دروس تمهيدية في فلسفة الفقه – الحلقة الخامسة

دخول المنطق الأرسطي إلى العلوم الشرعية

(الدرس 10)

الفصل الرابع: أُسس الإلزام في الفقه:

جذور الإلزام التشريعي في الفقه الإسلامي:

المقدمة:

تُعد إشكالية (الإلزام) حجر الزاوية في فلسفة القانون وعلم الفقه علىٰ حدٍّ سواء، فالسؤال الجوهري الذي يطرحه العقل القانوني هو: لماذا يجب علىٰ الإنسان أن يطيع القانون؟ وما هو المنبع الذي تستمد منه القواعدُ التشريعية سلطتَها القهرية علىٰ سلوك الأفراد؟

بينما تتأرجح النظريات الوضعية الغربية بين الاتِّجاه الشكلي وإرادة الحاكم والقوة والاتِّجاه الموضوعي القانون الطبيعي أو الروح التاريخية للشعوب، يقدِّم الفقه الإسلامي منظومة مركبة للإلزام، تمزج بين الوازع العقدي الداخلي والسلطة التنظيمية الخارجية.

من هنا نسعىٰ إلىٰ تفكيك البنية الفلسفية للإلزام في الفقه الإسلامي عبر مسارين: مسار ذاتي يتَّصل بالمكلَّف المسلم، ومسار موضوعي يتَّصل بغير المسلم داخل المجتمع الإسلامي.

المبحث الأوَّل: فلسفة الإلزام وتبرير الطاعة لدىٰ المسلم:

لا ينفصل الفقه الإسلامي عن جذوره العقدية والأخلاقية؛ فالإلزام فيه ليس مجرَّد خضوع لسلطة قاهرة، بل هو استجابة لنداء عقلي وفطري يتشكَّل عبر عدَّة نظريات متكاملة:

1 – نظرية حق الطاعة والسيادة المطلقة:

يمثل حق الطاعة الأساس العقلي الأوَّل للإلزام، تنطلق هذه النظرية من بديهية عقلية تقضي بأنَّ شكر المنعم واجب عقلي، وبما أنَّ الله تعالىٰ هو المالك المطلق للكون، والمُوجد للإنسان من العدم، فإنَّ العقل العملي يحكم بضرورة خضوع المملوك وهو الإنسان لمالكه وهو الله.

قال الشهيد الصدر (رحمه الله): (لأنَّ المولوية عبارة عن حق الطاعة وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية ولكن حق الطاعة له مراتب، وكلَّما كان الملاك آكد كان حق الطاعة أوسع، فقد يفرض بعض المراتب من منعمية المنعم لا يترتَّب عليه حق الطاعة إلَّا في بعض التكاليف المهمة لا في كلِّها، وقد تكون المنعمية أوسع بنحو يترتَّب حق الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، وقد تكون مولوية المولىٰ أوسع دائرة من ذلك بأن كانت منعميته بدرجة يترتَّب عليه حق الطاعة حتَّىٰ في المشكوكات والمحتملات من التكاليف)(1).

وعليه، فإنَّ الإلزام هنا ينبع من المولوية الذاتية لله تعالىٰ، وهي سلطة لا تحتاج إلىٰ جعل أو اعتبار، بل هي ثابتة بالذات، ومن هذه المولوية الإلهية، تتفرَّع مولويات أخرىٰ مجعولة بالتفويض، مثل ولاية النبي (ص) والأئمة أو الحكام الشرعي، حيث يصبح عصيانهم عصياناً للمولىٰ الحقيقي.

2 – نظرية الغائية والابتلاء (الهدف من الخلق):

يرفض التصوُّر الإسلامي عبثية الوجود، فالخلق عملية هادفة والإنسان مخلوق لغاية الكمال وهذا ما تفق عليه جميع الاتِّجاهات الإسلامية قال المحقق الكركي في رسائله: (ثم إنَّ قول المحقق الشريف (قدّس سرّه): ومن قال بتعليلها إلىٰ آخره، إشارة إلىٰ ما اختار العلامة التفتازاني من أنَّ الحق أنَّ بعض أفعاله تعالىٰ معلَّلة بالأغراض، بناءً علىٰ الروايات.

