دروس تمهيدية في فلسفة الفقه – الحلقة الثانية

دخول المنطق الأرسطي إلى العلوم الشرعية

الدرس (3):

المبحث الثاني: ما بعد المنطق الداخلي لعملية الاجتهاد:

1 – المنطق الأوَّل:

يُعدّ المنطق الأرسطي من أهم أدوات التفكير التي أثَّرت في مسار المعرفة الإسلامية، فمع انتقاله إلىٰ العالم الإسلامي عبر الترجمة والنقاش الفلسفي، أصبح المنطق أداة منهجية لتنظيم الفكر وضبط الاستدلال، خصوصاً في العلوم الشرعية التي تقوم علىٰ الاستنباط العقلي والنقلي معاً، ومن أجل فهم ذلك لا بأس بالاطِّلاع علىٰ مسائل علم المنطق من خلال الكتاب الدراسي الذي يعرف بمنطق الشيخ المظفر حيث قسَّم كتابه إلىٰ ثلاثة أجزاء: الأوَّل في التصوُّرات وهو عبارة عن: المدخل، تناول فيه المبادئ التصورية للعلم ثم يتناول ما يعين علىٰ تعريف الأشياء تصوُّراً بشكل صحيح.

وفي الجزء الثاني: يتناول القواعد التي تعيِّن علىٰ صحَّة التفكير في الأحكام، ويشمل علىٰ: القضايا وأقسامها وأحكام القضايا والقياس والاستقراء والتمثيل.

وفي الجزء الثالث: فقد تناول الصناعات الخمس، وهي صناعة البرهان والجدل والخطابة والشعر والمغالطة(1).

وقد أثار دخول المنطق إلىٰ الحقول الشرعية جدلاً واسعاً بين مؤيِّدين رأوا فيه ميزان العلم، ومعارضين عدّوه دخيلاً علىٰ النص والوحي، أمَّا المعارضين من أمثال ابن الصلاح والنووي وابن تيمية (فأمَّا المنطق: فمن قال: إنَّه فرض كفاية وأنَّ من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه، فهذا القول في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد)(2)، وفي هذا القول إشارة إلىٰ ما ذكره أبو حامد الغزالي في مقدمة كتابه المستصفىٰ.

إلَّا أنَّ تطوُّر الفكر الإسلامي كشف أنَّ توظيف المنطق لا يعني إخضاع الوحي للفلسفة، بل الاستعانة بآلة عقلية لصيانة الفكر من الخطأ.

من هنا نجد أنَّ علماء المسلمين كان لهم اهتمام منقطع النظير في دراسة وتقويم هذا العلم حيث اعتبر الكندي المنطق جزءاً من الفلسفة النظرية لا غنىٰ عنه لجميع العلوم.

بل نجده ربط المنطق بالعلوم الدينية، واعتبره آلة لكلِّ العلوم، أمَّا ابن سينا فقد صاغ المنطق الأرسطي بلغة إسلامية في كتبه الشفاء والنجاة، موضحاً العلاقة بين الفكر العقلي والحقيقة.

وقد انعكس ذلك علىٰ المنهج النقلي ليشمل علم الكلام الذي كان معتمد في بداياته علىٰ النقل فقط، وأيضاً علم الفقه ليؤسِّس لنا منهج استدلالي عقلي في هذه العلوم مما أدَّىٰ لولادة المنطق الخاص بعلم الفقه وهو علم أصول الفقه الذي عبر عنه الشهيد الصدر بمنطق الفقه معبر عن الأوَّل بالمنطق العام، وعن الثاني بالمنطق الخاص بالفقه، قال: (علىٰ هذا الأساس قد نطلق علىٰ علم الأصول اسم منطق علم الفقه لأنَّه يلعب بالنسبة إلىٰ علم الفقه دوراً إيجابياً مماثلاً للدور الإيجابي الذي يؤدِّيه علم المنطق للعلوم والفكر البشري بصورة عامة، فهو علىٰ هذا الأساس منطق علم الفقه أو منطق عملية الاستنباط،  بتعبير آخر)(3).

