دروس تمهيدية في فلسفة الفقه – الحلقة الثالثة

دخول المنطق الأرسطي إلى العلوم الشرعية

الدرس (5)

ثانياً: علاقة علم الفقه بعلم أصول الفقه:

يركز هذا المحور علىٰ تفكيك البنية الداخلية للعلاقة بين العلمين، ليثبت أنَّ العلاقة ليست مجرد علاقة (جوار) بين علمين، بل هي علاقة توليد وتكامل وتوضيح ذلك من خلال نقطتي ارتكاز رئيسية:

النقطة الأولىٰ: نظرية العناصر المشتركة والعناصر الخاصة:

تعتبر هذه النظرية التي بلورها السيد محمد باقر الصدر أدق ما ذكر في بيان العلاقة الماهوية بين علم الفقه وأصوله، أنَّ عملية الاستنباط كمركب كيميائي لاستنباط الحكم الشرعي تشبه التفاعل الكيميائي الذي يحتاج إلىٰ مادتين لإنتاج مادة جديدة.

المادة الأولىٰ: عناصر خاصة بالفقه وهي الأدلة التي تتغير من مسألة إلىٰ أخرىٰ مثل آية الوضوء، أو رواية في تحريم الربا، هذه العناصر تدرس في الفقه.

المادة الثانية: عناصر مشتركة تدرس في الأصول وهي القواعد العامة التي لا تختص بباب دون باب(1)، بل تدخل في استنباط أحكام الصلاة، والصوم، والتجارة (مثل: حجية خبر الثقة، حجية الظهور، الأمر يدل علىٰ الوجوب).

هذه العناصر تدرس في أصول الفقه.

والنتيجة التي نتوصَّل لها: أنَّ علم الأصول هو العلم الذي يدرس العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، بينما الفقه هو العلم الذي يطبق فيه هذه العناصر علىٰ العناصر الخاصة لاستخراج النتيجة أي الحكم والتكليف.

النقطة الثانية: نظرية الهيكلية المنطقية: الأصول كـ (كبرىٰ القياس):

العلاقة بين الفقه والأصول هي علاقة (تطبيقية)، حيث يمثِّل الفقه (الصغرىٰ) ويمثِّل الأصول (الكبرىٰ) في قياس منطقي منتج للحكم الشرعي.

وبدون القواعد الأصولية، لا يمكن للأدلة الفقهية أن تنتج حكماً ملزماً.

مثال تطبيقي: لنفترض أنَّ فقيهاً وجد رواية رواها زرارة مثلاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) تقول: «يغفر الله للمؤمنين»، فإنَّه سوف تكون عندنا:

– مقدمة فقهية (الصغرىٰ): هذا النص رواه زرارة وهو ثقة.

– مقدمة أصولية (الكبرىٰ): خبر الثقة حجَّة يجب اتِّباعها شرعاً.

– النتيجة (الحكم): يثبت مضمون الرواية ويصبح حكماً شرعياً.

لولا القاعدة الأصولية خبر الثقة حجَّة، لكانت الرواية مجرَّد نص تاريخي لا يلزمنا بشيء، فعلم الأصول هو الذي يمنح الحجية والصبغة القانونية للنصوص الروائية والقرآنية من أجل إثبات تلك الحجية.

ثالثاً: العلاقة بين الفقه والثقل الأكبر (القرآن الكريم):

من المسلَّمة العقائدية والأصولية أنَّ القرآن الكريم هو الدستور الأُم للتشريع الإسلامي، وأنَّ الفقه هو الجهد البشري المنضبط لاستخراج تفاصيل هذا الدستور.

وتتَّضح هذه العلاقة عبر نقطتين:

أوَّلاً: المرجعية التأسيسية والمعيارية (القرآن بوصفه أصلاً وحاكماً):

في هذه النقطة، لا يُنظر إلىٰ القرآن كمجرَّد نصوص متبرِّك بها، بل هو (قطب الرحىٰ) الذي تدور حوله العملية الفقهية برمَّتها.

ويمكن تفصيل ذلك في ثلاثة أبعاد:

1 – القرآن مصدر (الكليات) الفقهية (التأسيس) والأحكام الفوقانية والعلاقة بين القرآن والفقه هي علاقة (الإجمال والتفصيل).

