(الدرس 7)
الفصل الثالث: لغة الفقه:
لغة الدين وهي من ضمن الدراسات الفلسفية والتي لها تأثير مهم في فهم الدين والفقه باعتبارها أحد فروع الدين، فمن المهم أن نقف علىٰ اللغة التي يعتمد عليها في فهم وبيان القضايا الدينية وذلك ضمن مباحث:
المبحث الأوَّل: اللغة الإنسانية (المفهوم والنشأة):
تعتبر اللغة الظاهرة الإنسانية الأبرز التي ميزت الجنس البشري، فهي ليست مجرَّد أداة للتواصل العابر، بل هي الوعاء الحاوي للفكر والثقافة. ولفهم هذه الظاهرة، لابدَّ من تحرير مفهومها وبيان خصائصها، ثم استعراض النظريات التي حاولت تفسير لغز نشأته.
المطلب الأوَّل: ماهية اللغة الإنسانية:
أوَّلاً: تعريف اللغة (لغةً واصطلاحاً):
- اللغة في اللغة:مشتقة من مادة (لغو)، وتعني النطق والكلام، وقيل أصلها (لوغ). يشير ابن فارس إلىٰ أنَّ (اللغة من لغوت، أي تكلمت)، وهي اسم لما يعبر به الإنسان عن أغراضه(1).
- اللغة في الاصطلاح:تعدَّدت التعريفات بتعدُّد المدارس اللغوية، ولعلَّ التعريف الأقدم والأكثر دقة في التراث العربي هو تعريف ابن جني الذي يصف اللغة بأنَّها: (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)(2).
أمَّا في اللسانيات الحديثة، فيعرفها (إدوار سابير) بأنَّها: (وسيلة إنسانية خالصة، وغير غريزية، لتوصيل الأفكار والانفعالات والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية)(3).
ثانياً: خصائص اللغة الإنسانية:
تتميَّز اللغة البشرية بمجموعة من الخصائص الجوهرية التي تجعلها نظاماً فريداً، ومن أهمها:
1 – الخاصية الرمزية (العلاقة بين الدال (اللفظ) والمدلول (المعنىٰ) هي علاقة اعتبارية غير عقلية؛ فلا يوجد رابط عقلي يحتم تسمية (الجبل) بهذا الاسم دون غيره.
2 – الخاصية الصوتية: اللغة في أصلها ظاهرة صوتية مسموعة، والكتابة ما هي إلَّا تمثيل ثانوي لهذا الصوت.
3 – الخاصية الاجتماعية: اللغة لا تنشأ ولا تحيا إلَّا في مجتمع؛ فهي عقد اجتماعي ومؤسسة تتطلَّب وجود متكلِّم ومستمع ضمن سياق ثقافي مشترك.
ثالثاً: الفرق بين لغة الإنسان والتواصل عند الكائنات الأخرىٰ:
رغم أنَّ الحيوانات تمتلك وسائل للتواصل (إشارات، أصوات، روائح)، إلَّا أنَّ الفارق بينها وبين لغة الإنسان نوعي لا كمي:
– الإبداعية: لغة الإنسان مفتوحة تتيح إنتاج عدد لا نهائي من الجمل الجديدة، بينما تواصل الحيوان مغلق ومحدود بإشارات غريزية ثابتة.
– الإزاحة: يستطيع الإنسان باللغة الحديث عن الماضي والمستقبل والغيب، بينما تواصل الحيوان مرتبط باللحظة الآنية.
المطلب الثاني: النظريات الكبرىٰ في نشأة اللغة الإنسانية:
اختلف العلماء والفلاسفة واللغويون عبر التاريخ في أصل نشأة اللغة، وانقسموا إلىٰ مذاهب شتىٰ، أبرزها:
أوَّلاً: نظرية التوقيف والإلهام:
يرىٰ أصحاب هذه النظرية أنَّ اللغة هبة إلهية، وأنَّ الإنسان لم يخترعها بل تلقاها تعليماً من الخالق، ويستندون في ذلك إلىٰ النص القرآني: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31)، يقول ابن فارس منتصراً لهذا الرأي: (إنَّ لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وقد ذهب لهذا الرأي الأشاعرة والظاهرية وبعض الفقهاء، معتبرين أنَّ العقل لا يستقل بوضع اللغة دون معلم أوَّل(4).