من هنا نجد بأنَّ أوَّل من أدخل المنطق العام في علم أصول الفقه هو الشيخ أبو حامد الغزالي في مقدمة كتابه المستصفىٰ(4).

2 – المنطق الداخلي للاجتهاد:

والمقصود منه علم الأصول الفقه فهو العقل المدبِّر لعملية الاستنباط، بل هو المنهج العلمي الذي من خلاله بمساعدة مجموعة من العلوم يتم التوصل إلىٰ التكليف الشرعي للإنسان، وقد تقدَّم بيان ذلك، لكن سوف نبحث ما بعد المنطق الداخلي أي ما بعد عملية الاستنباط.

وبعبارة أخرىٰ نبحث عن المبرِّر العقلائي والمنطقي لعملية الاجتهاد، فليس مقصودنا من العنوان لا المنطق الأوَّل الأرسطي ولا المنطق الخاص أي أصول الفقه، بل المقصود هو المبرِّر العقلائي للقيام بعملية الاجتهاد، نعم علم فلسفة الفقه بحاجة ماسة لمنطق الأرسطي شأنه في ذلك شأن باقي العلوم خصوصاً، وكونه علم يرتكز علىٰ التحليل والنقد لأُسس علم الفقه، إلَّا أنَّنا نحاول في فلسفة الفقه البحث عن المبرر المنطقي لهذه العملية وفي المقام ذكروا ثلاث نظريات نحاول أن نقف علىٰ كلِّ واحدة منها بالتفصيل.

النظرية الأولىٰ: المبرر المنطقي لعملية الاجتهاد هو الوصول إلىٰ التكليف الشرعي:

حيث يلعب مبحث (التكليف) دوراً محورياً في علم الأصول الفقهية، إذ إنَّ وجود التكليف الشرعي هو الذي يجعل للقواعد الفقهية حجيةً في حقِّ المكلف، وبالتالي يُبرِّر الاجتهاد في استخراج الأحكام وعليه يُعدّ النظر في نظرية التكليف باعتبارها أحد المبرّرات المنطقية للاجتهاد الفقهي أمراً لا غنىٰ عنه لأيِّ باحث يبحث في أُسس الاجتهاد.

في هذا البحث سنتناول (نظرية التكليف) ضمن ثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأوَّل: مفهوم التكليف وأهميته في الاجتهاد:

التكليف في اللغة: التكليف إلزام ما يشق إرادة الإنسانية عليه، وأصله في العربية اللزوم ومن ثم قيل: كلف بفلانة يكلف بها كلفاً إذا لزم حبها، ومنه قيل: الكلف في الوجه للزومه إيَّاه، والمتكلِّف للشيء الملزم به علىٰ مشقة وهو الذي يلتزم ما لا يلزمه(5).

أيضاً ومنه قوله تعالىٰ: ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: 86).

واصطلاحاً: هو الاعتبار والخطاب الصادر من المولىٰ، المتعلِّق بأفعال المكلّفين، من حيث الاقتضاء والتخيير(6).

وبعبارة أخرىٰ: التكليف إلزام شرعي يقع علىٰ المكلِّف، بخطاب الشارع، فعلاً أو تركاً، وهذا الإلزام إمَّا أن يرخص فيه الترك والفعل أو لا، لذلك قسم التكليف الشرعي إلىٰ خمسة أقسام:

1 – الوجوب: وهو الإلزام بالفعل.

2 – الحرمة: وهي الإلزام بالترك.

3 – الاستحباب: وهو الإلزام بالفعل مع الترخيص بالترك.

4 – الكراهة: وهي الإلزام بالترك مع الترخيص بالفعل.

5 – الإباحة: وهي ما كان فيها الإلزام والترك متساويان والمكلف بالخيار.

