الرابع: طرق منع الحمل الطبيعية والطبية:
هناك طرق كثيرة طبية وطبيعية ذكرتها المصادر والمراجع تستعمل لمنع الحمل علىٰ مرِّ السنين، والتي يعبر عن بعضها بالطرق الطبيعية التقليدية، التي لها مدخلية في عملية منع وتحديد الحمل.
لذا سوف نتعرَّض لهذه الطرق الطبيعية والطبية، والأكثر أهمية بما يتلاءم وطبيعة المقال العلمي، وعلىٰ نحو الإجمال، وكما يلي:
الطرق الطبيعية:
ونقصد بالطرق الطبيعية هي الوسائل التي لا يكون للطب أي مدخلية فيها، وهي كثيرة، وكما يلي:
الأولىٰ: المفاخذة.
الثانية: العزل.
وقد تقدَّم الكلام عن الطريقتين بشكل مفصَّل وبيان حكمها الشرعي.
الثالثة: العدد والحساب:
وهي من الطرق التقليدية والبدائية القديمة التي عرفتها النساء، إلَّا أنَّها طريقة غير فعالة مع النساء المرضعات، وكذلك مع النساء ذات الدورة المضطربة غير المنتظمة، فإنَّها تكون فعَّالة مع النساء ذات الدورة المنتظمة، حيث تجري النساء عملية العدد والحساب في تحديد موعد نزول البيضة بعد طهارتها من الحيض، وضابط عملية العدد والحساب أن تمنع الزوجة زوجها من التمكين والمقاربة قبل الإباضة بثلاثة أيام وبعدها كذلك(60)، وتسمَّىٰ هذه الطريقة: جدولة الحمل، ولها من المحاسن بعدم وجود أضرار جانبية، كما وأنَّها طريقة غير مكلفة(61).
الرابعة: الرضاعة الطبيعية:
وهذه الطريقة تقليدية لها تأثير جانبي علىٰ المنع من الحمل عند النساء المرضعات، حيث تكون نسبة حصول الحمل قليلة ما دام هناك إرضاع لطفلها، وذلك لقلة فرص حدوث التبويض، وكذلك يرافق عملية الإرضاع انقطاع الدورة، فمن محاسن هذه الطريقة عدم حصول الحمل بنسبة عالية كما وأنَّها من الوسائل المؤقتة في تحديد وتنظيم النسل(62)، لذا يعبر عنه بالعقم الموقت للمرأة.
الخامسة: الأعشاب الطبية(63):
والطبية قيدٌ للأعشاب لكون بعض الأعشاب تستخدم في الطبخ لإعطائها النكهة، وموردنا استعمالها لغرض العلاج، فيكون استعمالها بشكل طبيعي دون أي أعراض جانبية، فيكون استعمالها داخلياً من الموضع المعتاد للمرأة وآخر عن طريق الفم، والمعروف أنَّ أكثر استعمالها يكون داخلياً، فيكون وظيفة هذه الأعشاب الطبيَّة للحدِّ من منع الحمل، والتأثير علىٰ انغراس البويضة في تعلقها بالرحم، وعدم تعقُّلها من الناحية الطبية يعني انكسارها، وبالتالي يحصل أو يحدث الحيض للمرأة، وهي كثيرة من قبيل: الجزر البري، والأرجوان الهندي، والنعناع، والجذر الأزرق، والزنجبيل، وحبَّات الكشمش، وإلىٰ غير ذلك(64).
كعسل النباتات الشوكية، وهذه توضع في داخل فرج المرأة وصولاً إلىٰ المهبل لكي تمنع وصول السائل المنوي إلىٰ تلقيح بويضة الزوجة، فمن خلال ما تقدَّم يكون الموقف الفقهي من الطرق الطبيعية الجواز والإباحة، ما لم يكن هناك ضرر معتداً به علىٰ المرأة مما يؤدِّي إلىٰ هلاكها.
الطرق الطبية:
هناك طرق عديدة ذكرتها المصادر الطبية لأهل الاختصاص، نتطرَّق إلىٰ بعضها علىٰ نحو الإجمال، نظراً لأهميتها وعدم ذكر البقية خشية الإطالة:
الأولىٰ: اللولب الرحمي:
تعريفه: آلة بسيطة بلاستيكية وقطع نحاسية صغيرة للحدِّ من وصول الحيامن إلىٰ قناة فالوب فيمنع انغراس البويضة الملقحة في جدار الرحم(65).
وظيفته: يمنع علوق الكرة الجرثومية التي تتكوَّن من النطفة الأمشاج، حيث يطلق نوعاً من الهرمونات البروجستين التي تمنع الحمل، لكونه يعمل علىٰ تثخين المادة المخاطية في عنق الرحم، حتَّىٰ تمنع وصول الحيوانات المنوية إلىٰ البيضة وتخصيبها، وكذلك يعمل علىٰ تخفيف سمك بطانة الرحم لمنع التبويض(66).