ثانياً: نظرية الاصطلاح والمواضعة:
يرىٰ أنصار هذه النظرية، ومعهم جمهور المعتزلة وكثير من الفلاسفة، أنَّ اللغة صناعة بشرية نشأت عن طريق الاتِّفاق (الاصطلاح)، وتتلخَّص فكرتها في أنَّ البشر احتاجوا للتفاهم، فاجتمع حكماء القوم واتَّفقوا علىٰ تسمية الشيء الفلاني بالاسم الفلاني، يقول الغزالي مناقشاً هذا الرأي: (يجوز أن يكون الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ…﴾، ويجوز أن يكون ذلك بالاصطلاح)(5).
ثالثاً: نظرية المحاكاة:
تذهب هذه النظرية إلىٰ أنَّ أصل اللغة هو تقليد الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، كخرير الماء، وحفيف الشجر، وأصوات الحيوانات، ثم تطوَّرت هذه الأصوات البسيطة لتشكِّل ألفاظاً ومعاني مجرَّدة، وقد أشار ابن جني إلىٰ هذا المذهب بقوله: (وذهب بعضهم إلىٰ أنَّ أصل اللغات كلّها، إنَّما هو من الأصوات المسموعات… فسمّوا كلّ واحد من هذه بمسموع صوته)(6).
رابعاً: نظرية الغريزة والاستعداد الفطري:
هذه النظرية تمثِّل الطرح العلمي الحديث الذي يتزعَّمه اللساني (نعوم تشومسكي)، وخلافاً للنظريات القديمة، لا تبحث هذه النظرية في (أوَّل كلمة قيلت)، بل تبحث في (القدرة البيولوجية)، ترىٰ النظرية أنَّ الإنسان يولد مزوداً بـ(جهاز اكتساب اللغة) (في دماغه، مما يجعله مستعداً فطرياً لتعلم اللغة وبناء القواعد بمجرَّد تعرُّضه لمحيط لغوي(7).
المبحث الثاني: فلسفة لغة الدين ونشأتها:
إذا كانت اللغة الإنسانية أداة للتواصل بين البشر، فإنَّ لغة الدين تكتسب بعداً مفارقاً؛ إذ هي جسر التواصل بين المطلق (الله) والمحدود (الإنسان)، يطرح هذا المبحث إشكالية جوهرية: كيف يمكن لألفاظ وضعت لمعاني حسية دنيوية أن تحمل مضامين غيبية وإلهية؟ وكيف نشأت المصطلحات الدينية؟
المطلب الأوَّل: مفهوم لغة الدين وخصوصيتها:
أوَّلاً: تعريف لغة الدين:
هي النظام اللغوي المستخدم في النصوص المقدسة (الوحي)، وما يتفرَّع عنه من خطابات تشريعية، وهي لغة لا تكتفي بنقل المعلومة، بل تهدف إلىٰ إحداث أثر روحي والتزام سلوكي، يعرفها الفيلسوف طه عبد الرحمن بأنَّها لغة ذات (تداولية خاصة)، حيث لا ينفصل فيها القول عن الفعل، فهي لغة (ائتمانية) تقوم علىٰ ميثاق بين المتكلِّم (الشارع) والمخاطب (المكلف)(8).
ثانياً: السمات المميّزة للغة الدين:
تتميَّز لغة الدين عن لغة العلم أو المحادثة اليومية بعدَّة خصائص:
1 – الرمزية والمجاز نظراً لأنَّ اللغة البشرية وضعت للمحسوسات، فإنَّ الحديث عن الغيبيات (صفات الله، الجنة، النار) يلجأ غالباً إلىٰ المجاز والتمثيل لتقريب المعنىٰ إلىٰ الذهن البشري(9).
