حين يصحح القرآن مفاهيم الحياة
الشيخ أياد طالب التميمي
وصلَّىٰ الله علىٰ نبيِّنا وحبيبنا محمد وعلىٰ أهل بيته الطيبين الطاهرين.
المقدمة:
لم يكن القرآن الكريم كتاباً للتلاوة والتبرُّك فحسب، نقرؤه ثم نغلقه، بل هو كتاب هداية ومنهج حياة متكامل، يرسم للإنسان طريقه، وينير له دربه، ويضع بين يديه الأُسس الصحيحة التي ينظم بها علاقته بخالقه ونفسه ومجتمعه والحياة من حوله.
ومن أبرز وظائف الهداية القرآنية تصحيح التصوُّرات والمفاهيم التي تنحرف بالإنسان عن الحق، سواء أكانت موروثة من بيئة جاهلية أم نشأت في المجتمعات اللاحقة.
وهنا تتجلَّىٰ عظمة القرآن الكريم؛ إذ لا يكتفي بتقديم الأوامر والنواهي، بل يعيد بناء العقلية الإنسانية، ويحرِّر الإنسان من التصوُّرات الخاطئة التي قد تتحكَّم في قراراته ومواقفه، وتدفعه إلىٰ الظلم أو الانحراف أو اليأس أو التعلُّق المفرط بالدنيا.
لقد جاء القرآن الكريم ليضع الأمور في نصابها الصحيح، ويعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويكشف له الفارق بين الحقيقة والوهم، وبين القيمة الحقيقية والمظاهر الزائفة، وبين ما يراه الناس نجاحاً وما يريده الله تعالىٰ لعباده من صلاح وفلاح.
ومن هذا المنطلق، نسلِّط الضوء علىٰ مجموعة من المفاهيم التي صحَّحها القرآن الكريم، لنتأمَّل كيف ينقل الإنسان من النظرة السطحية إلىٰ الرؤية العميقة، ومن التصوُّر المغلوط إلىٰ الفهم الصحيح، ومن أسر العادات والتقاليد إلىٰ رحاب الهداية والبصيرة.
وقد اقتصرتُ في هذا المقال علىٰ المفاهيم القرآنية، دون التطرُّق إلىٰ الروايات الشريفة؛ رغبةً في إفراد مساحة مستقلة لها، آمل أن أُوفَّق في إعداد مقالٍ آخر يسلِّط الضوء علىٰ دور السُنَّة النبوية الشريفة في تصحيح المفاهيم المغلوطة، واستجلاء الرؤية الإسلامية الصحيحة تجاه شؤون الحياة المختلفة.
تمهيد: القرآن الكريم ومنهج إعادة بناء وعي الإنسان:
إنَّ من أخطر ما يواجه الإنسان ليس الجهل بالمعلومات وحده، بل امتلاك مفاهيم خاطئة يظنّها حقائق ثابتة، ثم يبني عليها سلوكه ومواقفه وقراراته.
فقد يكون الإنسان متعلِّماً، ولكنَّه يحمل تصوُّراً مغلوطاً عن النجاح، وقد يمتلك ثروة كبيرة، ولكنَّه يجهل حقيقة الغنىٰ، وقد يرفع شعارات دينية، لكنَّه يتبنىٰ عادات وممارسات تخالف روح الدين ومقاصده.
وتكمن خطورة المفاهيم المغلوطة في أنَّها لا تبقىٰ حبيسة الذهن، بل تتحوَّل إلىٰ سلوك عملي، وقد تؤثِّر في حياة الفرد والأُسرة والمجتمع، بل ربَّما تقود إلىٰ ارتكاب جرائم وانتهاك حقوق الآخرين تحت عناوين يظن أصحابها أنَّها مبرّرات مقبولة.
ولهذا جاء القرآن الكريم ليخاطب العقل والوجدان معاً، وليصحح التصوُّرات قبل أن يصحّح الأفعال؛ لأنَّ السلوك غالباً ما يكون ثمرة للفكرة التي يحملها الإنسان، فإذا استقام الفكر استقام السلوك، وإذا انحرف التصوُّر انعكس ذلك علىٰ الممارسة والحياة.
ومن هنا، فإنَّ التدبُّر في القرآن الكريم لا يقتصر علىٰ فهم ألفاظه ومعانيه، بل يتجاوز ذلك إلىٰ مراجعة أفكارنا ومعتقداتنا وعاداتنا، وعرضها علىٰ الميزان الإلهي، لنعرف ما كان منها منسجماً مع الهداية وما كان بحاجة إلىٰ تصحيح ومراجعة.