وذلك لأنَّ طبيعة آيات الأحكام التي يقدرها المشهور بـ(500 آية) غالباً ما تأتي بصيغة (القواعد الكلية) أو (الدساتير العامة).

وأيضاً لأنَّ دور الفقه هنا هي أخذ هذه الكلية القرآنية والبحث عن تفاصيلها في السنة النبوية (الثقل الأصغر).

مثال: القرآن أسَّس مبدأ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، هذه قاعدة كبرىٰ (كلية)، يأتي الفقه ليدرس: هل عقد التأمين مشمول بهذا العموم؟ هل المعاطاة عقد؟ فالقرآن منح (الشرعية العامة) والفقه بحث في المصاديق والتفصيلات.

النتيجة: الفقه بلا قرآن فاقد للشرعية لأنَّه بلا أصل، والقرآن بلا فقه وسُنَّة غير قابل للتطبيق التفصيلي لأنَّه يحوي كليات.

2 – قطعية السند وظنية الدلالة:

القرآن الكريم هو الدليل الوحيد (قطعي السند لا شك في صدوره من الله من بين جميع الأدلة).

لذا، يبدأ الفقيه بحثه دائماً من القرآن، فإن وجد الحكم فيه، كان ذلك أقوىٰ درجات الاستدلال، وإن لم يجد، انتقل للسُنَّة.

هذا الترتيب الرتبي يجعل القرآن (المحطة الأولىٰ) إجبارياً لكلِّ فقيه.

3 – هيمنة القرآن علىٰ الروايات كقاعدة للعرض والتقويم:

هذا هو البعد الأخطر في العلاقة بين القرآن والفقه وهو (البعد الرقابي).

قد تواجه الفقيه روايات صحيحة السند (حسب علم الرجال) لكن مضمونها غريب أو شاذ.

هنا يُستخدم القرآن كـ(ميزان) في فرز الرواية التي تخالف (الكتاب) مخالفة تباين أي تضاد روحه ونصوصه الصريحة وتسقط عن الاعتبار مهما كان سندها قوياً.

لأنَّ السُنَّة قد يطالها الوضع والدس، أمَّا القرآن فمحفوظ، والمحفوظ حاكم علىٰ غير المحفوظ.

ثانياً: الأثر (الأداتي) لعلوم القرآن في صناعة الحكم الشرعي:

علوم القرآن ليست ترفاً معرفياً للفقيه، بل هي أدوات علمية يستخدمها أثناء عملية الاستنباط لتحديد مراد الله بدقة، وبدون هذه العلوم، يقع الفقيه في الاستنباط الساذج غير الدقيق لما تحمله هذه العلوم من أثر في عملية الاستنباط فنجد.

1 – أثر (علم الناسخ والمنسوخ) في تحديد (المدىٰ الزمني للحكم):

من المشكلات الفقهية أنَّه قد يجد الفقيه آية تأمر بحكم معيَّن مثل وجوب تقديم صدقة قبل مناجاة الرسول، أو عدَّة الوفاة بحول كامل لو أفتىٰ الفقيه بمضمون الآية دون مراجعة علم النسخ، لكانت فتواه باطلة، لأنَّ الحكم منتهي الصلاحية إذن وظيفة علم الناسخ والمنسوخ يحدِّد للفقيه تاريخ صلاحية النص، والفقه يتعامل فقط مع النصوص المحكمة غير المنسوخة، أو يستخدم المنسوخ لفهم التدرج التشريعي فقط.

2 – أثر (أسباب النزول) في تحديد (سعة الحكم وضيقه):

وهنا تبرز جدلية عموم اللفظ وخصوص السبب إذ يساعد سبب النزول الفقيه في فهم القرائن الحالية التي أحاطت بالنص.

هل الآية نزلت لتعالج واقعة خارجية لا تتكرَّر قضية في واقعة، أم أنَّها أسست قاعدة قانونية عامة؟

ومن الأمثلة التطبيقية آيات الأنفال فإنَّ معرفة أسباب نزولها وسياقها التاريخي هو الذي يمكِّن الفقيه من تحديد هل هي ملك لـ(الإمام) أم غنائم للمقاتلين، وهل هي مختصة بحروب النبي أم مستمرة، الجهل بسبب النزول قد يؤدِّي لتعميم ما هو خاص، أو تخصيص ما هو عام.