قال في شرح المقاصد: الحق أنَّ تعليل بعض الأفعال سيما شرعية الأحكام بالحكم والمصالح ظاهر، كإيجاب الحدود والكفارات، وتحريم المسكرات وما أشبه ذلك، والنصوص أيضاً شاهدة… ثم قال (رحمه الله) في معرض الجواب: ثم إنَّ كلام العلامة التفتازاني حيث قال: إثبات الغرض في جميع أفعاله تعالىٰ محل بحث، ضعيف، لأنَّ الرواية كما دلَّت علىٰ إثبات الغرض في البعض دلَّت في الكل، لأنَّ الحديث القدسي: «لولاك ما خلقت الأفلاك»، و «يا إنسان خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي»، و«كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لأُعرف»، وأمثاله يدل علىٰ الغرض مطلقاً، وأيضاً العقل كان يحكم بأنَّ المختار لابد لفعله من غرض)(2)، والطريق إلىٰ هذا الكمال يمر عبر الابتلاء والاختبار قال تعالىٰ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: 2)، وبما أنَّ العقل البشري قاصر عن إدراك تفاصيل المصالح والمفاسد في لوازمها البعيدة، وبما أنَّ الإنسان يحتاج إلىٰ مخطط تشغيلي لضمان سلامة مسيرته، فإنَّ الشرع يأتي كضرورة لملء هذا الفراغ.

إذن، يصبح الالتزام بالفقه وسيلة ضرورية لتحقيق الغاية من الخلق، سواء عادت الفائدة إلىٰ الله وهو منزَّه عن الحاجة أو إلىٰ الإنسان وهو الأرجح لتحقيق سعادته الدنيوية والأخروية.

3 – نظرية الولاية (السلطة الشرعية):

تنتقل هذه النظرية من البُعد الفلسفي المجرد إلىٰ البعد السياسي الديني، فالنصوص القرآنية تؤسِّس لمفهوم الولاية كحق حصري لله، يتم تفويضه للنبي (ص) ثم لأولي الأمر.

وفقاً لآية: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ﴾ (يوسف: 40)، فإنَّ أيِّ تشريع بشري لا يستمد شرعيته من الإذن الإلهي هو تشريع فاقد لمشروعية الإلزام.

وعليه، فإنَّ طاعة القوانين الفقهية تصبح واجبة لأنَّها صادرة عمن يملك حق التشريع (الولاية)، سواء كانت ولاية المعصوم عند الشيعة أو الفقيه أو ولاية أهل الحل والعقد والمجتهدين في الفقه العام عند أهل السُنَّة، وهذا ما أوضحه الشيخ منتظري: (إنَّ العقلاء بفطرتهم يعتبرون في الحاكم كونه عاقلاً أميناً عالماً برموز السياسة والتدبير قادراً علىٰ التنفيذ والإجراء، وأنَّه إذا كانت الأُمَّة تعتقد بمبدأ خاص وأيديولوجية خاصة حاوية لمسائل الحياة في جميع مراحلها فلا محالة تراعي في الحاكم – مضافاً إلىٰ الشروط العامة – كونه معتقداً بهذا المبدأ وعالماً بمقرراته العادلة المرتبطة بشؤون الحياة لكي يقدر علىٰ تنفيذها)(3).

4 – نظرية المصلحة والحقوق العامة (البعد الاجتماعي):

إذا كانت النظريات السابقة تركِّز علىٰ البعد الرأسي (إنسان-خالق)، فإنَّ هذه النظرية تؤسِّس للإلزام من منظور أفقي (إنسان-مجتمع).