حكم الولب الرحمي:
الجواز في استعماله لكن بشروط ذكرها فقهاؤنا، من قبيل عدم اللمس والنظر من قبل الأجنبي، فلا تكون المباشرة إلَّا من قبل الزوج أو الطبيبة مع وجود الحائل، وأن لا يلحق الضرر بالزوجة، كما أنَّهم اشترطوا بوجود ضرورة وحاجة ماسة لها(67).
قال السيد السيستاني: (يجوز ولكن إذا توقَّف وضعه في الرحم علىٰ أن يباشر ذلك غير الزوج كالطبيبة، وتنظر أو تلمس من دون حائل ما يحرم كشفه اختياراً كالعورة لزم الاقتصار في ذلك علىٰ مورد الضرورة)(68).
الثانية: الحبوب (المفردة، المزدوجة):
تعريفها: وسيلة من وسائل منع الحمل إلَّا أنَّ طبيعة عملها هرمونية، وتستعمل يومياً مرة واحدة، فهي إمَّا أن تكون ذات هرمون مفرد (بروجسترون) أو ثنائية الهرمون، حيث تتكوَّن من هرمون (استروجين وبروجسترون) إلَّا أنَّ فعاليتها عالية جداً(69).
وظيفتها: وعملها إيقاف عملية الإباضة من قبل الهرمونات، حيث إنَّها تمنع المبيض من إنتاج البيوض المعدَّة للتلقيح بالسائل المنوي، وكذلك من وظائف هذه الحبوب بنوعيها أن تزيد من سماكة وثخانة عنق الرحم والتي بدورها تمنع وصول الحيامن الذكرية إلىٰ البيوض(70).
حكمها الشرعي: الإباحة والجواز علىٰ ما هو المعروف في الرسائل العملية لفقهائنا، المشروط باستشارة الطبيب المختص وعدم وجود أعراض جانبية مؤثِّرة علىٰ صحَّة المرأة مع وجود الغرض العقلائي من أخذها، فيجوز استعمال هذه الحبوب وسيلة مشروعة لمنع انعقاد الحمل(71).
قال الشيخ مكارم: (يجوز استعمال الحبوب المانعة للحمل)(72).
الثالثة: الإبرة:
تعريفها: من أهم وسائل منع الحمل الهرمونية الطبية التي عرفتها النساء، نظراً لشدَّة فعاليتها وأهميتها، تؤخذ في العضلة أو عن طريق الفم، ولها نوعان: إمَّا أن تكون تحوي علىٰ هرمون واحد (البروجسترون) وإمَّا أن تحوي هرموني (البروجسترون والأستروجين)(73).
استعمالها: تؤخذ من قبل النساء بجرعة (150ملم) لكلِّ ثلاثة أشهر مرة واحدة، إمَّا عن طريق العضلة أو عن طريق الفم لضرورة فعاليتها وأهميتها، وذلك لاحتوائها علىٰ هرمون البروجسترون المفرد أو المزدوج طويلة الفعالية، ومن ميزات هذه الإبرة أنَّها لا تصرف إلَّا بوصفة طبية، فتمنع الإباضة عن استعمالها، كما أنَّ استعمالها لا يصح من جميع النساء، وإنَّما يقتصر الأمر علىٰ النساء ذات دورة المنتظمة، لضرورة كون الإبرة شديدة الفعالية، ولها تأثير فعَّال علىٰ عدم(74) إنتاج البيوض مما يؤدِّي استعمالها إلىٰ تأخير الخصوبة.
حكم الإبرة شرعاً:
الجواز، ما دام أنَّها تمنع الحمل بشكل مؤقَّت وأن لا تلحق ضرراً بالزوجة(75).
قال السيد محمد سعيد الحكيم: (يجوز استعمال ذلك إلَّا أن يؤدِّي إلىٰ ضرر بليغ بالصحة، نعم مع عدم الضرورة الصحية الأحوط وجوباً للزوجة إرضاء الزوج بذلك)(76).
وهنالك طرق أخرىٰ لا حاجة لنا بذكرها من قبيل الواقي الذكري والأنثوي وغطاء عنق الرحم أو ما يعرف بالحجاب الحاجز، والكريمات الطبية والعشبية، والتي تكون وظيفتها الأساسية قتل الحيوانات المنوية والتحاميل التي توضع داخل الرحم، والحال نفسه مع اللصقات الجلدية، بالإضافة إلىٰ استعمال الحلقات المهبلية، وقد استحدث الأطباء نوعاً آخر من وسائل منع الحمل عبارة عن قضيب يزرع في ذراع المرأة ويغرس تحت الجلد(77)، فكل ما تم ذكره يعد من وسائل منع الحمل، إلَّا أنَّ الطرق التي تعتبر أكثر رواجاً ومعرفةً بين الأزواج هي الطبيعية والطبية وكذلك الجراحية التي سوف نوضِّحها إن شاء الله.