ووضعوا شروط لوجوب التكليف علىٰ الإنسان كالبلوغ والعقل والقدرة والحياة.

وأيضاً وضعوا شروط لنفس التكليف وهي أن لا يكون محال لذاته أو لغيره كما لو كان جاهل قاصر وأن يكون التكليف ممكناً لعامة المكلفين وأن يكون معلوماً لهم وغيرها.

المحور الثاني: الأدلة والمبرّرات المنطقية لنظرية التكليف:

لقد ذكر الفقهاء مجموعة من الأدلة علىٰ ذلك منها:

– يُستدل من الكتاب والسُنَّة بأنَّ الأوامر والنواهي موجَّهة للمكلّفين: ﴿وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ…﴾ (البيِّنة: ٥)، وهذا يدلّ علىٰ أنَّ الشارع خاطب المكلفين تكليفاً.

وإنَّ خطاب الشرع بالأمر أو النهي يؤكِّد أنَّ للتكليف وجوداً شرعياً حقيقياً، وكم من الآيات التي جاءت بلسان الأمر والنهي.

– روىٰ الشيخ الكليني بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْعَقْلَ، فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، وقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْكَ وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُثِيبُ وَبِكَ أُعَاقِبُ»(7).

أكَّدت الرواية علىٰ أنَّ العقل هو الحجة الباطنة لله علىٰ الناس، مكملاً للحجة الظاهرة وهم الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام).

والذي هو مناط التكليف والثواب والعقاب، وهو الأداة التي يميِّز بها الإنسان بين الصواب والخطأ، وبها يدرك المعارف الإلهية.

المحور الثالث: ارتباط التكليف بالاجتهاد واستمرارية التطبيق:

بما أنَّ الواقع يتغيَّر والسر في ذلك التغيُّر عوامل ثلاثة تكون مؤثِّرة علىٰ التكليف، أي الحكم وهي: (الموضوعات – الزمان – المكان).

فالموضوع هو ذلك الفعل أو الشيء الذي ينصب عليه الحكم وله تأثير كبير علىٰ الحكم الشرعي لدرجة أنَّ تغيُّر طبيعة الموضوع يؤدِّي إلىٰ تغير الحكم الشرعي فالعلاقة بين الموضوع والحكم علاقة وثيقة.

من هنا نجد أنَّ العلاقة بين التكليف والاجتهاد ليست علاقة عرضية، بل هي علاقة تأسيسية وحتمية لوجود الشريعة في الواقع.

ويمكن بيان هذه العلاقة من زاويتين:

الزاوية الأولىٰ: الاجتهاد كآلية لـ(فهم التكليف):

فالتكليف هو الخطاب الإلهي الذي يحتاج إلىٰ فهم لكي يتحوَّل إلىٰ (امتثال) أي (فعل لمكلَّف).

وهذا الفهم ليس متاحاً بيسر في كل المسائل.

فالتكاليف تنقسم إلىٰ قسمين:

1 – تكاليف قطعية: وهي واضحة الثبوت والدلالة (مثل وجوب الصلاة، حرمة القتل)، وهذه لا مجال للاجتهاد فيه أصلها، وإن كان الاجتهاد يدخل في تفاصيل تطبيقها.

2 – تكاليف ظنية: وهي غالب مادة الشريعة إمَّا لكون النص ظني الثبوت كأخبار الآحاد أو لكونه ظني الدلالة أي يحتمل أكثر من معنىٰ.

وهنا، يتدخَّل الاجتهاد كـ(أداة) لترجيح معنىٰ علىٰ آخر، وفهم مراد الشارع من هذا التكليف، ولولا عملية الاجتهاد لبقت هذه النصوص تكليفاً مجمداً لا يمكن للمكلف أن يعرف علىٰ وجه التحديد ما هو المطلوب منه.

الزاوية الثانية: الاجتهاد كآلية لتنزيل التكليف (تحقيق المناط):

تكمن عبقرية الشريعة في صلاحيتها لكلِّ زمان ومكان، وهذه الصلاحية لا تتحقَّق إلَّا عبر الاجتهاد.

