المقدمة:
التمنِّي في القرآن العظيم يكون في مواضع عدَّة، فمنها تمنِّي الكفار والمنافقين العودة إلىٰ الدنيا بعد الموت ليوم الحساب ليصححوا أفعالهم وأعمالهم، وتمنِّي المنافقين أن يكونوا مع المؤمنين في الغنائم، ومنه تمنِّي السيدة مريم (عليها السلام) الموت قبل ولادة النبي عيسىٰ (عليه السلام)، فإنَّ آيات التمنِّي ومشتقاتها في السياق القرآني يشمل التمنِّي غير الممكن تحقيقه، إذ يعكس ذلك الندم والحسرة علىٰ ما فات من خير أو ما وقع من شر وغيرها من الأسباب التي تدعوا للتمنِّي.
فقد تتبع البحث آيات التمنِّي وأدواته في القرآن في فصلين: أمَّا الفصل الأوَّل فقد عنىٰ بالآيات التي تضمَّنت كلمة التمنِّي ومشتقاتها، والفصل الثاني عنىٰ بالآيات التي ورد فيها أدوات التمنِّي.
فقد تمَّ تفسير الآيات علىٰ نحو التفسير الموضوعي بطريقتين:
الأولىٰ: بما ورد من روايات تأويلية تشخص المصداق الأبرز الذي تنطبق عليه الآية في زمن نزولها أي تأويلها، وهي تجري علىٰ الذين أتوا ويأتون من بعدهم.
والثانية: انتقاء التفسير المناسب للآيات من عدَّة تفاسير الإمامية لتوضيح المقصود، وتلخيصه قدر الإمكان.
فإنَّ البحث لا يخلو من ثمرة وفائدة علمية وعملية تتجلَّىٰ في الاستفادة من التجارب والحالات التي مرَّ بها السابقين؛ وذلك لتلافيها وعدم الوقوع بها، والانجرار إليها، بالتحصُّن منها والتحرُّز عنها، والله العاصم والموفق سبحانه.
أ – التمنِّي لغةً:
فهو تقدير شيء في النَفْس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظنّ، ويكون عن رويّة، وبناءً علىٰ أصل، لكن لمّا كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمنّي تصوّر ما لا حقيقة له(1).
ب – التمنِّي اصطلاحاً:
هو تقدير الإنسان وجود ما يحبّه سواء كان ممكناً أو ممتنعاً كتمنِّي الفقير أن يكون غنياً ومن لا ولد له أن يكون ذا ولد، وتمنِّي الإنسان أن يكون له بقاء لا فناء معه، وأن يكون له جناحان يطير بهما، ويسمَّىٰ صورته الخيالية التي يلتذ بها أمنية، والأصل في معناه… التقدير(2).
الفصل الأوَّل: مادة التمنِّي:
يسعىٰ الباحث -في هذا الفصل- بيان الآيات التي وردت فيها كلمة التمنِّي، وهي كما يأتي:
قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الموْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 94-95):
الموروث الروائي:
قَالَ الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ): إِنَّ الله تَعَالَىٰ لمَّا وَبَّخَ هَؤُلاَءِ الْيَهُودَ عَلَىٰ لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَقَطَعَ مَعَاذِيرَهُمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ الْوَاضِحَةَ بِأَنَّ مُحَمَّداً سَيِّدُ النَّبِيِّينَ، وَخَيْرُ الْخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ عَلِيّاً سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ، وَخَيْرُ مَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَهُ فِي المُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الطَّيِّبِينَ مِنْ آلِهِ هُمُ الْقُوَّامُ بِدِينِ الله، وَالْأَئِمَّةُ لِعِبَادِ الله (عَزَّ وَجَلَّ)، وَانْقَطَعَتْ مَعَاذِيرُهُمْ، وَهُمْ لاَ يُمْكِنُهُمْ إِيرَادُ حُجَّةٍ وَلاَ شُبْهَةٍ، فَجَاءُوا إِلَىٰ أَنْ تَكَاثَرُوا؛ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي مَا نَقُولُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ خَالِصَةٌ لَنَا مِنْ دُونِكَ -يَا مُحَمَّدُ- وَدُونَ عَلِيٍّ، وَدُونَ أَهْلِ دِينِكَ وَأُمَّتِكَ، وَإِنَّا بِكُمْ مُبْتَلَوْنَ مُمْتَحَنُونَ، وَنَحْنُ أَوْلِيَاءُ الله المخْلِصُونَ، وَعِبَادُهُ الْخَيِّرُونَ، وَمُسْتَجَابٌ دُعَاؤُنَا، غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ سُؤَالِنَا رَبَّنَا.
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ، قَالَ الله تَعَالَىٰ لِنَبِيِّهِ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ): قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاَءِ الْيَهُودِ: ﴿إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ الْجَنَّةُ وَنَعِيمُهَا ﴿خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَالْأَئِمَّةِ، وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ وَمُؤْمِنِي الْأُمَّةِ، وَأَنَّكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَذُرِّيَّتِهِ مُمْتَحَنُونَ، وَأَنَّ دُعَاءَكُمْ مُسْتَجَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ فَتَمَنَّوُا الموْتَ لِلْكَاذِبِينَ مِنْكُمْ وَمِنْ مُخَالِفِيكُمْ.
فَإِنَّ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَذُرِّيَّتَهُمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ هُمْ أَوْلِيَاءُ الله (عَزَّ وَجَلَّ) مِنْ دُونِ النَّاسِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَهُمُ المجَابُ دُعَاؤُهُمْ؛ فَإِنْ كُنْتُمْ -يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ- كَمَا تَزْعُمُونَ، فَتَمَنَّوُا الموْتَ لِلْكَاذِبِينَ مِنْكُمْ وَمِنْ مُخَالِفِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بِأَنَّكُمْ أَنْتُمُ المحِقُّونَ المجَابُ دُعَاؤُكُمْ عَلَىٰ مُخَالِفِيكُمْ، فَقُولُوا: اللهمَّ أَمِتِ الْكَاذِبَ مِنَّا وَمِنْ مُخَالِفِينَا؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ الصَّادِقُونَ، وَلِتَزْدَادَ حُجَّتُكُمْ وُضُوحاً بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ وَوَجَبَتْ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله مُحَمَّدٌ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) بَعْدَ مَا عَرَضَ هَذَا عَلَيْهِمْ: لاَ يَقُولُهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا غَصَّ بِرِيقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ؛ وَكَانَتِ الْيَهُودُ عُلَمَاءَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَعَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَمُصَدِّقِيهِمَا هُمُ الصَّادِقُونَ، فَلَمْ يَجْسُرُوا أَنْ يَدْعُوا بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ دَعَوْا فَهُمُ الميِّتُونَ.
فَقَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ، لَنْ يَتَمَنَّوُا الموْتَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُفْر بِالله، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ، وَبِعَلِيٍّ أَخِي نَبِيِّهُ وَوَصِيِّهِ، وَبِالطَّاهِرِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ المنْتَجَبِينَ.
قَالَ الله تَعَالَىٰ: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ الْيَهُودِ، أَنَّهُمْ لاَ يَجْسُرُونَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الموْتَ لِلْكَاذِبِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلِذَلِكَ آمُرُكَ أَنْ تَبْهَرَهُمْ بِحُجَّتِكَ، وَتَأْمُرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا عَلَىٰ الْكَاذِبِ، لِيَمْتَنِعُوا مِنَ الدُّعَاءِ، وَيُبَيِّنَ لِلضُّعَفَاءِ أَنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ»(3).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ الله﴾ إشارة إلىٰ زعم بني اسرائيل بأنَّهم قد ضمنوا مكانتهم عند الله بأنَّ لهم الجنة وليسوا بمعذّبين وسعيدين بنجاتهم؛ لأنَّهم قريبين منه تعالىٰ دون غيرهم(4).
يستظهر منه بطبيعة الحال معنىٰ الثبات والاستقرار والدوام(5).
قوله تعالىٰ: ﴿خَالِصَةً﴾ تحكي معنىٰ الخلوص من الألم والمعاناة والخلوص…، وهي حال لـ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ وهي بمعنىٰ كون الدار الآخرة، أي الجنة، مختصة باليهود(6)، غير مشوبة بما يكرهونه من عذاب أو هوان لزعمهم أنَّهم لا يعذبون فيها(7).
قوله تعالىٰ: ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ كلّهم أو دون محمد وأصحابه كما ادَّعيتم، وذلك لزعمهم بطلان كل دين إلَّا دينهم.
بعد تبنِّي بني اسرائيل هذا الزعم الباطل ردَّ عليهم سبحانه وتعالىٰ بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الموْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأن اعتقد أنَّه من أهل الجنة يكون الموت أحب إليه من حياة الدنيا؛ لمشاقها وهمومها وآلامها والمنغصات(8).
وهذه حجة مبنية علىٰ بديهة فطرية واضحة: كل ذي شعور يختار الراحة علىٰ التعب، والحياة الصافية علىٰ المنغصة، بلا تردد، حتَّىٰ لو ابتُلي بالشقاء ظلَّ يتمنَّىٰ الخير بقلبه ولسانه وعمله، فلو صدقوا في دعواهم أنَّ السعادة الأخروية الخالصة لهم وحدهم، لتمنّوها بصدق قولاً وفعلاً ونية(9).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الذنوب والأعمال القبيحة(10)، منها قتل الأنبياء والكفر بموسىٰ، ونقض المواثيق، وغيرها(11)، وسر إسناد العمل للأيد؛ لكون أنَّ معظم الأعمال تنجر باليد، بغض النظر عن أنَّ اليهود وبالخصوص الإسرائيليين كانت سيئاتهم تتولاها أيديهم(12).
قوله تعالىٰ: ﴿وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي أنَّه تعالىٰ عالم بظلمهم وما قدموا، وظلم سائر الظلمة علىٰ منهاج الظلم(13)، لغرض الزجر والتهديد، فإنَّ الله عليم بالأسباب التي منعتم عن تمنِّي الموت وبما أضمروه وأسرُّوه من كتمان الحق عناداً(14)، وبالجملة أنَّ ما يصدر من الإنسان يعد من الأدلة الجلية علىٰ ما تطويه عليه نفسه ومرتكزاته الباطنية والأعمال الطالحة والأفعال الخبيثة التي تحول دونه ودون لقاء الله والحلول في دار أوليائه(15).
فإنَّ معصية الله تسلب من الإنسان الأمل في التنعم بنعيم الآخرة والاشتياق إلىٰ الموت أو تضعفهما، وهي من عوامل الخوف من الموت، فإنَّ حرص اليهود وسائر الظلمة علىٰ الحياة المادية الفانية وتدنّسهم بالذنوب ولكونهم غير مستعدين للموت وغير واثقين من النجاة، وما يحدث بعد الموت كان هو العائق أمام مثل هذه الأماني وعلَّة خوفهم من الموت(16).
فما الموت في نظر إنسان كامل كسيد الشهداء (عليه السلام) إلَّا قنطرة يعبر بها الإنسان من ضيق الحياة الدنيوية إلىٰ الجنان الفسيحة والنعم الخالدة، فقد قال (عليه السلام): «صَبْراً بَنِي الْكِرَامِ، فَمَا الموْتُ إِلَّا قَنْطَرَةٌ يَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَّاءِ إِلَىٰ الْجِنَانِ الْوَاسِطَةِ وَالنَّعِيمِ الدَّائِمَةِ»(17).
وتجدر الإشارة إلىٰ أنَّ تمنِّي الموت ينقسم إلىٰ قسمين(18)، هما:
التمنِّي المذموم وهو تمنِّي الشخص الذي يتوهَّم الموت فناء فيتمنَّاه هرباً من عناء الدنيا ومشاقها، بل وقد ينتحر ليتخلَّص من صعوبات الحياة؛ وقد يغفل بأنَّ الانتحار من كبائر الذنوب وأنَّه سيعذب بعذاب أليم بعده.
وكذا أولئك الذين يتمنّونه نتيجة لبعض ما يعانونه من مرارات العيش وعدم الرضا بقضاء الله (عزَّ وجلَّ).
فإنَّ سر مذمومية هذا النمط من التمنِّي هو لعدم الظفر بأصل الاعتقاد بالمعاد أو مقام الرضا بتقديره سبحانه.
أمَّا التمنِّي الممدوح فهو مرتبط بصنفين من الناس: الصنف الأوَّل هم أولئك الذين يظهرون تمنيهم للموت واشتياقهم له، لكن ما إن تظهر أمارات الموت حتَّىٰ ينكشف زيف تمنِّيهم هذا.
وأمَّا الصنف الثاني فهم المؤمنون الذين يرغبون في الموت حقاً ويهيئون له مقدماته، فإذا بلغوا ما تمناه فؤادهم طويلاً استراحوا، فيكون أحب الأشياء قبض روحه واللحوق بالمنادي؛ لبلوغه المنىٰ بلقاء الله وأوليائه.
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143):
الموروث الروائي:
فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾: «فَإِنَّ المؤْمِنِينَ لَـمَّا أَخْبَرَهُمُ الله بِالَّذِي فَعَلَ بِشُهَدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ رَغِبُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: اللهمَّ أَرِنَا قِتَالاً نَسْتَشْهِدُ فِيهِ، فَأَرَاهُمُ الله إِيَّاهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَثْبُتُوا إِلَّا مَنْ شَاءَ الله مِنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾»(19).
التفسير:
تشير الآية إلىٰ أمرين(20):
الأوَّل: أنَّ تمنِّي الشهادة يكون مجرَّد أمنية ساذجة وعاجلة، غير ذي أثر عند الحاجة؛ لقيامها علىٰ الهوىٰ بلا تدبُّر.