2 – الشمول والقداسة: تكتسب ألفاظها سلطة متعالية، حيث يصبح النص (حاكماً) ومهيمناً علىٰ الفهم، وغير قابل للتغيير البشري العبثي.
3 – الغموض: تحتمل لغة الدين وجوهاً متعدِّدة من التفسير (حمالة أوجه)، مما يمنحها مرونة وصلاحية لكلِّ زمان، وهو ما يعرف في الأصول بـ(ظواهر النصوص).
المطلب الثاني: النظريات المطروحة في نشأة وطبيعة لغة الدين:
تعدَّدت المقاربات في تفسير طبيعة لغة الدين ونشأة مصطلحاتها، ويمكن حصر أهم النظريات في الاتِّجاهين التاليين:
أوَّلاً: النظرية الواقعية المعرفية:
وهي الرأي السائد لدىٰ علماء الكلام (المتكلِّمين) والفقهاء المسلمين، ترىٰ هذه النظرية أنَّ لغة الدين لغة (خبرية) تصف حقائق وجودية خارجية، فعندما يخبر النص الديني عن (الله) أو (البعث)، فهو يقرر حقائق موضوعية كما يقرِّر العلم حقائق الطبيعة، لكنها حقائق من مستوىٰ أعلىٰ.
وأساس النشأة هنا توقيفي تعليمي؛ فالله هو الذي سمَّىٰ نفسه، وهو الذي حدَّد الحقائق الغيبية وأخبر عنها بلسان عربي مبين.
ثانياً: النظرية الرمزية الوظيفية:
وهي اتِّجاه سائد في فلسفة الدين الغربية الحديثة. ترىٰ أنَّ لغة الدين لا تقدِّم معلومات علمية عن الكون، بل هي لغة تعبيرية تهدف لاستثارة المشاعر الأخلاقية والروحية.
وفقاً لهذا الطرح، فإنَّ جملة (الله محبة) ليست وصفاً كيميائياً أو فيزيائياً، بل هي تعبير عن التزام المتدين بنمط حياة معين، هذه النظرية تجعل نشأة لغة الدين بشرية وتجربيه نابعة من الخبرة الدينية للإنسان(10).
ثالثاً: نظرية الحقيقة الشرعية (نقطة التماس بين اللغة والفقه):
هذه النظرية هي الأهم للباحث في الفقه وأصوله، وهي تجيب عن سؤال: كيف نشأت المصطلحات الدينية (مثل: صلاة، زكاة، حج)؟ انقسم الأصوليون في نشأتها إلىٰ فريقين:
1 – مذهب ثبوت الحقيقة الشرعية:
يرىٰ أنَّ الشارع تدخل في اللغة، ونقل الألفاظ من معانيها اللغوية الأصلية (الدعاء، النماء، القصد) ووضعها بإزاء معانٍ شرعية جديدة ومخترعة (الأركان المخصوصة للصلاة، المقادير المحددة للزكاة). وبذلك تكون نشأة لغة الدين هنا (نقلية تأسيسية) من قبل الشارع(11).
2 – مذهب نفي الحقيقة الشرعية:
يرىٰ أنَّ الألفاظ بقيت علىٰ معانيها اللغوية الأصلية، وأنَّ الشارع لم يخترع لغة جديدة، بل أضاف (شروطاً) لتلك المعاني، فالصلاة ما زالت تعني (الدعاء)، لكن الله طلب دعاءً بصيئة خاصة(12).
المطلب الثالث: الألفاظ وروح المعنىٰ:
وهنا نحاول الإجابة عن السؤال المتقدِّم هذا السؤال الذي يمسّ جوهر لغة الدين وكيفية التوفيق بين محدودية اللفظ وعظمة المعنىٰ.
وقد طرح لتفسير ذلك:
- نظرية المشترك المعنوي (روح المعنىٰ):
تقوم هذه الفكرة علىٰ أنَّ الألفاظ وُضعت لغاياتها وأرواحها لا لصورها المادية، مثال كلمة نور في عالمنا الحسي هي فوتونات تدركها العين، لكن حقيقة النور وهو (الظاهر بذاته والمظهر لغيره)، هذا المعنىٰ الكلي ينطبق علىٰ المصباح، وينطبق علىٰ نور الله تعالىٰ بعظمة تليق به، دون حصر اللفظ في الصورة الحسية.