يقوم الفقه الإسلامي علىٰ رعاية المصالح ودرء المفاسد والدولة أو ولي الأمر مؤتمنة علىٰ النظام العام وحماية الحقوق المشتركة بين الأفراد، والسرّ في ذلك: (أنَّ من أكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأُمَّة وليس يحفظ نظامها إلَّا بسدِّ ثُلمات الهرج والفتن والاعتداء وأنَّ ذلك لا يكون واقعاً موقعه إلَّا إذا تولَّته الشريعة ونفذته الحكومة، وإلَّا لم يزدد الناس بدفع الشر إلَّا شراً)(4).

لذلك يتحوَّل الإلزام هنا إلىٰ ضرورة عقلائية لحفظ النظام الاجتماعي.

فالتزام المسلم بالقوانين ليس فقط تعبداً، بل لأنَّ مخالفتها تؤدِّي إلىٰ الإخلال بالنظام وهو أمر قبيح عقلاً ومحرَّم شرعاً، هذا ما يجعل القوانين التنظيمية كقوانين المرور أو البناء ملزمة شرعاً تحت عنوان رعاية المصالح العامة.

المبحث الثاني: هندسة الإلزام لغير المسلم (من العقد إلىٰ المواطنة):

إذا كان الإيمان هو دافع الالتزام للمسلم، فكيف يفسر الفقه الإسلامي خضوع غير المسلم لأحكام الدولة الإسلامية؟ هنا ننتقل من الإلزام العقدي إلىٰ الإلزام القانوني التعاقدي، وقد تطوَّر هذا المفهوم عبر مرحلتين:

1 – المنظور التقليدي: نظرية عقد الذمة:

في الفقه الإسلامي لا يُلزم غير المسلم بالفروع العقدية والعبادية، وإنَّما يخضع للنظام العام عبر آلية تعاقدية تُسمَّىٰ (عقد الذمة).

هو بمثابة عقد اجتماعي مصغر، يلتزم بموجبه غير المسلم بدفع ضريبة الجزية واحترام النظام العام للدولة، مقابل التزام الدولة بحمايته في دمه وماله وعرضه ومنحه حرية ممارسة شعائره الخاصة.

وأساس الإلزام هنا نابع من مبدأ الوفاء بالعقود والتراضي، فبمجرد قبول غير المسلم العيش تحت راية الدولة الإسلامية، فإنَّه يوقع ضمنياً علىٰ هذا العقد، مما يوجب عليه الالتزام بالقوانين السارية في المعاملات والجنايات والنظام العام.

2 – المنظور المعاصر: نظرية المواطنة:

مع تطوُّر شكل الدولة الحديثة، برز اتِّجاه فقهي وقانوني يعيد قراءة الإلزام بناءً علىٰ مبدأ المواطنة متجاوزاً الصيغة التعاقدية القديمة، حيث ينظر هذا الاتِّجاه إلىٰ أنَّ الإلزام ينبع من الانتماء إلىٰ الأرض والوطن فالدولة الحديثة تمارس سيادتها علىٰ إقليم محدَّد، وكل من يقيم علىٰ هذا الإقليم مسلماً كان أو غير مسلم فإنَّه يخضع لقانونه العام.

وفقاً لهذه النظرية، يتساوىٰ الجميع في الحقوق والواجبات المدنية، فأساس الإلزام لغير المسلم هو نفسه أساس الإلزام للمسلم في الجانب المدني هو احترام النظام العام والمصلحة المشتركة.

إنَّ غير المسلم، بوصفه مواطناً، شريك في المصالح العامة أمن، اقتصاد، بنية تحتية، وهذه الشراكة تولد التزاماً عقلياً وقانونياً بالخضوع للنظام الذي يحمي هذه المصالح، لم يعد الإلزام دينياً بحتاً، بل أصبح إلزاماً مدنياً تقرّه المبادئ الإسلامية التي تحترم العهود والمواثيق وترعىٰ العدالة للجميع.