الثاني: قد يكون التمنِّي صادقاً ومؤملاً تارة أخرىٰ، فإذا وقعت الحرب كان تمنِّيهم للشهادة ذي أثر.
فعند تغيُّر الظروف وتبدُّل الأحوال واضطراب الأوضاع توهن العزيمة ويضعف المتمنِّي، فإنَّ مثل هذه الحالة قد انتقدها القرآن وذمَّها نتيجة للانصراف عن موقفهم الأوَّل وأمنيتهم الأولىٰ.
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ﴾ يا أصحاب محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) ﴿تَمَنَّوْنَ الموْتَ﴾، أي تتمنّون الموت، فحذف إحدىٰ التاءين للتخفيف وذلك أنَّ قوماً ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنَّون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أُحُد، فلمَّا رأوه يوم أُحُد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا فعاتبهم الله علىٰ ذلك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ الهاء في ﴿تَلْقَوْهُ﴾ و﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ راجعة إلىٰ الموت، أي من قبل أن تلقوا أسباب الموت وهو الحرب فقد رأيتموها لأنَّ الموت لا يرىٰ، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قيل إنَّه تأكيد للرؤية كما يقال: رأيته عياناً فرأيته بعيني وسمعته بأُذني لئلَّا يتوهَّم رؤية القلب وسمع العلم، وقيل معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فعلىٰ هذا يكون النظر بمعنىٰ الفكر، وقيل معناه وأنتم تنظرون إلىٰ محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) وفيه حذف أي فلِمَ انهزمتم؛ لأنَّه موضع عتاب.
فإن قيل كيف يتمنَّىٰ قتل المشركين لهم لينالوا منزلة الشهادة، وهل يجوز ذلك؟
قلنا: ذلك لا يجوز؛ لأنَّ قتل المشركين لهم معصية ولا يجوز تمنِّي المعاصي كما لا يجوز إرادتها ولا الأمر بها، فإذا ثبت ذلك فإنَّما تمنوا الشهادة بالصبر علىٰ الجهاد إلىٰ أن يقتلوا(21).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموْتَ﴾ ليس المقصود تمنِّي الفشل والاندحار، بل المقصود الشهادة في سبيل الله وطلب النصرة للإسلام والمسلمين(22)، وأنَّ هذا يثبت فساد ظنّهم الذي كانوا يتمنّون الموت قبل المعركة، فلما واجهوه جبنوا وأعرضوا عن القتال، فهل يدخلون الجنة بمجرَّد هذا التمنِّي دون ابتلاء وتمحيص؟ بل كان لابدَّ من الاختبار، والمقصود: (رأيتموه بأعينكم فأحجمتم)(23).
قوله تعالىٰ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فلماذا فررتم وهربتم من الشيء الذي كنتم تتمنّونه طويلاً؟ وكيف يفر المرء من محبوبه، وهو يراه وينظر إليه؟(24). في الآية كناية عن عدم إقدامهم أي تكتفون بمجرَّد النظر من غير إقدام، وفيه عتاب وتوبيخ(25).
ليس المقصود برؤية الموت بالحس، إذ لا يمكن مشاهدة الموت، بل برؤية آثاره وعلاماته القابلة للرؤية؛ بهذا الصدد فتجدر الإشارة إلىٰ النظر والرؤية من عدَّة نواحي منها ما يأتي(26):
1 – عند ذكر (النظر) من غير الرؤية فقد يكون المراد به الشهود العيني والرؤية الواضحة الخالية من الإبهام كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
2 – عندما يُذكرا معاً كما في الآية فإنَّ فيه عدَّة احتمالات:
– الأوَّل: تأكيد الرؤية.
– الثاني: أن تكون القرينة معيَّنة إذ تنطبق الرؤية أحياناً علىٰ الشهود القلبي.
– الثالث: النظر بمعنىٰ الرؤية من غير أثر إذ تشير الآية إلىٰ تغير العزم.
3 – في بعض الأحيان ينتقد القرآن الكريم بشدة التحوّل في الإرادة مثل قوله تعالىٰ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فمصدر هذا التغيُّر هو التغيُّر الفردي أو الجماعي وتحول الظروف الروحية، إذ إنَّ الأمر المطروح هنا هو خطر النفاق ويؤيِّده قوله تعالىٰ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.
4 – في أحيان أخرىٰ لا يُلحظ أي نقد شديد من قبل القرآن كالآية موضوع البحث.
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا الله مِن فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: 32):
الموروث الروائي:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ قَوْلِ الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ﴾، قَالَ: «لاَ يَتَمَنَّىٰ الرَّجُلُ امْرَأَةَ الرَّجُلِ وَلاَ ابْنَتَهُ، وَلَكِنْ يَتَمَنَّىٰ مِثْلَهُمَا»(27).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ فَرَضَ الله (عَزَّ وَجَلَّ) لَهَا رِزْقَهَا حَلاَلاً يَأْتِيهَا فِي عَافِيَةٍ، وَعَرَضَ لَهَا بِالْحَرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَإِنْ هِيَ تَنَاوَلَتْ شَيْئاً مِنَ الْحَرَامِ قَاصَّهَا بِهِ مِنَ الْحَلاَلِ الَّذِي فَرَضَ لَهَا، وَعِنْدَ الله سِوَاهُمَا فَضْلٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾»(28).
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَىٰ النَّبِيِّ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ)، قَالَ: لَـمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قَالَ: فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ: مَا هَذَا الْفَضْلُ؟ أَيُّكُمْ يَسْأَلُ رَسُولَ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «أَنَا أَسْأَلُهُ»، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِنَّ الله خَلَقَ خَلْقَهُ وَقَسَّمَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ حِلِّهَا، وَعَرَضَ لَهُمْ بِالْحَرَامِ، فَمَنِ انْتَهَكَ حَرَاماً نَقَصَ لَهُ مِنَ الْحَلاَلِ بِقَدْرِ مَا انْتَهَكَ مِنَ الْحَرَامِ، وَحُوسِبَ بِهِ»(29).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «إِنَّ الله قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَفْضَلَ فَضْلاً كَثِيراً لَمْ يُقَسِّمْهُ بَيْنَ أَحَدٍ، قَالَ الله: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾»(30).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ فَرَضَ الله لَهَا رِزْقَهَا حَلاَلاً يَأْتِيهَا فِي عَافِيَةٍ، وَعَرَضَ لَهَا بِالْحَرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَإِنْ هِيَ تَنَاوَلَتْ مِنَ الْحَرَامِ شَيْئاً قَاصَّهَا بِهِ مِنَ الْحَلاَلِ الَّذِي فَرَضَ الله لَهَا، وَعِنْدَ الله سِوَاهُمَا فَضْلٌ كَبِيرٌ»(31).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: (إِنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْفَجْرِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ تُقَسَّمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟) فَقَالَ: «إِنَّ الْأَرْزَاقَ مَوْظُوفَةٌ مَقْسُومَةٌ، وَلِلهِ فَضْلٌ يَقْسِمُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَىٰ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ -ثُمَّ قَالَ-: «وَذِكْرُ الله بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَبْلَغُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ»(32).
التفسير:
في هذه الآية عدَّة محاور وهي كالآتي(33):
1 – النهي عن التمنِّي ما عند الناس من فضلٍ فَضَّلَ الله به أُناساً علىٰ آخرين.
2 – نهت الآية عن تمنِّي الفضل (نفسه) ولم تنه عن تمنِّي مثله أو خير منه، لأنَّ تمنِّي الأحسن أمر محمود.
3 – استقلال كلٍّ من الرجل والمرأة بما اكتسبه من مالٍ أو ملكٍ أو مكانةٍ معنوية، وفقاً لاختلاف قدراتهم واستعداداتهم الفردية؛ فلكلٍّ منهما ما حقَّقه بجهده وعقله أو بدنه.
4 – أثر الدعاء والتضرُّع في نيل البغية المادية والمعنوية من أفضال الله تعالىٰ.
5 – الغبطة غير محمودة إذا كانت علىٰ خزف الدنيا وزينتها وقد ذمَّت الروايات ذلك، فينبغي أن تكون لأجل كسب الفضائل المعنوية، من علم وتقوىٰ، وكسب الإخوان الصالحين والأسرة المؤمنة والذرية الطيبة، وما فيها من سعادة الدارين.
6 – إنَّ الله تعالىٰ لا يقسم أفضاله كلّها بما يستحقه الناس، بل بما تقتضيه حكمته.
بينما تجدر الإشارة لمحاور أخرىٰ في الآية وهي(34):
1 – إنَّ التمنِّي وبشكل متكرِّر يتبدَّل حسداً مستبطناً؛ فإذا استمر واستقر في القلب سرىٰ إلىٰ مقام العمل والفعل الخارجي، ثم إذا اجتمعت هذه النفوس أدَّت إلىٰ فساد وبلوىٰ في الأرض ذات أثر ومردود سلبيان.
2 – يظهر أنَّ النهي عن التمنِّي نهي إرشادي لحفظ الأحكام المشرعة، وليس بنهي مولوي.
3 – النهي عن تمنِّي ما اختصَّ به غيره من مزايا، إنَّما هو لاقتلاع جذور الشر والفساد.
4 – أدَّب الدعاء: الإنسان جاهل بما ينفعه ويضره، فاللائق به أن يسأل الله الخير إجمالاً فيما يشتهيه، دون إصرار علىٰ تفصيل معيَّن أو طريق محدَّد، فكم من شخص ألحَّ في طلب مال أو ولد أو جاه أو صحة، فلما أُعطيها كان فيها هلاكه وخسارته.
5 – احترام الحكمة الإلهية: لا يسأل الإنسان ما يخالف الحكمة الإلهية في التفضيل الذي شرعه الله تكويناً أو تشريعاً، فلو طلب الرجال فضل النساء أو العكس، وأُعطوه، لبطلت الحكمة وفسدت الأحكام والقوانين التي وضعها الله سبحانه.
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ﴾ أي لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان لي، فيكون حسداً ولكن يجوز أن يغبطه(35)، الظاهر أنَّ الآية مسوقة للنهي عن تمنِّي فضل وزيادة موجودة ثابتة بين الناس، وأنَّه ناشئ عن تلبس بعض طائفتي الرجال والنساء بهذا الفضل، وأنَّه ينبغي الإعراض عن التعلُّق بمن له الفضل، والتعلُّق بالله بالسؤال من الفضل الذي عنده تعالىٰ، وبهذا يتعيَّن أنَّ المراد بالفضل هو المزية التي رزقها الله تعالىٰ كلًّا من طائفتي الرجال والنساء بتشريع الأحكام التي شرعت في خصوص ما يتعلَّق بالطائفتين كلتيهما كمزية الرجال علىٰ النساء في عدد الزوجات، وزيادة السهم في الميراث، ومزية النساء علىٰ الرجال في وجوب جعل المهر لهن، ووجوب نفقتهن علىٰ الرجال، فالنهي عن تمنِّي هذه المزية التي اختصَّ بها صاحبها إنَّما هو لقطع شجرة الشر والفساد من أصلها، فإنَّ هذه المزايا مما تتعلَّق به النفس الإنسانية لما أودعه الله في النفوس من حبّها والسعي لها لعمارة هذه الدار(36).
قوله تعالىٰ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ دليل آخر علىٰ نهي التمنِّي الباطل(37)، إنَّ المراد بالاكتساب هو نوع من الحيازة والاختصاص أعم من أن يكون بعمل اختياري كالاكتساب بصنعة أو حرفة أو لا يكون بذلك، لكنَّه ينتهي إلىٰ تلبُّس صاحب الفضل بصفة توجب له ذلك كتلبُّس الإنسان بذكورية أو أنوثية توجب له سهماً ونصيباً… فمعنىٰ الآية علىٰ ما تقدَّم من المعنىٰ: ولا تتمنَّوا الفضل والمزية المالي وغير المالي الذي خصَّ الله تعالىٰ به أحد من الرجال والنساء ففضَّل به بعضكم علىٰ بعض فإنَّ ذلك الفضل أمر خصَّ به من خصَّ به لأنَّه أحرزه بنفسيته في المجتمع الإنساني أو بعمل يده بتجارة ونحوها، وله منه نصيب، وإنَّما ينال كل نصيبه مما اكتسبه(38).
علىٰ حسب ما كلَّفه الله من الطاعات بحسن تدبيره فلا تتمنَّوا خلاف هذا التدبير لما فيه من حرمان الحظ الجزيل، فينبغي أن يقنع ويرضىٰ بما قسم الله له(39).
قوله تعالىٰ: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل في القرآن الكريم اسم جامع للبركات المادية والمعنوية(40)، ومعناه إن احتجتم إلىٰ ما عند غيركم وأعجبكم أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم من لطفه وكرمه بأن يتفضَّل عليكم من نعمه المتنوِّعة وتوفيقاته ومثوباته الطيبة، وسعادتكم واقعاً، بشرط أن لا يكون فيه مفسدة(41)، ومن الجدير بالذكر أنَّه من الواضح جدًّا أنَّ طلب الفضل والعناية الرّبانية ليس بمعنىٰ أن لا يأخذ الإنسان بأسباب كلّ شيء وعوامله، بل لابدَّ من البحث عن فضل الله ورحمته من خلال الأسباب التي قرَّرها وأرساها(42).
قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي يعلم ما يحتاج إليه نظام المجتمع وما يلزمه من الفروق سواء من الناحية الطبيعية أو الحقوقية، ولهذا لا وجود للظلم والحيف ولا لأيِّ شيء من التفاوت الظالم والتمييز غير العادل في أفعاله، كما أنَّه تعالىٰ خبير بما في بواطن الناس من الأسرار والخفايا والنوايا ويعلم من الذي يتمنَّىٰ الأماني الخاطئة في قلبه، ومن يتمنَّىٰ الأماني الإيجابية الصحيحة البناءة(43).