الطرق الجراحية:
والتي يعبَّر عنها بالتعقيم، ومعناها جعل الإنسان ذكراً أو أنثىٰ غير صالح للإنجاب بالعمليات الجراحية – التداخل الجراحي للرجال والنساء، لغرض منع الحمل دائماً أو مؤقتاً عن طريق قطع الأنابيب الناقلة أو غلقها، أو قطع القناة الدافقة أو ما يعبَّر عنها باستئصال الأسهر بالنسبة للرجال، وأمَّا معنىٰ تعقيم النساء هو ربط قناة فالوب والذي يعرف بربط البوق بشكل دائم عن طريق الكوي أو سدِّ القناة، وكذلك عن طريق استئصال قناتي فالوب أو استئصال الرحم، والغرض منه منع وصول البيوض إلىٰ رحم المرأة، وبالتالي يمنع تلقيحها من الحيامن الذكرية فيمنع الحمل إمَّا بشكل دائمي أو مؤقَّت بحسب نوع التعقيم(78).
ويمكن إيضاح التعقيم بما يلي:
أوَّلاً: تعقيم الرجال:
عمليات يقوم بها الأطباء المختصُّون لمنع حصول الحمل المؤقت أو الدائم عن طريق قطع الأنابيب التي تكون حاملة للحيوانات المنوية أو غلقها فيخلوا السائل المنوي من الحيوانات المنوية، وعلىٰ ضوء ذلك يفقد الرجل القدرة علىٰ التخصيب، والملاحظ علىٰ أنَّ إجراء هذه العمليات تحت التخدير الموضعي من قبيل الطبيب المختص حيث سمي بالعمليات المنظارية، وبها يغلق الطبيب القنوات المنوية فتكون هذه الحيوانات غير قادرة علىٰ المرور والنفاذ من القناة بعد غلقها، فلا يمكن وصولها إلىٰ البروستات والحويصلات، وبها تكون عملية الإخصاب أمراً مستحيلاً فيكون الرجل غير صالح للإنجاب بصفة مستمرة(79).
حكم التعقيم:
فإن عدَّ التعقيم مانعاً دائماً من الإنجاب أو يلحق ضرراً بالرجل من قبيل قطع بعض الأعضاء التناسلية فهو غير جائز، وإن عدَّ مانعاً مؤقتاً ولم يلحق ضرراً بالغاً فهو جائز(80).
قال السيد السيستاني: (يجوز للمرأة أن تجري عملية جراحية لغلق القناة التناسلية النفير وإن كان يؤدِّي إلىٰ قطع نسلها بحيث لا تحمل أبداً… ونظير هذا الكلام كله يجري في الرجل أيضاً)(81).
الثاني: تعقيم النساء:
معناه: أهم وسائل منع الحمل وأكثرها فعالية بشكل دائمي، والذي يعبَّر عنه بربط البوق وتسمَّىٰ كذلك بربط قناة فالوب، ولها تسمية أخرىٰ تعرف بقناة الرحم، حيث يمكن من خلالها منع الحيوانات المنوية بالوصول إلىٰ البيوض لغرض تلقيحها، ومن ثمة يتم انتقال البيوض إلىٰ الرحم.
آلية التعقيم:
وهذا يكون بعدَّة طرق، وكما يلي:
التعقيم الأوَّل: ربط البوق – ربط قناة فالوب:
بشكل دائم، وقد يعبَّر عنه بتعقيم الأنابيب، فإمَّا أن يكون بقطع الأنابيب، أو ربطها، أو كويها حتَّىٰ لا تصل البيوض إلىٰ رحم المرأة وتلتقي بالحيامن المنوية، فبهذه الطريقة تمنع عملية الإخصاب، فيتم التعقيم بجعل بعض الشقوق في بطن المرأة عن طريق تنظير البطن بالناظور الطبي، وقد يكون التعقيم مع الولادة الجراحية – القيصرية، هذه العمليات ذات فعالية عالية وهي أكثر العمليات الجراحية رواجاً بين الأزواج وأقلّها كلفة، إلَّا أنَّ نسبة حصول حمل خارج الرحم محتملة حتَّىٰ عدّ من مساوئها(82).
التعقيم الثاني: استئصال البوق – استئصال قناة فالوب:
ويقصدون بها رفع وإزالة القناة من الأصل، فلا حمل ولا تلقيح للبويضات بالكامل، فيكون عن طريق فتح بعض الشقوق في البدن أو في عملية جراحية مفتوحة، لذا يكون الاستئصال للقناتين بشكل كامل مما يجعل أمر حمل النساء مستحيلاً(83).
