الردود العلمية المنهجية على المباني الفكرية للشبهات على المناهج العلمية الدينية

الردود العلمية المنهجية على المباني الفكرية للشبهات على المناهج العلمية الدينية

الردود العلمية المنهجية علىٰ المباني الفكرية للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية

السيد أحمد الاشكوري

مقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.

إنَّ البحث في المناهج العلمية الدينية لا ينفصل عن البحث في الأُسس المعرفية التي يقوم عليها فهم الدين واستنباط معارفه؛ إذ إنَّ سلامة المنهج تمثِّل المدخل الأساس لحفظ دقة الفهم، وتمييز المعارف الأصيلة عن التصوُّرات الطارئة التي قد تنشأ نتيجة الخلط بين النص الديني وتاريخ تلقيه، أو بين حقيقة المفهوم وتطبيقاته المتغيِّرة.

وقد شهد الفكر المعاصر بروز جملة من الإشكالات التي تناولت طبيعة المعرفة الدينية، وطريقة فهم النصوص، وحدود دور القارئ والسياق التاريخي في تشكيل الدلالة، حتَّىٰ انتهىٰ بعضها إلىٰ القول بنسبية الفهم الديني، أو اعتبار المفاهيم الدينية نتاجاً خاضعاً للتحوُّلات الزمانية والمكانية بصورة تفقدها ثباتها وأصالتها.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه المباني الفكرية وتحليلها؛ للكشف عن مدىٰ انسجامها مع طبيعة الخطاب الديني، وبيان ما تحمله من نقاط قوة أو مواطن إشكال، مع التأكيد علىٰ ضرورة التمييز بين دور التاريخ في كشف المعنىٰ وتحديد المصاديق، وبين جعله منشئاً للمعنىٰ ومصدراً مستقلاً للدلالة.

ويهدف هذا البحث إلىٰ تناول جملة من المباني الفكرية التي تقوم عليها بعض الشبهات المرتبطة بالمناهج العلمية الدينية، ثم بيان الأجوبة العلمية عنها من خلال اعتماد رؤية تقوم علىٰ حفظ العلاقة بين ثبات النص وقدرة المنهج علىٰ التعامل مع المتغيِّرات، بحيث لا يكون التجديد هدماً للأصول، ولا الجمود إلغاءً لحركة الفهم والاجتهاد.

كما يسعىٰ البحث إلىٰ إبراز أنَّ التعامل المنهجي مع الدين يحتاج إلىٰ الجمع بين عمق النظر في النص، ودقة تحليل المفاهيم، والوعي بحدود التأثيرات التاريخية والحضارية، بما يحقِّق فهماً منضبطاً يحفظ أصالة المعارف الدينية ويستجيب في الوقت نفسه لمقتضيات البحث العلمي.

ذكرنا في البحث السابق الموسوم بـ(المباني الفكرية للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية) تسعة من المباني الفكرية للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية.

وصل الدور للردود علىٰ تلك المباني.

أوَّلاً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الأوَّل للشبهات حول المناهج العلمية الدينية:

أوَّلاً: أصل الشبهة وصياغتها العلمية:

تقوم الشبهة علىٰ مقدّمة نسبية الفهم الديني، ومفادها: أنَّ فهم النص الديني لا ينفصل عن القارئ وشروطه المعرفية والتاريخية والثقافية والنفسية، وعن الزمان والمكان والبيئة التي يتمّ فيها التلقي؛ ومن ثمَّ فليس للنص معنىٰ ثابت يُدرك بصورة واحدة ونهائية، بل يتشكَّل معناه في عملية التفاعل بين النص والقارئ وسياق القراءة.

الأمر الذي يفضي إلىٰ تعدُّد القراءات والتفسيرات بتعدُّد القرّاء، والأُفق المعرفي الذي ينطلقون منه.

وتتأسَّس الشبهة علىٰ الانتقال من هذه المقدّمة إلىٰ ثلاث نتائج:

1- تعدُّد المعاني أو الدلالات الممكنة للنص.

2- تعدُّد القراءات والتفسيرات للنص الديني.

3- النسبية المعرفية والمنهجية، بما قد ينتهي إلىٰ نفي إمكان الوصول إلىٰ فهم موضوعي ملزم للنص.

وهنا ينبغي التنبيه منذ البداية إلىٰ أنَّ هذه النتائج ليست مترادفة؛ بل الانتقال من الأولىٰ إلىٰ الثانية، ومن الثانية إلىٰ الثالثة، يحتاج إلىٰ أدلة مستقلة، وهذه هي نقطة الضعف المركزية في بناء الشبهة.

ثانياً: المحذور الأوَّل: دعوىٰ تعدُّد المعنىٰ:

1- تقرير المحذور: إذا كان فهم النص متأثِّراً بالقارئ وبيئته التاريخية والمعرفية، فقد يقال: إنَّ النص الواحد لا يمتلك معنىٰ محدَّداً ثابتاً، بل يمكن أن ينتج معاني متعدِّدة تبعاً لاختلاف القرّاء وسياقاتهم، وهذا يؤدِّي -بحسب الشبهة- إلىٰ أنَّ وحدة اللفظ لا تستلزم وحدة المعنىٰ، وأنَّ اختلاف الفهم يكشف عن تعدُّد المعنىٰ ذاته.

2- الجواب: هذا الاستنتاج يخلط بين المعنىٰ في نفسه، والمعنىٰ المدرك من قبل القارئ.

والتحقيق يقتضي التفكيك بين ثلاثة أمور:

أ- دلالة النص في مقام الإثبات.

ب- عملية فهم القارئ لهذه الدلالة.

ت- النتيجة التي ينتهي إليها القارئ في مقام التفسير.

فوجود اختلاف في الفهم لا يساوي عقلاً وجود اختلاف في المدلول الواقعي للنص.

3- الفرق الجوهري: يمكن أن يكون لدينا معنىٰ واحد موضوعي، وله قراءات متعددة، كما يمكن أن يكون: نص ذو دلالات متعدِّدة حقيقية، وقراءات متعدِّدة.

لكن لا يصح الانتقال من تعدُّد القراءات إلىٰ تعدُّد المعاني الواقعية، إلَّا بإقامة دليل.

4- أثر السياق والزمان والمكان: نعم، الزمان والمكان والبيئة المعرفية تؤثِّر في عملية الكشف عن المعنىٰ، لكنَّها لا تستلزم أنَّها تنشئ المعنىٰ، وهذه نقطة منهجية بالغة الأهمية: فإنَّ السياق قد يكون كاشفاً عن المراد، لا خالقاً له.

فالفرق كبير بين القول: (يتأثَّر فهمنا للنص بالسياق).

وبين القول: (يتغيَّر معنىٰ النص بتغيُّر السياق).

الأوَّل: قضية معرفية يمكن قبول أصلها، أمَّا الثاني: فهو دعوىٰ أنطولوجية في حقيقة المعنىٰ، ولا تثبت بمجرد اختلاف القراءات.

5- النتيجة إذن: تعدُّد الفهم لا يساوق تعدُّد المعنىٰ، وتعدُّد التفسير لا يثبت بالضرورة تعدُّد المراد الواقعي، وهذا يهدم الحلقة الأولىٰ من الاستدلال النسبي.