3 – أثر (علم المحكم والمتشابه) في (ضبط التأويل):

في الفكر الشيعي، يُمنع الاعتماد علىٰ المتشابهات لاستنباط حكم شرعي إلَّا بعد ردِّها إلىٰ المحكمات، وهذا العلم يحمي الفقيه من اتِّباع الظنون.

فإذا واجه آية تحتمل أكثر من وجه (متشابهة)، فإنَّ العلم بالمحكم والمتشابه القرآني يلزم الفقيه بالتوقف (التوقف في الفتيا) أو الرجوع إلىٰ (الراسخين في العلم)، (أهل البيت (عليهم السلام)) لبيان المراد، مما يضمن سلامة المنتج الفقهي من الأهواء الشخصية.

والخلاصة الجامعة: أنَّ العلاقة بين الفقه والثقل الأكبر هي علاقة روح بجسد القرآن يمنح الفقه المشروعية والمواد الأولية والمعيار الرقابي وعلوم القرآن تمنح الفقيه العدسة المكبرة لفهم هذه المواد وتنزيلها علىٰ الواقع بدقة متناهية.

رابعاً: علاقة الفقه والحديث: الوظيفة التشريعية لـ(الثقل الأصغر):

يرتكز البنيان التشريعي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) علىٰ ركنين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهما الثقل الأكبر والثقل الأصغر وهو العترة الطاهرة وما صدر عنهم من حديث(2).

وتأتي أهمية علم الفقه بكونه الآلية المنهجية التي تدمج هذين الثقلين لاستخراج الحكم الشرعي.

ولا يمكن للفقه أن يتنفَّس إلَّا برئة الحديث، ولا يمكن للحديث أن يتحوَّل إلىٰ قانون ملزم إلَّا عبر غربال الفقه وأصوله.

لذلك لابد من بيان العلاقة العضوية بين العلمين من خلال نقطتين جوهريتين وهما:

النقطة الأولىٰ: تلازم الفرع بالأصل:

ينطلق الفكر الشيعي من قاعدة أنَّ القرآن الكريم نزل تبياناً لكلِّ شيء، ولكنه اشتمل علىٰ المحكم والمتشابه، والمجمل والمبين.

وهنا يبرز دور (الثقل الأصغر) ليس كمصدر موازٍ فحسب، بل كشارح ومفسر لحدود النص القرآني.

إنَّ العلاقة بين القرآن والحديث هي علاقة (الأصل بالفر) أو (المتن بالشرح)، فالفقيه لا يمكنه العمل بعموم القرآن إلَّا بعد الفحص في مظان الحديث عن مخصّص، ولا بإطلاقه إلَّا بعد البحث عن مقيّد.

وهذا ما يؤكِّده علماء الأصول(3) لأنَّ قول المعصوم وفعله وتقريره هو الدليل الذي يكشف عن مراد الله الواقعي، وبدونه يظل الفهم القرآني ناقصاً أو حمال أوجه.

وعليه، فإنَّ علم الفقه يقوم بعملية بحث دائم في (مدونة الثقل الأصغر) كالكتب الأربعة وغيرها للعثور علىٰ القرائن التي تحدِّد مسار الحكم الشرعي الذي أسسه (الثقل الأكبر).

النقطة الثانية: علوم الحديث (الرجال والدراية) كأداة فلترة لسلامة الاستنباط:

بما أنَّ الحديث هو الوعاء الحامل للحكم الشرعي، فإنَّ هذا الوعاء تعرَّض عبر التاريخ لظروف قاسية من (التقية، الوضع، النسيان).

لذا، لا يتعامل الفقيه مع كل ما روي في (الثقل الأصغر) علىٰ أنَّه قطعي الصدور – بخلاف ما ذهب إليه الاتِّجاه الخباري – إلَّا ما تواتر، بل يُخضِع النصوص لعملية تشريح دقيقة عبر علم الرجال (لجرح وتعديل الرواة) وعلم الدراية (لتصنيف الحديث).

فالفقه هنا يعتمد كلياً علىٰ مخرجات علوم الحديث لتقرير الحجية.

فإذا لم يثبت السند وفق المباني الرجالية، يسقط الحديث عن الاعتبار الفقهي، إلَّا إذا وجدت قرائن أخرىٰ تجبر ضعفه عند القائلين بجبر السند بعمل المشهور.

هذه النقطة إذن توضِّح أنَّ الفقه هو المستهلك النهائي، بينما علوم الحديث هي المختبر الذي يفحص جودة المادة الخام أي الرواية قبل استخدامها.