وإن كانت الوقائع في الوجود غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهىٰ بما يتناهىٰ هذه الفجوة بين تناهي النصوص ولا تناهي الوقائع المستجدات الطبية، المالية، الاجتماعية لا يردمها إلَّا الاجتهاد، فالتكليف بحرمة الربا مثلاً، هو تكليف ثابت، ولكن الاجتهاد هو الذي يحدِّد ما إذا كانت المعاملة البنكية المستجدة (س) تندرج تحت هذا التكليف (أي هي ربا محرم) أم لا، وهذا ما يسمَّىٰ تحقيق المناط، وهو جوهر العلاقة بين التكليف والاجتهاد.

بل لا يتوقَّف الأمر عند كون الاجتهاد خادماً للتكليف، بل إنَّ العلاقة تتعمَّق ليصبح الاجتهاد تكليفاً بحد ذاته.

فهو فرض كفاية علىٰ مجموع الأُمَّة، بمعنىٰ أنَّه يجب علىٰ الأُمَّة أن تُفرز من بينها من هم أهل للاجتهاد لبيان التكاليف للناس، بل قد يتعيَّن أي يصبح فرض عين علىٰ شخص معيَّن إذا لم يوجد غيره.

خلاصة الدرس:

استعرض النص انتقال المنطق الأرسطي للفكر الإسلامي كأداة لضبط الاستدلال، وتطوره ليصبح (منطق الفقه) (علم الأصول) كما عبَّر الشهيد الصدر، منتقلاً لبيان (المنطق الداخلي) للاجتهاد ومبرره العقلائي المتمثل في (نظرية التكليف).

وعرّف التكليف بأنَّه خطاب الشارع (اقتضاءً أو تخييراً)، مبيناً أن الاجتهاد هو الآلية الحتمية لفهم هذا الخطاب وتنزيله علىٰ الواقع المتغير عبر (تحقيق المناط)، فبسبب محدودية النصوص ولا نهائية الوقائع، يبرز الاجتهاد كضرورة لسد الفجوة وضمان امتثال المكلف، مما يجعل العلاقة بين التكليف والاجتهاد علاقة تأسيسية لا غنىٰ عنها لاستمرار الشريعة.

الأسئلة:

1 – كيف تطوَّر مفهوم المنطق من كونه علماً فلسفياً دخيلاً إلىٰ أن أصبح يُطلق عليه (منطق علم الفقه) عند علماء الأصول كالشهيد الصدر؟

2 – ما المقصود بـ(المنطق الداخلي للاجتهاد) وفقاً للنص، وكيف يختلف في وظيفته عن المنطق الأرسطي العام؟

3 – عدَّد أقسام التكليف الخمسة، واشرح شروط التكليف العامة وتلك المتعلقة بنفس التكليف كما وردت في المبحث؟

4 – علل العلاقة التلازمية بين تناهي النصوص ولا تناهي الوقائع، وكيف يعالج الاجتهاد هذه الإشكالية عبر (تحقيق المناط)؟

الدرس (4):

الفصل الثاني: علاقة علم الفقه بباقي العلوم:

والذي سوف نتحدَّث فيه عن علاقة الفقه بالعلوم الإسلامية والإنسانية، ولكن قبل ذلك لابد أن نتعرف علىٰ أنواع العلاقات التي تربط العلوم بعضها مع بعض.

1 – العلاقة التأسيسية:

هي علاقة الأصل بالفرع في هذه العلاقة، يقدم علمٌ ما المبادئ الأولىٰ، أو الموضوع، أو المسلَّمات الأساسية والتي يقوم عليها علم آخر، ومع انهيار العلم الأوَّل الأصل، ينهار العلم الثاني الفرع أو يفقد مبرر وجوده.