التعقيم الثالث: استئصال الرحم:
وهذا الاستئصال بمعنىٰ الرفع والإزالة إلىٰ الرحم بشكل جزئي فيكون عن طريق فتح البطن ومن ثم الإزالة أو عن طريق المهبل من الداخل، أو عن طريق المنظار، فشق البطن من أسفل الصرَّة للمرأة وهي من العمليات الجراحية المفتوحة، وبها يتم الاستئصال للرحم بشكل جزئي، الرحم هو المكان ولحاضنة الذي ينمو فيه الطفل أو الجنين عندما تحمل المرأة، مع بقاء عنق الرحم، أمَّا رفع الرحم بشكل كلِّي فيكون شاملاً للعنق معه(84).
وهناك استئصال رحمي مهبلي عن طريق شقِّ الرحم، ورفع الرحم بشكل جزئي دون عنق الرحم، ومن الطرق الأخرىٰ لإزالة ورفع واستئصال الرحم يكون بطرق عمل فتحات صغيرة في أسفل البطن، فيتم رفعه بعد تقطيعه من البطن، وإخراجه من هذه الفتحات دون إحداث عمليات تداخل جراحي(85)، وهذه العمليات المتقدمة لإزالة ورفع الرحم تتوقَّف علىٰ كبر وصغر الرحم وعنقه(86).
حكم التعقيم:
قال السيد السيستاني: (يجوز للمرأة أن تجري عملية جراحية لغلق القناة التناسلية – النفير وإن كان يؤدِّي إلىٰ قطع نسلها بحيث لا تحمل أبداً، ولكن إذا توقَّف علىٰ كشف من بدنها للنظر إليه أو للمسه من حائل لم يجز الكشف إلَّا في حالة الضرورة… ولا يجوز للمرأة أن تجري عملية جراحية لقطع الرحم، أو نزع المبيض ونحو ذلك مما يؤدِّي إلىٰ قطع نسلها، ولكن يستلزم ضرراً بليغاً إلَّا إذا اقتضته ضرورة مرضية…)(87).
الفصل الخامس: التكييف القانوني لوسائل منع الحمل:
ومعنىٰ القانون:
قواعد وأحكام تصنعها السلطة العليا لتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات وحماية حقوقهم وتقضي بالعقاب والثواب تنفذها الدولة بواسطة المحاكم(88)، أو مجموعة من القواعد القانونية التي تنشأ وتطبق بواسطة المؤسسات الاجتماعية أو الحكومية لتنظيم سلوك الأفراد(89).
وفي هذا المبحث سوف نقتفي أثر المواد القانونية التي تنص علىٰ إباحة وجواز أو حرمة استعمال هذه الوسائل، نقتصر الحكم علىٰ القانون العراقي، وبيان دور المشرع القانوني في تحديد عددٍ من النصوص القانونية والمواد التي تتعلَّق بوسائل منع الحمل بنصوص القانونية المتعلقة بالإجهاض.
قال السامرائي: (يحضر القانون العراقي والإجهاض في كلِّ مراحل الجنين، وقد أفرد مواداً خاصة تعاقب عليه، نص عليها قانون العقوبات البغدادي)(90).
قسَّم المشرِّع القانوني العراقي الإجهاض إلىٰ أربعة أقسام مبنية علىٰ السبب الرئيسي في الإسقاط من قبيل المرأة نفسها أو من الغير، سواء كان الإسقاط عن رضاها أو من دون رضاها، أو باستعمال وسائل الإجهاض من قبيل الإبر والحبوب أو المواد الكيميائية بغض النظر عن كون المباشر نفسها أو الطبيب أو القابلة، وكما يلي:
النص الأوَّل: م/ ٢٢٩ قانون العقوبات البغدادي(91):
الإسقاط عمداً: كل امرأة حبلىٰ أسقطت نفسها باستعمال وسائل مؤدِّية لهذا الغرض أو بتمكين غيرها من استعمال تلك الوسائل تعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنين (جنحة).
النص الثاني: م / ٢٣٠ قانون العقوبات البغدادي(92):
الإسقاط برضاها: كل من أسقط عمداً امرأة حبلىٰ برضاها بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنين جنحة وإذا ترتَّب علىٰ الإسقاط أو الوسائل التي استعملت لإحداثه موت المجني عليها، يعاقب الجاني بالأشغال الشاقة مدة لا تزيد عن سبع سنين (جناية).
النص الثالث: م/ ٢٣١ قانون البغدادي:
إسقاط دون الرضا: مع علمه بأنَّها حبلىٰ يعاقب بالأشغال الشاقة أو الحبس مدة لا تزيد عن عشر سنين جناية(93).