- التشبيه والتقريب (التصوير الفني):
بما أنَّ العقل البشري لا يدرك إلَّا من خلال المحسوسات، استعمل الوحي ألفاظاً مألوفة (عرش، يد، بصر، جنات) كرموز تقريبية، هي ليست مطابقة للمسمَّىٰ الغيبي من حيث الكيفية، ولكنها تشترك معه في أصل المعنىٰ لتمكين الإنسان من التصوّر والتفاعل الوجداني مع تلك المفاهيم الدينية.
- قاعدة التفاوت في المصاديق:
اللفظ الواحد قد يطلق علىٰ حقيقتين مختلفتين تماماً في الرتبة، مثل كلمة وجود تطلق علىٰ ذرة الغبار وتطلق علىٰ الخالق، نجد بأنَّ اللفظ واحد، لكن الفارق بين الوجودين هو فارق بين المتناهي واللامتناهي.
الاستنتاج: الألفاظ قوالب مرنة؛ نحن نستخدمها وفق المحيط والحس من أجل الوصول إلىٰ المعنىٰ الغيبي، مع الإيمان بأنَّ هناك فارق ولا يكون ذلك الفارق جدار بين المحسوس ولا محسوس لأنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
خلاصة الدرس:
تناول الدرس مفهوم اللغة الإنسانية كوعاء للفكر، مبيِّناً خصائصها الرمزية والاجتماعية التي تميّزها عن تواصل الكائنات الأخرىٰ بالإبداع والإزاحة، واستعرض نظريات نشأتها بين التوقيف الإلهي، والاصطلاح البشري، والمحاكاة للطبيعة، وصولاً للقدرة الفطرية البيولوجية، كما بحث في لغة الدين كجسر بين الخالق والمكلف، متميزةً بالرمزية والقداسة والقدرة علىٰ التأثير الروحي.
وأخيراً، ناقش نشأة المصطلحات الدينية عبر نظرية الحقيقة الشرعية، التي تبحث في كيفية نقل الشارع للألفاظ من معانيها اللغوية إلىٰ معانٍ تشريعية جديدة.
أسئلة:
1 – قارن بين لغة الإنسان وتواصل الحيوان من حيث خاصيتي (الإبداعية) و(الإزاحة)؟
2 – ما الفرق الجوهري بين نظرية (التوقيف والإلهام) ونظرية (الاصطلاح والمواضعة) في أصل اللغة؟
3 – كيف عرف (إدوار سابير) اللغة في اللسانيات الحديثة؟
4 – علل: يلجأ الخطاب الديني غالباً إلىٰ (المجاز والتمثيل) عند الحديث عن الغيبيات؟
5 – وضح مذهب (ثبوت الحقيقة الشرعية) في تفسير نشأة مصطلحات مثل الصلاة والزكاة؟
(الدرس 8)
المبحث الثالث: لغة الفقه وعلاقتها بلغة الدين:
في هذا المبحث نحاول أن نقف علىٰ إشكالية التحوُّل من (النص المقدَّس) المفتوح علىٰ الدلالات الروحية والعقائدية، إلىٰ (النص الفقهي) المنضبط بصرامة القوانين، والسؤال كيف نشأت لغة وسيطة (لغة الفقهاء) لترجمة مرادات السماء إلىٰ أحكام الأرض؟ وهذا ما سوف نقف عليه.
المطلب الأوَّل: تعريف لغة الفقه (من الوحي إلىٰ التشريع):
1 – الفقه كعلم قانوني وصياغة فنية:
لغة الفقه ليست مجرَّد امتداد عفوي للغة العربية، بل هي لغة اصطلاحية خاصة، فإذا كانت لغة الدين تخاطب الوجدان والعقل والروح وتتَّسم بالشمولية، فإنَّ لغة الفقه تتَّسم بـ(التحديد والمانعية).