2 – علاقة المقدمية:

وهي علاقة الأداة بالمستخدِم في هذه العلاقة، يقدم علمٌ ما المنهج أو الأدوات التي يحتاجها علم آخر ليعمل بشكل صحيح، العلم الأوَّل هنا هو علم آلي وليس علم غائي بالنسبة للثاني.

3 – العلاقة التوليدية:

هي علاقة التزاوج التي ينتج عنها مولود جديد، عندما يتقاطع علمان بشكل مكثف لحل إشكالية مشتركة، قد يتولَّد من هذا التقاطع (علم ثالث) مستقل له موضوعه ومنهجه الخاص.

4 – علاقة الاستعارة:

هي استعارة نموذج أو مصطلح، يقوم علم ما باستعارة نموذج تفسيري أو مصطلح من علم آخر يبدو أكثر نضجاً، ويستخدمه لشرح ظواهره الخاصة.

5 – العلاقة التفاعلية:

هي علاقة تأثير متبادل في هذه العلاقة، لا يوجد أصل وفرع واضحان، بل كلا العلمين في حوار مستمر؛ كل واحد منهما يؤثر في الآخر ويتأثَّر به، ويطرح عليه أسئلة، ويساعده في تطوير مناهجه.

6 – العلاقة النقدية:

هي علاقة المقيم والناقد، يقوم علم ما بدور الرقيب أو الناقد للمنطلقات والمناهج والنتائج التي توصل إليها علم آخر.

7 – علاقة الخدمة والتطبيق:

هي علاقة النظرية بالتطبيق يكون العلم الأوَّل نظرياً يقدم المبادئ، ويكون العلم الثاني تطبيقياً يخدم الأوَّل ويحوله إلىٰ ممارسة عملية.

المبحث الأوَّل: علاقة علم الفقه بالعلوم الإسلامية:

وهنا سوف نبحث علاقة علم الفقه بعلم الكلام وأصول الفقه والتفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه لأنَّ هذه العلوم هي العلوم الأساسية الداخلة في عملية الاجتهاد.

أوَّلاً: علاقة علم الفقه بعلم الكلام:

نهدف في هذا البحث إلىٰ تحليل العلاقة العميقة والجذرية بين علم الكلام (أصول الدين) وعلم الفقه (فروع الدين)، وبيان الكيفية التي يخدم بها الأوَّل الثاني، حيث نركِّز علىٰ إثبات فرضية مفادها أنَّ علم الكلام لا يؤثِّر في الفقه بشكل مباشر، بل بشكل تأسيسي ومنهجي عبر بوابته المنطقية المتمثلة في علم أصول الفقه يوضِّح البحث كيف أنَّ المبادئ العقدية للمجتهد تشكِّل مبادئه الأصولية، والتي بدورها تحدِّد مساره في عملية الاجتهاد الفقهي، والتي نخلص فيها إلىٰ أنَّ الاختلاف في الفروع الفقهية بين المدارس الإسلامية هو، في كثير من الأحيان، انعكاس لاختلاف أعمق في الأصول الكلامية.

1 – تحليل المفاهيم:

يُبنىٰ صرح المعرفة الإسلامية علىٰ علوم متكاملة، يخدم بعضها بعضاً، وفي قلب هذا البنيان، يبرز علمان محوريان علم الكلام، وهو العلم الباحث في أصول العقائد الدينية وإثباتها بالأدلة العقلية والنقلية، وموضوعه هو (المعتقد)، (كالتوحيد، والعدل، والنبوة)؛ وعلم الفقه، وهو العلم بـ(الأحكام الشرعية العملية) المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وموضوعه هو (فعل المكلف)، (كالوجوب والحرمة).

للوهلة الأولىٰ، يبدو العلمان متباعدين؛ فالأوَّل يبحث في (ما يجب أن نعتقد)، والثاني يبحث في (ما يجب أن نعمل).