النص الرابع: الفقرة / ٩-د، المادة/ ٢ والمادة /٢٢ برقم / ٦٧ لسنة/ ١٩٥٢م.
مسألة الإجهاض العلاجي:
رخص به إذا كانت المرأة لم تتجاوز بحملها إلَّا أربعة أشهر الأولىٰ من الحمل، إذا كانت حالة الأُم الصحية تستدعي ذلك للحفاظ عليها من خطر الموت(94)، أي أن تكون هناك ضرورة للإسقاط.
حالة الضرورة:
تنص المادة / ٤٣ من قانون العقوبات البغدادي علىٰ أنَّه لا عقاب علىٰ من ارتكب جريمة ألجأته إلىٰ ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم علىٰ النفس علىٰ وشك الوقوع به أو بغيره، ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرىٰ(95)، يرىٰ بعض الباحثين في الشأن الطبي والقانوني، أنَّ القوانين الوضعية في الدول العربية والإسلامية، في مسألة الإجهاض – الإسقاط في بعضها تمنع وتحرم وتجرم هذه العمليات بكلِّ مسمَّياتها، وقد دلَّت عدداً من النصوص القانونية علىٰ ذلك من قبيل المادة / ١٧٤ ق ج ك(96).
لكلِّ من أجهض أو تسبَّب أو باشر في هذه العمليات العقوبات المنصوص عليها بحيث مواد قوانينه، وقد أجازت بعض الدول الإجهاض في موارد الضرورة التي تصيب المرأة من جراء ذلك الحمل(97).
الثانية: عمليات منع الحمل (التعقيم):
لم نعثر بشكل صريح عن وجود نصوص وقوانين ومواد تحرِّم وتجرِّم عمليات التداخل الجراحي في تعقيم الرجال والنساء، وإنَّما توجد مادة نصية قانونية تتعلَّق بالاتِّجار بالأعضاء البشرية وحرمة بيعها والتصرُّف بها.
فقد نصَّ القانون العراقي علىٰ ذلك بأحكام البند الأوَّل، المدة / 6 والبند الثالث من المادة / 73: (يحضر استئصال الأعضاء البشرية أو الأنسجة أو نقلها أو زرعها إلَّا لغرض علاجي…) رقم القرار / 11 لسنة / 2016م(98).
فإن عدَّت عمليات التعقيم للمرأة استئصال القناة أو الرحم أو المبايض، فإنَّها تكون مشمولة باستئصال عضواً مهماً من أعضاء بدن المرأة، فتكون هذه العمليات محرَّمة ومجرَّمة ومحذرة، وإن لم تعد كذلك فإنَّها لم يرد بها أي نص قانوني علىٰ حرمتها، فتكون هذه العمليات الجراحية داخلة تحت عنوان وغطاء قانوني طبي يسمَّىٰ (الأعمال الطبية المشروعة) أو (مشروعية العمل الطبي) وقد دلَّت علىٰ بعض النصوص والمواد القانونية علىٰ ذلك، من قبيل المادة 2 / 41 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969م(99).
وكذلك قانون ممارسة المهن الطبية، الرقم / 89 لسنة / 1981م قانون الصحة العامة وقانون التدرج الطبي والصحي رقم / 6 لسنة 2000م، وقانون المؤسسات الصحية، الرقم / 25 لسنة 2015م.
وهي قوانين تنظِّم عمليات ومزاولة أصحاب الشأن المذكور اختصاصاتهم الطبية في معالجة المرض(100)، وكذلك شرع قانون نقابة الأطباء رقم 81 لسنة 1984م، فهذه القوانين يمكن أن نعتبرها مبادئ وسياقات قانونية أساسية في مزاولة ذوي الاختصاص مجال عملهم، فيكون عملهم الطبي وفق القواعد والأعراف المتَّبعة في وزارة الصحة، فلا يصح عمل هذه المؤسسات والدوائر الصحية ما لم تكن هناك مؤهَّلات وتراخيص طبية لمزاولة وممارسة هذه المهن.
هذه المواد القانونية التي ذكرتها أوراق القانون العراقي وقد أوضح المشرِّع القانوني بالمواد القانونية التي تمنع من استعمالها دون غيرها من الوسائل لمنع الحمل حيث أطلقت وزارة الصحة العراقية: (الاستراتيجية الوطنية لتنظيم الأُسرة لسنة 2021 – 2025م والتي تم تطويرها بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتشاور مع العديد من القطاعات والفئات المستفيدة)(101).
النتائج:
واحد: معنىٰ وسائل منع الحمل:
وهي مجموعة وسائل طبيعية وطبية وجراحية يكون الغرض والدواعي من استعمالها منع حصول الحمل.
