التشريع الإلهي رؤية كاملة

التشريع الإلهي رؤية كاملة

هذه دراسة سريعة في بيان ما يتميَّز به القانون السماوي علىٰ القانون البشري الذي لا يعتمد علىٰ الوحي:

تمهيد:

امتازَ قانونُ السماءِ عَن القانونِ البشري الوضعي بكونِهِ صادراً مِن الله تعالىٰ العالِـمِ بحقيقةِ هذا العالَـمِ، وهذا الكائنِ، وبواطنِهِ وميولِهِ ورغباتِهِ في كلِّ عصرٍ وحالٍ.

إنَّ الله تعالىٰ هو المالكُ الحقيقيُّ لكلِّ الوجودِ ملكاً تكوينياً، فيكونُ تعالىٰ هو مصدرَ السلطاتِ كلّها، ومصدرَ كلِّ إذنٍ لحركةِ مخلوقاتِهِ، ومن ثَمّ يكونُ هو مصدرَ السلطاتِ الحصري، وإذا أرادَ أحدٌ مِن عبيدِهِ التصرّفَ في ملكِهِ، فلابُدَّ له من إذنٍ مِنهُ تعالىٰ، وحيث إنَّ الاعتبار لا ينفصل عن التكوين لأنَّه يترشَّح عن أمر تكويني ويساهم في تنظيم أو تكوين أمر تكويني في لا ينفصل عن التكوين وحينئذٍ فأي اعتبار هو تصرف تكويني في حقيقته ناهيك عن أنَّ الله تعالىٰ ولمّا كانَ هو مصدرَ السلطاتِ فيكونُ التشريعُ، ووضعُ النظامِ حقّاً حصريّاً له تعالىٰ ولا يصح إلَّا بتفويض منه تعالىٰ، وهذا معمولٌ بِهِ عندَ العقلاءِ في الملكِ الاعتباري، فضلاً عَن الملكِ الحقيقيِّ التكوينيِّ.

وعلىٰ ضوءِ ذلكَ فإنَّ الذي يضعُ المخطّطَ لحركةِ الإنسانِ هو الله سبحانه، وأنَّ الإنسانَ قاصرٌ ذاتاً عن وضعِ مخطّطٍ كاملٍ لشؤونِ الحياةِ، ومن هنا فهو بحاجةٍ إلىٰ العقلِ المنفصلِ (الوحي) الذي يكون مكملاً للعقل البشري لحاجته التكوينية إلىٰ الوحي، فتكونُ أوامرُهُ حينئذٍ ملزمةً وحاكمةً علىٰ الاختيارِ البشري، ولن تتوقفَ حاكميّتُهُ القانونيةُ علىٰ استشعارِ الإنسانِ لحاجتِهِ، نظير أيّ قانونٍ ملزمٍ، حيثُ إنَّهُ لن يتوقّفَ علىٰ استشعارِ الحاجةِ، بل هو ملزمٌ للجميعِ بجميعِ الحيثياتِ.

تنبيهٌ:

بعضُ الفلاسفةِ لا يرىٰ ضرورةً للقانونِ وأنَّهُ يمكنُ التخلي عنهُ، ولكن هذا غيرُ صحيحٍ، فطبيعةُ الإنسانِ أنَّهُ مختارٌ في فعلِهِ، وهذا الاختيارُ يجعلُهُ يتصرَّفُ وفقَ اختيارِهِ الذي قَد يكونُ غالباً علىٰ ضوءِ المصالحِ الشخصيّةِ، أو يحكّمُ غرائزَهُ وهواه، ممّا يجعلُ التدافعَ في الحياةِ أمراً واقعيّاً وحتميّاً، وهذا يجعلُ مِن القانونِ ضرورةً.

بعدَ هذا التنبيهِ ندخلُ في صلبِ الموضوعِ:

معَ أنَّ الدّينَ لا يُختزلُ بالقانونِ، ولكنّ الجانبَ القانونيَّ -وهو ما نطلقُ عليه بالفقهِ- يعدُّ في غايةِ الأهميّةِ في المنظومةِ الدينيةِ -الإسلاميّةِ- ولهُ حيزٌ كبيرٌ فيها؛ حيثُ يشملُ كلَّ حقولِ الحياةِ، فحتىٰ علىٰ القولِ بأنَّ الدّينَ لا يتدخّلُ في العلومِ الطبيعيّةِ، فإنَّ هذا لا يعني عدمَ تدخّلِهِ فيها من جهةِ القانونِ، وأنَّهُ يتدخلُ علىٰ خطِّ التشريعاتِ في تطبيقِ تلكَ العلومِ، فيرسمُ الخارطةَ في تطبيقها، فيقولُ: هذا التطبيقُ جائزٌ، وهذا غيرُ جائزٍ بحسبِ قواعدِهِ الكليّةِ، التي ترفضُ الظلمَ أو الهتكَ أو الاعتداءَ أو الضّررَ أو غيرها من الموضوعاتِ.