خلاصة ما تقدَّم: إنَّ انتفاع الناس والأقوام من النعم الإلهية، ليس علىٰ حدٍّ سواء.
وفي هذا التفاوت حكمة الله تعالىٰ، ولا يصح الاعتراض عليه، سواء كانت النعمة المعطاة ثواباً علىٰ خير فعله العبد أو أحد أسلافه الماضين، أم كانت فتنة واختباراً له، أم كانت استدراجاً وإلهاء.
ولكلمة (فضل) في هذه الآية إطلاق جامع للنعم المادية والمعنوية، بمعنىٰ أنَّ الله تعالىٰ يقسم أفضاله كلها بما تقتضيه حكمته، وليس بما يستحقه الناس، ليكون الله مديناً لأحد بشيء.
ولا فرق في النهي عن التمنِّي الباطل بين الأمور الشخصية والعامة، ولا بين الفضل الظاهري والباطني(44).
قوله تعالىٰ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَىٰ الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: 52):
الموروث الروائي:
عَنْ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «فَذَكَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَا يُحْدِثُهُ عَدُوُّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّىٰ أَلْقَىٰ الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ يَتَمَنَّىٰ مُفَارَقَةَ مَا يُعَايِنُهُ مِنْ نِفَاقِ قَوْمِهِ وَعُقُوقِهِمْ، وَالاِنْتِقَالَ عَنْهُمْ إِلَىٰ دَارِ الْإِقَامَةِ، ﴿إِلاَّ أَلْقَىٰ الشَّيْطَانُ﴾ المعْرِضُ بِعَدَاوَتِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ ذَمَّهُ، وَالْقَدْحَ فِيهِ، وَالطَّعْنَ عَلَيْهِ، ﴿فَيَنْسَخُ الله﴾ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِ المؤْمِنِينَ فَلاَ تَقْبَلُهُ، وَلاَ تُصْغِي إِلَيْهِ غَيْرُ قُلُوبِ المنَافِقِينَ وَالْجَاهِلِينَ، ﴿وَيُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ بِأَنْ يَحْمِيَ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الضَّلاَلِ وَالْعُدْوَانِ، وَمُتَابَعَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، الَّذِينَ لَمْ يَرْضَ الله أَنْ يَجْعَلَهُمْ كَالْأَنْعَامِ، حتَّىٰ قَالَ: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾»(45).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «إنَّ رَسُولَ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَصَابَتْهُ خَصَاصَةٌ، فَجَاءَ إِلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ طَعَامٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ الله وَذَبَحَ لَهُ عَنَاقاً، وَشَوَاهُ، فَلَمَّا أَدْنَاهُ مِنْهُ تَمَنَّىٰ رَسُولُ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ). فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بَعْدَهُمَا، فَأَنْزَلَ الله فِي ذَلِكَ: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وَلاَ مُحَدَّثٍ إِلاّ إِذا تَمَنّىٰ أَلْقَىٰ الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يَعْنِي فُلاَناً وَفُلاَناً ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ يَعْنِي لَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بَعْدَهُمَا ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ يَعْنِي بِنُصْرَةِ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)»(46).
التفسير:
تمنِّي مشتقة من منىٰ علىٰ وزن مشىٰ وأصلها تعني التقدير والفرض… تستعمل كلمة تمنّىٰ لما يصوّره الإنسان في مخيّلته والتي يطمح إلىٰ تحقُّقها.
وخلاصة القول: إنَّ أصل هذه الكلمة هي التقدير والفرض والتصوّر، أينما استخدمت(47).
تجدر الإشارة إلىٰ عدَّة أُمور وهي(48):
* التمنِّي تقدير الإنسان وجود ما يحبّه سواء كان ممكناً أو ممتنعاً كتمنِّي الفقير أن يكون غنياً ومن لا ولد له أن يكون ذا ولد، وتمنِّي الإنسان أن يكون له بقاء لا فناء معه وأن يكون له جناحان يطير بهما، ويسمَّىٰ صورته الخيالية التي يلتذ بها أمنية.
* الإلقاء في الأمنية المداخلة فيها بما يخرجها عن صرافتها ويفسد أمرها.
* معنىٰ التمنِّي في الآية هو تمني قلبي: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنّىٰ﴾ وقدر بعض ما يتمنَّاه من توافق الأسباب علىٰ تقدُّم دينه، وإقبال الناس عليه، وإيمانهم به ﴿أَلْقَىٰ الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وداخل فيها بوسوسة الناس، وتهييج الظالمين، وإغراء المفسدين، فأفسد الأمر علىٰ ذلك الرسول أو النبي وأبطل سعيه فينسخ الله ويزيل ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي وإظهار الحق والله عليم حكيم… والمعنىٰ: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ ليعلم الذين أوتوا العلم بسبب ذاك النسخ والأحكام أنَّ ما تمنَّاه الرسول أو النبي هو الحق من ربِّك لبطلان ما يلقيه الشيطان فيؤمنوا به.
قوله تعالىٰ: ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ﴾ (النجم: 24).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿أَمْ﴾ منقطعة والاستفهام إنكاري، قوله: ﴿لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّىٰ﴾ فيه ما يأتي(49):
* الكلام بصدد دفع توهُّم بأنَّ الإنسان ينال ما يتمنَّاه بمجرَّد تمنِّيه، فليس له أن يظفر بما يشتهيه بمجرَّد رغبته، فإذا كان الكلام كذلك فيستدعي ذلك ظفر المشركون بما تتمنَّاه نفوسهم من شفاعة الملائكة الذين جعلوهم أرباباً لأصنامهم وبناتٍ لله زعماً، أو تثبت الألوهية لآلهتهم بمجرَّد تمنيهم، وليس بالكلام دلالة أو صحة علىٰ زعمهم لمجرد هذا التمنِّي، ولن يكون لهم ذلك.
* هناك وجه آخر: وهو أن يتوجَّه الإنسان لله لعدم بلوغه أمانيّه بمجرَّد التمنِّي فحسب، بل لأنَّ الإنسان لا ينال كثيراً من أمانيه أبداً بمجرَّد التمنِّي دون إمضاء الله تعالىٰ لأُمنيته، وهذا يدل علىٰ أنَّ تدبير هذا العالم بيد غيبية تتحكَّم في هذا العالم، وهي يدع سبحانه وتعالىٰ وأوليائه (عليهم أتم الصلاة وأزكىٰ السلام)(50).
وهناك وجوه أُخر هنَّ(51):
* ليس للكفار الشفاعة من الأصنام، فلا يملك فيهما أحد شيئاً إلَّا بإذنه.
* للإنسان ما تمنَّىٰ من غير جزاء، فليس الأمر كذلك لأنَّ لله الآخرة والأولىٰ يعطي منهما من يشاء ويمنع من يشاء.
* ليس للإنسان ما تمنَّىٰ من نعيم الدنيا والآخرة مطلقاً، بل يفعله الله تعالىٰ بحسب المصلحة ويعطي الآخرة للمؤمنين دون الكافرين.
* وهذا الوجه الأخير علىٰ مات يبدو هو الوجه الأوجه لأنَّه أعم فتدخل تحته الجميع الوجوه السابقة أعلاه.
قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الموْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: 6-7).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الموْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ احتجاج علىٰ اليهود يُظهر به كذبهم في دعواهم أنَّهم أولياء الله وأحباؤه…
ومحصل المعنىٰ: قل لليهود مخاطباً لهم: يا أيُّها الذين تهودوا إن كنتم اعتقدتم أنكم أولياء لله من دون الناس إن كنتم صادقين في دعواكم فتمنوا الموت لأنَّ الولي يحب لقاء وليّه ومن أيقن أنَّه ولي لله وجبت له الجنة ولا حاجب بينه وبينها إلَّا الموت أحب الموت وتمنَّىٰ أن يحل به فيدخل دار الكرامة ويتخلَّص من هذه الحياة الدنية التي ما فيها إلَّا الهمّ والغمّ والمحنة والمصيبة.
وفي قوله تعالىٰ: ﴿أَوْلِياءُ لِلهِ﴾ من غير إضافة إشارة إلىٰ أنَّه دعوىٰ منهم من غير حقيقة(52).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أخبر تعالىٰ نبيَّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّهم لا يتمنَّونه أبداً بعد ما أمره أن يعرض عليهم تمنِّي الموت، وقد علَّل عدم تمنِّيهم الموت بما قدَّمت أيديهم وهو كناية عن الظلم والفسوق، فمعنىٰ الآية: ولا يتمنُّون الموت أبداً بسبب ما قدَّمته أيديهم من الظلم فكانوا ظالمين والله عليم بالظالمين، يعلم أنَّهم لا يحبون لقاءه لأنَّهم أعداؤه، ولا ولاية بينه وبينهم ولا محبة(53).
إنَّ خوف الإنسان من الموت ناشئ من عاملين(54):
الأوَّل: عدم إيمان الإنسان بالحياة بعد الموت واعتقاده أنَّ الموت زوال وفناء.
الثاني: ما قدَّمه من أعمال سيّئة وذنوب والتي يعتقد أنَّه سيواجهها بعد مماته في عالم الآخرة عند ما تقام المحكمة الإلهية.
وإنَّما يخاف اليهود الموت لسوء أعمالهم مع اعتقادهم بيوم الحساب، وقد وصفهم القرآن الكريم بالظالمين؛ وذلك لأنَّ الظلم يتَّسع ليشمل جميع الأعمال السيّئة والجرائم التي ارتكبوها، من قتلهم الأنبياء وقول الزور وغصب الحقوق وتلوّثهم بمختلف المفاسد الأخلاقية.
غير أنَّ هذا الخوف وذلك الفرار لا يجدي شيئاً، فالموت أمر حتمي لابدَّ أن يدرك الجميع.
فإنَّ ما يصدر من الإنسان يعد من أبرز الأدلة الجلية علىٰ ما تضمُّره نفسه وما ترتكز عليه في باطنه والأعمال الطالحة والأفعال الخبيثة التي تحول دون ودون لقاء الله والحلول في دار أوليائه(55).
الفصل الثاني: أدوات التمنِّي:
تبنَّىٰ الباحث -في هذا الفصل- بيان الآيات الوارد فيها أدوات التمنِّي، وهي كما يأتي:
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 73):
التفسير:
معناه ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنَّ: هذا المبطئ قول من لا تكون بينه وبين المسلمين مودَّة، أي كأنَّه لم يعاقدكم علىٰ الإيمان ولم يظهر لكم مودَّة علىٰ حال، يا ليتني كنت معهم، أي يتمنَّىٰ الغنيمة دون شهود الحرب وليس هذا من قول المخلصين، فقد عدوا التخلُّف في إحدىٰ الحالتين نقمة من الله وتمنَّوا الخروج معهم في إحدىٰ الحالتين لأجل الغنيمة وليس ذلك من أمارات المودَّة(56).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ من قبيل غنيمة الحرب ونحوها، والفضل هو المال وما يماثله(57).
وقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾، أي يتحسَّر كونه معهم من أجل الظفر بالغنائم لنفع النفس لا للنصرة، وهو تشبيه لحالهم وتمثيل لها فإنَّ المؤمنون والمسلمون يد واحدة يربط بعضهم بعضاً بأقوىٰ الروابط، وهو الإيمان بالله وآياته الذي يحكم علىٰ جميع الروابط الأُخر من نسب أو ولاية أو بيعة أو مودَّة؛ لكنَّهم لضعف إيمانهم لا يرون لأنفسهم أدنىٰ ربط يربطهم بالمؤمنين فيتمنون الكون معهم والحضور في جهادهم، فيقول أحدهم: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾، لتمنِّي الحضور لنفع نفسه لا للنصرة(58).
فإنَّ إكبار الغنائم يعد من علائم ضعف إيمانهم، وعدهم حيازة الفضل والمال فوزاً عظيماً، وكل مصيبة أصابت المؤمنين في سبيل الله من قتل أو جرح أو تعب نقمة(59).
وما يؤيِّد ذلك دخول اللام ونون التوكيد الثقيلة علىٰ الفعل ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ إذ يبينان تركيز المنافقين واهتمامهم بالناحية المادية واعتقادهم بأنَّ المال هو العامل الرئيس للفلاح، مع أنَّه في الحقيقة وسيلة للفتنة والاختبار.
ووفق منطق المنافقين فإنَّ الحصول علىٰ الغنائم يُعد فوزاً عظيماً، وعلىٰ العكس فإنَّ إنفاق المال والصدقات خسارة ومغرم، في حين أنَّ الشهادة في سبيل الله -وهي الفوز العظيم- نقمة وبلاء في نظرهم.
وأمَّا قول المنافقين وضعفاء الإيمان من المسلمين يقولون: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ فهو دليل علىٰ طمعهم وانتهازيتهم فلا يقول هذا الكلام إلَّا من لم يشارك، مع إمكان الالتحاق بالمسلمين دون أي مانع لكنهم فضَّلوا أن يكونوا من المبطئين والمعوِّقين عن عمد ودون أيِّ عذر، وأحجموا عن تلبية دعوة الرسول الأكرم للقتال وكأنَّهم لم يكونوا من المسلمين ولا تربطهم بهم أي علاقة ولم يكونوا يعلمون شيئًا عن أهداف المسلمين في حربهم ضد الكفار.