خلاصة الدرس:

تتناول الدرس فلسفة الإلزام في الفقه الإسلامي، موضحةً أنَّه منظومة تمزج بين الوازع العقدي والسلطة الخارجية.

وينقسم الإلزام إلىٰ مسارين:

ذاتي للمسلم يستند إلىٰ نظريات حق الطاعة، الغائية، الولاية، والمصلحة العامة.

ومسار موضوعي لغير المسلم تطور من (عقد الذمة) التقليدي القائم علىٰ الوفاء بالعقود، إلىٰ مفهوم (المواطنة) المعاصر الذي يربط الإلزام بالانتماء للأرض والمصالح المشتركة.

أسئلة:

1 – ما هو الفرق الجوهري بين نظريات الإلزام في القوانين الوضعية الغربية وبين الفقه الإسلامي؟

2 – كيف تفسر (نظرية حق الطاعة) وجوب خضوع الإنسان للأحكام الإلهية من منظور عقلي؟

3 – لماذا تُعتبر القوانين التنظيمية (مثل قوانين المرور) ملزمة شرعاً في الفقه الإسلامي؟

4 – ما هي الأسس التي يقوم عليها (عقد الذمة) كأداة لإلزام غير المسلم بالنظام العام؟

5 – كيف أعادت (نظرية المواطنة) المعاصرة صياغة مفهوم الإلزام القانوني لغير المسلم في الدولة؟

(الدرس 11)

الفصل الخامس: نطاق الفقه ودائرته

المقدمة: إشكالية الامتداد التشريعي:

تتمحور المعضلة المركزية في فلسفة الفقه حول سؤال النطاق أي: ما هي المساحة التي تغطيها الشريعة من حياة الإنسان؟ هل هي مظلة شمولية تغطي كل شاردة وواردة بنصٍّ مباشر؟ أم أنَّها بوصلة قيمية تترك التفاصيل لحركة العقل والزمن؟ أم أنها تنحسر كلياً عن الفضاء الدنيوي لتكتفي بالبعد الروحي؟ هذه الأسئلة ولّدت في العقل الفقهي الإسلامي ثلاث أطروحات كبرىٰ، تمثل كل واحدة منها نموذجاً ارشاديا مختلفاً في فهم علاقة (النص) بـ(الواقع).

المبحث الأوَّل: أطروحة شمولية نص (التوجيه المباشر):

تقوم هذه الأطروحة علىٰ فكرة الهيمنة المطلقة للنص علىٰ تفاصيل الحياة، ويرىٰ أنصار هذا الاتِّجاه أنَّ الفقه ليس مجرَّد منظومة قانونية، بل هو نظام تشغيل كامل للوجود البشري(5)، لا يترك فراغاً إلَّا وملأه بحكم شرعي محدَّد وجوب، حرمة، استحباب، كراهة، إباحة.

1 – المرتكزات الفلسفية للأطروحة:

القصور المعرفي للإنسان حيث ينطلق هذا الاتِّجاه من مسلمة عجز العقل البشري عن إدراك المصالح الحقيقية والمآلات البعيدة للأفعال، فما يراه الإنسان مصلحة قد يكون مفسدة في ميزان الغيب، والعكس صحيح.

لذا، لا بد من وصاية تشريعية كاملة تغني الإنسان عن التخبط في التشريع الذاتي، واستناداً إلىٰ مفهوم التوحيد التشريعي، يُعتبر أي تشريع بشري منازعةً لله في صفة الحكيم.

فالله هو المالك، والمالك هو الوحيد الذي يحق له وضع قوانين التصرف في ملكه.

وأيضاً نفي الفراغ التشريعي فلا توجد منطقة محايدة في الإسلام.

حتَّىٰ الإباحة ليست تركاً للأمر دون حكم، بل هي حكم شرعي وقرار إلهي بالتخيير.

وبالتالي، كل حركة وسكون للإنسان خاضعة لتقييم شرعي مسبق.