القانونُ لهُ حضورٌ كبيرٌ جداً في المنظومةِ الدينيّةِ، وقد تميزَ بجوانبَ وحيثياتٍ علىٰ القانونِ البشري، وهذا يرجعُ إلىٰ طبيعةِ المشرّعِ، فالإنسانُ مهما حازَ مِن كمالاتٍ يبقىٰ محدوداً، فتكونُ تشريعاتُهُ قائمةً علىٰ التراكمِ وتكرارِ الأخطاءِ، وهو لا زالَ يتعثرُ في هذا الطريقِ، في حين أنَّ المشرّعَ السماويَّ مطلقُ العلمِ، فلا جهلَ في ساحتِهِ تعالىٰ، بل هو العالمُ بكلِّ الحقائقِ لذا يكونُ تشريعُهُ مختلفاً سنخاً عَن غيرِهِ.

ويتَّضحُ الامتيازُ في النقاطِ التاليةِ:

الأوَّلُ: الشمولُ:

إنَّ تشريعاتِ الدّينِ أشملُ وأوسعُ مِن التشريعاتِ البشريّةِ الوضعيّةِ؛ لأنَّها ترتّبُ الآثارَ في الحياةِ الدنيويّةِ والأُخرويّةِ، وأنَّ الالتزامَ بتلكَ التشريعاتِ لَهُ آثارُهُ في كلا الدّارينِ، فهو وإنْ كانَ يُمتثلُ في هذه الحياةِ، ولكنّ آثارَهُ لا تُختصرُ عليها، بل تشملُ الآخرةَ التي هي دارُ خلودٍ، وهذا مائزٌ لن تجدَهُ في التشريعاتِ البشريّةِ.

وقد تناولَ الدين الحالةَ الفرديّةَ والجماعيّةَ معاً، فلم يُهملِ الفردَ في حالةِ إفرادِهِ بل قنَّنَ له قوانينَ تلازمُهُ حتىٰ في حالتِهِ الفرديّةِ بل وفي خلواتِهِ أيضاً.

هذا ناهيك عن الجانبِ المعنويِّ إنْ صحَّ التعبيرُ، فالدّينُ قنّنَ القوانينَ في المواردِ المعنويةِ، ومنعَ بعضها، مثل اغتيابِ الآخرِ أو حسدِهِ.

الثاني: الانطلاقُ مِن الداخلِ:

إنَّ الدّينَ انطلقَ مِن الداخلِ، وليسَ مِن الفعلِ الخارجي للفردِ، وجعلَ خطَّ شروعِهِ العقيدةَ والدّاخلَ الإنسانيَّ، ومنهُ ينطلقُ إلىٰ الفعلِ الفيزيائي، بينما التشريعُ البشريُّ جعلَ اهتمامَهُ منصباً علىٰ حفظِ النظامِ العامِ، والسلمِ الأهلي، من زاويةِ السلوكِ والتطبيقِ الفعلي للقانونِ، ولا علاقةَ لَهُ بذاتِ الفردِ، وإصلاحِ داخلِهِ، بينما الدّينُ عدّ حفظَ النظامِ العامِّ نتيجةً للعقيدةِ، فدخلَ للداخلِ الإنسانيِّ، ممّا ينتجُ عنهُ حفظُ النظامِ العامِّ، والسلمِ الأهلي، وحرمةِ الآخرينَ.

فالدّينُ يبدأ مِن إصلاحِ الذاتِ ومنهُ ينتجُ إصلاحُ المجتمعِ.

أمَّا التّشريعُ البشريُّ فكلُّ همِّهِ منصبٌّ علىٰ السلوكِ والالتزامِ بالقانونِ، سواء كنْتَ مقتنعاً أم لا، فلا دورَ لقناعةِ الفردِ عندَهُ، بخلافِ الدّينِ حيثُ إنَّهُ يأتي بمرحلةٍ متأخّرةٍ عَن العقيدةِ المشروطةِ بالقناعةِ فِيهِ، وهذا مائزٌ واضحٌ.