وفي قوله تعالىٰ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةً﴾ -وهي جملة اعتراضية بين ﴿لَيَقُولَنَّ وَيَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾- إشارة إلىٰ الوظيفة المتبادلة بين أفراد الأُمَّة الإسلامية وتذكير بالمبدأ الاجتماعي الأصيل والحساس وهو تعذُّر قيام النظام الإسلامي من دون توفُّر عنصر الانسجام بين أعضائه، وأنَّ الاتِّحاد والانسجام هما نتيجة المودَّة والأخوَّة بين أفراد الأُمَّة كلّها؛ فهذه الآية الشريفة تدعو إلىٰ الدستور الرسمي الإسلامي المتمثِّل في تحصيل الوداد العام وضمان المودَّة الاجتماعية وما يترتَّب عليها من آثار علىٰ شؤون الحياة الاجتماعية(60).
خلاصة القول: حين تصل الأخبار بانتصار المسلمين المجاهدين ونيلهم المغانم، يتبدَّل موقف المنافقين فتبدو عليهم الحسرة ويظهر الندم علىٰ وجوههم، ويشرعون -وكأنَّهم غرباء لا تربطهم بالمسلمين أيَّة رابطة- بترديد عبارات التأسُّف ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
في الآية إشارة إلىٰ المفهوم المادي للنصر في نظر المنافقين، فالذي يرىٰ الشهادة والقتل في سبيل الله مصيبة وبلاء، ويخال النجاة من القتل أو الشهادة في هذه السبيل نعمة إلهية، لا ينظر إلىٰ النصر والفوز إلَّا من خلال منظار كسب الغنائم والمتاع المادي لا غير.
هؤلاء المتلونون الموجودون -مع الأسف- في كلِّ المجتمعات، سرعان ما يغيِّرون أقنعتهم تجاه ما يواجهه المؤمنون من نصر أو هزيمة، هؤلاء لا يشاركون المؤمنين في معاناتهم ولا يساعدونهم في الملمات، لكنّهم يتوقعون أن يكون لهم في الانتصارات السهم الأوفىٰ، وأن يحصلوا علىٰ ما يحصل عليه المجاهدون المؤمنون من امتيازات(61).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ (الأنعام: 27):
الموروث الروائي:
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ إلىٰ آخرها جاء فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «نزلت في بني أمية»(62)، إنَّ تطبيق الآية علىٰ بني أمية من باب ظهور مصداق جديد وليس من سنخ شأن النزول، لأنَّ سورة الأنعام نزلت في مكة ومحور ما حوته آياتها تفاصيل حول المشركين الوثنيين الصنميين والمنافقون الذين أسرُّوا الكفر بعد بزوغ شمس الإسلام يعاملون كالكفار ويصيبهم كلّ تهديد وجهه القرآن الكريم للمشركين(63).
التفسير:
في الآية إشارة إلىٰ بعض مواقف عناد المشركين، وفيهما يتجسَّد مشهد من مشاهد نتائج أعمالهم لكي يدركوا المصير المشؤوم الذي ينتظرهم فيستيقظون، أو تكون حالهم -علىٰ الأقل- عبرة لغيرهم، فتقول الآية: ﴿وَلَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ﴾ لتبيِّن لك مصيرهم السيئ المؤلم.
إنَّهم في تلك الحال علىٰ درجة من الهلع بحيث إنَّهم يصرخون: ليتنا نرجع إلىٰ الدنيا لنعوض عن أعمالنا القبيحة، ونعمل للنجاة من هذا المصير المشؤوم، إنَّ قضية مخادعة النفس وإخفاء الحقائق عنها من القضايا التي تعالجها البحوث الخاصّة بنشاط الضمير، فقد نجد الكثيرين من الذين يتَّبعون أهواءهم يتنبهون إلىٰ أضرار ذلك عليهم، ولكنّهم لكي يواصلوا أعمالهم تلك بغير أن تنغصها عليهم ضمائرهم يحاولون إخفاء هذا الوعي فيهم بشكل من الأشكال(64).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ﴾ بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم علىٰ الكفر والإعراض عن آيات الله تعالىٰ(65).
يحتمل في قوله تعالىٰ: ﴿وقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ﴾ ثلاث معان وهي:
- يرون النار بأعينهم.
- يلمسون النار بأيديهم.
- قال بن سيده: والأجود أَن يَكُونَ مَعْنَىٰ ﴿وقِفُوا عَلَىٰ النَّارِ﴾ أُدخلوها فعرفوا مِقدار عَذَابِهَا كَمَا تَقُولُ: وَقَفْت عَلَىٰ مَا عِنْدَ فُلَانٍ تُرِيدُ قَدْ فَهمته وتبيَّنته، ويمكن أن يراد بالمعنيين، لأنَّه لما وقفوا علىٰ النار، سيطلعون علىٰ النار تماماً(66).
وفي قوله تعالىٰ: ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ تمنٍّ منهم للرجوع إلىٰ الدنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة، وهذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله وحلفهم بالله علىٰ ذلك كذباً من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم القيامة، فإنَّهم قد اعتادوا التمنِّي فيما لا سبيل لهم إلىٰ حيازته من الخيرات والمنافع الفائتة عنهم، وخاصة إذا كان فوتها مستنداً إلىٰ سوء اختيارهم وقصور تدبيرهم في العمل، ونظيره تحسّرهم علىٰ ما فرَّطوا في أمر الساعة، علىٰ أنَّ التمنِّي يصح في المحالات المتعذِّرة كما يصح في الممكنات المتعسِّرة كتمنِّي رجوع الأيام الخالية وغير ذلك(67).
إنَّ أُمنية المشركين في العودة إلىٰ الدنيا محالة، ولكن تمنِّيهم لهذا يمكن تصور ثلاثة وجوه له وهي(68):
- إنَّ أهل الجحيم لا يدركون استحالة رجوعهم إلىٰ الدنيا.
- إنَّ التمنِّي خلاف الترجِّي فإنَّه قد يتعلَّق بأمرٍ محال.
- إنَّ تمنِّيهم العودة إلىٰ الدنيا انعكاس تام لتمنياتهم الفاسدة في الدنيا وليس تمنياً جاداً.
قوله تعالىٰ: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص: 79):
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ أي خروج قارون علىٰ بني إسرائيل مظهراً لهم جميع قدرته وقوته التي كان عليها ليبدي حاله وما لديه من زينة وثروة(69)، التي كانت في حوزته لبني إسرائيل، فقد ورد في حال خروجه عدَّة أحوال منها(70):
* إنَّه خرج في أربعة آلاف دابة عليها أربعة آلاف فارس عليهم وعلىٰ دوابهم الأرجوان.
* إنَّه خرج في جوار بيض علىٰ سرج من ذهب علىٰ قطف أرجوان علىٰ بغال بيض عليهن ثياب حمر وحلي من ذهب.
* إنَّه خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات.
وقوله تعالىٰ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ من الكفار والمنافقين وضعيفي الإيمان: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ طمعاً بما أعدَّه الله للمؤمنين من ثواب الجنة لما رأوه في تلك الزينة والجمال، إذ يجعلونها الغاية التي ليس لهم وراءها غاية؛ لجهلهم بما أعد الله لعباده من الثواب في الآخرة(71).
وقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الحظ هو النصيب من السعادة والبخت(72).
بمعنىٰ أنَّ قارون ذو نصيب وافر من الدنيا وذو سعادة وبخت وثروة وخدم وحشم وزينة وقوة وأنعام ودواب، فتمنّوا أن يكون حالهم مثل حالته التي رأوها عليه عندما خرج عليهم(73).
قوله تعالىٰ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكْرَمِينَ﴾ (يس: 26-27):
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿قِيلَ﴾ خطاب للرجل ونداء من ساحة العزة والقداسة وأنَّ قوله تبارك تعالىٰ: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ إخباراً عن قتلهم إيَّاه، إشارة إلىٰ أنَّه لم يكن بين قتله وبين أمره بدخول الجنة أي فصل وانفكاك، كأنَّ قتله هو أمره بدخول الجنة، والمراد بـ﴿الْجَنَّةَ﴾ ما يأتي(74):
1- المراد بها جنة البرزخ دون جنة الآخرة.
2- المراد بها جنة الآخرة والمعنىٰ سيقال له: ادخل الجنة يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إنَّ الله رفعه إلىٰ السماء، فقيل له: ادخل الجنة، فهو حي يتنعَّم فيها إلىٰ قيام الساعة.
وقوله تعالىٰ: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ نصح منه لقوله ميتاً كما كان ينصحهم حياً(75).
تمنٍّ منه بأن يعلم قومه بعطاء الله له من المغفرة وجزيل الثواب ليرغبوا في مثله وليؤمنوا لينالوا ذلك(76)؛ لأنَّهم ليست لهم عين تبصر الحقّ، وأنَّ لهم عين غير محجوبة بالحجب الدنيوية الكثيفة والثقيلة، فيروا ما حجب عنهم من النعمة والإكرام والاحترام من قبل الله، ويعلموا أي لطف شمله به الله في قبال عدوانهم عليه لو أنَّهم يبصرون ويؤمنون، ولكن يا لحسرتهم(77)، فإنَّ ظاهره أنَّه تمنَّىٰ علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ ولم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك(78).
وقوله تعالىٰ: ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ له ثلاث وجوه منها(79):
1- المصدرية: بمعنىٰ ﴿لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ بمغفرة الله لي.
2- اسم موصول: بمعنىٰ بالذي ﴿غَفَرَ لِي رَبِّي﴾.
3- استفهام: بمعنىٰ بأي شيء ﴿غَفَرَ لِي رَبِّي﴾.
وقوله تعالىٰ: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المكْرَمِينَ﴾، فقوله: ﴿وَجَعَلَنِي﴾ عطف علىٰ قوله: ﴿غَفَرَ﴾ والمعنىٰ بمغفرة ربِّي لي وجعله إيَّاي من المكرمين(80)، المدخلين الجنة والإكرام هو إعطاء المنزلة الرفيعة علىٰ وجه التبجيل والإعظام وفيه دلالة علىٰ نعيم القبر لأنَّه إنَّما قال ذلك وقومه أحياء، وإذا جاز نعيم القبر جاز عذاب القبر، فإنَّ الخلاف فيهما واحد(81).
وتجدر الإشارة إلىٰ أنَّ الإكرام والاحترام والتجليل، يتعاظم مع التقوىٰ جنباً إلىٰ جنب(82)، لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، فإنَّ الإكرام مع سعته وشموليته لكثيرين كالإكرام بالنعمة، كقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ (الفجر: 15)، فإنَّه لا يناله إلَّا عدد قليل من عباد الله وهم:
1 – الملائكة الكرام، الذين هم ﴿عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: 26).
2 – الأشخاص الكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا:
– من المخلصين بكسر اللام الذين هم ﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: 35).
– أو من المخلصين بفتح اللام الذين هم ﴿عِبادَ اللهِ المخْلَصِينَ … وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ (الصافات: 42)(83).
فمن الجدير بالملاحظة أنَّه إذا أراد الإنسان أن تحدث له نعمة الغفران الإلهي، ثمَّ الإكرام، فينبغي بل يجب غسل الروح الإنسانية بماء المغفرة؛ لتنقيتها من الذنوب والسيئات والشوائب، لتأخذ محلّها من بساط القرب والإكرام الإلهي(84).
قوله تعالىٰ: ﴿حتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (الزخرف: 38):
الموروث الروائي:
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فِي خُطْبَةِ الْوَسِيلَةِ، قَالَ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِيهَا: «وَلَئِنْ تَقَمَّصَهَا دُونِيَ الْأَشْقَيَانِ، وَنَازَعَانِي فِيمَا لَيْسَ لَهُمَا بِحَقٍّ، وَرَكِبَاهَا ضَلاَلَةً، وَأَعْتَقِدُهَا جَهَالَةً، فَلَبِئْسَ مَا عَلَيْهِ وَرَدَا، وَلَبِئْسَ مَا لِأَنْفُسِهِمَا مَهَّدَا، يَتَلاَعَنَانِ فِي دُورِهِمَا، وَيَتَبَرَّأُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، يَقُولُ لِقَرِينِهِ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، فَيُجِيبُهُ الْأَشْقَىٰ عَلَىٰ رُثُوثَةٍ: ﴿يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾، فَأَنَا الذِّكْرُ الَّذِي عَنْهُ ضَلَّ، وَالسَّبِيلُ الَّذِي عَنْهُ مَالَ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِهِ كَفَرَ، وَالْقُرْآنُ الَّذِي إِيَّاهُ هَجَرَ، وَالدِّينُ الَّذِي بِهِ كَذَّبَ، وَالصِّرَاطُ الَّذِي عَنْهُ نَكَبَ»(85).
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: «نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ هَكَذَا، قَوْلُ الله حتَّىٰ إِذا جاءَنا يَعْنِي فُلَاناً وَفُلَاناً يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِينَ يَرَاهُ ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، فَقَالَ الله لِنَبِيِّهِ قُلْ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَتْبَاعِهِمَا ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ إِذْ ظَلَمْتُمْ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ الله لِنَبِيِّهِ: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ يَعْنِي مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ثُمَّ أَوْحَىٰ الله إِلَىٰ نَبِيِّهِ (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي عَلِيٍ إِنَّكَ عَلىٰ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْنِي أَنَّكَ عَلَىٰ وَلَايَةِ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ هُوَ الصِّرَاطُ المسْتَقِيمُ»(86).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فِي حَدِيثٍ يَذْكُرُ فِيهِ حَالَ الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: «ثُمَّ يُدْفَعُ -يَعْنِي الْكَافِرُ-فِي صَدْرِهِ دَفْعَةً، فَيَهْوِي عَلَىٰ رَأْسِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ حتَّىٰ يُوَاقِعَ الْحُطَمَةَ، فَإِذَا وَاقَعَهَا دُقَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ شَيْطَانِهِ، وَجَاذَبَهُ الشَّيْطَانُ بِالسِّلْسِلَةِ، كُلَّمَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَىٰ قُبْحِ وَجْهِهِ، كَلَحَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَيَقُولُ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، وَيْحَكَ كَمَا أَغْوَيْتَنِي احْمِلْ عَنِّي مِنْ عَذَابِ الله مِنْ شَيْءٍ، فَيَقُولُ: يَا شَقِيُّ، كَيْفَ أَحْمِلُ عَنْكَ مِنْ عَذَابِ الله مِنْ شَيْءٍ، وَأَنَا وَأَنْتَ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ»(87).
عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ إِذْ ظَلَمْتُمْ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾»(88).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿حتَّىٰ﴾ غاية لاستمرار الفعل، وقوله: ﴿إِذَا جَاءَنَا﴾ المراد بالمجيء إليه تعالىٰ البعث، وضمير ﴿جَاءَ﴾ و﴿قَالَ﴾ راجع إلىٰ الموصول باعتبار لفظه(89)، فيكون المعنىٰ: ﴿حتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا﴾ الكافر وعلم ما يستحقه من العقاب، ﴿قَالَ﴾ في ذلك الوقت لقرينة الذي أغواه: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشْرِقَيْنِ﴾، فإنَّ استمرارهم في الإعراض عن الحق، وعشوهم عن الذكر يظنّون أنَّهم علىٰ هدىٰ في إعراضهم.
فإذا جاء أحدهم يوم القيامة ومعه شيطانه، واتَّضح له ضلاله وما يجرّه من عذاب، صاح بقرينه ندماً: ليتني كنت بعيداً عنك كبُعد المشرق من المغرب، فلم أرك ولا اغتررت بك، فبئس الصاحب أنت ويستفاد من السياق أنَّهم معذبون بصحابة قرناء السوء ورأوا عذابهم بالنار، لذلك يتمنون التباعد عنهم ويخصونه بالذكر وينسون سائر العذاب(90).
والمراد بـ﴿المشْرِقَيْنِ﴾ المشرق والمغرب غلب فيه جانب المشرق(91)؛ لأنَّ العرب عندما يريدون أن يثنوا جنسين مختلفين بلفظ واحد، فإنَّهم يختارون أحد اللفظين، كما يقولون: الشمسان، إشارة إلىٰ الشمس والقمر، والظهران، إشارة إلىٰ صلاتي الظهر والعصر، والعشاءان، إشارة إلىٰ صلاتي المغرب والعشاء(92).
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ كنت لي في الدنيا حيث أضللتني وأوردتني النار وكذلك بئس القرين أنت لي اليوم؛ لأنَّهما يكونان مشدودين في سلسلة واحدة زيادة عقوبة وغم(93)، والقرين والرفيق والقائد والدليل هنا وهناك واحد، بل إنَّهما يقرنان بسلسلة واحدة(94).
فإنَّ العذاب المتنوِّع من جهة، وصحبة قرين السوء والنظر إلىٰ وجهه البغيض من جهة أخرىٰ، تستحضر أمامه كل صور ضلاله وشقائه، فيا حسرةً عليه حين يصير مقروناً بمن كان يزين له القبائح، ويصوّر له الضلال هدايةً، والانحراف صلاحاً، ويا ويله إذا قُيِّد معه بذات الأغلال في ذات السجن! فالقيامة مشهد جامع مصغّر لمشاهد الدنيا(95).
قوله تعالىٰ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: 42):
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿وَأُحِيطَ﴾ وردت في الإحاطة عدَّة معانٍ وهي كما يأتي:
1 – العذاب الشامل: مشتقّة من إحاطة تأتي بمعنىٰ (العذاب الشامل) الذي تكون نتيجته الإبادة الكاملة، حيث أحاط العذاب الإلهي بالمحصولات من كل جانب(96).
2 – الهلاك: تأتي بمعنىٰ أهلك وأحيط العذاب بأشجاره ونخيله فهلكت عن آخرها تقول: (أحيط ببني فلان إذا هلكوا عن آخرهم)، وأصل الإحاطة إدارة الحائط علىٰ الشيء وفي الخبر أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أرسل عليها ناراً فأهلكها وغار ماؤها(97).
3 – الإحداق: بمعنىٰ أحدقت به من كلِّ جانب حتَّىٰ لا يجد مخلصاً ولا مخرجاً، كقوله تعالىٰ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ بمعنىٰ البوار والهلكة إذ سدت عليهم طريق النجاة(98).
4 – الهلاك: الإحاطة بالشيء كناية عن هلاكه، وهي مأخوذة من إحاطة العدو واستدارته به من جميع جوانبه بحيث ينقطع عن كل معين وناصر وهو الهلاك(99).
5 – الحفظ: الإحاطة من حاط بمعنىٰ حفظ ومنه الحائط للجدار الذي يدور حول المكان ليحفظه والله سبحانه محيط بكلِّ شيء، أي مسلَّط عليه حافظ له من كلِّ جهة لا يخرج ولا شيء من أجزائه من قدرته، وأحاط به البلاء والمصيبة، أي نزل به علىٰ نحو انسدَّت عليه جميع طرق النجاة، فلا مناص له منه، ومنه قولهم: أحيط به أي هلك أو فسد أو انسدت عليه طرق النجاة والخلاص(100).
قوله تعالىٰ: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ ورد في الثمر عدَّة أقوال وهي كما يأتي(101):
1 – قال بعض أهل اللغة: الثمر هو المال.
2 – قالوا في الثمر: هو المأكول.
3 – قالوا الثمر: هو النخل والشجر.
4 – وقالوا في الثمر بأنَّها الأصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمر بدلالة قوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ أي في الجنة والنفقة إنَّما تكون علىٰ ذوات الثمرة في أغلب العرف، وكانت الآفة التي أرسلت إليها اصطلمت الأصول واجتاحتها.
5 – قالوا في الثمر هو أنواع المال فإذا اصطلم الثمر فاجتيح دخلت الثمرة فيه ولا يمكن أن يصاب الأصل ولا تصاب الثمرة وإذا كان كذلك.
6 – قالوا في الثمرة ما يجتني من ذي الثمر(102).
قوله تعالىٰ: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ هذا الكافر(103)، ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كناية عن الندامة فإن النادم كثيراً(104) ما يضرب يديه واحدة علىٰ الأخرىٰ تأسُّفاً وتحسُّراً ﴿عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ من المال(105).
وقوله: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِها﴾ الخوي بمعنىٰ السقوط وهذا كناية عن كمال الخراب(106)، أي ساقطة علىٰ سقوفها وما عرش لكرومها وذلك أنَّ السقف ينهدم أوَّلاً ثم ينهدم الحائط علىٰ السقف، وقيل: إنَّ العروش الأبنية ومعناه خالية علىٰ بيوتها قد ذهب شجرها وبقيت جدرانها لا خير فيها(107)، فقد سقطت كل آماله تحت وطأة الغرور، وماتت كل ظنونه في لحظة، حادثة واحدة كانت كافية لتُنهي كل شيء(108).
وقوله: ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ وندم علىٰ كفره عند فناء ماله، لا لأنَّه علم بوجوب الإيمان، فلو كان ندمه توبة صادقة وآمن بالله حقّاً لنفعه ذلك، وقيل: إنَّه ندم علىٰ ما كان منه من الشرك بالله تعالىٰ وآمن(109).
وكأنَّ لسان حاله يقول: يا ويلتي، ليتني لم أتعلَّق بغير الله، ولم أركن لهذه الأسباب التي حسبتها مستقلة في النفع والضر، فها أنا قد ضلَّ سعيي وهلكتُ حين لم أفوِّض أمري لربِّي(110).
لم يدرِ أهو في حلم أم يقظة! كلّ الأشجار صريعة علىٰ الأرض، والنباتات محطمة، ولا أثر للحياة، كأن البستان والأراضي المزروعة لم تكن يوماً، لا يُسمع إلَّا نعيق البوم يدوي في الخراب، فخفق قلبه بقوة، وبهت لونه، وجف ريقه، وتحطم كبريائه وغروره اللذان أثقلا نفسه وعقله، وكأنَّه استيقظ كمن هبَّ من سبات عميق، فندم علىٰ باطل قوله وفكره(111).
قوله تعالىٰ: ﴿فَأَجَاءَهَا المخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ (مريم: 23):
الموروث الروائي:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثُمَّ قَصَّ الله (عَزَّ وَجَلَّ) خَبَرَ مَرْيَمَ بنت عمران (عليها السلام)، فقال: (… فَلَمَّا بَلَغَتِ النَّخْلَةَ أَخَذَهَا المخَاضُ، فَوَضَعَتْ بِعِيسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ ﴿قَالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ مَاذَا أَقُولُ لِخَالِي وَمَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ ﴿فَناداها﴾ عِيسَىٰ ﴿مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ أَيْ نَهَراً ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أَيْ حَرِّكِي النَّخْلَةَ ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ أَيْ طَيِّباً -وَكَانَتِ النَّخْلَةُ قَدْ يَبِسَتْ مُنْذُ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فَمَدَّتْ يَدَهَا إِلَىٰ النَّخْلَةِ فَأَوْرَقَتْ وَأَثْمَرَتْ- وَسَقَطَ عَلَيْهَا الرُّطَبُ الطَّرِيُّ فَطَابَتْ نَفْسُهَا)(112).
التفسير:
قد حان وقت الولادة، واشتدَّت بالسيدة مريم (عليها السلام) آلام المخاض حتَّىٰ دفعها أمر الله للخروج من المدينة إلىٰ صحراء مقفرة، خالية من الناس والعشب والماء والمأوىٰ، وعادة النساء يلجأن إلىٰ الأهل وقت الولادة، لكن مريم (عليها السلام) كان أمرها استثنائياً، وما أرادت أحداً يراها، فاتَّجهت للصحراء فور بدء الطلق.
يقول القرآن: ﴿فَأَجاءَهَا المخاضُ إِلىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، في تلك اللحظة غمرها الحزن والغم، وأحسَّت أنَّ اللحظة التي تخشاها قد حانت: لحظة انكشاف أمرها وسهام اتِّهام الناس لها، اشتدَّ بها الهمّ حتَّىٰ قالت بلا شعور: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾، ولم يكن خوف الاتِّهام وحده يعصر قلبها ويمزقه، بل كان هناك ألم الولادة وحدها في فلاتٍ بلا معين، ولا مكان للراحة، ولا ماء ولا طعام، ولا ما تحفظ به مولودها(113).
قوله تعالىٰ: ﴿فَأَجاءَهَا﴾، الإجاءة إفعال من جاء يقال: أجاءه وجاء به بمعنىٰ وهو في الآية كناية عن الدفع والإلجاء، قوله: ﴿المخاضُ﴾ أي الطلق وجع الولادة، قوله: ﴿جِذْعِ النَّخْلَة﴾ جذع النخلة ساقها(114)، الألف واللام دخلت للعهد لا للجنس أي النخلة المعروفة، فالتجأت إليها لتستند إليها(115)، إنَّ التعبير بجذع النخلة، وبملاحظة أنَّ الجذع يعني بدن الشجرة، يوحي بأنَّه لم يبقَ من تلك الشجرة إلَّا جذعها وبدنها، أي إنَّ الشجرة كانت يابسة(116)، فقد ورد عن ابن عباس أنَّه قال: (نظرت مريم إلىٰ أكمة فصعدت مسرعة إليها فإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس لها سعف)(117).
قوله تعالىٰ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ النسي بفتح النون وكسرها كالوتر والوتر هو الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسىٰ، والمعنىٰ أنَّها لما اعتزلت من قومها في مكان بعيد منهما، دفعها وألجأها الطلق إلىٰ جذع نخلة كان هناك لوضع حملها، والتعبير بجذع النخلة دون النخلة مشعر بكونها يابسة غير مخضرة، وقالت استحياءً من الناس ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ وشيئاً لا يعبأ به منسياً لا يذكر فلم يقع فيه الناس كما سيقع الناس فيَّ(118).
قد يتساءل البعض باعتراض: كيف أنَّ مريم المؤمنة والعارفة بالتوحيد حيث رأت كلّ ذلك اللطف والإحسان الإلهي، أجرت مثل هذه الجملة علىٰ لسانها و﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ إلَّا أنَّ هؤلاء لم يدركوا أبداً حال مريم في تلك الساعة، ولو أنَّهم أصابهم شيء قليل من هذه المشاكل فإنَّهم سينسون حتَّىٰ أنفسهم، إلَّا أنَّ هذه الحالة لم تدم طويلاً، فقد سطعت ومضة الأمل التي كانت موجودة دائماً في أعماق قلبها(119).
قوله تعالىٰ: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ (الفرقان: 27-28):
الموروث الروائي:
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: «قَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)»(120).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، أَنَّهُ قَالَ: «وَالله مَا كَنَىٰ الله فِي كِتَابِهِ حتَّىٰ قَالَ: ﴿يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): ﴿يَا وَيْلَتَي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذ﴾ِ الثَّانِيَ خَلِيلاً، وَسَيَظْهَرُ يَوْماً»(121).
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ِ قَالَ: «الْأَوَّلُ لِلثَّانِي»(122).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ﴾، قوله: ﴿يَعَضُّ﴾ من مادة عضَّ علىٰ وزن سدَّ، بمعنىٰ الأزم بالأسنان، ويستخدم هذا التعبير عادة بالنسبة إلىٰ الأشخاص المهووسين من شدّة الحسرة والأسف، كما في المثل العربي، لأنَّ الإنسان في مثل هذه الحالات لا يعض الإصبع دائماً، بل يعضّ ظاهر اليد أحياناً، وكثيراً ما يقال -كما في الآية مورد البحث- ﴿يَدَيْهِ﴾ يعني كلتا اليدين حيث تبيَّن شدّة الأسف والحسرة بنحو أبلغ.