خلاصة الدرس:

حيث يتناول الدرس شبكة العلاقات العلمية التي تربط (علم الفقه) بالعلوم الإسلامية الأخرىٰ، موضِّحاً أنَّ الفقه ليس جزيرة منعزلة، بل هو النتاج النهائي لتفاعل عدَّة علوم، وذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية:

1 – العلاقة مع علم أصول الفقه (علاقة التوليد والتكامل) ليست العلاقة مجرَّد تجاور، بل هي علاقة عضوية تُشبه التفاعل الكيميائي.

نظرية العناصر المشتركة: يمثِّل (الأصول) العناصر المشتركة (القواعد العامة)، بينما يمثِّل (الفقه) العناصر الخاصة (الأدلة الجزئية)، ودمجهما ينتج الحكم الشرعي.

الهيكلية المنطقية: يمثِّل الفقه (المقدمة الصغرىٰ) في القياس، ويمثِّل الأصول (المقدمة الكبرىٰ)، وبدون الكبرىٰ الأصولية تظل الروايات مجرَّد نصوص تاريخية لا حجيَّة لها.

2 – العلاقة مع القرآن الكريم (الثقل الأكبر) (علاقة التأسيس والرقابة) القرآن هو (الدستور الأُم) وقطب الرحىٰ للعملية الفقهية.

المرجعية والمعيارية: القرآن يمنح (الشرعية العامة) عبر الكليات، بينما الفقه يبحث في التفاصيل.

كما يُستخدم القرآن كمعيار (فلتر) لفرز الروايات، فما خالفه يسقط عن الاعتبار.

الأثر الأداتي لعلوم القرآن: يحتاج الفقيه لعلوم القرآن كأدوات ضبط؛ مثل (الناسخ والمنسوخ) لتحديد الصلاحية الزمنية للحكم، و(أسباب النزول) لتحديد سعة الحكم وضيقه (هل هو خاص بواقعة أم عام).

3 – العلاقة مع الحديث (الثقل الأصغر) (علاقة البيان والتمحيص) الفقه يدمج الثقلين معاً، حيث يعتبر الحديث (الرئة) التي يتنفَّس بها الفقه.

تلازم الأصل والفرع: الحديث هو (الشرح) للمتن القرآني، فلا يمكن العمل بعموم القرآن دون البحث عن مخصّص في الحديث.

دور علوم الحديث (الرجال والدراية): تعمل كأداة (فلترة) و(مختبر) لفحص جودة الرواية (المادة الخام) قبل أن يستخدمها الفقيه، لضمان صدورها عن المعصوم وتجاوز إشكاليات الوضع والدس.

الأسئلة:

1 – كيف وظَّف السيد محمد باقر الصدر (قدِّس سرّه) نظرية (التفاعل الكيميائي) لشرح العلاقة بين الفقه والأصول؟

2 – في الهيكلية المنطقية للاستنباط، لماذا يُعتبر الخبر الموثوق مجرد (نص تاريخي) لولا القاعدة الأصولية؟ وما هو دور الأصول في تحويله إلىٰ قانون ملزم؟

3 – لماذا يعتبر القرآن الكريم الدليل الوحيد (قطعي السند)؟ وكيف يؤثِّر ذلك علىٰ الترتيب الرتبي في عملية بحث الفقيه؟

4 – اشرح وظيفة (البعد الرقابي) للقرآن الكريم تجاه الروايات (قاعدة العرض)، وكيف يُعالج الفقيه الرواية الصحيحة السند إذا خالفت الكتاب؟

5 – كيف يؤثِّر الجهل بـ(أسباب النزول) علىٰ دقة الفتوىٰ الفقهية في مسألة تعميم الحكم أو تخصيصه؟

6 – لماذا يُعبَّر عن العلاقة بين القرآن والحديث بأنَّها علاقة (المتن بالشرح)؟ وماذا يترتَّب علىٰ الفقيه فعله قبل العمل بظواهر القرآن؟

(الدرس 6)

المبحث الثاني: علاقة علم الفقه بالعلوم الإنسانية:

والذي سوف نتحدَّث فيه عن أربع من هذه العلوم التي لها علاقة وثيقة بعلم الفقه وهي علم الانثروبولوجيا وعلم التاريخ وعلم المنطق وعلم الفلسفة.