ثالثاً: المحذور الثاني: دعوىٰ تعدُّد القراءات:

وهذا هو المستوىٰ الأقوىٰ في الشبهة؛ لأنَّ تعدُّد القراءات واقع مشاهد فعلاً، ولا يصح إنكاره، لكن محل النزاع ليس: هل توجد قراءات متعدِّدة؟ بل: ما هي طبيعة هذا التعدُّد؟ وهل هو تعدُّد منضبط أم تعدُّد مفتوح بلا معيار؟

  1. التسليم بأصل التعدُّد:

يمكن التسليم بأنَّ النص القرآني الواحد قد أنتج عبر التاريخ:

أ- قراءات لغوية متعدِّدة.

ب- اتِّجاهات تفسيرية متعدِّدة.

ت- مباني أصولية مختلفة.

ث- نتائج فقهية مختلفة، لكن هذا لا يعني صحة جميع القراءات.

  1. التمييز بين نوعين من التعدُّد:

ينبغي التفريق بين:

أ- التعدُّد المنضبط: وهو اختلاف المجتهدين في تعيين المراد اعتماداً علىٰ: (اللغة، الظهور، السياق، القرائن، الجمع بين الأدلة، قواعد الأصول، مباني حجية الخبر، قواعد التخصيص والتقييد، مناسبات الحكم والموضوع، القرائن العقلائية والشرعية. وهذا هو التعدُّد الموجود في المدرسة الإمامية بين المجتهدين.

ب- التعدُّد النسبي المفتوح: وهو القول بأنَّ: كل قارئ ينتج معنىٰ مشروعاً بمجرَّد اختلاف أُفقه المعرفي أو الثقافي، ولا يوجد معيار موضوعي يمكن به تمييز القراءة الصحيحة من غيرها. وهذا ليس لازماً من تعدد القراءات، بل هو دعوىٰ إضافية تحتاج إلىٰ إثبات.

3- النقطة الحاسمة:

وجود الاختلاف بين المجتهدين لا يعني انهيار الموضوعية؛ ذلك لأنَّ: الاختلاف في تطبيق المعيار لا يساوي عدم وجود المعيار، فالفقهاء قد يختلفون في دلالة رواية واحدة، ولكنهم لا يقولون عادةً: (كل ما فهمه القارئ فهو حجة)، بل يتحاكمون إلىٰ منظومة من الضوابط المشتركة.

4- المثال الفقهي:

اختلاف الفقهاء في:

أ- إطلاق النص وتقييده.

ب- حمل المطلق علىٰ المقيد.

ت- التعارض والجمع العرفي.

ث- حجية خبر الواحد.

ج- دلالة الأمر.

ح- مفهوم الشرط.

خ- القرائن المتصلة والمنفصلة.

لا يعني أنَّ النص بلا معنىٰ موضوعي، وإنَّما يعني أنَّ طريق الوصول إلىٰ المراد قد يكون اجتهادياً، وهنا يجب التفريق بين: موضوعية المراد، ويقينية إدراك المراد، فقد يكون المراد واحداً، لكن لا يحصل جميع الباحثين عليه بدرجة واحدة من اليقين.

رابعاً: المحذور الثالث: النسبية:

وهذا هو أخطر انتقال في الشبهة؛ لأنَّه يحوِّل تعدُّد القراءات من ظاهرة معرفية إلىٰ نتيجة فلسفية، والنسبية المذكورة في النص المصوَّر تحتاج إلىٰ تفكيك إلىٰ ثلاثة مستويات:

  1. النسبية الواقعية أو الأنطولوجية: ومفادها: أنَّ الواقع نفسه غير ثابت، وأنَّ الحقيقة تتغيَّر بتغيُّر الأشخاص والأوضاع والسياقات، وهذا لا يثبت بمجرَّد اختلاف القراءات، بل يلزم البرهنة علىٰ أنَّ: اختلاف المدركين يستلزم اختلاف المدرك في نفسه، وهو غير صحيح؛ إذ يمكن أن يكون: الواقع واحداً، والمدارك مختلفة. فالاختلاف بين الخرائط لا يستلزم تعدُّد الجغرافيا، والاختلاف في تشخيص الواقع لا يعني أنَّ الواقع نفسه متعدِّد بحسب الأشخاص.

النتيجة: النسبية المعرفية لا تستلزم النسبية الأنطولوجية.

  1. النسبية المعرفية: ومفادها: أن معرفة الإنسان بالحقيقة تتأثَّر بأدواته ومقدماته وظروفه المعرفية.

وهذه القضية -في أصلها- لا تساوي السفسطة ولا النسبية المطلقة، بل ينبغي التفريق بين:

أ- محدودية المعرفة: وهي أمر معقول؛ إذ الإنسان قد يخطئ في فهم النص.

ب- نسبية الحقيقة: وهي دعوىٰ أخرىٰ، مؤدَّاها أنَّ الحقيقة نفسها تتعدَّد بتعدُّد العارفين.

فالقول: (قد أخطئ في فهم النص)، لا يستلزم: (لا يوجد فهم صحيح للنص).

وهذه من أهم النقاط التي ينبغي إبرازها في البحث.

  1. النسبية المعيارية أو المنهجية: وهي الأخطر في البناء؛ لأنَّها تقول -بصورة ضمنية-: إذا كان كل فهم مرتبطاً بأُفق القارئ، فلا توجد قواعد فوق القراءات يمكن أن تحاكمها.

والجواب: أنَّ كون القارئ حاضراً في عملية الفهم لا يعني سقوط المعايير الموضوعية للفهم، بل يمكن أن تكون عملية الفهم ذات عنصر ذاتي، ومع ذلك تكون مقيَّدة بمعايير موضوعية. مثلاً: لا يجوز إلغاء دلالة لغوية ثابتة لمجرَّد رغبة القارئ. وهكذا لا يصح تجاهل القرينة الصريحة. ولا يصح جعل الخاص عاماً بلا دليل. ولا يصح رفع اليد عن الظهور بلا قرينة. وأيضاً لا يصح اعتبار كل معنىٰ محتمل معنىٰ مراداً. فوجود دور للقارئ في عملية التفسير لا يساوي أنَّ القارئ هو منشئ الحقيقة التفسيرية.

خامساً: المغالطة المركزية في المبنىٰ كله:

يمكن صياغة الخلل المنطقي في الشبهة في سلسلة واحدة:

1- اختلاف القرّاء.

2- اختلاف الفهم.

3- تعدُّد القراءات.

4- نسبية المعرفة.

5- تعدُّد الحقيقة.

6- سقوط المعيار الموضوعي.

وهذه السلسلة غير متَّصلة برهانياً.

لأنَّ الانتقال الأوَّل: من اختلاف القراء إلىٰ اختلاف الفهم، قد يصح.

الانتقال الثاني: من اختلاف الفهم إلىٰ تعدُّد القراءات، يصح بالمعنىٰ الوصفي.

أمَّا الانتقال الثالث: من تعدُّد القراءات إلىٰ نسبية المعرفة، فليس ضرورياً.

والانتقال الرابع: من النسبية المعرفية إلىٰ تعدُّد الحقيقة، باطل منطقياً.

والانتقال الخامس: من تعدُّد الحقيقة إلىٰ سقوط المعايير، يحتاج إلىٰ بناء فلسفي مستقل.

إذن الشبهة ليست في إثبات تعدُّد القراءات، وإنَّما في تحويل هذا التعدُّد من حقيقة معرفية إلىٰ نسبية أنطولوجية ومنهجية مطلقة.

سادساً: الجواب النهائي المركز علىٰ المبنىٰ الأوَّل.