وهذا العمل يصدر من هؤلاء الأشخاص حينما يطلعون علىٰ ماضيهم، ويعتبرون أنفسهم مقصرين، فيصممون علىٰ الانتقام من أنفسهم بهذا الشكل لتهدئة صورة الغضب في نفوسهم والشعور بالراحة.
وينبغي حقّاً، أن يسمَّىٰ ذلك اليوم ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ كما ورد هذا الوصف بالذات في القرآن ليوم القيامة أيضاً في (سورة مريم، الآية: 39)، ذلك لأنَّ المجرمين يرون أنفسهم في أتعس حال بين يدي الحياة الخالدة، في الوقت الذي كانوا يستطيعون خلال أيَّام من الصبر والاستقامة ومجاهدة النفس والإيثار أن يستبدلوا ذلك بحياة مشرفة وسعيدة، وهو يوم أسف أيضاً حتَّىٰ بالنسبة إلىٰ المحسنين، فهم يأسفون علىٰ أنَّهم لماذا لم يحسنوا أكثر(123).
قوله: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ ندماً أسفاً(124)، والظاهر أنَّ المراد بالظالم جنسه وهو كل من لم يهتد بهدىٰ الرسول…، وينطبق الظالم بحسب المورد علىٰ ظالمي هذه الأُمَّة(125)، ثمّ يضيف القرآن الكريم أنَّ هذا الظالم المعتدي الغارق في عالم الأسف، يقول: ﴿يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾، فإنَّ المقصود بـ﴿فُلان﴾ هو ذلك الذي أضلَّه: الشيطان أو صديق السوء أو القريب الضال، هذه الآية والتي قبلها تعرضان حالتي نفي وإثبات متقابلتين في مكان واحد، يقول تعالىٰ: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾، وهنا يقول: ﴿يلَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾، حيث كانت التعاسة كلّها في ترك الارتباط بالنّبي (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلّم)، وقبول الارتباط بهذا الخليل الضال(126).
قوله تعالىٰ: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، أي ليتني اتَّبعت محمداً (صلَّىٰ الله عليه وآله) واتَّخذت معه سبيلاً إلىٰ الهدىٰ(127)، والمراد بالرسول جنسه… وانطباق الرسول علىٰ محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، والمعنىٰ: واذكر يوم يندم الظالم ندماً شديداً قائلاً من فرط ندمه ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ ما إلىٰ الهدىٰ أي سبيل كانت(128).
وقوله تعالىٰ: ﴿يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ تتمة تمنِّي الظالم النادم علىٰ ظلمه، وفلان كناية عن العلم المذكر وفلانة عن العلم المؤنَّث، والمعنىٰ: ﴿يا وَيْلَتىٰ﴾ -يا هلاكي- ﴿يلَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً﴾ وهو من اتَّخذه صديقاً يشاوره ويسمع منه ويقلده خليلاً(129).
ومن لطيف التعبير قوله في الآية: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ وفي الآية: ﴿يا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ فإنَّ في ذلك تدرجاً لطيفاً في النداء والاستغاثة فحذف المنادي في الآية السابقة يلوح إلىٰ أنَّه يريد أي منجٍ ينجيه مما هو فيه من الشقاء وذكر الويل بعد ذلك.
في هذه الآية يدل علىٰ أنَّه بان له أن لا يخلِّصه من العذاب شيء قط إلَّا الهلاك والفناء، ولذلك نادىٰ الويل(130).
قوله تعالىٰ: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ (الأحزاب: 66):
الموروث الروائي:
ورد عن علي بن إبراهيم في قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فإنَّها كناية عن الذين غصبوا آل محمد حقهم ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ في أمير المؤمنين (عليه السلام)(131).
التفسير:
قوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ التقليب تصريف الشيء في الجهات(132)؛ هذا التقليب علىٰ وجوه وهي كما يأتي(133):
1 – إمّا أن يكون في لون البشرة والوجه حيث تصبح حمراء أو سوداء أحياناً.
2 – أو من جهة تقلّبهم في النار ولهيبها حيث تكون وجوههم في مواجهة النار أحياناً، وأحياناً جوانب أخرىٰ.
وهناك وجوه أُخر وهي(134):
1 – تحول الوجوه لحال بعد حال فتصفر وتسود وتكون كالحة.
2 – انتقال الوجوه من جهة إلىٰ جهة لتكون أبلغ في مس العذاب كما يفعل باللحم المشوي.
فعندما تقلب الوجوه في النار تنطلق صرخات وحسرت(135)، و﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فيما أمرنا به ونهانا عنه ودعانا إليه(136)، فإنَّا لو كنّا أطعناهما لم يكن ينتظرنا مثل هذا المصير الأسود الأليم(137)، وهذا كلام منهم علىٰ وجه التحسُّر والتمنِّي(138).
قوله تعالىٰ: ﴿أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (الحاقة: 25-27):
الموروث الروائي:
ورد عن علي بن إبراهيم، قال: نزلت في معاوية فَيَقُولُ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ يعني الموت، ﴿ما أَغْنىٰ عَنِّي مالِيَهْ﴾ يعني ماله الذي جمعه، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي حجته، فيقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي أسكنوه ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: معنىٰ السلسلة السبعين ذراعاً في الباطن، هم الجبابرة السبعون(139).
عَنْ جَابِرِ ابْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَذْكُرُ فِيهِ صِفَةَ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: قَالَ: «ثُمَّ تَجِيء صَحِيفَةٌ تَطِيرُ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ وَتَقَعُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَلَكٌ فَيَثْقُبُ صَدْرَهُ إِلَىٰ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَفْتِلُ شِمَالَهُ إِلَىٰ خَلْفِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ كِتابَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: أَيُّهَا الملَكُ كَيْفَ أَقْرَأُ وَجَهَنَّمُ أَمَامِي قَالَ: فَيَقُولُ: الله دُقَّ عُنُقَهُ وَاكْسِرْ صُلْبَهُ وَشُدَّ نَاصِيَتَهُ إِلَىٰ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، قَالَ: فَيَبْتَدِرُهُ لِتَعْظِيمِ قَوْلِ الله سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ غِلاظٌ شِدادٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتِفُ لِحْيَتَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْطِمُ عِظَامَهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: أَمَا تَرْحَمُونِّي، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا شَقِيُّ كَيْفَ نَرْحَمُكَ وَلَا يَرْحَمُكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَفَيُؤْذِيكَ هَذَا قَالَ: فَيَقُولُ: أَشَدَّ الْأَذَىٰ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا شَقِيُّ وَكَيْفَ لَوْ قَدْ طَرَحْنَاكَ فِي النَّارِ، قَالَ: فَيَدْفَعُهُ الملَكُ فِي صَدْرِهِ دَفْعَةً فَيَهْوِي سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ»(140).
التفسير:
تحدَّث القرآن والروايات مراراً عن صحيفة الأعمال، كلّها تجمع علىٰ أنَّه لا شاردة ولا واردة إلَّا وهي مسطّرة فيها بدقائقها.
فإذا كان يوم البعث، ناول المحسن كتابه بيمينه فرحاً، وناوله المسيء بشماله حسرة، وهي ليست صحفاً من ورق، بل انقسم المفسِّرون إلىٰ ثلاث فِرَق، ففرقة ذهبت إلىٰ أنَّها روح الإنسان ذاتها، مرآة تنطبع فيها كل أفعاله رغماً عنه، وذهبت آخر إلىٰ أنَّها أعضاؤنا وجلودنا تشهد علينا، وذهبت آخر إلىٰ أنَّها قد تكون الأرض والهواء والوجود الذي نعيش فيه هو الصحيفة الكبرىٰ، فكل خطوة نخطوها تُنحت فيها.
ونحن اليوم لا ندرك هذه النقوش، لكن عدم الإدراك لا ينفي وجودها، فعندما نُمنح أبصار منزوعة الحجاب في الآخرة، سنقرأ كل ما سطرته أيدينا(141)؛ نعم، في ذلك اليوم العظيم، يوم البعث ويوم البروز والظهور، يوم الحساب والمحكمة الإلهية العظيمة، تتَّضح وتنكشف حقيقة الأعمال القبيحة والسيّئة للإنسان.
وعندما يواجهها يبدأ يجأر ويصرخ ويطلق الزفرات الساخنة المتلاحقة من الأعماق علىٰ المصير السيء الذي أوصل نفسه إليه، والشرّ الذي جلبه عليها، ويتمنَّىٰ أن يقطع علاقته بماضيه الأسود تماماً، ويتمنّىٰ أن يموت ويفنىٰ ويتخلَّص من هذه الفضيحة الكبيرة المهلكة(142).
قوله تعالىٰ: ﴿أَمَّا مَنْ أُوتِيَ﴾ أي أعطي، ﴿كِتَابَهُ﴾ الذي هو صحيفة أعماله، ﴿بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أي تمنَّىٰ أنَّه لم يؤته لما يرىٰ فيه مقابح أعماله التي يسود لها وجهه(143)، وهؤلاء هم الأشقياء المجرمون يؤتون صحيفة أعمالهم بشمالهم، وهؤلاء يتمنّون لو لم يكونوا يُؤتَون كتابهم ويدرون ما حسابهم يتمنّون ذلك لما يشاهدون من أليم العذاب المعد لهم(144).
قوله تعالىٰ: ﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أي ولم أدر أي شيء حسابي لأنَّه لا حاصل له في ذلك الحساب وإنَّما هو كله عليه(145).
قوله تعالىٰ: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ﴾ الهاء في ﴿لَيْتَها﴾ عدَّة وجوه وهي:
1- كناية عن الحال التي هم فيها(146).
2- ذكروا أنَّ ضمير ﴿لَيْتَها﴾ للموتة الأولىٰ التي ذاقها الإنسان في الدنيا(147).
قوله تعالىٰ: ﴿الْقاضِيَةَ﴾ القاطعة للحياة أي ليت الموتة الأولىٰ التي متنا لم نحيي بعدها(148)، مرّة أخرىٰ ونبعث من جديد، في حين كان أقبح شيء في نظرهم هو الموت، ويتمنَّىٰ هؤلاء لو استمرّ موتهم ولم يواجهوا الخزي في حياتهم الثانية في المحكمة الإلهية العادلة(149)، وبمعنىٰ آخر: يا ليت الموتة الأولىٰ التي ذقتها كانت قاضية علي تقضي بعدمي فكنت انعدمت ولم أبعث حياً فأقع في ورطة العذاب الخالد وأشاهد ما أشاهد(150).
قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ المرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (النبأ: 40):
الموروث الروائي:
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ «يَعْنِي عَلَوِيّاً يُوَالِي أَبَا تُرَابٍ»(151).
علي بن إبراهيم، قوله تعالىٰ: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً﴾، قَالَ فِي النَّارِ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾، قَالَ: تُرَابِيّاً أَيْ عَلَوِيّاً. قَالَ: وَقَالَ: (رَسُولُ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) المُكَنِّي أَمِيرَ المؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَبَا تُرَابٍ)(152).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً﴾ المراد به عذاب الآخرة، وكونه قريباً لكونه حقاً لا ريب في إتيانه وكلّ ما هو آتٍ قريب، علىٰ أنَّ الأعمال التي سيجزي بها الإنسان هي معه أقرب ما يكون منه(153).
دفع شبهة مقدرة بردّ القرآن علىٰ المجرمين الذين يحسبون يوم العذاب بعيداً أو متأخراً.
فيؤكّد أنَّ عذابهم واقع لا محالة، وأنَّ يوم القيامة قريب جداً.
وعمر الدنيا بأكمله ما هو إلَّا لحظة قصيرة مقابل خلود الآخرة.
وكيف لا يكون قريباً، وعذاب الله سببه أعمال الإنسان نفسها وهي ملازمة له دائماً(154).
وقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي ينتظر جزاء ما قدَّمه فإن قدّم الطاعة انتظر الثواب، وإن قدم المعصية انتظر العقاب، وهنا عدَّة أقوال وهي:
أوَّلاً: معناه أنّ كل أحد ينظر إلىٰ عمله في ذلك اليوم من خير وشر مثبتاً عليه في صحيفته فيرجو ثواب الله علىٰ صالح عمله ويخاف العقاب علىٰ سوء عمله(155).
ثانياً: ينتظر المرء جزاء أعماله التي قدمتها يداه بالاكتساب.
ثالثاً: المعنىٰ ينظر المرء إلىٰ ما قدَّمت يداه من الأعمال لحضورها عنده(156).
يتَّضح من خلال القرآن والروايات أنَّ أعمال الإنسان ستتجسَّد يوم القيامة بصورة ملموسة، فيراها بعينه علىٰ حقيقتها، فيفرح بأعماله الصالحة، ويتألم ويندم علىٰ سيئاته، وتجسّد الأعمال وملازمتها للإنسان هو أعظم جزاء للطائعين، وأشد عذاب للعاصين.
وقوله تعالىٰ: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فيه تغليب، لأنَّ اليد هي آلة العمل غالباً، لكنه يشمل كل الجوارح: اللسان والعين والأذن وكل ما فعله الإنسان في الدنيا. ولهذا يحذرنا القرآن قبل ذلك اليوم: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾(157)، بعد أن وجّه الإنذار للناس، يشير القرآن إلىٰ حسرة الظالمين والمذنبين في يوم القيامة، حين لا ينفع ندم ولا حسرة، إلَّا من أتىٰ الله بقلب سليم(158).