2 – المأزق العملي:

رغم التماسك النظري لهذه الأطروحة، إلَّا أنَّها واجهت إشكالات عويصة عند التطبيق، وذلك لتضخُّم الفقه الفردي حيث أدَّىٰ البحث عن الحكم شرعي لكلِّ جزئية إلىٰ إغراق الفقه في التفاصيل الفردية علىٰ حساب غياب (فقه النظم)، (الدولة، الاقتصاد، السياسة).

وأيضاً محاولة إخضاع الواقع المتغير لنصوص ثابتة ومحدودة أنتجت حيلاً فقهية وتكلفاً في القياس، مما جعل الفقه يبدو عاجزاً عن استيعاب تعقيدات الدولة الحديثة.

تحول الدين وفق هذا المنظور إلىٰ قائمة طويلة من الممنوعات والمسموحات، مما طمس الروح المقاصدية للشريعة وحولها إلىٰ مدونة قانونية جافة.

المبحث الثاني: أطروحة المقاصد الحاكمة (التوجيه عبر العناوين الكبرىٰ):

تمثِّل هذه الأطروحة الاتِّجاه الإصلاحي التجديدي، الذي يسعىٰ للموازنة بين قدسية النص ومرونة الواقع.

ترىٰ هذه النظرية أنَّ الشريعة لم تنزل لتقييد الإنسان في كل صغيرة وكبيرة، بل لترسم له الخطوط العريضة والأطر العامة، تاركةً مساحة واسعة للاجتهاد البشري لملء التفاصيل وفق مقتضيات الزمان والمكان.

1 – هندسة الأطروحة (جدلية الثابت والمتغير):

تقسم هذه النظرية التشريع إلىٰ مستويين:

أ – المستوىٰ الدستوري (العناوين الكبرىٰ): وهي المبادئ الثابتة التي لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان، مثل: العدالة، الشورىٰ، حفظ النظام، الوفاء بالعقود، نفي الضرر، هذه العناوين هي روح الشريعة وهي ملزمة دائماً.

ب – المستوىٰ الإجرائي (المصاديق المتحركة): وهي الآليات والتفاصيل التي تحقق تلك العناوين، الشريعة تركت هذه المنطقة فراغا مقصوداً (منطقة الفراغ التشريعي) ليملأها ولي الأمر أو المشرع البشري بما يحقق المصلحة.

2 – آليات التوجيه:

الله تعالىٰ فوَّض الإنسان كمستخلف لإدارة شؤون دنياه في ضوء المبادئ العامة.

فمثلاً، أمر الشارع بالعدالة، لكنه لم يحدِّد شكلاً وحيداً للنظام القضائي، تاركاً ذلك لتطوُّر التجربة البشرية.

وكذلك تتيح هذه الأطروحة للدولة الإسلامية اقتباس النظم الحديثة مثل الديمقراطية، الفصل بين السلطات، النظم البنكية طالما أنَّها لا تصطدم بنص قطعي وتحقق المقاصد العليا للشريعة.

3 – القيمة المعرفية:

تُخرج هذه الأطروحة الفقه من أزمة النص إلىٰ سعة المقاصد، فهي تحرِّر الفقيه من عبء البحث عن دليل نصي لكلِّ نازلة حديثة، وتوجهه بدلاً من ذلك للبحث عن تحقيق المناط؛ أي كيف نجسد قيمة العدل أو المصلحة في هذا الواقع الجديد؟

المبحث الثالث: أطروحة الفصل الوظيفي (العلمانية الفقهية):

الدين لله.. والدنيا للعقل والتجربة.

تذهب هذه الأطروحة – المتأثِّرة بالفكر الغربي الحديث – إلىٰ أقصىٰ اليسار، داعية إلىٰ فصل تام بين دائرة المقدس وهو الدين ودائرة الدنيوي الدولة والمجتمع، وفقاً لهذا التصوُّر، فإنَّ الفقه يجب أن ينكمش ليعود إلىٰ وظيفته الأصلية الروحية، تاركاً تنظيم الحياة للقانون الوضعي والعقل التجريبي.