أوَّلاً: القرآن الكريم وتصحيح مفهوم الرزق:
من المفاهيم التي تحتاج إلىٰ مراجعة في وعي الإنسان الاعتقاد بأنَّ الرزق محصور في المال، وأنَّ امتلاك الأموال والمنصب والأولاد هو المعيار الوحيد للسعادة والنجاح، وأنَّ فقدان شيء من ذلك يعني الحرمان من الخير.
إنَّ هذا التصوُّر المادي الضيق يجعل الإنسان أسيراً للخوف من المستقبل، وقد يدفعه إلىٰ ارتكاب المحرَّمات أو التعدِّي علىٰ حقوق الآخرين من أجل المحافظة علىٰ مصالحه المادية.
وقد جاء القرآن الكريم ليصحح هذا المفهوم، ويؤكِّد أنَّ الرزق بيد الله سبحانه وتعالىٰ، وأنَّ الخوف من الفقر لا ينبغي أن يتحوَّل إلىٰ مبرّر للانحراف أو ارتكاب الجرائم.
قال تعالىٰ:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31).
تكشف هذه الآية الكريمة عن صورة من صور الانحراف في التفكير الجاهلي، حين تحوَّل الخوف من الفقر إلىٰ مبرِّر لارتكاب جريمة عظيمة، وهي قتل الأولاد.
فقد كان بعض الناس ينظرون إلىٰ الطفل باعتباره عبئاً اقتصادياً إضافياً، ويخشون أن تؤدِّي ولادته إلىٰ زيادة أعبائهم المعيشية، فجاء القرآن الكريم ليهدم هذه النظرة الخاطئة، ويذكرهم بأنَّ الله تعالىٰ هو الرازق لهم ولأولادهم.
إنَّ الآية لا تعالج جريمة القتل فحسب، بل تصحح في الوقت نفسه جذور التفكير الذي أنتجها؛ إذ تنقل الإنسان من الاعتقاد بأنَّ الرزق مرهون بقدرته المادية المحدودة، إلىٰ الإيمان بأنَّ الله سبحانه وتعالىٰ هو مصدر الرزق، وأنَّ علىٰ الإنسان أن يسعىٰ ويعمل، من دون أن يستسلم للخوف أو يجعل الفقر مبرراً للانحراف.
ومن هنا، ينبغي للإنسان أن يراجع مفهومه للرزق، فلا يقيس عطاء الله تعالىٰ بما يدخل جيبه فقط، بل بما ينعم به عليه من خيرات ظاهرة وباطنة، وما يوفقه إليه من صحة وعافية وطمأنينة وعلم وهداية.
ثانياً: القرآن الكريم وتصحيح مفهوم الكرامة الإنسانية:
لقد شاع في بعض المجتمعات أنَّ قيمة الإنسان تتحدَّد بحسب نَسَبَه أو عشيرته أو لونه أو ثروته أو منصبه أو مكانته الاجتماعية، حتَّىٰ أصبحت هذه الاعتبارات أساساً للتفاخر والتكبُّر واحتقار الآخرين.
وقد جاء القرآن الكريم ليصحِّح التصوُّرات المنحرفة حول الكرامة الإنسانية، ويؤسِّس لرؤية إلهية متكاملة تقوم علىٰ التمييز بين الكرامة الإنسانية العامة، التي يشترك فيها جميع بني آدم، ومعيار التفاضل الحقيقي عند الله تعالىٰ.
أوَّلاً: الكرامة الإنسانية العامة:
أقرَّ القرآن الكريم للإنسان بكرامة أصيلة، تشمل بني آدم جميعاً، بصرف النظر عن اختلاف أديانهم وأعراقهم وأنسابهم وألوانهم، قال سبحانه وتعالىٰ:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).
وتؤسِّس هذه الآية الكريمة لمبدأ الكرامة الإنسانية العامة، التي تنطلق من أصل الإنسانية، وتقتضي احترام الإنسان وصيانة كرامته، وعدم الانتقاص من حقوقه بسبب اختلافه عن الآخرين.