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ تمنياً لو كان تراباً فاقداً للشعور والإرادة فلم يعمل ولم يجزَ؛ لشدة وهول ذلك اليوم(159).
لما يرىٰ الكفار أعمالهم يوم القيامة مجسّدة أمامهم، سيهولهم المشهد ويغمرهم الندم والحسرة، فيتمنون لو بقوا تراباً من البداية، ويتمنّون لو أنَّهم خلقوا في الدنيا ثم ماتوا وعادوا تراباً دون بعث، حينها يوقنون أنَّ التراب خير منهم.
نعم، قد يتمنَّىٰ الإنسان -وهو أكرم المخلوقات- أن يصير كالجماد بسبب كفره وذنوبه.
وتصور الآيات حالهم وشدّة فزعهم بقولهم: ﴿يا حَسْرَتىٰ عَلىٰ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله﴾ (الزمر: 56)، وبقولهم: ﴿فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ (السجدة: 12)، وبقوله: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ الآية محل البحث(160).
قوله تعالىٰ: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: 24):
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ أي يتمنَّىٰ أن يكون قد كان عمل الطاعات والحسنات والأعمال الصالحة لحياته الأخروية التي تدوم له بعد موته فيكون فيها خالداً(161).
ليس كما يقوله الإنسان فإنَّه سيتذكَّر فإذا قامت القيامة سيتذكَّر أنَّ الدنيا وما فيها من غنىٰ وفقر وغيرهما لم تكن هدفاً بذاتها، بل كانت اختباراً من الله كي يميز به السعيد والشقي، ويُهيّئ فيها الإنسان زاده للآخرة.
لكن الأمر التبس عليه فظنها تكريماً مقصوداً، فانشغل بها ونسي آخرته، فلا يقدم لها شيئاً.
وعندها يتمنَّىٰ بلا فائدة: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ولن يغني عنه التمنِّي من العذاب شيئاً(162).
نعم، فحين يرىٰ المذنب كل تلك الأهوال يوم القيامة تهتز فرائصه ويغشاه الرعب، فيصحو من غفلته ويعيش الهم والغم والحزن، ويندم تحسراً علىٰ كلّ لحظة ضاعت بعد أن يرىٰ ما قدمته يداه.
لكن هل ينفع الندم حينها؟! كم يتمنَّىٰ لو عاد للدنيا ليصلح ما أفسد، لكن أبواب الرجوع تكون موصدة بلا مخرج.
ويتمنَّىٰ التوبة، بأي معنىٰ لها بعد أن أُغلقت أبوابها؟! ويريد العمل الصالح، لكن أين؟ فقد طُويت صحف الأعمال، وهذا يوم حساب بلا عمل.
فعندها يصرخ من أعماقه: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾.
وهنا لطيفة: لم يقل (لآخرتي)، بل ﴿لِحَياتِي﴾، كأن الحياة الحقيقية لا تكون إلَّا في الآخرة.
وهذا ما بيَّنته الآية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 64)، أمَّا في الدنيا فقد كانوا يأكلون مال اليتيم، ولا يطعمون المسكين، ويأخذون من الميراث أكثر مما فرضه الله لهم، ويحبون المال حباً شديداً.
فإذا جاؤوا الآخرة قالوا: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾، لكن التمنِّي يومها كمال المفلس(163).
قوله تعالىٰ: ﴿لَوْ يَرَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلهِ جَمِيعًا وَأَنَّ الله شَدِيدُ الْعَذَابِ * إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ *قَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ (البقرة: 165-167):
الموروث الروائي:
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ قَوْلِ الله (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ قَالَ: «هُمْ وَالله أَوْلِيَاءُ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، اتَّخَذُوهُمْ أَئِمَّةً دُونَ الْإِمَامِ الَّذِي جَعَلَهُ الله لِلنَّاسِ إِمَاماً، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿وَلَوْ يَرَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ * وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾»، ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «هُمْ-وَالله، يَا جَابِرُ- أَئِمَّةُ الظَّلَمَةِ وَأَشْيَاعُهُمْ»(164).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَىٰ مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَيْنَ خَلِيفَةُ الله فِي أَرْضِهِ فَيَقُومُ دَاوُدُ النَّبِيُّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَيَأْتِي النِّدَاءُ مِنْ عِنْدِ الله (عَزَّ وَجَلَّ): لَسْنَا إِيَّاكَ أَرَدْنَا، وَإِنْ كُنْتَ لِلهِ خَلِيفَةً. ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ ثَانِياً: أَيْنَ خَلِيفَةُ الله فِي أَرْضِهِ فَيَقُومُ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَيَأْتِي النِّدَاءُ مِنْ قِبَلِ الله (عَزَّ وَجَلَّ): يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ، هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، خَلِيفَةُ الله فِي أَرْضِهِ، وَحُجَّتُهُ عَلَىٰ عِبَادِهِ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِحَبْلِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلْيَتَعَلَّقْ بِحَبْلِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، يَسْتَضِيء بِنُورِهِ، وَلْيَتَّبِعْهُ إِلَىٰ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجِنَانِ. قَالَ: فَيَقُومُ النَّاسُ الَّذِينَ قَدْ تَعَلَّقُوا بِحَبْلِهِ فِي الدُّنْيَا فَيَتَّبِعُونَهُ إِلَىٰ الْجَنَّةِ. ثُمَّ يَأْتِي النِّدَاءُ مِنْ عِنْدِ الله (عَزَّ وَجَلَّ): أَلَا مَنْ تَعَلَّقَ بِإِمَامٍ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلْيَتَّبِعْهُ إِلَىٰ حَيْثُ يَذْهَبُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَبَرَّأُ ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾»(165).
التفسير:
قوله تعالىٰ: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم للشرط والجزاء. وقد يحذف جوابه…، لبيان شدَّة عذاب المشركين، كأن الآية في صدد بيان: أنَّ عذاب الله عظيم وشديد لدرجة لا يمكن وصفه بالكلمات، ويعجز اللسان عن تصويره، تماماً مثل حسرة المشركين وندمهم الذي لا يُعبّر عنه، ويدل حرف (لو) أحياناً علىٰ التمنِّي إذا ارتبط بزمن محدَّد، وفي هذه الحالات يمهّد لوقوع أمر ما، فيُعد حرف شرط يفيد التمنِّي، أمَّا قوله: ﴿يَرَىٰ﴾ فالرؤية معناها إدراك الشيء بالعين، أو بالخيال، أو بالفكر، أو بالقلب(166).
قوله تعالىٰ: ﴿إِذْ﴾ مفعول ﴿يَرَىٰ﴾، الآية في صدد بيان العذاب، والمعنىٰ ليتهم يرون في الدنيا يوماً يشاهدون فيه العذاب(167)، قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلهِ جَمِيعًا﴾ أي أنَّ الله سبحانه قادر علىٰ أخذهم وعقوبتهم وفي هذا وعيد وإشارة إلىٰ أنَّ هؤلاء الجبابرة رغم قوتهم وتعزّزهم إذا حشروا يوم الحساب ذلوا وتخاذلوا(168)، لقد أخطأوا حين جعلوا لشركائهم نصيباً من العبادة، ونسوا أنَّ عذاب الله شديد، فالمراد بالعذاب في الآية -كما يوضحه ما بعدها- أنَّهم يشاهدون خطأهم في اتِّخاذهم أنداداً توهّماً أنَّ لهم قوة، ويعلمون عاقبة ذلك الخطأ.
ويؤكّد ذلك قوله: ﴿إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فلا يصل للأتباع من المتبوعين أي نفع كانوا يرجونه، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ فلا يبقىٰ شيء ينفعهم غير الله، ﴿قَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ إذ يتمنّون الرجوع للدنيا ليتبرؤوا من أندادهم كما تبرأ الأنداد منهم في الآخرة(169).
قوله تعالىٰ: ﴿تَبَرَّأَ﴾ معناه أنَّ الإنسان ينأىٰ عن الشيء الذي لا يطيق صحبته. وإذا نظرنا لوزن (تفعّل) الذي يدل علىٰ القبول، فالتبري يعني الرضا بالانفصال والبعد.
قوله تعالىٰ: ﴿تَقَطَّعَتْ﴾ القطع بمعنىٰ الفصل والتباعد بعد الاتِّصال؛ سواء كان محسوساً كقطع الأجسام المادية: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، أو غير محسوس يُدرك بالبصيرة كقطع الرحم، بالابتعاد عن الأقارب: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. قوله تعالىٰ: ﴿بِهِمُ﴾ قيد لـ﴿الْأَسْبَابُ﴾، و(الباء) للملابسة.
ويطلق السبب علىٰ كلِّ شيء يوصل إلىٰ شيء آخر، كالحبل الذي كان يستعمل لتسلق الأشجار؛ وقوله تعالىٰ: ﴿كَرَّةً﴾ بمعنىٰ العودة، والتكرار اشتق من هذه المادة، وهي نقيض الفر(170).
إنَّ حب المشركين لأندادهم حبّ ضعيف زائل لا يدوم، لذلك تقول الآية: ﴿لَوْ يَرَىٰ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلهِ جَمِيعًا وَأَنَّ الله شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ لو أدركوا ذلك لرأوا قبح عملهم وسوء مصيرهم المأساوي.
وفي تلك اللحظة تسقط عنهم غشاوة الجهل والغرور والغفلة، فإذا أيقنوا أنَّه لا مفر ولا ملجأ، التجأوا إلىٰ سادتهم ومعبوديهم، لكن لا ملاذ إلَّا بالله.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
والمراد بالمعبودين هنا ليس الأصنام، بل الطغاة الذين استعبدوا الناس، فبالغ المشركون في طاعتهم والخضوع لهم، واستسلموا لهم دون قيد أو شرط، وهؤلاء المغترون إذا رأوا ما نزل بهم تمنوا بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا﴾، لكنها أمنية مستحيلة التحقُّق(171).
الخلاصة:
إنَّ حقيقة كون القدرة بأكملها الله تعالىٰ، يدركها الإنسان العاقل بالبرهان ويدركها العارف بالمشاهدة، ويشاهدها الكافر بعد الدنيا عند العذاب والعقوبة بحيث تعجز الألفاظ عن الإحاطة بعظيم العذاب وشديد العقوبة الإلهية.
فالقوة لله وحده وعذابه صعب جداً لا يمكن بيانه، كما أن حسرة المشركين وندمهم لا يقبلان الوصف.
ربَّما يمكن إدراك حقيقة أنَّ القوة كلها الله ومشاهدتها وفهمها في دار الدنيا.
وذلك كما يعي ركاب السفينة التي تتعرَّض لخطر الغرق فإنَّه يتوجَّهون إلىٰ الله ويدركون وجوده بصدق بعيدًا عن احتمالات الكذب أو الخطأ الناشئة من كذب الخبر أو المخبر، إذ لا خبر ولا مخبر بينهم وبين الله في هذه الحالة، بل إدراك مباشر يبلغ الغاية في الوضوح والدقة، وربما كان ما يحصل في مثل هذه الحالات يقظة للفطرة المودعة في الإنسان.
أمَّا القيامة فهي ظرف ظهور الحقيقة المذكورة، وليست ظرف حدوثها.
وهذه الحقيقة واضحة للعاقل في الدنيا؛ أمَّا الجاهل فإنَّه يتأخَّر في فهمها إلىٰ يوم القيامة، أمَّا يوم القيامة، فتتفكَّك كلّ عرىٰ الأسباب والوسائل التي يسيء الأنداد والمتبوعون استخدامها في الدنيا.
مثال ذلك: المودة والمواثيق وكافة العلاقات ووسائل الارتباط الاجتماعي، كل هذه الأمور يتَّضح يوم القيامة ضعفها الذاتي، وقصر أيدي أصحابها من الوصول إلىٰ وسائل الاستعباد؛ لذلك يشكو كل واحد من هؤلاء الآخر.
إنَّ هذا التبرِّي يحكي عن حالة العداوة الحقيقية بين أطراف هذه العلاقات، وتظهر بينهم هذه العداوة ويفترق أحدهم عن الآخر.
أمَّا الانقطاع عن الأسباب في القيامة، فيعني أنَّ المسألة الواضحة اليوم عند الموحدين، ستتَّضح للمشركين في ذلك اليوم والمسألة هي أنَّ النظام المذكور بيد الله تعالىٰ، وأنَّه خالق جميع العلل والأسباب، وأنَّ مجاري الفيض تعود إليه.
ففي القيامة لا وجود للأسباب الدنيوية كالبيع والإجارة والمضاربة ولا غيرها.
وهذه الأسباب ليست موجودة غير مؤثّرة، بل لا حظ لها في الوجود، ولو كانت موجودة لأثرت فإنَّ نظام العلية والسببية لا يتعطّل يوم القيامة.
ومهما يكن من أمر، فإن القيامة هي ظرف ظهور قدرة الله تعالىٰ المطلقة، وهي ظرف ظهور عجز الآخرين، إنَّ هذين الأمرين (قادرية الله تعالىٰ المطلقة وعجز الآخرين مختلفان، حيث إنَّ الأوَّل ثبوتي والثاني سلبي، وكل منهما ملازم لآخر، وكل منهما يثبت الآخر بالالتزام، عندما تنقطع العلاقة بين التابع والمتبوع، إذ يتمنَّىٰ التابعون العودة إلىٰ الدنيا؛ ليعلنوا براءتهم من متبوعيهم، كما يتبرأ هؤلاء منهم ويقولون لهم يومذاك: لا حول لنا اليوم ولا قوة، فلا نقدر علىٰ نفعكم ولا ضركم(172).
