آداب طالب العلم في الصرح الأكاديمي

آداب طالب العلم في الصرح الأكاديمي

المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ نبيِّنا محمد وآله الطاهرين.

ونحن علىٰ مقربة من بدء العام الدراسي الجديد، أحببت أن أكتب هذا المقال، والغرض منه بيان بعض الآداب والسلوكيات الخاصة بطلاب العلم الأكاديمي.

فليست المدرسة، أو الجامعة، أو المعهد، إلَّا حاضنات تعليمية وتربوية كبرىٰ، يرتقي من خلالها الإنسان بفكره وعقله، ويصوغ بها معالم هويته الحضارية.

فالثقافة والعلم جمالٌ يسعىٰ إليه كل إنسان واعٍ، والمؤسسات الأكاديمية مطالبة بأن تُخرِّج طاقاتٍ بشرية تمتلك فكراً ناضجاً، قادراً علىٰ مواكبة متطلبات الحياة والمساهمة في بناء الأوطان وازدهارها.

ولأنَّ هذه المرحلة تمثِّل مرحلة بناء الشخصية والسلوك، لا مجرد جمع المعلومات، فإنَّ تحلِّي الطالب بالأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة داخل المدرسة أو المعهد أو الجامعة يُعدّ أمراً أساسياً؛ ليكون علمه نافعاً، ومعرفته مثمرة، وحضوره في المجتمع إيجابياً ومباركاً.

التمهيد:

إنَّ العلم نور، والجهل ظلام؛ وهذه العبارة كثيراً ما نراها مكتوبة علىٰ جدران المدارس، وهي عبارة مستوحاة من مجموع الآيات والروايات التي أكَّدت أهمية العلم والتعلُّم، وضرورة رفع الجهل، وأن يكون المسلم ذا ثقافة ووعي.

وقد أكَّد القرآن الكريم منزلة العلم وفضل أهله، فقال تعالىٰ:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9).

وقال سبحانه وتعالىٰ:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76).

وقال جلَّ في علاه:

﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: 247).

وقال تبارك وتعالىٰ:

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4 عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 3-5).

وقد أكَّدت الروايات الشريفة كذلك أهمية طلب العلم، فعن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال:

«اطلبوا العلم ولو بالصين، فإنَّ طلب العلم فريضة علىٰ كلِّ مسلم»(1).

ولا شكَّ أنَّ من أشرف العلوم وأعظمها العلوم الدينية الشرعية؛ لما لها من أثر في هداية الإنسان ونجاته، إلَّا أنَّ طلب العلم الأكاديمي أيضاً أمر ضروري ومهم للغاية، فلا يمكن لعجلة الحياة أن تستمر وتتطوَّر إلَّا بمواكبة العلم، والاستفادة من الخبرات، وتحصيل المعارف التي تسهم في بناء الإنسان والمجتمع والوطن.

وقد عبَّر الشعراء عن منزلة العلم وأثره في بناء الأُمم، فقال الشاعر:

العلمُ يَبني بُيوتاً لا عِمادَ لها * * * والجهلُ يُفني بُيوتَ العِزِّ والكرمِ

وقد أولىٰ الإسلام العلم منزلةً عظيمة، ولم يجعل الغاية منه مجرَّد تحصيل المعلومات، بل أراد للعلم أن يصنع إنساناً واعياً، مهذباً، نافعاً لنفسه ومجتمعه.

ومن هنا، اعتمدت في هذا المقال علىٰ ذكر مجموعة من الآداب والأمور التي تنفع الطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات، لأنَّ طالب العلم لا يُقاس بما يحمله من معلومات فحسب، وإنَّما بما يظهر في شخصيته من أدب، وفي تعامله من احترام، وفي سلوكه من وعي ومسؤولية.

فالعلم الحقيقي هو الذي ينعكس علىٰ صاحبه علماً وأدباً، ومعرفةً وسلوكاً، ويجعله أكثر نفعاً لمجتمعه ووطنه.

وأسأل المولىٰ (عزَّ وجلَّ) أن يتقبَّل منَّا، وأن ينفع بهذا الجهد أبناءنا الطلبة، وأن يوفقهم في مسيرتهم العلمية، ويجعل العلم طريقاً لبناء الإنسان وخدمة المجتمع.

أوَّلاً: البُعد الغائي والتأسيس العبادي لطلب العلم:

ينبغي للطالب أن يستحضر النية الصالحة في ذهابه اليومي إلىٰ رحاب الدراسة والعلم، ليجعل طلبه للعلم عبادةً وقربةً إلىٰ الله تعالىٰ، لا مجرَّد تحصيلٍ للشهادة أو بلوغٍ لمكانةٍ اجتماعية.

1- تجريد النيَّة وجعل الدراسة عبادة:

ينبغي للطالب أن يجعل خطوته اليومية نحو صرحه التعليمي خالصةً لله تعالىٰ، قاصداً التعلُّم لرفع الجهل وخدمة المجتمع، متجاوزاً حصر الهدف في نيل الشهادة أو المظهر الاجتماعي الفاني؛ تفعيلاً للوصية النبوية الشريفة لأبي ذر (رضي الله عنه): «يا أبا ذر، ليكن لك في كل شيء نية حتَّىٰ في النوم والأكل»(2).