ثانياً: معيار التفاضل عند الله تعالىٰ:
مع إقرار القرآن الكريم بالكرامة الإنسانية العامة، فإنَّه يبيِّن أنَّ التفاضل بين البشر عند الله تعالىٰ لا يقوم علىٰ النسب أو العِرق أو اللون أو الانتماء الاجتماعي، وإنَّما علىٰ التقوىٰ والعمل الصالح، قال سبحانه وتعالىٰ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
لقد أقرَّت الآية الكريمة وجود الاختلاف بين البشر في الأنساب والشعوب والقبائل، لكنَّها لم تجعل هذا الاختلاف أساساً للتفاضل القيمي، بل جعلت الغاية منه التعارف والتواصل، ثم حدَّدت معيار الكرامة والتفاضل عند الله تعالىٰ بالتقوىٰ، لتؤكِّد أنَّ قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما ينتمي إليه من جماعة أو ما يحمله من صفات ظاهرية، وإنَّما بما يتحلَّىٰ به من إيمان وتقوىٰ وعمل صالح.
وبذلك يرسم القرآن الكريم معادلة متكاملة للكرامة الإنسانية: كرامة عامة ثابتة لكلِّ بني آدم، وتفاضل إلهي يقوم علىٰ التقوىٰ، فلا يجوز الخلط بين ثبوت الكرامة الإنسانية للإنسان من حيث إنسانيته، وبين تفاوت مراتب القرب من الله تعالىٰ.
فلا يفضَّل الإنسان علىٰ غيره لمجرَّد أنَّه ينتمي إلىٰ أُسرة معروفة، أو يحمل لقباً اجتماعياً، أو يمتلك ثروة، أو يشغل منصباً، وإنَّما تتحدَّد منزلته عند الله تعالىٰ بمدىٰ قربه منه، والتزامه بأوامره، وابتعاده عن الظلم والعدوان.
وبذلك يحرِّر القرآن الكريم الإنسان من عبودية المظاهر، ويؤسِّس لمجتمع تُصان فيه كرامة الجميع، ويكون التفاضل فيه قائماً علىٰ التقوىٰ والعمل الصالح، لا علىٰ الامتيازات المادية أو الفوارق الاجتماعية.
ثالثاً: القرآن الكريم وتصحيح مفهوم العادات والموروثات:
من أخطر المفاهيم المغلوطة أن يتحوَّل الموروث الاجتماعي إلىٰ مرجعٍ للحكم علىٰ الحلال والحرام، وأن يبرِّر الإنسان بعض الممارسات المنحرفة بحجَّة أنَّها من عادات الآباء والأجداد، بل قد يتجاوز ذلك فينسبها إلىٰ الله تعالىٰ، وكأنَّ شيوع الفعل بين الناس أو توارثه عبر الأجيال يكفي لإضفاء المشروعية الدينية عليه.
ومن صور الانحراف الفكري والسلوكي أن يعتقد الإنسان أنَّ الله تعالىٰ يأمر بالفحشاء، مستنداً في تبريره إلىٰ أنَّ آباءه وأجداده كانوا يمارسونها، فيخلط بين ما اعتاده المجتمع وما شرَّعه الله تعالىٰ، وبين الموروث البشري والهداية الإلهية.
وقد عالج القرآن الكريم هذا الانحراف بوضوح، رافضاً أن تكون العادات والتقاليد حُجّةً لتبرير الباطل أو نسبته إلىٰ الله سبحانه، فقال (عزَّ وجلَّ):
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَىٰ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 28-29).
وهكذا يضع القرآن الكريم ميزاناً واضحاً للتعامل مع الموروثات، فلا يجعل قِدَم العادة دليلاً علىٰ صحَّتها، ولا شيوع الممارسة بين الناس مبرّراً لقبولها، بل يدعو إلىٰ إخضاع الموروث لميزان الحق والهداية، فما وافق شرع الله وقيمه قُبل، وما خالفهما وجب تصحيحه، مهما امتدّ به الزمن أو تعلَّق به الناس.
فالقرآن الكريم يقرِّر قاعدة واضحة: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، وإنَّما يأمر بالقسط والعدل والاستقامة.
وهذا المبدأ يضع الإنسان أمام مسؤولية مراجعة ما ورثه من أفكار وممارسات، وعدم التسليم لكل ما اعتاده المجتمع؛ لأنَّ شيوع الفعل لا يجعله صحيحاً، وكثرة الممارسين لا تحوّله إلىٰ حق.
فالميزان الذي ينبغي أن نزن به الموروث هو الحق، لا أن نجعل الموروث ميزاناً نزن به الحق.
رابعاً: القرآن الكريم وتصحيح مفهوم المرأة وكرامتها:
من أعظم ما صحَّحه القرآن الكريم في المجتمع الإنساني نظرته إلىٰ المرأة، فقد رفع من قيمتها وكرامتها، وأبطل الممارسات الجاهلية التي انتقصت من شأنها، حتَّىٰ كان من صور الانحراف في بعض البيئات والممارسات الجاهلية وأد البنات.