المحور الأوَّل: علاقة علم الفقه بعلم الانثروبولوجيا:

يُعد الربط بين العلوم الإنسانية (كالأنثروبولوجيا) والعلوم الشرعية (كالفقه) من أهم مساحات البحث المعاصرة، حيث يُعنىٰ كلاهما بالإنسان وسلوكه، ولكن من زوايا مختلفة.

أوَّلاً: المفهوم الأنثروبولوجيا، أو ما هو علم الأنثروبولوجيا؟

هو علم دراسة الإنسان وينقسم هذا العلم عادة إلىٰ فروع وأكثرها علاقة بالفقه هو الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية والتي تدرس كيف يعيش الناس، معتقداتهم، عاداتهم، بنية العائلة، أنظمة القرابة، والقوانين العرفية التي تحكم سلوكهم.

ثانياً: ما علاقة الأنثروبولوجيا بعلم الفقه؟

العلاقة بينهما هي علاقة تكامل وظيفي؛ فبينما يقدِّم الفقه (الحُكم الشرعي)، تقدِّم الأنثروبولوجيا تشخيص الواقع الذي سيطبق عليه الحكم.

يمكن تلخيص العلاقة في النقاط الجوهرية التالية:

1 – تحقيق المناط (تشخيص الواقع):

في أصول الفقه، عملية الاجتهاد تتطلَّب ركنين معرفة الدليل من القرآن والسُنَّة ومعرفة الواقع أي فهم القضية التي سنطبق عليها الحكم، الفقيه يحتاج إلىٰ الأنثروبولوجيا لفهم (المناط) فهماً دقيقاً.

مثال: لكي يصدر الفقيه حكماً حول (عملة البتكوين)، يحتاج لدراسة أنثروبولوجية اقتصادية تصف سلوك الناس تجاه هذه العملة: هل يعتبرونها مالاً؟ هل يثقون بها؟ كيف يتبادلونها؟ هذا الوصف الدقيق هو ما يقدمه هذا العلم.

2 – العُرف والعادة:

القاعدة الفقهية المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فالعرف هو أحد المصادر التبعية للتشريع الإسلامي (ما لم يخالف نصاً).

الأنثروبولوجيا هي المتخصِّص الأوَّل في دراسة (الأعراف)، وهي التي ترصد العادات، وتفرق بين ما هو ثابت في ثقافة المجتمع وما هو متغيِّر الفقيه يعتمد علىٰ هذا الرصد لتحديد ما إذا كان العرف فاسداً أم صالحاً، وهل تغيّر العرف فيتغيّر معه الحكم أم لا.

3 – فهم السياق الاجتماعي للنص:

تساعد الدراسات الأنثروبولوجية في فهم البيئة الاجتماعية التي نزل فيها النص القرآني أو النبوي (مثل نظام القبيلة، طرق التجارة القديمة، طبيعة الأُسرة في مكة والمدينة)، هذا الفهم يحمي الفقيه من إسقاط مفاهيم حديثة علىٰ نصوص قديمة بشكل خاطئ.

4 – فقه الأقليات والمغتربين:

عندما يعيش المسلمون في مجتمعات غير إسلامية الغرب مثلاً، يحتاج الفقيه لفهم البنية الثقافية لتلك المجتمعات كيف يفكِّرون، مقدّساتهم، نمط معيشتهم ليصدر فتاوىٰ تناسب واقع المسلم هناك ولا تعزله، وهو صلب عمل الأنثروبولوجيا.

في العصر الحديث، تعقَّدت الحياة الاجتماعية بشكل كبير.

لم يعد الفقيه قادراً بمفرده علىٰ الإحاطة بكل تفاصيل الواقع (اقتصادياً، طبياً، اجتماعياً).

لذا، أصبح الاعتماد علىٰ أدوات الأنثروبولوجيا ضرورة لضمان أن تكون الفتوىٰ:

1 – واقعية: قابلة للتطبيق وليست خيالية.

2 – حكيمة: تحقق أهداف الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد.

المحور الثاني: العلاقة بين علم الفقه وعلم التاريخ:

تُعد العلاقة بين علم الفقه وعلم التاريخ علاقة عضوية ومصيرية؛ فلا يمكن للفقيه أن يستنبط حكماً سليماً دون وعي تاريخي، ولا يمكن للمؤرِّخ فهم تاريخ المجتمعات الإسلامية دون فهم فقهها وتشريعاتها.