ومن هنا، تنشأ إشكالية البحث المركزية: كيف يمكن لعلم الكلام، بطبيعته العقدية النظرية، أن يخدم علم الفقه، بطبيعته العملية التطبيقية، في أدق عملياته وهي (الاجتهاد)؟

يفترض هذا البحث أنَّ الخدمة ليست مباشرة، بل هي خدمة تأسيسية غير مباشرة، تتم عبر (علم أصول الفقه) الذي يمثل (منطق الاجتهاد)، فعلم الكلام يقدم (المبادئ التصديقية) التي يقوم عليها علم الأصول، والمباني الأصولية هي التي تحدِّد، في نهاية المطاف، الفتاوىٰ الفقهية.

2 – الخدمة التأسيسية (علم الكلام كمبادئ لعلم الأصول):

تتجلَّىٰ الخدمة الكبرىٰ لعلم الكلام في كونه علم الأصول الأعلىٰ (أو مبادئ علم الأصول)، فهو الذي يثبت حجية المصادر التي يعتمد عليها الفقيه في اجتهاده.

أ – إثبات حجية المصادر (من يشرّع؟):

قبل أن يبدأ الفقيه عملية الاستنباط من (القرآن) أو (السنة)، هو بحاجة إلىٰ إثبات أن هذه المصادر (حجة) وملزمة، هذا الإثبات ليس فقهياً بطبيعته، بل هو كلامي بامتياز.

1 – إثبات المشرِّع حيث يبدأ علم الكلام بإثبات وجود الله (الواجب)، وصفاته الكمالية كالحكمة.

2 – إثبات النبوة والعصمة حيث يثبت علم الكلام النبوة وضرورتها، والأهم من ذلك، يثبت (عصمة النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)) في التلقي والتبليغ علىٰ أقل التقدير.

والذي بناءً علىٰ ثبوت العصمة كمبحث كلامي، حيث يثبت علم الأصول (حجية السنة)، (قول النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) وفعله وتقريره) كمصدر قطعي للتشريع، لولا هذا الأساس الكلامي، لانهارت حجية السنة كمصدر للاجتهاد، وتحول الفقه إلىٰ مجرَّد تحليل لنص قرآني محدود.

ب – تحديد صفات المشرِّع (كيف يشرّع؟):

إنَّ الصفات الإلهية التي يثبتها علم الكلام (كالعدل والحكمة) ترسم إطاراً حاكماً لعملية الاجتهاد وتحدِّد (روح التشريع).

1 – عقيدة العدل الإلهي، إنَّ الإيمان بأنَّ الله عادل وهذا يستلزم أنَّه لا يظلم ولا يكلف فوق الطاقة.

2 – عقيدة قبح العقاب بلا بيان، الذي يترتب علىٰ العدل الإلهي كقاعدة عقلية أصولية كبرىٰ فالعقل يحكم بقبح معاقبة الجاهل الذي لم يصله التكليف، لأنَّ ذلك ظلم، والله منزَّه عنه.

3 – عقيدة الحكمة الإلهية أنَّ الإيمان بأنَّ الله حكيم وأنَّ أفعاله معللة يفتح الباب للبحث عن (المصالح والمفاسد) الكامنة وراء الأحكام وهوم بحث أصولي.

3 – الخدمة المنهجية (تحديد أدوات الاجتهاد):

لا يقتصر دور علم الكلام علىٰ (تأسيس) المصادر، بل يمتد ليحدِّد (الأدوات) المنهجية التي يحق للمجتهد استخدامها، وهنا يظهر أثر الخلاف الكلامي جلياً في الخلاف الفقهي.

أ – التحسين والتقبيح العقليان (دور العقل):

تُعد هذه المسألة أوضح مثال علىٰ الأثر الكلامي.

السؤال هو: هل العقل البشري قادر علىٰ إدراك الحسن والقبح الخير والشر بشكل مستقل عن ورود النص الشرعي؟

إنَّ الموقف الكلامي العدلية المعتزلة والشيعة الإمامية الذي تبنىٰ (التحسين والتقبيح العقليين الذاتيين)، أي أنَّ العقل يدرك استقلالاً أنَّ (العدل حسن) و(الظلم قبيح).