وقد صوَّر القرآن الكريم تلك الحالة بقوله تعالىٰ:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 58-59).
وتكشف الآيتان الكريمتان عن عقلية كانت تنظر إلىٰ ولادة الأنثىٰ باعتبارها عاراً اجتماعياً، حتَّىٰ يصبح الأب أمام خيارين في تصوُّره الجاهلي: أن يحتفظ بابنته مع الشعور بالمهانة، أو أن يدفنها حيَّةً.
وقد أدان القرآن الكريم هذا التفكير بقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، ليؤكِّد أنَّ المشكلة ليست في المرأة، بل في المعيار المنحرف الذي يحكم به هؤلاء علىٰ الإنسان.
كما قال تعالىٰ في إدانة جريمة الوأد:
﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9).
ولم يقتصر إنصاف القرآن الكريم للمرأة علىٰ تحريم قتلها وصيانة حياتها، بل امتد إلىٰ تثبيت حقوقها المشروعة، ومنها حقها في الإرث، قال (عزَّ وجلَّ):
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء: 7).
فالآية الكريمة تقرِّر للمرأة حقًّا مالياً ثابتاً، لا يجوز إسقاطه بسبب الأعراف أو الضغوط الاجتماعية، وتؤكِّد أنَّ لها نصيباً مفروضاً في التركة، وفق الأحكام الشرعية المقرَّرة.
وهذا التصحيح القرآني يثبت أنَّ المرأة ليست عبئاً علىٰ المجتمع، بل هي عنصر أساسي في بنائه، لها كرامتها وحقوقها ومسؤولياتها، ولا تقاس قيمتها بجنسها، وإنَّما بما تحمله من إيمان وتقوىٰ وعمل صالح.
الخاتمة:
إنَّ التأمُّل في هذه المفاهيم القرآنية يكشف لنا أنَّ القرآن الكريم لم يأتِ ليصحِّح بعض الأفعال الجزئية فحسب، بل جاء ليعيد بناء الإنسان من الداخل، ويحرِّر عقله من الأوهام والتصوُّرات الخاطئة التي قد تتحوَّل إلىٰ أسباب للظلم والانحراف والشقاء.
لقد صحَّح القرآن الكريم مفهوم الرزق، حتَّىٰ لا يستسلم الإنسان للخوف من الفقر، وصحَّح مفهوم الكرامة، حتَّىٰ لا يجعل النسب أو المال أو المنصب معياراً للتفاضل بين البشر، كما صحَّح مفهوم العادات والموروثات، حتَّىٰ لا ينسب الإنسان إلىٰ الله ما لم يأمر به، وأنصف المرأة، وأبطل الممارسات التي انتقصت من كرامتها وحقوقها، وأرسىٰ قواعد جديدة تقوم علىٰ العدل والتقوىٰ وصيانة الإنسان.
إنَّ حاجتنا إلىٰ القرآن الكريم ليست مقتصرة علىٰ تلاوته في أوقات العبادة، بل نحن بحاجة إلىٰ أن نعرض أفكارنا ومواقفنا وعاداتنا وتصوراتنا علىٰ ميزانه، وأن نسأل أنفسنا باستمرار: هل ما نؤمن به ينسجم مع هداية القرآن؟ وهل ما نمارسه يعبر عن تعاليمه؟ وهل أحكامنا علىٰ الناس والأحداث تستند إلىٰ الحق أم إلىٰ الموروث والهوىٰ؟
فالمجتمع الذي يتلو القرآن من دون أن يصحِّح به مفاهيمه قد يفوته جانب عظيم من هدايته، أمَّا المجتمع الذي يجعل القرآن ميزاناً للفكر والسلوك، فإنَّه يمتلك أساساً راسخاً لبناء الإنسان الواعي والعادل، القادر علىٰ مواجهة تحديات الحياة ببصيرة وإيمان.
وهكذا تتجلَّىٰ عظمة القرآن الكريم في أنَّه لا يكتفي بإرشاد الإنسان إلىٰ الطريق الصحيح، بل يعيد تشكيل نظرته إلىٰ الحياة، ويحرِّره من المفاهيم التي تقيده، ليعيش علىٰ بصيرة من أمره، مستنيراً بنور الوحي، مستقيماً علىٰ هدىٰ الله تعالىٰ.
قال سبحانه وتعالىٰ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
والحمد لله ربِّ العالمين