نعم، الجهدُ البشريُّ اهتمَّ بإصلاحِ الداخلِ الإنساني وفتحَ مراكزَ معينة، ولكن لم تصلْ تلك الاهتماماتُ إلىٰ مرحلةِ القانونِ كما فعلَ الدّينُ، بل بقيَتْ مجردَ توصياتٍ غيرِ ملزمةٍ، بخلافِ الدّينِ، فَقدْ جعلَ الاعتقادَ وإصلاحَ النّفسِ لازماً، وهذا فارقٌ كبيرٌ حيثُ عملَ الدّينُ علىٰ زرعِ الوازعِ النفسي، والدافعِ الذاتي في تطبيقِ القانونِ، والالتزامِ بِهِ، ولن يتوقّفَ تطبيقُهُ علىٰ وجودِ رجالِ الأمنِ، أو المراقبةِ الحكوميةِ، بل جعلَ المراقبةَ ذاتيةً والدافعَ ذاتيّاً، والحرصَ ذاتيّاً، وهذا مائزٌ كبيرٌ أيضاً.

الثالثُ: انسجامُهُ معَ الفطرةِ:

انسجامُ التشريعِ السماويِّ معَ الفطرةِ وتكوينِ الإنسانِ، فيلحظُ المشرّعُ السماويُّ الجانبَ الباطنيَّ لدىٰ الفردِ، ليكونَ التشريعُ منسجماً معَ الفطرةِ والعقلِ السّليمِ، ولذا لا ضررَ في التشريعِ الديني، ولا حرجَ ولا ظلمَ؛ لأنَّ الشارعَ سيّدُ العقلاءِ.

الرابع: الرادعُ الذاتيُّ:

خلقَ الدينُ رادعاً ذاتيّاً ينتجُ عنهُ التزامُ الفردِ بالقانونِ، معَ قطعِ النظرِ عن عواملِ الردعِ الخارجيّةِ، فصنعَ التّشريعُ السماويُّ رادعاً عَن الحرماتِ، ودافعاً نحوَ الخيرِ، فيكونُ الالتزامُ نابعاً مِن الذاتِ.

مع الالتفات إلىٰ أنَّ ذلك لا يعني إهمالَ قانونِ الدولةِ الذي يمثل الجهة التنفيذية لأنَّ ضرورة وجود جهات تنفيذية في تطبيق القوانين لا يختلف فيه اثنان وهو بحاجة إلىٰ جهة تنفيذية سواء كانت الدولة دينية أو غيرها فهي معنية بتطبيق القانون الذي يصدر من الجهة التشريعية ولا تكتفي بالرادع الذاتي إنَّما الكلام في الجانب التشريعي بشكل عام حيث إن المشرع السماوي زرع هذا الرادع الذاتي في أعماق الفرد المتدين وهذا لن تجده في غيره.

إذن ليسَ الكلامُ عَن قانونِ الدولةِ بل عن القانونِ بشكلٍ عامٍّ بلحاظ الفرد، وإلَّا ففي مسألةِ قانونِ الدولةِ لا يكادُ يوجدُ اختلافٌ جوهريٌّ حيث نجد مسألة العقوبات والحدود وغيرها من الروادع العملية التي تقوم بها الجهة التنفيذية حتىٰ في الدولة التي يحكمها المعصوم ولكن وجود هذا الرادع لدىٰ الفرد يساعد أيضاً علىٰ تسهيل تطبيق القانون وعلىٰ تقليل نسبة المخالفة وعلىٰ سلاسة الإجراءات التي تتَّخذها الجهة التنفيذية مما يعني أنَّه حتَّىٰ في الجانب التنفيذي يكون للرادع الذاتي دور أساسي وعامل مساعد لن تجده عند غير الدين.

الخامسُ: قيمةُ الفضائلِ:

اهتمَّ التشريعُ السماويُّ بالفضائلِ، ورتَّبَ علىٰ ذلك آثاراً، وأنزلَ الاهتمامَ بها علىٰ هيئةِ قانونٍ، وليسَ مجرَّدَ توصياتٍ، وهذا جانبٌ مهمٌّ يتميَّزُ بهِ التشريعُ السماويُّ كما قلنا.