الفقيه لا يتعامل مع النص الديني (قرآناً وسُنَّة) باعتباره موعظة فحسب، بل باعتباره (مدونة قانونية) يجب استخلاص الأحكام منها، هذا يتطلب تحويل الدلالات اللغوية العادية إلىٰ دلالات قانونية ملزمة.
يقول الشاطبي: (إنَّ الشريعة إنَّما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتَّىٰ يكونوا عباداً لله اختياراً، كما هم عباد لله اضطراراً)(13).
وهذا الإخراج يتطلَّب لغة آمرة ناهية محدَّدة.
2 – تحول اللغة من (لغة الوحي) إلىٰ (لغة التشريع):
تتميَّز لغة الوحي (الدين) بأنَّها لغة (إبلاغ وهداية)، بينما لغة الفقه هي لغة (إلزام ووضع).
لغة الدين تستخدم المجاز، والقصص، والترغيب، والترهيب فهي لغة خطابية.
أمَّا لغة الفقه فهي عملية تجريد النص من سياقه القصصي لاستخراج القواعد الكلية وهذه العملية تسمَّىٰ في العرف الأكاديمي الحديث بـ(التقعيد الفقهي)، فالنص القرآني قد يقول: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، لغة الدين هنا تفيد الأمر بالاتِّصال بالله، أمَّا لغة الفقه فتحول هذا الأمر إلىٰ (واجب مشروط بالطهارة والوقت والقبلة)، فتنتقل المفردة من فضاء (المناجاة) إلىٰ فضاء (براءة الذمة).
المطلب الثاني: الصلة بين لغة الفقه ولغة الدين:
تأسيس المصطلحات الفقهية:
1 – الحقيقة الشرعية:
هذه هي النقطة المركزية في العلاقة بين اللغتين. هل للألفاظ الواردة في لغة الدين (كالصلاة، الزكاة، الصوم) معانٍ جديدة اخترعها الشرع، أم بقيت علىٰ معانيها اللغوية الأصلية؟
الرأي الأصولي ثبوت الحقيقة الشرعية يرىٰ جمهور الأصوليين أنَّ الشارع المقدَّس قد نقل الألفاظ من معانيها اللغوية الصلاة تساوي الدعاء إلىٰ معانٍ شرعية مستحدثة الصلاة تساوي الأركان المخصوصة وبذلك تأسَّست لغة الدين الخاصة.
أمَّا الأثر الفقهي إذا ورد لفظ صلاة في لغة الفقيه، ينصرف الذهن فوراً للمعنىٰ الفقهي لا اللغوي.
يقول الآخوند الخراساني: (الحق أنَّ ألفاظ العبادات أسامٍ لخصوص الصحيحة منها… فالصلاة وضعت بإزاء الطبيعة المأمور بها والجامعة لجميع الأجزاء والشرائط)(14).
2 – التداخل والافتراق بين النص الحرفي والاجتراح الاصطلاحي:
لغة الفقه ليست مرآة عاكسة للغة الدين دائماً، بل هي نظام مواز يعتمد علىٰ النص ولكنه يبني هيكله الخاص.
من خلال التداخل أي الالتزام بالنص في العبادات المحضة، حيث تلتزم لغة الفقه بحرفية لغة الدين التوقيف في أسماء العبادات وأوقاتها لذلك تؤخذ كما هي.
والافتراق اجتراح المصطلحات حيث اضطر الفقهاء لابتكار مصطلحات لم ترد في لغة الدين بشكل صريح ولكنها ضرورية لضبط النظام القانوني.
مثال مصطلحات (الشرط، المانع، السبب، الصحة، البطلان).
هذه مصطلحات وضعية عقلية وليست نصوصاً دينية فالنص يقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارىٰ﴾، الفقيه يصوغ ذلك بلغته السكر مانع من صحة الصلاة.
هنا نجد أنَّ لغة الفقه أكثر دقة وتجريداً من لغة الدين التي تعتمد السياق.