يمكن صياغة الرد في الرسالة بهذه الصورة:

إنَّ تعدُّد القراءات للنص الديني لا يستلزم تعدُّد معانيه الواقعية، كما أنَّ اختلاف المتلقِّين في إدراك المراد لا يستلزم نسبية الحقيقة؛ إذ لابدَّ من التمييز بين النص، ومدلوله، وفعل القراءة، والنتيجة التفسيرية.

فالاختلاف قد ينشأ من تفاوت القرّاء في امتلاك القرائن أو في تطبيق القواعد، مع بقاء المراد الواقعي للنص واحداً.

كما أنَّ تأثُّر الفهم بالسياق التاريخي والمعرفي لا يعني أنَّ السياق منشئ للمعنىٰ، بل قد يكون مؤثِّراً في كيفية الكشف عنه، ومن ثم فإنَّ أقصىٰ ما تثبته ظاهرة تعدُّد القراءات هو إمكان اختلاف الفهم، لا نسبية الحقيقة ولا سقوط المعايير الموضوعية(1).

ثانياً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الثاني للشبهات حول المناهج العلمية الدينية:

يرتكز الرد علىٰ خمس طبقات مترابطة:

1- الرد الأنطولوجي.

2- الرد الأبستمولوجي.

3- الرد اللغوي.

4- الرد الأصولي.

5- الرد التفسيري.

أوَّلاً: الجواب الأنطولوجي: التاريخ ليس علة للمعنىٰ:

أخطأت النظرية حين جعلت الزمان جزءاً من ماهية المعنىٰ.

وينبغي التفريق بين:

1- ظرف الوجود.

2- مقوم الحقيقة.

فكما أنَّ نزول المطر في يوم معيَّن لا يجعل ذلك اليوم جزءاً من حقيقة الماء، كذلك نزول الآية في ظرف معيَّن لا يجعل ذلك الظرف جزءاً من حقيقتها الدلالية، بل العلاقة هي: كون الزمان وعاء الصدور وظرفه لا مقومه.

ثانياً: الجواب الأبستمولوجي: الخلط بين المعرفة والمعروف:

وقعت الشبهة في مغالطة دقيقة خلطت بين: كيفية وصولنا إلىٰ المعنىٰ، وبين نفس المعنىٰ.

نعم نحتاج إلىٰ: (أسباب النزول، القرائن، الظروف)، لكن الحاجة إلىٰ الوسيلة لا تعني أنَّ الموضوع متغيِّر، وهذا نظير الاحتياج إلىٰ الضوء لرؤية الشيء، فإنَّ الضوء ليس جزءاً من ماهية الشيء، فرق بين الكاشف والمنكشف.

ثالثاً: الجواب اللغوي الظهوري: الظهور انعقاد عرفي لا تاريخي:

المتكلِّم حين يخاطب باللغة يعتمد: (الوضع، والاستعمال، وقوانين التخاطب)، وهذه قوانين عقلائية عامة. فالقول: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)، ليس خطاباً مرتبطاً بعقد المدينة المنورة، بل بجامع مفهوم العقد. ولو كان التاريخ مقوّماً للدلالة لما أمكن فهم أي كتاب قديم. وهذا يؤدِّي إلىٰ انهيار أصل التواصل الإنساني.

رابعاً: الجواب الأصولي: الأصل في الخطاب هو الإطلاق:

الأصوليون يقرِّرون: أنَّ الإطلاق ينعقد عند عدم القرينة.

ولا يقررون: الإطلاق يزول بمجرَّد تغيُّر الزمان، بل تغيّر الزمان لا يكون قرينة إلَّا إذا كشف عن تغيُّر الموضوع.

وهذا فارق بالغ.

مثال: تحريم الربا. هل تغيّر النظام المصرفي يرفع الحكم؟

الأصولي يقول: إن بقي عنوان الربا بقي الحكم. وإن تبدّل الموضوع بحث في الموضوع لا في تاريخية النص. ثمرة مهمة: التاريخية تريد إسقاط الحكم.

خامساً: الجواب التفسيري: القرآن نفسه ينفي تاريخية رسالته:

بتصريح: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (سبأ: 28)، فالكافة وصف للرسالة لا لجيل معيَّن.

وكذلك قوله تعالىٰ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرىٰ لِلْعالَمِينَ﴾ (الأنعام: 90).

والعالمون جمع يتجاوز عصر النزول. وهذه النصوص تؤسِّس لعالمية الدلالة.

ويمكن إقامة برهان مركَّب من عدَّة مقدمات:

المقدمة الأولىٰ: كل خطاب عقلائي يقصد الإفهام.

المقدمة الثانية: الإفهام لا يتحقَّق إلَّا بثبات قواعد الدلالة.

المقدمة الثالثة: لو كانت الدلالة رهينة التاريخ لبطلت إمكانية الفهم بعد تغيُّره.

المقدمة الرابعة: القرآن يحتج علىٰ جميع الأجيال.

النتيجة: لا يمكن أن تكون تاريخية الدلالة أصلاً عاماً.

ويمكن صياغة السؤال التالي: هل للسياق سلطة علىٰ النص؟ الجواب: السياق له ثلاث وظائف فقط:

1- رفع الإجمال.

2- تعيين المراد.

3- منع الفهم المنحرف.

ولا يملك وظيفة رابعة، وهي: إنشاء معنىٰ جديد.

وهذا هو الفارق بين المنهج النجفي الأصولي والهرمنيوطيقا الفلسفية، فالمنهج النجفي يقرِّر أنَّ: القرينة تكشف عن المراد الجدي، بينما الهرمنيوطيقا تجعل: القارئ شريكاً في إنتاج المعنىٰ.

وهنا يقع الاختلاف الجوهري.

تحقيقنا: عندنا سبعة قواعد تبتني عليها محوريه الرد، من خلالها يمكن تلخيص الجواب في سبع قواعد كلية:

1- الزمان ظرف للخطاب لا مقوم لدلالته.

2- السياق كاشف لا مُنشئ للمعنىٰ.

3- الظهور حجة عقلائية عابرة للأزمنة.

4- العقل مفسر لا مشرع للمراد.

5- تغيُّر الواقع يغيِّر الموضوع لا الدلالة.

6- عالمية القرآن تنقض تاريخية معناه.

7- لابدَّ من التفريق بين تاريخية الصدور وتاريخية الدلالة.

ثالثاً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الثالث للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

الشك المنهجي وإشكالية إمكان الوصول إلىٰ مراد النص.

تمهيد:

تمثِّل هذه الشبهة انتقالاً من الشك في صدق القضية إلىٰ الشك في إمكان الفهم نفسه؛ فهي لا تقول: إنَّ النص باطل، بل تقول: إنَّ الحديث عن (المعنىٰ الحقيقي) للنص حديث غير مبرهن؛ لأنَّ كلّ قراءة محكومة بأُفق القارئ وسياقه التاريخي ولغته ومسبقاته.

وبذلك يتحوَّل النص من كونه حاملاً لمعنىٰ سابق علىٰ القراءة إلىٰ كونه حدثاً يتولَّد مع كل قراءة جديدة، وهذه الدعوىٰ تمس مباشرةً مباني التفسير، وحجية الظواهر، وأصول الاستنباط، بل وأصل إمكان الخطاب الشرعي.

أوَّلاً: البناء الفلسفي للشبهة.

الأطروحة المركزية: لا توجد حقيقة تفسيرية محضة يمكن الوصول إليها خارج شروط القارئ التاريخية، فالقراءة ليست كشفاً، وإنَّما إنتاج للمعنىٰ.