1 – أسس الفصل المعرفي:

الدين مجاله الآخرة وعلاقته ميتافيزيقية غيبية تهدف لتهذيب الروح، أمَّا السياسة والاقتصاد والاجتماع فهي علوم دنيوية تخضع لقوانين السببية والمصلحة المادية المباشرة، ولا علاقة للوحي بها.

وأيضاً يرىٰ أصحاب هذا الاتِّجاه أنَّ الأحكام الفقهية الاجتماعية (كأحكام المعاملات والعقوبات) كانت حلولاً تاريخية لمجتمع القبيلة، وليست تشريعات أبدية عابرة للزمن.

فالمعيار الوحيد لصحة القوانين الدنيوية هو المنفعة ونجاعتها العملية، وهذا أمر يدركه العقل البشري والتجربة المتراكمة دون الحاجة إلىٰ توجيه ديني.

2 – النقد الفقهي الفلسفي للأطروحة:

يرفض الفكر الفقهي الإسلامي بشقيه التقليدي والمقاصدي هذه الأطروحة لعدَّة اعتبارات جوهرية:

الأوَّل: عضوية الإسلام فالإسلام بنية عقدية-تشريعية مترابطة، لا يمكن فصل العقيدة عن السلوك، ولا العبادة عن المعاملة، التوحيد في الإسلام يقتضي ألا يكون هناك مُطاعٌ في الوجود في المبادئ والقيم إلَّا الله.

ثانياً: خواء العلمانية لأنَّ الفصل التام يؤدِّي إلىٰ إفراغ الحياة العامة من القيم الأخلاقية وتحويلها إلىٰ صراع مصالح مادية بحتة وغابة موحشة، لكن الشريعة تضمن الأخلقة المستمرة للسياسة والاقتصاد.

ثالثاً: وهم التعارض فالفقه الإسلامي في نسخته المقاصدة أو التقليدية لا يصادم العقل ولا العلم، بل يستوعبهما.

لذا فإنَّ دعوىٰ ضرورة الفصل لتطوُّر الحياة هي دعوىٰ زائفة، لأنَّ الشريعة تملك مرونة داخلية عبر منطقة الفراغ والعناوين الكبرىٰ تمكنها من مواكبة التطور دون التخلي عن هويتها.

خلاصة الدرس:

من خلال استعراض الأطروحات الثلاث، يبدو أنَّ (أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرىٰ) هي الخيار الأكثر واقعية وقوة.

فهي تتجاوز جمود الاتجاه النصي الحرفي، وتتلافي انسلاخ الاتِّجاه العلماني، إنَّها تقدّم حلاً وسطاً يحفظ للشريعة مرجعيتها العليا وهيمنتها القيمية، ويمنح الإنسان حرية الحركة ومرونة الآليات لبناء حضارته وإدارة دولته.

أسئلة:

1 – ما هي المرتكزات الفلسفية التي يستند إليها أنصار (أطروحة شمولية النص) لإثبات هيمنة الشريعة المطلقة علىٰ تفاصيل الحياة؟

2 – واجهت أطروحة (التوجيه المباشر) مآزق عملية عند التطبيق؛ وضح كيف أثر ذلك علىٰ استيعاب الفقه لتعقيدات الدولة الحديثة؟

3 – تعتمد أطروحة (المقاصد الحاكمة) علىٰ جدلية (الثابت والمتغير). اشرح الفرق بين المستوىٰ الدستوري والمستوىٰ الإجرائي في هذه النظرية؟

4 – لماذا يرىٰ أصحاب أطروحة (الفصل الوظيفي) (العلمانية الفقهية) أنَّ الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات والعقوبات هي حلول تاريخية وليست أبدية؟