وقد أشار الشهيد الصدر إلىٰ هذا التمايز بين الحكم الشرعي وهو تشريع صادر من الله لتنظيم حياة الإنسان… وبين علم الأصول الذي يدرس العناصر المشتركة لاستنباط هذا الحكم.
أي أنَّ لغة الفقه هي لغة الاستنباط لا لغة التنزيل(15).
المطلب الثالث: أثر نظريات النشأة اللغوية علىٰ الحكم الفقهي:
في هذا المطلب نناقش الجذور الفلسفية للغة وكيف تؤثر علىٰ استنباط الفقيه.
1 – تأثير نظريتي (التوقيف) و(الاصطلاح) وتثيرها في عملية الاستنباط:
نظرية التوقيف الإلهية: ترىٰ أنَّ اللغة تعليم من الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ولازم ذلك أن يميل الفقيه الذي يتبنىٰ هذا الرأي إلىٰ الجمود علىٰ ظواهر النصوص والحرفية الشديدة، لأنَّ الألفاظ مقدَّسة بذاتها، والعلاقة بين اللفظ والمعنىٰ توقيفية لا يجوز التلاعب بها.
أمَّا نظرية الاصطلاح المواضعة البشرية: ترىٰ أنَّ اللغة اتِّفاق اجتماعي بشري، ولازم ذلك أن تعطي الفقيه مساحة أوسع في تفسير النصوص بناءً علىٰ تغيُّر العرف لأنَّ اللفظ وسيلة بشرية للتواصل، فالعبرة بالمعنىٰ المراد لا بالقالب اللفظي الجامد.
يقول ابن جني في المقام وتأصيل المسألة: ذهب أكثر أهل النظر إلىٰ أنَّ أصل اللغة إنَّما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف(16).
هذا الرأي يفتح الباب أمام الفقيه للنظر في تطور دلالات الألفاظ.
2 – أثر ذلك في (حجية الظواهر) وتفسير النصوص:
هذا هو التطبيق العملي للنظريات السابقة، يعتمد الفقه الإسلامي بشكل كلِّي علىٰ قاعدة حجية الظهور.
فإذا كانت اللغة بشرية واجتماعية (سيرة العقلاء)، فإنَّ فهم النص الديني يخضع لقواعد الحوار البشري العام والخاص، المطلق والمقيَّد.
لغة الفقه إذن تستمد شرعيتها من الفهم العرفي للنص الديني، لا من أسرار غيبية في الحروف.
الفقيه يفسر لغة الدين بأدوات لغة البشر فإذا قال الشارع: (اغسلوا)، يُحمل الأمر علىٰ الغسل المتعارف عليه بين الناس، ولا يبحث الفقيه عن ماهية غيبية للغسل، إلَّا إذا وجدت قرينة شرعية تصرف اللفظ عن معناه العرفي.
وهذا ما يقرِّره السيد الخوئي (رحمه الله) من أنَّ بناء العقلاء قد استقر علىٰ العمل بظواهر الكلام، ولم يردع عنه الشارع، بل أمضاه وبذلك ثبتت حجية الظواهر قال: (ولا يخفىٰ أنَّ حجية الظواهر مما تسالم عليه العقلاء في محاوراتهم، واستقر بناؤهم علىٰ العمل بها في جميع أمورهم وحيث إنَّ الشارع لم يخترع في محاوراته طريقاً خاصاً، بل كان يتكلَّم بلسان قومه فهي ممضاة عنده أيضاً، وهذا واضح ولم نعثر علىٰ مخالف فيه، ولذا ذكرنا في فهرس مسائل علم الأصول أن بحث حجية الظواهر ليس من مسائل علم الأصول، لأنَّها من الأصول المسلمة بلا حاجة إلىٰ البحث عنها)(17).