الركيزة الأولىٰ: تاريخية الفهم: يرىٰ أصحاب هذا الاتِّجاه أنَّ الإنسان لا يقرأ من نقطة صفر، بل يدخل إلىٰ النص وهو محمّل بـ(اللغة – الثقافة – العقائد السابقة – التجارب الشخصية – النظام الاجتماعي)، ومن ثم فهذه العناصر تشارك في إنتاج المعنىٰ، ويستند هذا إلىٰ ما يسمَّىٰ بـ(اندماج الآفاق).

الركيزة الثانية: استحالة الوصول إلىٰ قصد المؤلف: ويستندون إلىٰ أنَّ المؤلف يغيب بعد إنتاج النص، فيصبح النص مستقلاً عنه، ومن هنا جاءت مقولة: (موت المؤلف). أي أنَّ المعنىٰ لا يعود ملكاً للمؤلف، بل يصبح ملكاً للقارئ.

الركيزة الثالثة: لا نهائية الدلالة: فإنَّ الدلالة لا تستقر، فكل لفظ يحيل إلىٰ لفظ آخر، وكل تفسير يحتاج إلىٰ تفسير. فينتج ما يسمَّىٰ: سلسلة الإرجاء اللامتناهية. فلا توجد نقطة توقف نهائية للمعنىٰ.

الركيزة الرابعة: انهيار المرجعية الثابتة: إذا كانت كل قراءة مشروطة، فلا توجد قراءة موضوعية، ولا يبقىٰ إلَّا تعدُّد القراءات.

أمَّا النتائج التي تترتَّب علىٰ الشبهة إذا سُلِّم بهذه المقدمات، ترتبت نتائج:

١- معرفياً: سقوط إمكان اليقين التفسيري، ومساواة القراءات.

٢- أصولياً: انهيار حجية الظواهر، وسقوط الظهور العرفي.

٣- قرآنياً: يصبح كلّ عصر منتجاً لمعنىٰ جديد، وينتفي إمكان الاحتجاج بالنص علىٰ الأجيال اللاحقة.

المحور الأوَّل: الخلط بين شرط الإدراك ومصدر الدلالة:

هذه الشبهة ارتكبت مغالطة فلسفية دقيقة، فهي خلطت بين أمرين: أدوات فهم القارئ ومنشأ معنىٰ النص، فإنَّ وجود نظارة لا يعني أنَّ العين صنعت المنظر، وكذلك وجود لغة وثقافة لا يعني أنَّ القارئ خلق المعنىٰ، فاللغة شرط للوصول، وليست منشأً للدلالة. وهذا التفريق أصلٌ عقلي.

المحور الثاني: البرهان العقلي علىٰ ثبوت المراد:

كل خطاب عقلائي يتوقَّف علىٰ ثلاثة أمور: (متكلِّم – قصد – قابلية انتقال)، ولو انتفىٰ الثالث، لبطل أصل التخاطب.

النتيجة: لو كان مراد المتكلِّم غير قابل للوصول، للزم: (عبث التخاطب – سقوط اللغة – استحالة التشريع)، وهذا باطل بالوجدان، فيلزم إمكان الوصول إلىٰ المراد في الجملة، وهذا برهان أقوىٰ من مجرَّد الاستقراء اللغوي.

المحور الثالث: السيرة العقلائية:

السيرة العقلائية ليست مجرَّد دليل فقهي، بل هي شاهد أنطولوجي علىٰ طبيعة اللغة.

فالعقلاء: يفهمون العقود، ويحتجون بالوصايا، ويقيمون القضاء، ويفسّرون القوانين، ولو كانت القراءة دائماً منتجة للمعنىٰ، لانهار النظام الاجتماعي كلّه.

المحور الرابع: التفريق بين مراتب المعنىٰ:

وهنا يقع كثير من الخلط، فالمعنىٰ ليس مرتبة واحدة، بل له طبقات، والتعدُّد يقع غالباً في الطبقة الأخيرة، لا في أصل المراد، وهذا ما يفسّر اختلاف الفقهاء مع بقاء اللغة حجة.

المحور الخامس: نقد نظرية (موت المؤلف):

هذه النظرية تصلح في بعض المدارس الأدبية، ولا تصلح في النص التشريعي، لأنَّ التشريع بطبيعته: (إنشائي – مقصود – إلزامي)، والإلزام بلا قصد تناقض، فالقانون لا يستقل عن قصد المشرّع بالمعنىٰ الذي تتصوّره المدرسة التفكيكية.

المحور السادس: نقد الإرجاء الدلالي:

صحيح أنَّ بعض الألفاظ تحتاج إلىٰ تفسير، لكن لا يلزم من ذلك اللانهاية، لأنَّ اللغة تعتمد علىٰ: (الارتكاز العرفي – الإشارات المشتركة – الممارسة الاجتماعية)، وهذه توقف سلسلة الإرجاء، ولهذا يستطيع الطفل تعلم اللغة، ولو كانت الدلالة مؤجلة دائماً، لما تعلم أحد لغة.

المحور السابع: القرآن نفسه يرفض نسبية الفهم المطلقة:

القرآن يؤكِّد إمكان البيان، ومن ذلك: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: 195).

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (القمر: 17).

﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: 29)، ولو كان مراد القرآن غير قابل للإدراك، لفقدت هذه الآيات معناها.

المحور الثامن: الرؤية الإمامية في فهم النص:

مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا تتبنىٰ أحد الطرفين، فهي لا تقول: إنَّ النص جامد. ولا تقول: إنَّ القارئ يصنع المعنىٰ، بل تقول: الظهور حجة، القرائن كاشفة، والإمام مبيّن، التدبر يوسع الاكتشاف. وهذا يفتح باب العمق دون نسف الأصل.

بكلمة أعمق للشبهة علىٰ المستوىٰ الأنطولوجي والأبستمولوجي.

وهنا نصل إلىٰ الجذر الحقيقي للمشكلة، فإنَّ الشبهة قامت علىٰ انتقال غير مشروع من: محدودية المعرفة. إلىٰ عدم وجود معنىٰ ثابت. وهذا انتقال باطل. فالفرق كبير بين: أن تكون معرفتي بالشيء ناقصة. وألّا يكون للشيء حقيقة. كما أنَّ اختلاف الناس في رؤية الجبل لا ينفي وجود الجبل، كذلك اختلاف المفسرين لا ينفي وجود مراد للنص. فالوجود سابق علىٰ المعرفة، ومن هنا يظهر أنَّ الخطأ العميق في الشبهة هو أنَّها حوَّلت قصور العارف إلىٰ إنكار المعنىٰ الموجود.

يمكن تلخيص الموقف العلمي في ضمن نقاط حيث إنَّ الشبهة تقوم علىٰ فلسفة هرمنيوطيقية لا علىٰ مجرد ملاحظة لغوية، فإنَّها أثبتت أثر القارئ، لكنها بالغت فجعلته منشأً للمعنىٰ.

١- خلطت بين شرط الفهم ومصدر الدلالة.

٢- إمكان الوصول إلىٰ المراد يثبت بالبرهان العقلي قبل الدليل الشرعي.

٣- السيرة العقلائية شاهدة علىٰ موضوعية الظهور.

٤- تعدُّد التطبيقات لا يستلزم تعدُّد أصل المراد.

٥- نظرية موت المؤلف لا تنسجم مع النص التشريعي.