2- المحافظة علىٰ الصلوات في مواقيتها:

يمثِّل تنظيم الوقت لإقامة الصلاة في أوقاتها داخل الحرم الجامعي سرَّ التوفيق والبركة والنجاح؛ امتثالاً للأمر الإلهي:

﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: 103).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كل شيء من عملك تبعٌ لصلاتك»(3).

فالطالب الرسالي يبرز صدق انتمائه وهدوء نفسه عند نداء الحق؛ لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة»(4).

ثانياً: فقه التعامل مع الأستاذ والمعلِّم:

الأستاذ هو الركيزة الأساسية في بناء الفرد معرفياً وقيمياً، وحفظ هيبته وتوقيره واجب أخلاقي أصيل:

1- التواضع والتوقير وملازمة الأدب:

من سمات طالب العلم المخلص التواضع لمن يستقي منه المعرفة؛ لقول النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله): «تواضعوا لمن تعلِّمونهم العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم»(5).

ورسم الإمام زين العابدين (عليه السلام) ملامح هذه الصلة في (رسالة الحقوق) بقوله: «حق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه»(6).

وهذا التوقير ممتد خارج القاعات الدراسية أيضاً؛ تفعيلاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا»(7).

وهو ما صاغه الشاعر بأبياته الخالدة:

قم للمعلّم وفِّه التبجيلا * * * كاد المعلِّم أن يكون رسولاً

2- منهجية التغافل عن الهفوات:

إنَّ رتبة الأستاذ البشرية تجعله عرضة للخطأ غير المقصود أو السهو، وهنا يقتضي الأدب الرفيع التغافل، والامتناع التام عن السخرية، أو التعليق المتهكم، أو الإحراج أمام الزملاء، صيانةً لمكانة العلم وهيئة القدوة.

ثالثاً: الانضباط الأكاديمي والوقار السلوكي:

يتجلَّىٰ الالتزام الأخلاقي للطالب في سلوكه العملي المنضبط وحرصه الفائق علىٰ استثمار الوقت:

1- الجدية والاجتهاد في الحضور:

المبادرة بالوصول المبكر للمحاضرات والالتزام التام بالوقت يعكسان رسوخ الاحترام للعلم والتقدير لجهد المعلم، وتدوين المعلومات اليومية يرسِّخ الفائدة ويمنع تبدُّد الطاقات.

2- حسن الإصغاء وأدب الحديث:

حصر الذهن مع الشرح والابتعاد عن المشتِّتات والجانبيات أثناء إلقاء المادة تعظيماً لحرمة الدرس، وإذا استدعىٰ الأمر حواراً أو نقاشاً، فيكون بالهدوء، والوقار، وخفض نبرة الصوت، والابتعاد عن الجدل العقيم أو الاستعراض الفكري.

رابعاً: العفة الاجتماعية وصيانة العلاقات البيئية:

تضم البيئة الجامعية والمدرسية مجتمعاً مصغراً من الجنسين، والوقاية السلوكية تتطلَّب انضباطاً صارماً في صياغة العلاقات:

1- الالتزام بالحدود الشرعية:

الحذر التام من الانزلاق نحو العلاقات العشوائية غير المنضبطة التي تحيد بالطالب عن هدفه العلمي والتربوي الأساس، وتستهلك طاقته النفسية والعقلية في متاهات تؤدِّي إلىٰ نتائج سلبية تؤثِّر في مستقبله.

2- الاحترام والزمالة الهادفة:

تأطير التعامل المشترك بين الطلاب والزملاء في حدود الاحترام المتبادل، والتعاون الفكري النافع، وجعل المحور الأساسي هو بناء الكفاءة العلمية وبناء الذات، وتجنُّب الفضول ومواطن الشبهات.

الخاتمة:

إنَّ الجامعة في جوهرها الرسالي ليست مجرَّد محطَّة عابرة لنيل ورقة الشهادة، بل هي مصنع حقيقي لصناعة الإنسان الواعي أخلاقياً، وفكرياً، وإنسانياً.

وكلَّما سما الطالب في أدبه، وتواضعه لأساتذته، وانضباطه في قاعاته، ومحافظته علىٰ فرائضه وعفَّته، تحول علمه من مجرَّد سطور محفوظة إلىٰ نور يضيء جنبات حياته ومستقبله، وغدا عنصراً فاعلاً وبناءً يرفد مجتمعه ببركات المعرفة المقترنة بالتقوىٰ.

 

 

 

الهوامش:


(1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 1، ص 180.

(2) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج 1، ص 48.

(3) نهج البلاغة الرسائل: 27.

(4) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج 4، ص 114.

(5) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 2، ص 41.

(6) ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ص 264.

(7) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 72، ص 138.

Scroll to Top