خلاصة الدرس:
إنَّ لغة الفقه تمثِّل (المصفاة) العقلية والقانونية التي تمر عبرها لغة الدين، فبينما تحافظ لغة الدين علىٰ قدسيتها وإطلاقها، تقوم لغة الفقه بتقييد وتحديد وتأطير هذه المعاني لإنتاج (الحكم الشرعي) القابل للتطبيق، مستفيدة من النظريات اللغوية (كالحقيقة الشرعية والوضع) لبناء جسر متين بين النص الإلهي والواقع البشري.
أسئلة:
س1: قارن بين لغة الدين ولغة الفقه من حيث الخصائص والوظيفة والهدف، موضِّحاً الفرق بين لغة (الإبلاغ والهداية) ولغة (الإلزام والوضع).
س2: ما المقصود بـ(الحقيقة الشرعية) عند جمهور الأصوليين؟ وكيف يسهم هذا المفهوم في تأسيس لغة الفقه الخاصة بعيداً عن المعاني اللغوية الأصلية؟
س3: تتأرجح لغة الفقه بين (التداخل) مع لغة الدين و(الافتراق) عنها باجتراح مصطلحات جديدة؛ اشرح هذه العلاقة مع ضرب أمثلة لمصطلحات فقهية وضعية لم ترد صراحة في النصوص الدينية.
س4: ناقش أثر النظريات اللغوية (التوقيف والاصطلاح) علىٰ منهج الفقيه في استنباط الأحكام، وكيف تؤثر نظرة الفقيه لنشأة اللغة علىٰ تعامله مع (حجية الظواهر)؟
(الدرس 9)
المبحث الرابع: التشكيلات البنيوية للخطاب الفقهي (قراءة في الأنساق الثلاثة):
لا يمكن اختزال لغة الفقه في نمط واحد، بل تتعدَّد أنماطها تبعاً للغايات المتوخاة من التشريع، واستناداً إلىٰ التحليل الفلسفي للفقه، يمكن رصد ثلاثة أنساق لغوية كبرىٰ تتجاذب عملية الاستنباط، وتختلف في مطلقاتها ووظائفها العملية، وهي:
أوَّلاً: النسق المعياري الامتثالي (لغة التكليف):
يمثِّل هذا النسق اللغة الأُم والأساس التاريخي للفقه الإسلامي، حيث يتمحور الخطاب حول مفهوم (الامتثال) وأداء الوظيفة العبودية.
تعمل هذه اللغة من خلال تقنين سلوك المكلَّف عبر سلم خماسي صارم المتمثِّل بالأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح، تتَّسم لغة التكليف بكونها لغة حادة تفتقر إلىٰ المرونة الدلالية الموجودة في اللغات القانونية الحديثة، مما دعا الأصوليين لاستعارة مصطلحات فلسفية لسد هذا النقص.
والهدف الجوهري لهذا النسق هو بناء جيل من الملتزمين دينياً، حيث يتم التركيز علىٰ الفرد وربطه بغاية سامية هي العبودية لله وأدواتها المستعملة في الإقناع والضبط تعتمد علىٰ ثنائيات الثواب والعقاب والمدح والذم وتأنيب الضمير.
ثانياً: النسق المقاصدي التعليلي (لغة المصلحة العامة):
ينشأ هذا النسق عندما يعجز فقه التكليف الحرفي عن استيعاب المتغيِّرات الكبرىٰ بحسب ما يدَّعيه الاجتهاد المقاصدي والتعليلي، فيتحوَّل الخطاب من ظاهر النص إلىٰ روح النص، تتميَّز هذه اللغة بقدرتها علىٰ التعاطي المعرفي والمنهجي مع الواقع، فهي لا تكتفي بالأوامر المجردة، بل تزن المصالح والمفاسد علىٰ مستوىٰ الأُمَّة والدولة والمؤسسات، لا الأفراد فقط.
ولكونها تمتلك القدرة علىٰ التمييز بين المصالح الواقعية الثابتة والمصالح الوهمية الخادعة، مما يجعلها الأداة الأنسب للفقه السياسي والاجتماعي، حيث تقوم فلسفتها علىٰ أنَّ الشريعة وُضعت لرعاية مصالح العباد لذا، فهي تتجاوز التقييد الحرفي بمداليل الألفاظ المباشرة إلىٰ النظر في الأسباب والنتائج، وهي لغة منفتحة علىٰ العقل، وتسمح بمرونة عالية في الاجتهاد في القضايا التي لا نص خاص فيها.