اثنان: الدوافع والأسباب:
جوانب موضوعية الغرض منها والحاجة لها منع حصول الحمل بين الأزواج، بغض النظر عن كونها دوافع مادية ومعنوية وصحية، وإلىٰ غير ذلك.
ثلاثة: طرق منع الحمل:
الفقهية منها: التفخيذ والعزل والإجهاض.
والطبيعية منها: كالعدد والحساب، والأعشاب الطبية والإرضاع الطبيعي.
والطبية منها: كالحبوب بنوعيها، والإبر والمستحضرات، واللولب الرحمي.
والجراحية منها: كالتعقيم للرجال والنساء.
الرابعة: التكييف الفقهي:
في الوسائل الطبيعية والفقهية الجواز، وفيما عدا الإسقاط، – الإجهاض الحرمة وعدم الجواز، إلَّا إذا خيف علىٰ الزوجة الأُم الضرر من الحمل.
وفي الوسائل الجراحية كالتعقيم للرجال، فإن عدَّ مانعاً دائماً من الإنجاب ويلحق ضرراً فهو غير جائز، وإن عدَّ مانعاً مؤقتاً ولم يلحق ضرراً فهو جائز، ويجوز التعقيم للمرأة لغلق قناة فالوب المشروط بعدم اللمس والنظر والكشف من دون حائل مع وجود الضرورة، ولا يجوز للمرأة إجراء عملية جراحية لنزع الرحم ونزع المبيض أو نحوه مما يؤدِّي إلىٰ قطع نسلها.
الخامسة: التكييف القانوني:
التحريم والتجريم والعقاب في عمليات الإجهاض – الإسقاط، ما لم تكن هنالك ضرورة علىٰ ذلك.
الهوامش:
(1) منهاج الصالحين، السيستاني، 3 / 11.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، 9 / 216.
(3) بتصرف: قراءات فقهية معاصرة، مجموعة الفقهاء والباحثين، 1 / 116.
(4) انظر: الأعشاب الطبية، مجموعة باحثين، ترجمة محمد كاظم، ص45 – 47.
(5) انظر: الأدوية والحمل، صباح ميخائيل ومصعب جميل وآخرين، ص1 -2. انظر: التداوي بالأعشاب الطبية، الأنطاكي، ص5.
(6) انظر: طب الفقراء والمساكين، ابن الجزار، ص166 – 168.
(7) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 11 / 724. انظر: العين، مادة وسل. انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 6 / 110.
(8) انظر: الصحاح، الجواهري، 5 / 1841. انظر: الهادي إلىٰ اللغة العربية، حسين الكرمي، 4 / 487.
(9) التوسل، جعفر السبحاني، 1 / 6 -7.
(10) تفسير القمي، علي ابن إبراهيم، 1 / 168.
(11) انظر: مستدرك الوسيلة، النمازي، 10 / 301. انظر: مكيال المكارم، الأصفهاني، 1 / 324.
(12) مجمع البيان، الطبرسي، 3 / 293.
(13) انظر: الصحاح، الجوهري، 3 / 1287. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 1 / 706.
(14) انظر: إرشاد الفحول، الشوكاني، ص807. انظر: الوجيز في أصول الفقه، الزحيلي، 3 / 415.
(15) نقلاً عن سلسلة الينابيع، مرواريد، 20 / 273.
(16) رياض المسائل، محمد علي الطباطبائي، 14 / 208.
(17) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 4 / 228. انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ص283.
(18) انظر: العين، الخليل، 3 / 241. انظر: جمهرة اللغة، الأزدي، 1 / 566. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 5 / 59.
(19) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني، 7 / 4. انظر: حاشية العدوي، أبو الحسن ابن مكرم الصعيدي، 2 / 25.
(20) انظر: منع الحمل، كاظم البهادلي، ص11.
(21) بتصرف: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد علي البار، 1 / 412.
(22) انظر: تحديد وتنظيم النسل، حسين الصافي، ص75. انظر: المجمع الفقهي – الكويت، الدورة الخامسة. برقم / 39 في 6 جمادي الآخر / 1988م. انظر: جامع تراث الألباني، شادي آل نعمان، 12 / 316.
(23) انظر: منهاج الصالحين، الخوئي، 2 / 284. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 428. انظر: الفتاوىٰ، محمد سعيد الحكيم، ص9 -4. انظر: الفتاوىٰ، مكارم الشيرازي، ص435.
(24) انظر: منع الحمل، أحمد كاظم البهادلي، ص14. انظر: تحديد وتنظيم النسل، حسين الصافي، ص161. انظر: وسائل منع الحمل وتحديد النسل، كاظم المحمداوي، ص37 – 39.
(25) نظر: تفسير ابن كثير، أبو الفداء ابن كثير، 7 / 397.