والذي ترتّب علىٰ هذا الموقف الكلامي اعتبار (العقل) مصدراً من مصادر التشريع إلىٰ جانب الكتاب والسنة، وتأسيس باب (المستقلات العقلية) في علم الأصول.

هذا يمنح المجتهد أداة اجتهادية قوية لملء مساحات الفراغ التي لم يرد فيها نص.

ب – الإمامة (توسيع مصادر التشريع):

تُظهر عقيدة الإمامة في المدرسة الشيعية كيف أنَّ مبحثاً كلامياً بحتاً يعيد رسم خريطة المصادر الفقهية بالكامل.

حيث تثبت عقيدة الإمامة (العصمة) للإمام المنصوب من الله، وتعتبره امتداداً للنبوة في حفظ الشريعة وبيانها، هذا المبحث الكلامي يخلق مصدراً تشريعياً جديداً في علم الأصول، وهو سُنَّة المعصوم وبه تتوسَّع مصادر الاجتهاد الفقهي لتشمل روايات الأئمة (عليهم السلام) كمصدر تشريعي مساوٍ لروايات النبي، هذا يؤدِّي إلىٰ اختلاف جذري في الفروع الفقهية بين المدارس التي تقبل بهذه العقيدة وتلك التي لا تقبل بها.

خلاصة الدرس:

يتناول الدرس علاقة علم الفقه بالعلوم الأخرىٰ، مُصنِّفاً أنواع هذه العلاقات إلىٰ سبعة أنماط (تأسيسية، مقدمية، توليدية، استعارة، تفاعلية، نقدية، وتطبيقية).

ويركِّز المبحث الأوَّل علىٰ علاقة الفقه بعلم الكلام، موضِّحاً أنَّها علاقة تأسيسية غير مباشرة تمر عبر بوابة علم أصول الفقه، فبينما يبحث الكلام في المعتقدات، يبحث الفقه في أفعال المكلفين، ويقوم علم الكلام بتقديم (المبادئ التصديقية) التي تُثبت حجية مصادر التشريع (كالقرآن والسنة) بناءً علىٰ إثبات وجود المشرّع وحكمته وعصمة الأنبياء.

كما يؤثِّر الخلاف الكلامي في الأدوات المنهجية للمجتهد، مثل دور العقل في (التحسين والتقبيح) وتوسيع مصادر التشريع لتشمل (سُنَّة المعصوم) بناءً علىٰ عقيدة الإمامة.

الأسئلة:

1 – ما هي أنواع العلاقات السبع التي تربط العلوم ببعضها كما ورد في النص؟

2 – كيف يخدم علم الكلام علم الفقه من الناحية التأسيسية والمنهجية؟

3 – لماذا يُعد إثبات (حجية المصادر)، (كالقرآن والسنة) مبحثاً كلامياً وليس فقهياً؟

4 – ما هو دور صفتي (العدل والحكمة) الإلهية في تحديد مسار عملية الاجتهاد الفقهي؟

5 – كيف أثر الموقف الكلامي من (التحسين والتقبيح العقليين) علىٰ اعتبار العقل مصدراً للتشريع؟

6 – بين أثر عقيدة (الإمامة) في توسيع مصادر الاجتهاد الفقهي لدىٰ المدرسة الشيعية؟

 

 

الهوامش:


(1) المقرر: ج1، ص57.

(2) نقض المنطق مدرج في مجموع الفتاوىٰ: ج9، ص5.

(3) معالم جديدة في علم الأصول: ص14.

(4) راجع المستصفىٰ: ص10 وما بعدها.

(5) الفروق اللغوية: ص139.

(6) مصباح الأصول: ج3، ص78.

(7) الكافي: ج1، ص21.

Edit Template
Scroll to Top