وإليك تفصيل لهذه العلاقة المتشابكة عبر عدَّة نقاط رئيسية:

1 – التاريخ كأداة لفهم النص (أسباب النزول والورود):

النصوص الشرعية قرآن وسُنَّة لم تنزل في فراغ، بل نزلت استجابة لوقائع تاريخية محدّدة.

فلا يمكن تفسير آيات الأحكام بدقة دون معرفة القصة التاريخية التي نزلت فيها الآية.

وأيضاً بالنسبة للأحاديث النبوية، معرفة (متىٰ) و(أين) و(لماذا) قال النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) هذا الحديث ومن خلال السياق التاريخي تحدِّد ما إذا كان الحكم عاماً لكلِّ الأُمَّة أم خاصاً بتلك الحادثة فقط.

مثال: قد ينهىٰ النبي عن ادِّخار لحوم الأضاحي في سنة معيَّنة بسبب مجاعة لظرف تاريخي، ثم يبيحه لاحقاً، الجهل بالتاريخ هنا قد يجعل الفقيه يحرم الادِّخار مطلقاً.

2 – التاريخ وعلم (الناسخ والمنسوخ):

في التشريع الإسلامي، توجد أحكام نُسخت بأحكام نزلت بعدها، المعيار الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ هو الترتيب الزمني، معرفة المتقدِّم والمتأخِّر من النصوص هي عملية تاريخية بحتة، بدون التاريخ، قد يفتي الفقيه بحكم منسوخ (لم يعد معمولاً به).

3 – علم الرجال (الجرح والتعديل) هو علم تاريخي:

لأنَّ السند الذي ينقل الحديث (فلان عن فلان عن فلان) هو سلسلة من الشخصيات التاريخية، كي يقرِّر الفقيه صحَّة الحديث، يجب أن يرجع لكتب علم الرجال، وهي كتب تراجم تاريخية تدرس سيرة الرواة متىٰ ولدوا؟ متىٰ ماتوا؟ هل كانوا صادقين؟ هل التقىٰ هذا الراوي بذاك أم أنَّ الفارق الزمني بينهما يمنع اللقاء؟ هذا بحث تاريخي يترتب عليه حكم شرعي.

4 – التمييز بين (الديني) و(التاريخي) في السُنَّة:

وهذه من أخطر النقاط وأكثرها جدلاً في الفقه المعاصر، النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) عاش في بيئة عربية لها ملابسها، وطعامها، وطرق علاجها، وأساليب ركوبها.

مهمة الفقيه المؤرِّخ التمييز بين أفعال النبي التي فعلها باعتباره مشرعاً دين ملزم، وبين الأفعال التي فعلها بحكم العادة البشرية والبيئة التاريخية أعراف تاريخية غير ملزمة.

مثال: استخدام (السواك) (عود الأراك).

هل هو سُنَّة دينية مقصودة لذاتها، أم هو وسيلة تنظيف الأسنان التي كانت متاحة تاريخياً؟ النظرة التاريخية تساعد الفقيه علىٰ فهم (المقصد) (نظافة الفم) وليس الجمود علىٰ الوسيلة التاريخية فقط.

5 – تاريخ التشريع:

هو علم يدرس كيف تطوّر الفقه عبر العصور:

  • كيف كان الفقه في عهد الصحابة؟

– كيف نشأت المذاهب الفقهية وتأثرت بالصراعات السياسية التاريخية؟

– دراسة هذا التاريخ تجعل الفقيه يدرك أنَّ كثيراً من الخلافات الفقهية وليدة ظروف سياسية واجتماعية تاريخية وليست دينية محضة.

إذن الفقيه هو بالضرورة مؤرِّخ للنصوص؛ فهو يحتاج للتاريخ ليفكك شفرة النص متىٰ قيل؟ وفيمن قيل؟ والمؤرِّخ يحتاج للفقه ليفهم دوافع تحرك المجتمعات الإسلامية، لأنَّ الفقه هو القانون الذي كان يحكم حياتهم اليومية.

المحور الثالث: علاقة علم الفقه بعلم المنطق والفلسفة:

علاقة علم الفقه بكلٍّ من المنطق والفلسفة هي علاقة بنيوية عميقة، خاصة في المدارس الفقهية المتأخِّرة ولا سيما المدرسة الأصولية الشيعية التي تميَّزت بدمج هذه العلوم في أصول الفقه ويمكن تلخيص العلاقة بأنَّ المنطق هو ميزان الفقه، والفلسفة هي العمق التحليلي لأصوله.