قوله تعالىٰ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 100-102):
التفسير:
عَنْ عِيسَىٰ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا، وَفِي شِيعَتِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ يُفَضِّلُنَا، وَيُفَضِّلُ شِيعَتَنَا، حتَّىٰ إِنَّا لَنَشْفَعُ وَيَشْفَعُونَ، فَإِذَا رَأَىٰ ذَلِكَ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، قَالُوا: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾»(173).
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ قَوْلِ الله (عَزَّ وَجَلَ): ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فَقَالَ: «لمَّا يَرَانَا هَؤُلَاءِ وَشِيعَتَنَا نَشْفَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ يَعْنِي بِالصَّدِيقِ المعْرِفَةَ وَبِالْحَمِيمِ الْقَرَابَةَ»(174).
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَابِشِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ لَنَا جَاراً يَنْتَهِكُ المحَارِمَ كُلَّهَا، حتَّىٰ إِنَّهُ لَيَتْرُكُ الصَّلاَةَ فَضْلاً عَنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله -وَأَعْظَمَ ذَلِكَ- أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ»؟ فَقُلْتُ: بَلَىٰ. فَقَالَ: «النَّاصِبُ لَنَا شَرٌّ مِنْهُ، أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُذْكَرُ عِنْدَهُ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَيَرِقُّ لِذِكْرِنَا، إِلَّا مَسَحَتِ الملاَئِكَةُ ظَهْرَهُ، وَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ بِذَنْبٍ يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لمَقْبُولَةٌ، وَمَا تُقْبَلُ فِي نَاصِبٍ، وَإِنَّ المؤْمِنَ لَيَشْفَعُ لِجَارِهِ وَمَا لَهُ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، جَارِي كَانَ يَكُفُّ عَنِّي الْأَذَىٰ؛ فَيُشَفَّعُ فِيهِ، فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: أَنَا رَبُّكَ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ كَافَىٰ عَنْكَ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَمَا لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ، وَإِنَّ أَدْنَىٰ المؤْمِنِينَ شَفَاعَةً لَيَشْفَعُ لِثَلاَثِينَ إِنْسَاناً، فَعِنْدَ ذَلِكَ، يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾»(175).
وَرَدَ أنَّه حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) يَقُولُ: «لَقَدْ عَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الصَّدِيقِ، حتَّىٰ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ، وَيَدْعُونَهُ فِي النَّارِ قَبْلَ الْقَرِيبِ الْحَمِيمِ، قَالَ الله مُخْبِراً عَنْهُمْ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾»(176).
وَفِي الْخَبَرِ المأْثُورِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ فِي الْجَنَّةِ: مَا فَعَلَ صَدِيقِي فُلاَنٌ؟ وَصَدِيقُهُ فِي الْجَحِيمِ، فَيَقُولُ الله تَعَالَىٰ: أَخْرِجُوا لَهُ صَدِيقَهُ إِلَىٰ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ مَنْ بَقِيَ فِي النَّارِ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾»(177).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فِي قَوْلِ الله تَعَالَىٰ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، قَالَ: «الشَّافِعُونَ: اَلْأَئِمَّةُ، وَالصَّدِيقُ مِنَ المؤْمِنِينَ»(178).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (صلَّىٰ الله عَلَيْهِ وَآلِهِ): … قَالَ: يَا فَضْلُ، لاَ تَزْهَدُوا فِي فُقَرَاءِ شِيعَتِنَا، فَإِنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ لَيَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ. يَا فَضْلُ، إِنَّمَا سُمِّيَ المؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَىٰ الله، فَيُجِيزُ الله أَمَانَهُ -ثُمَّ قَالَ- أَمَا سَمِعْتَ الله تَعَالَىٰ يَقُولُ فِي أَعْدَائِكُمْ إِذَا رَأَوْا شَفَاعَةَ الرَّجُلِ مِنْكُمْ لِصَدِيقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾»(179).
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وَأَبِي جَعْفَرٍ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، أَنَّهُمَا قَالاَ: «وَالله، لَنَشْفَعَنَّ فِي المذْنِبِينَ مِنْ شِيعَتِنَا، حتَّىٰ يَقُولَ أَعْدَاؤُنَا إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ -قَالَ:- مِنَ المهْتَدِينَ – قَالَ:- لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ لَزِمَهُمْ بِالْإِقْرَارِ»(180).
التفسير:
هذا الكلام تحسّر منهم علىٰ حرمانهم من شفاعة الشافعين وإغاثة الأصدقاء وفي التعبير(181)، بقوله: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ يشفعون لنا ويسألون في أمرنا(182)، إشارة إلىٰ وجود شافعين هناك يشفعون لبعض المذنبين، ولو لا ذلك لكان من حقّ الكلام أن يقال: فما لنا من شافع إذ لا نكتة تقتضي الجمع، وقد روي أنَّهم يقولون ذلك لما يرون الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، قوله: ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الحميم… القريب المشفق(183)، أي ذي قرابة يهمه أمرنا والمعنىٰ ما لنا من شفيع من الأباعد ولا صديق من الأقارب وذلك حين يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون(184).
قوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أي رجعة إلىٰ الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾ المصدقين فتحل لنا الشفاعة(185)، تمنٍ منهم أن يرجعوا إلىٰ الدنيا فيكونوا من المؤمنين حتَّىٰ ينالوا المؤمنون من السعادة ما ناله(186).
وممّا ينبغي الالتفات إليه، أنَّ كلمة ﴿شافِعِينَ﴾ جاءت في الآية السابقة بصيغة الجمع كما ترىٰ، إلَّا أنَّ كلمة ﴿صَدِيقٍ﴾ جاءت بصيغة الإفراد، ولعلَّ منشأ هذا التفاوت والاختلاف، هو أنَّ هؤلاء الضالين يرون بأُمِّ أعينهم المؤمنين الجانحين يشفع لهم الأنبياء والأوصياء أو الملائكة وبعض الأصدقاء الصالحين، فأولئك الضالون يتمنّون الشافعين أيضاً، وأن يكون عندهم صديق هنالك، إضافة إلىٰ ذلك فإنَّ كلمتي (الصديق) و(العدو) كما يقول بعض المفسّرين، تطلقان علىٰ المفرد والجمع أيضاً.
إلَّا أنَّهم ما أسرع أن يلتفتوا إلىٰ واقعهم المرّ، إذ لا جدوىٰ هناك للحسرة ولا مجال للعمل في تلك الدار لجبران ما فات في دنياهم، فيتمنون العودة إلىٰ دار الدنيا.
ويقولون: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المؤْمِنِينَ﴾، وصحيح أنَّهم في ذلك اليوم وفي عرصات القيامة يؤمنون بربِّهم، إلَّا أنَّ هذا الإيمان نوع من الإيمان الاضطراري غير المؤثر، وليس كالإيمان الاختياري، وفي هذه الدنيا حيث يكون أساساً للهداية والعمل الصالح.
ولكن لا يحقق هذا التمني شيئاً، ولا يحلّ معضلاً، ولن تسمح سنة الله بذلك، وهم يدركون تلك الحقيقة، لأنَّهم يتفوّهون بكلمة (لو)(187).
الهوامش:
(1) المفردات في غريب القرآن: ص779.
(2) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص390.
(3) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص442؛ البرهان في تفسير القرآن: ج1، ص283.
(4) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص227.
(5) تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص621.
(6) تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص622.
(7) الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص227.
(8) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص319-320.
(9) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص227.
(10) تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص632.
(11) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص320.
(12) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص623.
(13) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص633.
(14) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص320.
(15) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص227.
(16) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص619.
(17) معاني الأخبار: ص289.
(18) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج5، ص639-643.
(19) تفسير القمي: ج1، ص119.
(20) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج15، ص639.
(21) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج2، ص286.
(22) تسنيم في تفسير القرآن: ج15، ص636.
(23) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص31.
(24) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج2، ص714.
(25) الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص31.
(26) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج15، ص637.
(27) تفسير العياشي: ج1، ص239؛ البرهان في تفسير الميزان: ج2، ص71.
(28) تفسير العياشي: ج1، ص239؛ البرهان في تفسير الميزان: ج2، ص71.
(29) الكافي: ج5، ص80.
(30) تفسير العياشي: ج1، ص239؛ البرهان في تفسير الميزان: ج2، ص71.
(31) تفسير العياشي: ج1، ص239؛ البرهان في تفسير الميزان: ج2، ص71.
(32) تفسير العياشي: ج1، ص240؛ البرهان في تفسير الميزان: ج2، ص71.
(33) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج18، ص396.
(34) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص336 و400.
(35) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج3، ص64.
(36) الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص336.
(37) تسنيم في تفسير القرآن: ج18، ص394.
(38) الميزان في تفسير القرآن: ج4، ص338.
(39) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج3، ص64.
(40) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج18، ص396.
(41) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج3، ص64.
(42) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج3، ص210.
(43) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج3، ص210.
(44) تسنيم في تفسير القرآن: ج18، ص392.
(45) الاحتجاج: ص572؛ البرهان في تفسير القرآن، ج3، ص904.
(46) تفسير القمي: ج2، ص852.
(47) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج2، ص472.
(48) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص390.
(49) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص39.
(50) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج2، ص472.
(51) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص268.
(52) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص267.
(53) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص267.
(54) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج18، ص323.
(55) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص227.
(56) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج3، ص115.
(57) الميزان في تفسير القرآن: ج18، ص103.
(58) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج3، ص114.
(59) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج18، ص103.
(60) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج19، ص479.
(61) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج3، ص321.
(62) تفسير القمي: ج1، ص196.
(63) تسنيم في تفسير القرآن: ج25، ص465.
(64) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج43، ص362.
(65) الميزان في تفسير القرآن: ج7، ص52.
(66) تسنيم في تفسير القرآن: ج25، ص462.
(67) الميزان في تفسير القرآن: ج7، ص52.
(68) تسنيم في تفسير القرآن: ج25، ص360.
(69) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج12، ص297.
(70) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص268.
(71) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص268.
(72) الميزان في تفسير القرآن: ج16، ص79.
(73) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص268.
(74) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص79.
(75) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص659.
(76) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص659.
(77) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص160.
(78) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص79.
(79) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص659.
(80) الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص79.
(81) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص659.
(82) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص160.
(83) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج17، ص79.
(84) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص160.
(85) الكافي: ج8، ص27.
(86) تفسير القمي: ج2، ص286.
(87) الاختصاص: ص362.
(88) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص541.
(89) الميزان في تفسير القرآن: ج18، ص103.
(90) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(91) الميزان في تفسير القرآن: ج18، ص103.
(92) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج16، ص56.
(93) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(94) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج16، ص57.
(95) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج4، ص418.
(96) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج16، ص57.
(97) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص728.
(98) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص295.
(99) الميزان في تفسير القرآن: ج13، ص316.
(100) الميزان في تفسير القرآن: ج11، ص216.
(101) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(102) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج6، ص721.
(103) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(104) الميزان في تفسير القرآن: ج13، ص316.
(105) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(106) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج13، ص316.
(107) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(108) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج9، ص275.
(109) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(110) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج13، ص316.
(111) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج16، ص57.
(112) تفسير القمي: ج2، ص49.
(113) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج6، ص790.
(114) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص42.
(115) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(116) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج9، ص429.
(117) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(118) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص42.
(119) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج9، ص429.
(120) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ص273.
(121) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ص273.
(122) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ص274.
(123) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج11، ص238.
(124) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(125) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص203.
(126) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج11، ص238.
(127) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج9، ص74.
(128) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص203.
(129) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص204.
(130) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص204.
(131) تفسير القمي: ج2، ص197.
(132) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص583.
(133) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص358.
(134) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج16، ص346.
(135) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص359.
(136) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج8، ص583.
(137) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص359.
(138) الميزان في تفسير القرآن: ج16، ص346.
(139) تفسير القمي: ج2، ص197.
(140) الاختصاص: ص361.
(141) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج8، ص424.
(142) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص359.
(143) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص522.
(144) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص400.
(145) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص522.
(146) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص522.
(147) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص400.
(148) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص522.
(149) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13، ص359.
(150) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص400.
(151) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص736.
(152) تفسير القمي: ج2، ص402.
(153) الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص175.
(154) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج19، ص362.
(155) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص647.
(156) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص175.
(157) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج19، ص363.
(158) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج19، ص362.
(159) الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص176.
(160) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج19، ص363.
(161) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج10، ص741.
(162) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص284.
(163) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج19، ص195.
(164) الكافي: ج1، ص374؛ الاختصاص: ص334؛ تفسير العياشي: ج1، ص72.
(165) الأمالي: ص63.
(166) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج8، ص249.
(167) الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص408.
(168) انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1، ص455.
(169) انظر: الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص408.
(170) انظر: تسنيم في تفسير القرآن: ج8، ص295.
(171) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج1، ص472.
(172) تسنيم في تفسير القرآن: ج8، ص247، وص295، وص304.
(173) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص268.
(174) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص268.
(175) الكافي: ج8، ص101؛ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: ص268.
(176) الأمالي: ص121.
(177) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج7، ص305.
(178) المحاسن: ج1، ص184.
(179) الأمالي: ص45.
(180) تفسير القمي: ج2، ص123.
(181) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص291.
(182) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج7، ص305.
(183) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص291.
(184) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج7، ص305.
(185) مجمع البيان في تفسير القرآن: ج7، ص305.
(186) الميزان في تفسير القرآن: ج15، ص291.
(187) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج11، ص405.