٦- الإرجاء الدلالي يتوقَّف عند الارتكاز العرفي.

٧- القرآن يؤكِّد قابلية البيان والتدبُّر.

٨- الرؤية الإمامية تقدِّم نموذجاً وسطاً يجمع بين ثبات الدلالة وعمق الاكتشاف.

رابعاً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الرابع للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

تفعيل المصطلحات بوصفها سلطة معرفية، يقوم هذا المبنىٰ علىٰ أنَّ بعض المشاريع المعاصرة لا تتعامل مع الدين باعتباره مرجعًا معرفيًا مستقلًا، بل تستورد إطارًا مفاهيميًا سابقًا عليه، ثم تجعل النص تابعًا له.

وهذه الأطر ثلاثة:

1- علمنة الدين: المقصود بها جعل المعرفة العلمية التجريبية معيارًا نهائيًا لفهم الدين، بحيث تُقدَّم نتائج العلوم الطبيعية والنظريات العلمية علىٰ ظاهر النصوص، فيُعاد تفسير الوحي بما يوافق النموذج العلمي السائد، فالسلطة هنا تنتقل من الوحي إلىٰ العلم.

2- عقلنة الدين: ليست كل عقلنة مرفوضة؛ لأنَّ للعقل مراتب متعدِّدة، يفرق المتن بين أنواع العقل.

3- أنسنة الدين: ويقصد بها جعل الإنسان محور المرجعية التشريعية، بحيث تُقرأ النصوص وفق منظومة حقوق الإنسان الحديثة، لا وفق منطق العبودية لله تعالىٰ، فتتحول الحقوق من كونها ناشئة عن جعل الله إلىٰ كونها أصلًا سابقًا يُحاكم النص إليه.

أصل الشبهة:

إذا كانت الغاية من الدين تحقيق هداية الإنسان، وكان الإنسان هو موضوع الخطاب الديني، وكانت العلوم الحديثة، والعقل الفلسفي، ومنظومات حقوق الإنسان قد راكمت معرفة واسعة حول الإنسان والعالم، فلماذا لا تكون هذه المنظومات مرجعًا أعلىٰ في تفسير الدين؟ بل يُقال: الوحي نزل في ظرف تاريخي معيَّن، أمَّا العلم والعقل وحقوق الإنسان فهي مكتسبات إنسانية متطوِّرة، فينبغي إعادة قراءة النصوص في ضوئها.

فتنشأ ثلاث نتائج:

1- تفسير المعجزات تفسيرًا طبيعيًا.

2- تأويل الأحكام المخالفة لحقوق الإنسان.

3- إخضاع العقائد للمقبول الفلسفي الحديث، وهذا هو جوهر ما يسمَّىٰ اليوم بـ(إعادة بناء الدين).

البنية الفلسفية للشبهة:

تقوم الشبهة علىٰ أربع مقدمات ضمنية:

1- لا توجد مرجعية معرفية فوق الإنسان.

2- كل فهم للنص مشروط بأُفق المفسر.

3- تطوُّر المعرفة يستلزم تطوُّر معنىٰ النص.

4- المعيار النهائي هو الإنسان لا الوحي.

وهذه المقدمات هي محل النزاع الحقيقي.

الجواب: لا يكون برفض العلم أو العقل أو حقوق الإنسان، وإنَّما بتحرير مقام المرجعية. فالتمييز هنا بين الآلة والحاكم. العلم قد يكون آلة للفهم، والعقل قد يكون كاشفًا. والحقوق قد تكون ثمرة. أمَّا الحاكم فهو الوحي. وهذا هو الفارق المنهجي الجوهري.

الجواب الأوَّل: الخلط بين الأداة والمرجعية. أكبر مغالطة في الشبهة أنَّها تنتقل من: (العلم يفيد)، إلىٰ: (العلم يحكم). وهذا انتقال غير مبرهن. فالعلوم التجريبية تكشف كيفية عمل الطبيعة. أمَّا الوحي فيكشف الغايات، والقيم، والميتافيزيقا. ولا تلازم بين المجالين. ولهذا فإنَّ تغيُّر النظرية العلمية لا يوجب تغيُّر الدين. ولو جعلنا الدين تابعًا للعلم لصار الدين متغيرًا بتغير النظريات. وهذا يناقض ثبات الوحي.

الجواب الثاني: التفريق بين مراتب العقل. وهذه نقطة دقيقة يغفل عنها كثير من المعاصرين. ليس النزاع مع العقل بما هو عقل، بل مع مبنىٰ فلسفي مخصوص. العقل البديهي لا ينشئ الدين. بل يمنع التناقض.

أمَّا العقل الفلسفي فإنَّه يبني منظومة تفسيرية قد تختلف باختلاف المدارس. ولهذا لا يصح جعله معيارًا أعلىٰ من الوحي.

وهذا ينسجم مع مباني كثير من الأصوليين في حجية القطع دون حجية المباني الفلسفية بما هي فلسفة.

الجواب الثالث: الفرق بين التأويل الضروري والتأويل الأيديولوجي، إذا تعارض دليل عقلي قطعي، مع ظهور ظني، فالتأويل منهجي. مثل تنزيه الله عن الجسمية. أمَّا إذا كان الدليل مجرد نظرية فلسفية أو اجتماعية، فليس ذلك موجبًا لصرف ظاهر النص. وهنا يظهر الفرق بين: التأويل البرهاني، والتأويل الإيديولوجي. الأوَّل يحفظ الدلالة، والثاني يعيد إنتاجها.

الجواب الرابع: نقد أنسنة الدين، هذه النقطة تحتاج تحريرًا فلسفيًا. يوجد فرق بين: (كرامة الإنسان، ومركزية الإنسان). فالكرامة نتيجة، أمَّا المركزية فهي أصل تأسيسي. القرآن يثبت الكرامة: ولقد كرمنا بني آدم. لكنه يجعل مصدرها: الاستخلاف والعبودية. بينما الأنسنة الحديثة تجعل الإنسان مصدر القيمة، وهنا يقع الانقلاب.

الفارق الجوهري: إذن ليس الخلاف علىٰ حقوق الإنسان بما هي حقوق. بل علىٰ المصدر المؤسس لها.

الجواب الخامس: نقد علمنة الدين، العلوم التجريبية تقوم علىٰ: (الملاحظة – التجربة – القابلية للتكذيب)، أمَّا الدين فيتضمن: (الغيب. القيم. الغايات). ولا يمكن اختزال الغيب في المختبر. فلو جعلنا التجربة معيارًا لكل معرفة، لانهارت الرياضيات والمنطق والأخلاق أيضًا؛ لأنَّها ليست نتائج تجريبية محضة. وهذا يكشف أنَّ العلموية نفسها تقوم علىٰ افتراض فلسفي غير تجريبي. وهذه نكتة دقيقة في فلسفة العلم.

الجواب السادس: مغالطة تبدّل الأُفق، يقال: إنَّ كل فهم تاريخي. والجواب: نعم، الفهم تاريخي، لكن المعنىٰ ليس بالضرورة تاريخيًا.

وهنا يجب التفريق بين: تاريخية الفهم، وتاريخية الحقيقة. فالأوَّل يصف القارئ، والثاني يصف النص. والخلط بينهما هو منشأ كثير من مشاريع إعادة قراءة الدين.

يمكن تلخيص الموقف في خمس قواعد حاكمة:

1- الوحي هو المرجعية المؤسسة، والعلم والعقل وسائل كاشفة لا سلطات منشئة للدين.