وإليك التفصيل ذلك:

أوَّلاً: علاقة الفقه بعلم المنطق:

المنطق يُعرف بأنَّه (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر)(4).

بالنسبة للفقيه، المنطق ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة العمل اليومية يستخدمها الفقيه من أجل:

1 – ضبط التعريفات (التصوُّرات):

قبل أن يحكم الفقيه علىٰ شيء، يجب أن يعرفه لأنَّ الحكم علىٰ الشيء فرع عن تصوره يعلم الفقيه كيفية صياغة الحدِّ التام والرسم الناقص التعريف الجامع المانع.

مثلاً: لكي يفتي الفقيه في عقد التأمين، يجب أن يضع تعريفاً منطقياً دقيقاً له يميزه عن القمار أو الربا.

2 – بناء الاستدلال (القياس المنطقي):

العملية الاستنباطية في الفقه تسير وفق صيغة منطقية:

مقدمة صغرىٰ (تشخيص الموضوع): هذا الشراب مسكر.

مقدمة كبرىٰ (قاعدة كلية): كل مسكر حرام.

النتيجة: هذا الشراب حرام.

وأي خلل في ترتيب هذه المقدمات (شكل القياس ومادته) يؤدِّي لفتوىٰ خاطئة.

3 – البرهان ودقة الاستنتاج:

حيث يعتمد الفقهاء خاصة في أصول الفقه علىٰ قواعد المنطق مثل الاستقراء والقياس بمعناه المنطقي لا الفقهي للوصول إلىٰ القطع أو الظن المعتبر بالحكم.

ثانياً: علاقة الفقه بالفلسفة:

إذا كان المنطق يضبط شكل التفكير، فإنَّ الفلسفة تتدخل في جوهر القواعد التي يبني عليها الفقيه، خاصة عبر وسيط اسمه (علم أصول الفقه) من خلال:

1 – العلاقة عبر (أصول الفقه):

في القرون الأخيرة، تحول (علم أصول الفقه) الذي هو قانون الاستنباط إلىٰ علم مشبع بالفلسفة خاصة في مدرسة النجف وقم، فالفقيه الأصولي يستخدم البحث الفلسفي لتحليل:

مباحث الألفاظ: كيف توضع اللغة للمعاني؟ (مبحث فلسفي لغوي).

حقيقة الأوامر والنواهي: هل الأمر مجرَّد صيغة لفظية أم إرادة نفسية؟ (مبحث في فلسفة النفس).

التحسين والتقبيح العقلي: هل العقل يدرك الحسن والقبح مستقلاً عن الشرع؟ (هذا مبحث فلسفي كلامي، وهو الأساس الذي يُبنىٰ عليه الاجتهاد).

2 – فلسفة التشريع:

الفقه يهتم بما هو الحكم؟ لكن الفلسفة تهتم بلماذا وجد الحكم؟ (العلة الغائية).

من هنا الفقيه يحتاج للنظرة الفلسفية العميقة ليدرك روح الشريعة وأهدافها الكلية، فلا يغرق في حرفية النصوص التي قد تقتل المعنىٰ.

لذلك نجد بعض المباحث الفقهية الدقيقة تتطلَّب تحليلاً فلسفياً لمفهوم الاعتبار مثلاً: (الملكية)، (الزوجية)، (الذمة المالية)، هذه ليست أشياء مادية ملموسة، بل هي موجودات اعتبارية، الفلسفة تساعد الفقيه علىٰ فهم طبيعة هذه الأمور المعنوية وكيف تترتَّب عليها آثار واقعية.

خلاص الدرس:

  1. علاقة الفقه بعلم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان):

تكامل وظيفي: الفقه يقدم (الحكم الشرعي)، بينما تشخص الأنثروبولوجيا (الواقع) الذي يُطبق عليه الحكم.

تحقيق المناط: يساعد هذا العلم الفقيه في فهم الواقع بدقة (مثل فهم طبيعة العملات الرقمية كالبتكوين) قبل إصدار الحكم.

دراسة العرف: تعد الأنثروبولوجيا الأداة الأهم لرصد الأعراف والعادات والتمييز بين الثابت والمتغيِّر فيها، وهو ما يبني عليه الفقيه أحكامه.