ثالثاً: النسق القانوني الحقوقي (لغة الحقوق):
يعد هذا النسق هو الأكثر حداثة واشتباكاً مع الواقع العالمي، حيث يعيد صياغة الحكم الشرعي في قالب الاستحقاق، تتَّسم هذه اللغة بالصرامة البنائية والهيمنة المفهومية التي تجعلها قادرة علىٰ التعبير عن المعاملات والعقود بدقة قد تعجز عنها لغة المصلحة الفضفاضة.
وتعمل هذه اللغة كأداة وقائية وحماءيه؛ فهي تؤسِّس إطاراً يمنع انتهاك حقوق الأفراد والجماعات، وتبدأ من التعريف بالحقوق لتنتهي بإجراءات قانونية صارمة لذلك تستند إلىٰ مبادئ التكافؤ الإنساني والمساواة، سواء كان مصدر الحق هو الطبيعة البشرية أو الشريعة لا فرق في ذلك.
تسعىٰ لتفعيل المبادئ العامة لحقوق الإنسان وتحويلها من شعارات أخلاقية إلىٰ إلزامات قانونية وسياسية، وهو ما يفرض هيمنتها علىٰ باقي الحقول المعرفية في العصر الحديث.
خلاصة الدرس:
بناءً علىٰ ما سبق، يظهر التمايز في (الأفق المعرفي) لكلِّ لغة:
– لغة التكليف: فعالة في النطاق الفردي والعبادي تربية الضمير.
– لغة المصلحة: ضرورية لإدارة الدولة والسياسة الشرعية المرونة مع الواقع.
– لغة الحقوق: حاكمة في التقنين والمعاملات الدولية الضبط والصياغة الدستورية.
وعليه، فإنَّ الفقه المعاصر بحاجة إلىٰ دمج هذه الأنساق، وعدم الاكتفاء بلغة التكليف التقليدية التي لم تعد تملك البدائل الكافية لمواجهة تعقيدات الحياة الحديثة.
الأسئلة:
1- ما هي الآلية التي يعتمد عليها النسق المعياري الامتثالي لغة التكليف لضبط سلوك المكلف؟
2 – متىٰ يلجأ الفقه إلىٰ النسق المقاصدي التعليلي (لغة المصلحة العامة) وبماذا يتميَّز؟
3 – لماذا تُعتبر لغة الحقوق النسق القانوني الأداة الأنسب للتعبير عن المعاملات والعقود؟
4. علامَ تستند الفلسفة الكامنة وراء النسق القانوني الحقوقي؟
الهوامش:
(1) ابن فارس، مقاييس اللغة، ج5، ص 255.
(2) ابن جني، الخصائص، ج1، ص 33.
(3) إدوار سابير، اللغة: مقدمة في دراسة الكلام، ص 16.
(4) السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج1، ص 16.
(5) الغزالي، المستصفىٰ من علم الأصول، ج1، ص 323.
(6) ابن جني، الخصائص، ج1، ص 46.
(7) انظر نعوم تشومسكي، اللغة والعقل، ترجمة عدنان حسن ص 75.
(8) انظر طه عبد الرحمن، اللسان والميزان: أو التكوثر العقلي، ص 185.
(9) الإمام الغزالي، مشكاة الأنوار، ص 43.
(10) انظر إيان باربور، قضايا في العلم والدين، ترجمة حمادة إبراهيم، ص 160.
(11) انظر الشيخ المظفر أصول الفقه ج1 ص82.
(12) الآمدي الأحكام في أصول الأحكام ج1 ص27.
(13) الموافقات في أصول الشريعة ج2 ص168.
(14) كفاية الأصول ص24-25.
(15) دروس في علم الأصول الحلقة الأولىٰ 37.
(16) الخصائص المجلد 1، ص 40.
(17) مصباح الأصول ج2 ص118.