2- العقل القطعي البديهي حجة، بخلاف النسق الفلسفي بما هو منظومة تفسيرية.

3- التأويل مشروع عند قيام البرهان القطعي، لا بمجرد التحوُّلات الثقافية.

4- كرامة الإنسان أصل قرآني، لكن مصدرها الجعل الإلهي لا الاستقلال الإنساني.

5- الخلط بين الأداة والمرجعية هو الجذر الفلسفي الذي تنتج عنه علمنة الدين، وعقلنته بالمعنىٰ الفلسفي، وأنسنته بوصفها مشروعًا يعيد تأسيس الدين علىٰ مرجعية خارجية.

خامساً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الخامس للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

 صياغة الشبهة:

إنَّ جعل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أُسوةً لكلِّ عصر يفترض أنَّ النموذج النبوي يمتلك صلاحية عابرة للتاريخ، بينما تكشف فلسفة التاريخ والهرمنيوطيقا الحديثة أنَّ الإنسان ابنُ شروطه التاريخية، وأنَّ أفعاله ومعانيها لا تنفصل عن الأُفق الذي أنتجها؛ وعليه فاستحضار النموذج النبوي خارج بيئته ليس استمراراً للنموذج، بل إعادة إنتاج لمعنىٰ جديد يخلقه المفسِّر المعاصر.

وبعبارة أدق: إذا كان كل فعل يكتسب دلالته من شبكة العلاقات التاريخية التي ولد فيها، فاقتطاع فعل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) من تلك الشبكة ثم تعميمه علىٰ واقع مختلف يساوي نقل الدال مع فقدان مدلوله الأصلي، فتتحوَّل الأُسوة إلىٰ إسقاط معاصر لا إلىٰ امتثال حقيقي.

البناء البرهاني للشبهة:

تقوم الشبهة علىٰ أربع مقدمات مترابطة:

1- المعنىٰ نتاج السياق؛ فلا وجود لمعنىٰ مستقل عن شروط إنتاجه.

2- أفعال النبي وقعت داخل نظام ثقافي وتشريعي ولغوي معيَّن.

3- بتغيُّر النظام التاريخي تتغيَّر البنية الدلالية للفعل.

4- لا يمكن نقل الدلالة مع فقدان بنيتها التكوينية.

النتيجة: إذن الأُسوة التاريخية لا تكون معياراً فوق تاريخي، بل تصبح قراءة معاصرة للنبي لا اتِّباعاً له.

المشكلة ليست أنَّ الزمن تغيَّر، بل أنَّ هوية الفعل نفسها تتغيَّر.

مثال ذلك: إكرام الضيف في مجتمع قبلي كان يحقِّق وظيفة اجتماعية معيَّنة، بينما قد تؤدِّي الوظيفة نفسها اليوم بوسيلة مختلفة تماماً. فإن قيل: (افعل نفس الفعل)، فقد ألغينا تغيُّر الواقع. وإن قيل: (حقّق نفس القيمة)، فقد تركنا الفعل التاريخي. فتبدو الأُسوة وكأنَّها تتفكك بين: المحافظة علىٰ الصورة، والمحافظة علىٰ الجوهر. ولا معيار لحسم أيهما يمثل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) حقيقة.

الركيزة الأولىٰ: التمييز بين نوعين من الموضوعية:

هناك موضوعيتان مختلفتان: موضوعية تاريخية كونه عاش في القرن السابع، وموضوعية رسالية كونه المعيار الإلهي لتجسد الوحي. المرفوض هو الأولىٰ إذا أريد خصوصيات الزمان. أمَّا الثانية فهي عين محل النزاع. فالرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) ليس موضوعيًا لأنَّه ابن مكة، بل لأنَّه المظهر الأكمل للوحي. إذن الخصوصية ليست تاريخية، بل تكوينية وتشريعية.

الركيزة الثانية: القيم لا توجد خارج التجسد:

هذه قاعدة فلسفية دقيقة تعني: القيمة الكلية لا تتحقَّق في الخارج إلَّا بفرد متشخّص، فالعدل لا يمشي وحده، والرحمة لا تتكلَّم وحدها، بل تظهر في شخص، وهذا ما يسمَّىٰ: انتقال الكلِّي إلىٰ التشخُّص الوجودي، فالرسول هو التشخُّص الأكمل للقيم، ومن هنا كانت الأُسوة جزءًا من ماهية الهداية.

الركيزة الثالثة: الأُسوة ليست بديلًا عن العقل:

قد يتوهَّم أنَّ جعل النبي معيارًا يلغي الاجتهاد.

والجواب: الأُسوة تعمل علىٰ مستويين:

1- الثابت: المبادئ والجهة.

2- المتغيِّر: كيفية التنزيل.

فالاجتهاد يتحرَّك داخل المثال النبوي، لا خارجه، ولهذا فرَّق الأصوليون بين: (المناط الثابت، تطبيق المناط).

الركيزة الرابعة: الرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) جزء من الدليل لا مجرَّد موضوع للدليل:

في المنطق الأصولي توجد ثلاث مراتب:

1- ثبوت الحكم.

2- بيان الحكم.

3- تجسد الحكم.

وشخصية النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) تقع في المرتبتين الأخيرتين معًا، فهي ليست شاهدًا تاريخيًا، بل عنصرًا في تمامية الكشف عن الإرادة الإلهية. ومن هنا كانت السنة بنفسها دليلًا شرعيًا. ولو كانت شخصية النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) غير موضوعية لما كان لفعله وتقريره حجية مستقلة.

الركيزة الخامسة: الفرق بين المثال العرفي والمثال التأسيسي:

(هذه أدق نقطة).

المثال العرفي: (يمكن استبداله، يوضح الفكرة، خارج البرهان).

المثال التأسيسي: (لا يُستبدل، يؤسس الفكرة، داخل البرهان).

النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) من النوع الثاني، فهو ليس مثالًا بعد تمام المعنىٰ. بل هو جزء من تكوين المعنىٰ نفسه. وهذا هو الفرق الجوهري الذي أغفله المبنىٰ الخامس.

يمكن تلخيص النقض في قياس فلسفي:

كل قيمة دينية تكتسب إلزامها من انكشاف الإرادة الإلهية، وانكشاف الإرادة الإلهية في الإسلام متقوم بالوحي وبالمظهر النبوي الذي يجسد الوحي. فإلغاء موضوعية الشخصية النبوية يلغي أحد مقومات انكشاف الإرادة الإلهية. وإذا اختل الانكشاف، بطلت موضوعية الإلزام.

فدعوىٰ إمكان الإبقاء علىٰ القيم مع جعل الرسول مجرد مثال تاريخي دعوىٰ تنقض نفسها؛ لأنَّها تستبقي النتيجة بعد إسقاط المبدأ الذي يبرِّرها.

سادساً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري السادس للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

مفاد هذا المبنىٰ، بدقة، ليس مجرَّد الدعوة إلىٰ قراءة النص قراءة أدبية، بل إعادة تعريف وظيفة القراءة الدينية؛ إذ يفترض أنَّ النص الديني -بوصفه نصاً لغوياً ذا بنية أدبية وبلاغية- يمكن إخضاعه للقواعد الوصفية التي يُتعامل بها مع النصوص الأدبية واللغوية، من دون جعل البحث عن المراد الجدي، والظهور الحُجّي، والوظيفة التشريعية شرطاً لفهمه.