فقه الأقليات: يساعد في فهم البنية الثقافية للمسلمين في المجتمعات غير الإسلامية لتقديم فتاوىٰ واقعية.

  1. علاقة الفقه بعلم التاريخ:

فهم السياق: التاريخ يوضِّح (أسباب النزول) و(أسباب ورود الحديث)، مما يحدِّد ما إذا كان الحكم عاماً أم مرتبطاً بظرف تاريخي معيَّن (مثل النهي عن ادخار لحوم الأضاحي في زمن المجاعة).

الناسخ والمنسوخ: الترتيب الزمني للأحكام هو عملية تاريخية بحتة لا يمكن للفقيه بدونها معرفة الحكم المعمول به حالياً.

علم الرجال: تقييم صحَّة الأحاديث يعتمد علىٰ تراجم تاريخية للرواة متىٰ ولدوا وماتوا وهل التقوا ببعضهم؟

التمييز بين الديني والبشري: يساعد التاريخ في التمييز بين أفعال النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) كمشرِّع وبين أفعاله بحكم العادة البشرية والبيئة مثل استخدام السواك كوسيلة تنظيف.

  1. علاقة الفقه بعلم المنطق:

آلة قانونية: المنطق هو ميزان الفقه الذي يعصم الذهن من الخطأ.

ضبط التصوُّرات: يساعد في وضع تعريفات (جامعة مانعة) للمواضيع المستجدة (مثل عقود التأمين).

بناء الاستدلال: الاستنباط يسير وفق (قياس منطقي)، (مقدمة صغرىٰ، مقدمة كبرىٰ، نتيجة) لضمان صحة الفتوىٰ.

  1. علاقة الفقه بالفلسفة:

العمق التحليلي: تتدخل الفلسفة في جوهر القواعد الأصولية، خاصة في مباحث الألفاظ وحقيقة الأوامر والنواهي.

التحسين والتقبيح العقلي: بحث فلسفي كلامي يعد أساساً لعملية الاجتهاد.

فلسفة التشريع: تهتم الفلسفة بـ(لماذا وجد الحكم (العلة الغائية) لتجنُّب الجمود علىٰ حرفية النصوص)؟

الأسئلة:

1 – بناءً علىٰ الدرس، كيف تخدم الأنثروبولوجيا الفقيه في عملية (تحقيق المناط)؟ اذكر مثالاً توضيحياً؟

2 – لماذا يُعد الجهل بالتاريخ خطراً علىٰ الفقيه عند التعامل مع نصوص (الناسخ والمنسوخ)؟

3 – ما الفرق بين دور المنطق ودور الفلسفة في خدمة علم الفقه وأصوله؟

4 – كيف يساعد التاريخ الفقيه في التمييز بين المقاصد الدينية والوسائل التاريخية (استشهد بمثال السواك)؟

5 – علل: (الحكم علىٰ الشيء فرع عن تصوره)؛ كيف يوظف الفقيه قواعد المنطق لتطبيق هذه القاعدة؟

الهوامش:


(1) انظر المعالم الجديدة للأصول ص8.

(2) وقد روىٰ الكليني في الكافي عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَىٰ الْحَلَبِيِّ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): (انْتَفِعُوا بِمَوْعِظَةِ الله والْزَمُوا كِتَابَه فَإِنَّه أَبْلَغُ الْمَوْعِظَةِ وخَيْرُ الأُمُورِ فِي الْمَعَادِ عَاقِبَةً ولَقَدِ اتَّخَذَ اللَّه الْحُجَّةَ فَلَا يَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ إِلَّا عَنْ بَيِّنَةٍ ولَا يَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ إِلَّا عَنْ بَيِّنَةٍ وقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) الَّذِي أُرْسِلَ بِه فَالْزَمُوا وَصِيَّتَه ومَا تَرَكَ فِيكُمْ مِنْ بَعْدِه مِنَ الثَّقَلَيْنِ – كِتَابِ اللَّه وأَهْلِ بَيْتِه اللَّذَيْنِ لَا يَضِلُّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا ولَا يَهْتَدِي مَنْ تَرَكَهُمَا) [ج3، ص423].

(3) كفاية الأصول ص226.

(4) المنطق لشيخ المظفر ص8.

Edit Template
Scroll to Top