(26) ميزان الحكمة، الري شهري، 2 / 1068.
(27) منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 332.
(28) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 26 / 2 -4. انظر: الأربعون، النووي الدمشقي، ص32.
(29) مئة قاعدة فقهية، المصطفوي، 1 / 153. انظر: قاعدة لا ضرر ولا ضرار، السيد السيستاني، ص5 -6.
(30) انظر: القواعد والفوائد، الشهيد الأول، 1 / 74. انظر: القواعد الفقهية، البجنوردي، 1 / 212. القواعد، مكارم الشيرازي، 1 / 28.
(31) القواعد والفوائد، الشهيد الأول، 1 / 74.
(32) انظر: السنن الكبرىٰ، البيهقي، 7 / 464. انظر: سنن ابن ماجه، ابن ماجه، ص2012.
(33) انظر: وسائل منع وتحديد الحمل، المحمداوي، ص44 – 45.
(34) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني، 2 / 335. انظر: الشرح الكبير، الدرديري، 2 / 217. انظر: المغنىٰ، ابن قدامه، 7 / 444.
(35) انظر: جامع الأحكام الشرعية، السبزواري، ص653.
(36) انظر: المسائل المنتخبة، السيستاني، ص524.
(37) انظر: الفتاوىٰ، محمد سعيد الحكيم، ص409.
(38) انظر: الفتاوىٰ، ناصر مكارم الشيرازي، ص435.
(39) انظر: الشرح الكبير، الرافعي، 8 / 36. انظر: روضة الطالبين، النووي، 7/ 113، انظر: مواهب الجليل، 3 / 166.
(40) انظر: العروة الوثقىٰ، اليزدي، 5 / 52. انظر: تحرير الوسيلة، الخميني، 2 / 216. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 3 / 8 -9.
(41) العروة الوثقىٰ، اليزدي، 2 / 692.
(42) منهاج الصالحين، السيستاني، 3 / 10.
(43) منهاج الصالحين، الخوئي، 2 / 259.
(44) منهاج الصالحين، السيستاني، 3 / 11.
(45) انظر: المقنعة، المفيد، ص515. انظر: الخلاف، الطوسي، ص359. انظر: اللمعة الدمشقية، الشهيد الأول، ص106.
(46) مسألة تحديد النسل، محمد سعيد البوطي، ص37.
(47) انظر: المقنعة، المفيد، ص515. انظر: الخلاف، الطوسي، 359. انظر: اللمعة الدمشقية، الشهيد الأول، ص106.
(48) انظر: شرائع الإسلام، 1-2 / 424.
(49) كتاب النكاح، الأعظم الأنصاري، 3 / 73.
(50) منهاج الصالحين، السيستاني، 3 / 11.
(51) انظر: مباني تكملة المنهاج، الخوئي، 2 / 506.
(52) انظر: المحلىٰ، ابن حزم، 11/ 30، انظر: حاشية الدسوقي علىٰ الشرح الكبير، الدسوقي، 3 / 86. انظر: شرائع الإسلام، المحقق الحلي، 4 / 290.
(53) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3 / 131.انظر: الصحاح، الجوهري، 3 / 1069. انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1 / 131.
(54) انظر: المقنعة، المفيد، ص763. الشرائع، المحقق الحلي، 9 / 417. انظر: المختلف، العلامة الحلي، 4 / 147. انظر: الفقه الإسلامي، الزحيلي، 9 / 3093.
(55) انظر: الاجتهاد الفقهي، سناء الدبسي، ص144.
(56) انظر: منهاج، محسن الحكيم، 2 / 300. انظر: المسائل الشرعية، الخوئي، 2 / 309. مهذب الأحكام، السبزواري، 29 / 309. انظر: الفتاوي المسيرة، السيستاني، 1 / 430.
(57) منهاج الصالحين، الخوئي، 2 / 284.
(58) الفتاوىٰ الميسرة، السيستاني، 1 / 430.
(59) انظر: المسائل المنتخبة، الخوئي، انظر: تحرير الوسيلة، الخميني، 2 / 621. انظر: مهذب الأحكام، السبزواري، ما وراء الفقه، محمد الصدر، 8 / 16.
(60) انظر: منع الحمل، كاظم البهادلي، ص17. انظر: تحديد وتنظيم النسل، حسين الصافي، 250، وسائل منع الحمل، كاظم المحمداوي، 81.
(61) انظر: وسائل تحديد النسل، حسين الصافي، ص250.
(62) شبكة، الموقع الطبي، بشرىٰ مصطفىٰ جبر، الحيض مع الرضاعة، Https://www.vejthaani.com
(63) بتصرف: مصطلحات العلوم الزراعية، مجموعة علماء، ص789.