فتكون الأولوية لوصف بنية النص، وتحليل لغته، وكشف جمالياته وعلاقاته الداخلية، بدلاً من البحث عن مراد المتكلِّم وحقيقة مدلوله وما يترتَّب عليه من حكم.

وعليه، فالمبنىٰ يقوم ضمنياً علىٰ فصل الدلالة الجمالية والوصفية عن الدلالة المقصدية والتشريعية، بل قد ينتهي إلىٰ عدم جعل الثانية لازمة في أصل القراءة.

إذا أُخذ المبنىٰ علىٰ إطلاقه، ترتبت عليه نتائج:

  1. إسقاط مركزية قصد المتكلِّم، لأنَّ المطلوب يصبح وصف النص كما هو، لا الكشف عما أراده المتكلِّم منه.
  2. تحويل التفسير من كشف المعنىٰ إلىٰ وصف الظاهرة النصية. فيصبح السؤال: كيف بُني النص؟ أهم من السؤال: ماذا أراد النص أن يقول؟
  3. إضعاف حجية الظهور؛ لأنَّ الظهور إنَّما تكون له قيمة في مقام الكشف عن المراد، لا في مجرد الوصف البنيوي للنص.
  4. الفصل بين النص ووظيفته التشريعية؛ فيعامل قوله تعالىٰ مثلاً: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بوصفه تركيباً لغوياً وبلاغياً، قبل أن يكون خطاباً مولّداً للتكليف.
  5. فتح باب تعدُّد القراءات بلا معيار حاكم؛ إذا لم يكن المراد الواقعي للنص مقصوداً بالكشف، يصبح معيار صحة القراءة هو انسجامها مع البنية التي يصفها القارئ.
  6. والأخطر: تسوية النص الديني بالنص الأدبي من حيث الوظيفة المعرفية، مع أنَّ الاشتراك في كون كليهما نصاً لغوياً لا يستلزم اتِّحادهما في المقصد والوظيفة والحجية. ويمكن الإجابة من خلال مجموعة من الأجوبة:

الجواب الأوَّل:

هناك فرق منهجي بين: وصف النص، ما خصائصه اللغوية والبلاغية والبنائية؟ وبين: تفسير النص، ما الذي يدل عليه؟ وما المراد منه؟ وما مقتضىٰ خطابه؟

الأوَّل: علم بالنص بوصفه موضوعاً، والثاني: علم بما يكشفه النص من معنىٰ.

ومن هنا يكون كل تفسير صحيح يحتاج إلىٰ قدر من الوصف، وليس كل وصف تفسيراً. فمعرفة كون الجملة أمراً، أو نهياً، أو استفهاماً، أو استعارة، أو تقديماً وتأخيراً، لا تنتهي عند تشخيص هذه الخصائص؛ إذ يبقىٰ السؤال المركزي: ما دلالتها في مقام التخاطب؟

الجواب الثاني:

النص الديني ليس شيئاً مادياً نكتفي بوصف خصائصه؛ بل هو خطاب صادر عن متكلِّم قاصد. والخطاب بما هو خطاب لا يتحقَّق بمجرد وجود ألفاظ مرتبة، وإنَّما يتقوَّم بعلاقة نسبية خطابية ودلالية، فإذا ألغينا البحث عن القصد، لم نُلغِ التفسير فقط، بل ألغينا أحد المقومات الجوهرية لمفهوم الخطاب.

وهنا النكتة الدقيقة: الوصف يصف ما قيل، أمَّا التفسير فيبحث عمّا أُريد بما قيل. والانتقال من الأوَّل إلىٰ الثاني ليس ترفاً منهجياً، بل هو صميم العملية التفسيرية.

الجواب الثالث:

القول بأنَّ جمال النص وعذوبته وبلاغته تغني عن البحث في ظهوره ومراده غير تام؛ لأنَّ الجمال صفة للنظم أو الأسلوب، أمَّا المراد فمحمول دلالي قصدي. وقد يكون النص بالغ الجمال والبلاغة، ومع ذلك يختلف المتلقي في:

1- المراد من اللفظ.

2- سعة المدلول وضيقه.

3- الإطلاق والتقييد.

4- العموم والخصوص.

5- الحقيقة والمجاز.

6- الجد والهزل.

7- الحكم الواقعي والظاهري.

8- مقام البيان ومقام الإرشاد.

فلا ملازمة بين بلاغة النص، وبين صحة فهم المراد، وإلَّا لكان كل من أدرك جمال النص قد أدرك مراده، وهو واضح البطلان.

الجواب الرابع:

النص الديني ليس مجرد (نص)، بل (حجة)، وهذه هي النقطة الفارقة.

النص الأدبي قد يكون موضوعه الإمتاع أو التأثير أو التعبير الجمالي، أمَّا النص الديني -ولا سيما النص التشريعي- فله وظيفة هداية وتشريع وإلزام.

ولذلك لا يكفي أن نسأل: ما البنية الجمالية للنص؟ بل لابدَّ أن نضيف: ما مدلوله؟ ما المراد الجدي منه؟ ما مقام صدوره؟ هل هو في مقام البيان؟ وما الذي يثبت به من معرفة أو حكم؟ ومن هنا يدخل علم الأصول لا بوصفه علماً خارجياً مفروضاً علىٰ النص، بل بوصفه محاولة لضبط الانتقال من اللفظ إلىٰ المدلول، ومن المدلول إلىٰ الوظيفة.

الجواب الخامس:

القواعد الوصفية نفسها لا تستغني عن الدلالة. وهنا يمكن قلب الإشكال علىٰ صاحبه، حتَّىٰ حين يقول القارئ: (سأكتفي بوصف النص)، فهو لا يستطيع وصف النص إلَّا بعد أن يفهمه. فتمييز الاستعارة من الحقيقة، والكناية من التصريح، والتقديم من التأخير، والمفارقة من التقرير، بل حتَّىٰ تحديد الوحدة الدلالية للنص، كلّها تتوقَّف علىٰ قدر من الفهم الدلالي.

إذن الوصف الخالص بلا دلالة متعذّر، والدلالة لا تستغني عن أدوات الوصف. فالنتيجة المنهجية الصحيحة ليست إلغاء القواعد الوصفية، وإنَّما إدراجها في منظومة تفسيرية أوسع.

الخلاصة:

المبنىٰ يصحح من جهة، ويخطئ من جهة أخرىٰ:

1- يصح في رفض اختزال النص الديني في القراءة الفقهية أو التشريعية وحدها.

2- يصح في ضرورة الاستفادة من المناهج الوصفية والبلاغية والبنيوية.

3- لكنَّه يخطئ إذا جعل الوصف بديلاً عن الكشف الدلالي.

4- ويخطئ إذا نفىٰ قصدية الخطاب.

5- ويخطئ إذا سوّىٰ بين النص الأدبي والنص الديني من حيث الوظيفة والحجية.

6- ويخطئ إذا جعل جمال النص مغنياً عن تحديد الظهور والمراد.

سابعاً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري السابع للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

ما الذي أبحث عنه في النص؟ بدل ماذا يريد النص؟ ثم يعمد إلىٰ استخراج البُعد الذي يخدم ذلك الغرض؛ فالمتصدي مثلاً لمقاومة الظلم والاستبداد قد يقرأ النصوص الدينية من زاوية البُعد الثوري والتحرُّري، فينتقي منها ما يعضد هذا الاتِّجاه، دون أن يجعل استيعاب مجموع المدلول الديني للنص هو غايته الأولىٰ.