السادسُ: الكشفُ عَن الواقعِ:

إنَّ التشريعاتِ السماويّةَ كاشفةٌ عَن مصلحةٍ أو مفسدةٍ واقعيّةٍ، لأنَّها تدورُ مدار المصالح والمفاسد بعد فرض عصمة المشرع، فيكونُ الكشفُ كشفاً واقعيّاً، وهذا غيرُ متوفرٍ في التشريعِ البشري.

نعم كلٌّ منهما يلحظُ المصالحَ والمفاسدَ في تشريعِهِ، ولكن الفارقَ في مقدارِ الكشفِ عَن الواقعِ عبرَ المصالحِ والمفاسدِ، فإنَّ الله تعالىٰ هو العالمُ بمصلحةِ عبادِهِ، وما يترتَّبُ علىٰ الأفعالِ، سواء بلحاظِ الآثارِ القريبةِ أو البعيدةِ، وهذا لن ينالَهُ العقلُ البشريُّ مهما تقدّمَ تحتَ وطأةِ التجاربِ والتخبطِ، إذ يبقىٰ لا يدركُ الملازماتِ البعيدةَ للأفعالِ.

السابعُ: التعبّد إضافةٌ مهمّةٌ:

إنَّ التشريعَ السماويَّ أضافَ مسألةَ التعبدِ، ونيّةَ القربةِ في العملِ، ممّا جعلَ الكمالَ ليسَ مناطاً بمسألةِ الالتزامِ بالقانونِ فقط، وهذا مائزٌ واضحٌ.

وهذه المميزاتُ ترجعُ إلىٰ أنَّ الدّينَ لم يعتمدْ علىٰ العقلِ أو التجربةِ أو غيرها مِن أدواتِ المعرفةِ لدينا فقط في تشريعاتِهِ، أو علىٰ الفردِ أو الجماعةِ بل كانَ عندَهُ توازنٌ في كلِّ حركتِهِ.

الثامنُ: الاستقرارُ الناضحُ:

ما يميِّزُ القانونَ السماويَّ أنَّهُ يقومُ علىٰ ثوابتَ صارمةٍ، تجعلُ الحياةَ معهُ مستقرّةً، ولا يصحُّ تجاوزُ تلك الثوابتِ مِن أيِّ طرفٍ مهما كانَ مقامُهُ ومنصبُهُ، فلا حكمَ مع الضررِ أو الظلمِ، ولا تحكيمَ للمصالحِ الشخصيّةِ فِيهِ، بخلافِ القانونِ البشريِّ، فإنَّ المصالحَ الشخصيّةَ تهيمنُ عليه وتتحكَّمُ به، ويسعىٰ كلُّ طرفٍ لهُ الهيمنةُ أنْ يكيِّفَ القانونَ وفقَ مصالحِهِ، وأنْ لا يتسبّبُ لهُ بضررٍ، ولن تجدَ قانوناً بشريّاً صدرَ من جهةٍ مهيمنةٍ تكونُ فيه مصلحةٌ عامةٌ علىٰ حسابِ ضررِ تلك الجهةِ المهيمنةِ، مما يكشفُ عَن الفارقِ الجوهريِّ بينَ التشريعينِ، فنحنُ نرىٰ اليومَ -ونحنُ في هذا العصرِ الذي يعدُّ في قمّةِ التقدّمِ- الجهاتِ المهيمنةَ تتلاعبُ بالدساتيرِ مِن أجلِ مصالحِها فضلاً عَن القوانين.

التاسعُ: اتسامُهُ بالحكمةِ والعدلِ المطلقينِ:

مما يميِّزُ القانونَ السماويَّ أنَّهُ لا يؤاخذُ الغافلَ أو الجاهلَ، حتَّىٰ لو كانَ الملاكُ ثابتاً بحقِّهِ بحسب الواقعِ التشريعيِّ، فإنَّهُ بلحاظِ الفعليةِ لا يكونُ الحكمُ عليه فعلياً، ولا يعاقبُ علىٰ مخالفتِهِ؛ لأنَّ معاقبةَ الغافلِ أو الجاهلِ قبيحةٌ بحكمِ العقلِ، بخلافِ القانونِ البشري فقد أهملَ هذه الجهةَ، ونراهُ يُصرِّحُ بأنَّ القانونَ لا يحمي الغافلَ أو الجاهلَ، وقد تمَّ الحكمُ علىٰ الكثيرِ مِن الغافلينَ أو الجاهلينَ، وقد تكونُ الأحكامُ قاسيةً إلىٰ درجةٍ كبيرةٍ جداً.

Edit Template
Scroll to Top