عارفاً بحقه

لقد وردت هذه العبارة في نصوص الزيارات، ولبيانها نحتاج إلىٰ قراءة كلامية في المفهوم والمصداق.

مقدمة:

تمثِّل نصوص الزيارات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تراثاً كلامياً غنياً يجمع بين البُعدين العاطفي والعقدي.

ومن أبرز القيود التي تكرَّرت في هذه النصوص كشرط أساسي لترتُّب الثواب وقبول الزيارة هو قيد «عارفاً بحقِّه».

نحاول في هذا المقال أن نسلِّط الضوء علىٰ الأبعاد العقدية والعملية لهذا القيد بناءً علىٰ المصادر الحديثية والكلامية المعتمدة، بعيداً عن السرد العابر، ليكون تأسيساً علمياً لبيان حقيقة هذه المعرفة ومستوياتها.

أوَّلاً: التخريج الروائي والحديثي:

اشتهر الإشارة إلىٰ المعرفة بالحق في جملة واسعة من الزيارات المخصوصة والمطلقة للمعصومين (عليهم السلام).

فقد ورد في زيارة النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) عبارة: «بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، زرتك عارفاً بحقِّك، مقراً بفضلك»(1)، كما تكرَّرت العبارة في زيارات أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام) بصيغة (زائراً عارفاً بحقك)(2).

وتتجلَّىٰ أوسع التطبيقات الروائية لهذا القيد في نصوص زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث روىٰ ابن قولويه القمي متوفىٰ ٣٦٧ هـ في كتابه كامل الزيارات، الباب الرابع والخمسين، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «من زار قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) عارفاً بحقِّه غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر»(3).

وتكرَّر ذات المضمون بأسانيد صحيحة في كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق متوفىٰ ٣٨١ هـ، فضلاً عن وروده في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) وغيرها من المصادر الحديثية.

ثانياً: التأصيل الكلامي لمفهوم الحق:

إنَّ تفكيك مصطلح «الحق» في هذا السياق يحيل الباحث في علم الكلام ونظرية المعرفة الدينية إلىٰ مستويين متداخلين:

المستوىٰ الأوَّل: هو الحق العام، ويقصد به مقام الإمامة والولاية الإلهية. ويتأسَّس هذا المستوىٰ علىٰ الاعتقاد الجازم بأنَّ الإمام المقصود زيارته، هو حجة الله علىٰ خلقه، والإمام المفترض الطاعة المنصوص عليه، وهو ما يمثِّل الركن الأساس في الفكر العقدي الإمامي.

المستوىٰ الثاني: هو الحق الخاص، ويشير إلىٰ الخصائص الثبوتية التي يختص بها كل إمام بحسب رتبته وزمانه، كالعصمة والطهارة والعلم. ويمتد هذا المستوىٰ ليشمل النصوص الخاصة بكلِّ إمام، وفقاً لما حرره العلامة المجلسي في بحار الأنوار(4)، عند شرحه لاشتراط المعرفة في قبول الزيارة وترتُّب أثرها الغيبي.

ثالثاً: التجليات العملية لمفهوم المعرفة:

لا تنحصر المعرفة المطلوبة في البُعد النظري الاستدلالي المجرد، بل تتعداه لتشكّل منظومة عملية متكاملة. وقد تولَّت الروايات الشريفة تفسير المعنىٰ العملي لهذا القيد، حيث صرَّحت بأنَّ العارف بحقِّه هو الذي يعلم أنَّه إمام مفروض الطاعة. وبناءً علىٰ هذا التأسيس الكلامي، يتبيَّن أنَّ قيد المعرفة يستلزم الانقياد التام والطاعة في الحدود الممكنة، ومتابعة الإمام في الهدي والعمل تطبيقاً لمفهوم الائتمام.

ويرىٰ المحقِّقون من علماء الطائفة أنَّ الحد الأدنىٰ المجزئ في هذه المعرفة يتمثَّل في التصديق بأنَّهم أئمة يهدون بالحق، ويجب الانقياد إليهم والأخذ عنهم، مع عدم إنكار ما يثبت لهم من فضائل ومقامات، كما ألمح إلىٰ ذلك جملة من الشراح ومنهم العلامة المجلسي في مرآة العقول(5) في فضل زيارة المولىٰ سيد الشهداء (عليه السلام) والشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان عند بيانه لآداب الزيارة.

أمَّا الزيادة في تفاصيل هذه المعرفة والإحاطة بدقائق المقامات التكوينية والتشريعية، فهي متروكة لسعة وعي الزائر وقدرته العقلية والروحية، وكلَّما زادت حظوظه من المعرفة العقدية الصحيحة، تعمق أثر الزيارة في سلوكه وملكاته النفسية.

خاتمة:

تأسيساً علىٰ ما سبق، يظهر بوضوح أنَّ اشتراط قيد «عارفاً بحقه» ليس مجرَّد دعوة لانتساب عاطفي أو محبة قلبية خالية من الالتزام، بل هو ميثاق عقدي صارم يربط بين صحة الاعتقاد بالولاية الإلهية، وبين الالتزام العملي بمقتضيات تلك الولاية من طاعة واتِّباع وتسليم.

وهذا ما يجعل من الزيارة محطة لتجديد العهد العقدي والولائي مع المعصوم، مبنياً علىٰ أُسس معرفية راسخة.

 

 

 

الهوامش:


(1) الشهيد الأوَّل العاملي – المزار: ص13، الطبعة الأولىٰ، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي – قم المقدسة.

(2) ابن قولويه جعفر – كامل الزيارات: ص95، الطبعة الأولىٰ، مؤسسة نشر الفقاهة .

(3) المصدر السابق: ص262.

(4) محمد باقر المجلسي – بحار الأنوار: ج98، ص18، الطبعة الثانية، تحقيق محمد باقر البهبودي مؤسسة الوقاء.

(5) محمد باقر – مرآة العقول: ج18، ص307، الطبعة الثانية، الناشر دار الكتب الإسلامية، مطبعة خورشيد.

Edit Template
Scroll to Top