(64) انظر: الأعشاب دواء لكلِّ داء، فيصل محمد عراقي، ص7 -10. انظر: النباتات الطبية، وائل الاغواني، ص5 -6.
(65) بتصرف: تحديد وتنظيم النسل، حسين الصافي، ص87. انظر: الوسائل الرحمية لمنع الحمل، منظمة الصحة العالمية، ص3.
(66) انظر: الوسائل الرحمية لمنع الحمل، ص35 -37.
(67) انظر: الفتاوىٰ، محمد سعيد الحكيم، ص69. انظر: الفتاوىٰ، مكارم الشيرازي، ص435. انظر: جامع الأحكام، السبزواري، ص653.
(68) المسائل المنتخبة، السيستاني، ص578. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 428.
(69) انظر: تنظيم النسل، الزين يعقوب، ص272. انظر: صحة المرأة، أحمد عماد، ص39.
(70) انظر: موسوعة الأدوية الطبية، عمر مختار، ص5 -6. انظر: تنظيم النسل، حسين الصافي، ص205.
(71) انظر: جامع الأحكام، السبزواري، ص653.
(72) الفتاوىٰ الجديدة، ناصر مكارم الشيرزي، 2 / 472.
(73) شبكة ENT الموقع الطبي. https://altibbi.com
(74) شبكة النت الموقع. https://www. Dailymed-nlm.nih.gov
(75) انظر: جامع الاحكام، السبزواري، ص653. انظر: المسائل المنتخبة، السيستاني، ص534. انظر: الفتاوىٰ، مكارم الشيرازي.
(76) الفتاوىٰ، أسئلة وأجوبة، محمد سعيد الحكيم، 1 / 405.
(77) انظر: منع الحمل، محمد فتحي، ص169 – 190. انظر: منع الحمل، كاظم البهادلي، ص17.
(78) انظر: الطب البشري الموسوعة العربية، الملوحي، 6 / 637. انظر: حكم العقم في الإسلام، الخياط، ص4.
(79) انظر: الدين وتنظيم الأسرة، الشرباصي، ص85. انظر: حكم العقم في الإسلام، الخياط، ص4.
(80) انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 429.
(81) منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 429.
(82) انظر: منع الحمل الجراحي، سعد عبدالله اليسر، ص6-8 ص687. انظر: منع الحمل الجراحي، سعد عبد الله اليسر، ص13-14.
(83) انظر: الأحكام المتصلة بالعقم والإنجاب ومنع الحمل، عائشة أحمد، ص14 -16.
(84) شبكة ENTالموقع رادينا سلامت، استئصال الرحم، https://wwwraadinahealth.com
(85) شبكة ent الموقع ما يوكليك، استئصال الرحم المهبلي، https://wwwmayoclinic.com
(86) بتصرف: منع الحمل الجراحي – التعقيم، سعد عبد الله اليسر، 5 – 10. انظر: مجلة البحوث الإسلامية، 5 / 126.
(87) منهاج الصالحين، السيستاني، 1 / 512.
(88) انظر: الوجيز في نظرية القانون، محمد حسنين، ص7.
(89) انظر: المدخل لدراسة القانون والشريعة، البكري، ص34. انظر: علم أصول القانون، النقشبندي، ص50.
(90) قانون العقوبات، كمال السامرائي، ص151. انظر: قانون العقوبات العراقي، أكرم نشأت، ص150 – 152.
(91) انظر: قانون العقوبات، السامرائي، ص151 – 152. انظر: الإجهاض، فتحية مصطفىٰ عطوي، ص467.
(92) المصدر نفسه.
(93) انظر: القضاء الجنائي العراقي، بيان سلمان، 3 / 270. انظر: الإجهاض، فتحية عطوي، ص468.
(94) انظر: القضاء الجنائي العراقي، بيان سلمان، 3 / 270. انظر: الإجهاض، فتحية عطوي، ص468.
(95) الأحكام العامة في قانون العقوبات العراقي، نشأت أكرم، ص94 – 95.
(96) انظر: الوسيط في شرح قانون الجزاء الكويتي، بكر عبد المهيمن، ص182.
(97) انظر: المسؤولية الجنائية، العوجي، ص516. انظر: الإجهاض، العطوي، ص445.
(98) انظر: جريدة الوقائع العراقية، العدد 4405، بتاريخ 8 شعبان 1437هـ، 2016م.
(99) شبكة Ent الموقع مجلس القضاء الأعلىٰ – جمهورية العراق – إباحة العمل الطبي، القاضي عمار عبد الله. Httpps://wwwsjc.ig
(100) جريدة الوقائع العراقية – العدد 440، بتاريخ 16 / 5 / 2016.
(101) شبكة Entالموقع جمار، تنظيم الأسرة، https://jummar.media