5 – كيف فند الفكر الفقهي الإسلامي دعوىٰ (الفصل الوظيفي) من خلال مفهوم (عضوية الإسلام) و(مرونة الشريعة)؟

(الدرس 12)

المبحث الثالث: نظرية (منطقة الفراغ)

1 – إشكالية النص والواقع:

تعتبر إشكالية العلاقة بين محدودية النصوص الشرعية ولانهائية الوقائع المستجدة العصبَ الرئيسي للفقه الإسلامي المعاصر، وبينما جنح الفقه السني لاستحداث أدوات المصالح المرسلة والقياس بقي الفقه الإمامي لفترة طويلة محصوراً في دائرة الاستنباط النصي الدقيق، متحفظاً علىٰ أي أداة قد توحي بالرأي أو الاستحسان.

وفي هذا السياق، تأتي نظرية منطقة الفراغ التي صاغها الشهيد محمد باقر الصدر لتشكِّل تحوُّلاً مفصلياً، لذلك يجب وضع هذه النظرية في ميزان المقارنة مع الفقه التقليدي من جهة لفهم كيف تحول الفراغ من عجز إلىٰ قوة تشريعية.

2 – التأصيل المفاهيمي مقارنة لغوية واصطلاحية:

قبل الدخول في البحث يجب تحرير المصطلح عبر مقارنته بما يشابهه.

أ – الفراغ مقابل النقص:

قد يقع الوهم في أنَّ (الفراغ) يعني نقصاً في الشريعة.

هنا يؤسِّس الشهيد الصدر لمفهوم مغاير تماماً في القراءة السطحية للفراغ الذي يعني عدم وجود حكم، وهذا نقص يستلزم الإكمال البشري أمَّا في قراءة الشهيد الصدر الفراغ هو ترك مقصود بل متعمد من قبل الشارع.

يقول السيد الصدر في نصه التأسيسي: (ولا تدل منطقة الفراغ علىٰ نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث، بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة علىٰ مواكبة العصور المختلفة، لأنَّ الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعين نقصاً أو اهمالاً، وإنَّما حدَّدت للمنطقة أحكامها يمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصيلة، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، حسب الظروف، فإحياء الفرد للأرض مثلاً عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها، وفقاً لمقتضيات الظروف)(6).

ب – الحكم الشرعي مقابل الحكم الولائي:

المقارنة هنا جوهرية؛ فما يملأ منطقة الفراغ ليس حكماً شرعياً بالمعنىٰ الأصولي (أي كاشفاً عن إرادة الله الأزلية)، بل هو حكم ولائي تدبيري فالحكم الشرعي ثابت، لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان (الحلال محمد حلال إلىٰ يوم القيامة)، أمَّا الحكم في منطقة الفراغ متغيِّر، يدور مدار المصلحة التي يراها الحاكم الشرعي وفق ولايته الفقهية.

3 – القراءة المقارنة الداخلية (المدرسة الإمامية):

وهنا نطبق المنهج المقارن لبيان الفارق بين فقه الأفراد المشهور وفقه الدولة الصدر.

أوَّلاً: التحوُّل في مفهوم (المباح):

وهذه أخطر نقطة في هذه القراءة المقارنة.

فالرأي المشهور في الفقه التقليدي أنَّ المباح – الإباحة بالمعنىٰ الأخص – هو مساحة حرية للمكلف، الشارع قال للمكلف: لا آمرك ولا أنهاك، فالأصل هنا هو الخيار الفردي بالفعل والترك لمكلف.

رأي الشهيد الصدر في نظرية الفراغ المباح يرىٰ أنَّه هو مادة خام للتشريع السلطوي.

يتحوَّل المباح من حق للفرد في الفعل والترك، إلىٰ حق للدولة في الإلزام والمنع.

يقول الشهيد الصدر موضِّحاً هذه الآلية: (فإحياء الفرد للأرض مثلاً عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها، وفقاً لمقتضيات الظروف.

الدليل التشريعي: والدليل علىٰ إعطاء ولي الأمر صلاحيات كهذه، لملء منطقة الفراغ، هو النص القرآني الكريم: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).

وحدّد منطقة الفراغ التي لها صلاحيات أولي الأمر، تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعاً بطبيعته فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل علىٰ حرمته أو وجوبه)(7).

ثانياً: المقارنة مع ولاية الفقيه المطلقة:

رغم أنَّ نظرية الشهيد الصدر تتناغم مع ولاية الفقيه، إلَّا أنَّ قراءتها مقارنةً بنظرية السيد الخميني تكشف عن تمايز دقيق فهي عند الشهيد الصدر صلاحية الحاكم تنشط أساساً في منطقة الفراغ أي ما لا نص فيه ولا يجوز للحاكم تحليل الحرام أو تحريم الحلال أي الأحكام الأولية إلَّا في حالات الضرورة القصوىٰ التي تبيح المحظورات كقاعدة عامة.

ولكنها عند السيد الخميني (رحمه الله) ترىٰ أنَّ للحاكم الشرعي صلاحيات أوسع قد تصل لتعطيل بعض الأحكام الفرعية (كالصلاة أو الحج) مؤقتاً إذا كان أداؤها يضر ببيضة الإسلام أو النظام العام.

فتكون نظرية الشهيد الصدر تقنيناً دستورياً لولاية الفقيه يضبطها بحدود المباحات مما يجعلها أكثر قبولاً في الصياغة القانونية الحديثة.

خلاصة الدرس:

يناقش النص نظرية (منطقة الفراغ) للشهيد محمد باقر الصدر كحل جوهري لإشكالية محدودية النصوص الشرعية أمام لانهائية الوقائع المستجدة، مؤكِّداً أنَّ الفراغ ليس نقصاً في التشريع، بل ترك متعمد من الشارع ليملأه ولي الأمر وفق الظروف.

ويميز النص بين (الحكم الشرعي) الثابت و(الحكم الولائي) المتغيِّر، موضِّحاً تحوُّل مفهوم (المباح) من مجرَّد مساحة حرية فردية في الفقه التقليدي إلىٰ مادة خام للتشريع السلطوي تتيح للدولة الإلزام أو المنع.

كما تعقد الدراسة مقارنة تظهر أنَّ نظرية الصدر تحصر صلاحيات الحاكم في المباحات، بخلاف نظرية الإمام الخميني التي تمنح صلاحيات أوسع تصل لتعطيل بعض الأحكام الفرعية عند الضرورة.

الأسئلة:

1 – ما الفرق الجوهري بين مفهومي (الفراغ) و(النقص) في التشريع وفقاً لرؤية الشهيد الصدر؟

2 – كيف تمايزت أدوات الفقه السني (المصالح المرسلة) عن أدوات الفقه الإمامي قبل نظرية منطقة الفراغ؟

3 – ما هو المعيار الفاصل بين (الحكم الشرعي) و(الحكم الولائي) من حيث الثبات والتغيُّر؟

4 – كيف تغيَّرت وظيفة (المباح) في نظرية الصدر مقارنة بتعريفه في الفقه المشهور؟

5 – ما هي الصلاحيات التي يمتلكها ولي الأمر تجاه الأفعال المباحة بطبيعتها بحسب النص؟

6 – ما هو الفارق الدقيق بين حدود صلاحيات الحاكم عند الشهيد الصدر وعند الإمام الخميني؟

 

 

 

الهوامش:


(1) بحوث في علم الأصول: ج5، ص24.

(2) رسائل الكركي: ج3، ص162.

(3) دراسات في ولاية الفقيه: ج1، ص11.

(4) مقاصد الشريعة الإسلامية: ص542.

(5) انظر فلسفة الفقه دراسة في الأُسس والمنهج: ص167.

(6) اقتصادنا: ص689.

(7) اقتصادنا: ص689.

Edit Template
Scroll to Top