إذن جوهر الشبهة هو: إحلال القراءة الانتقائية التحليلية محل القراءة التفسيرية الشمولية الكاشفة عن وحدة النص وتمام مراده.

نتائج هذا المبنىٰ:

إذا أُطلق هذا المبنىٰ، ترتَّب عليه:

  1. تفكيك وحدة النص إلىٰ عناصر أو مقاطع مستقلة.
  2. تقديم غرض القارئ علىٰ قصد المتكلِّم في توجيه عملية القراءة.
  3. انتقال النص من كونه مصدرَ معنىٰ إلىٰ كونه مادةً لإنتاج معنىٰ.
  4. احتمال الانتقائية الدلالية: اختيار ما يوافق الفرض وإهمال ما يعارضه.
  5. إمكان استخراج قراءات متعارضة من النص الواحد، كلٌّ منها يبرز بعداً يخدم مشروعه.
  6. تراجع معيار المراد الجدي لحساب معيار الملاءمة للمشروع.
  7. تحويل النص من حاكم علىٰ القارئ إلىٰ شاهدٍ علىٰ ما اختاره القارئ مسبقاً.

الجواب:

لا يكون برفض التحليل؛ فإنَّ التحليل ضرورة في كل فهم علمي. وإنَّما الكلام في حدود مشروعيته ووظيفته.

  1. التفكيك المنهجي غير التجزئة الاعتباطية.

لذا ينبغي التفريق بين أمرين:

أ- التحليل: تفكيك النص للكشف عن عناصره وعلاقاتها الداخلية، ثم إعادة تركيبها ضمن وحدة دلالية.

ب- التجزئة الانتقائية: اقتطاع عنصر من النص وإخراجه من منظومته لكي يؤدِّي وظيفة مسبقة، الأوَّل: منهج للفهم، والثاني: قد يتحوَّل إلىٰ منهج لإنتاج القراءة.

والقاعدة: كل تحليل صحيح يجب أن يحفظ علاقات الجزء بالكل؛ لأنَّ الجزء لا يملك بالضرورة تمام دلالته مستقلاً عن منظومته.

  1. لا إشكال في تعدُّد زوايا القراءة، وإنَّما الإشكال في تحويل الزاوية إلىٰ مراد.

وهنا نكته: قد أقرأ النص من زاوية (أخلاقية – اجتماعية – سياسية – تربوية – ثورية – حضارية)، ولا مانع في أصل ذلك؛ لأنَّ النص الغني قد يحمل طبقات متعدِّدة من الدلالة والوظائف.

لكن هناك فرقاً بين: اكتشاف بُعدٍ موجود في النص، وبين: جعل البعد الذي أريده هو تمام معنىٰ النص. فإذا كان النص يتضمَّن بُعداً تحررياً مثلاً، جاز إبراز هذا البعد ودراسته، لكن لا يصح منهجياً إسقاط بقية الدلالة أو إعادة تعريف النص كله علىٰ أساس ذلك البُعد.

3- من أين جاءت أولوية (الغرض)؟ إذا كان القارئ قد حدَّد مسبقاً أنَّ غايته هي مقاومة الاستبداد، ثم عاد إلىٰ النص ليبحث عما يؤيد هذه الغاية، فلدينا احتمالان:

الأوَّل: أن يكون الغرض سؤالاً كاشفاً: (ماذا يقول النص في مقاومة الظلم؟) فهذه قراءة مشروعة، بل قد تكون منتجة جداً.

الثاني: أن يكون الغرض معياراً حاكماً علىٰ النص: (أريد من النص ما يخدم مقاومة الظلم، ولذلك أختار منه هذا وأترك ذاك).

فهنا تبدأ المشكلة؛ لأنَّ السؤال صار حاكماً علىٰ الجواب.

والفرق بينهما جوهري: السؤال يوجِّه البحث، أمَّا النتيجة فلا يجوز أن تسبق الدليل.

4- النص لا يُقرأ منعزلاً عن (وحدة الخطاب)، النص ليس مجموع جمل متناثرة، بل الدلالة قد تنشأ من: اللفظ + السياق + السابق واللاحق + القرائن + وحدة الموضوع + مقام الخطاب + سائر النصوص المرتبطة به. ولهذا فإنَّ اقتطاع جملة صحيحة في ذاتها لا يكفي لإثبات صحة القراءة التي أُدخلت فيها.

وهذه قاعدة أصولية عميقة يمكن صياغتها: صحة دلالة الجزء لا تساوي صحة توظيفه خارج منظومته الدلالية. فقد تكون العبارة صحيحة الدلالة في نفسها، لكن إدخالها في نظرية أكبر دون استحضار قيودها وقرائنها ينتج معنىٰ لم يثبته النص.

5- كل قراءة تقع بين (النص) و(أُفق القارئ)، لا يمكن إنكار أنَّ القارئ يدخل إلىٰ النص بأسئلته وخلفيته ومشكلاته؛ ولذلك فالقراءة ليست عملية آلية محضة. لكن من هنا لا يلزم أن يكون المعنىٰ تابعاً للقارئ. يجب التفريق بين: شرط الفهم، ومصدر المعنىٰ. أُفق القارئ قد يكون شرطاً في اكتشاف بعض الدلالات، لكنه ليس بالضرورة مصدر تلك الدلالات.

وهنا نصل إلىٰ قاعدة مهمة في فلسفة التفسير: القارئ قد يحدد جهة السؤال، لكنه لا يملك بمحض اختياره تحديد جهة الجواب. فإذا سأل عن (الظلم) مثلاً، فقد يكشف النص له بُعداً لم يكن ملتفتاً إليه، لكن هذا لا يعطيه حق تحميل النص كل ما يتطلَّبه مشروعه السياسي أو الاجتماعي.

6- الفرق بين (إنتاج المعرفة) و(إنتاج النص)، وهذه من أهم النقاط في معالجة المبنىٰ. يمكن أن يكون للنص قابلية معرفية متعدِّدة؛ أي إنَّ أسئلة جديدة تكشف لنا تطبيقات وآثاراً لم تكن محل بحث سابق. لكن هذا شيء، والقول بأنَّ القارئ ينتج معنىٰ النص شيء آخر.

وبعبارة أدق: تجدُّد الأسئلة قد يجدِّد ما نكتشفه من النص، لا أنَّه يجدّد بالضرورة ما يعنيه النص في نفسه. فالنص الثابت يمكن أن ينتج معارف جديدة بتغير الأسئلة والظروف، من دون أن يعني ذلك أن المعنىٰ نفسه يتغير تبعاً للقارئ.

7- معيار ضبط القراءة: (الوفاء قبل التوظيف)، يمكن تأسيس قاعدة منهجية جامعة: كل قراءة وظيفية للنص الديني يجب أن تمر بمرحلتين:

الأولىٰ: مرحلة الوفاء للنص، بمعنىٰ تحديد مدلوله في ضوء اللغة والسياق والقرائن والمجموع.

الثانية: مرحلة التوظيف، بمعنىٰ استخراج ما يمكن إسقاطه من ذلك المدلول علىٰ المشكلة المعاصرة.

فإذا عكسنا المرحلتين، أصبحنا أمام خطر: تكييف النص مع المشروع، بدل تكييف المشروع مع النص. وهذا هو الحد الفاصل بين التفسير الموضوعي المنضبط وبين القراءة الأيديولوجية للنص.

ثامناً: الرد علىٰ المبنىٰ الفكري الثامن للشبهات علىٰ المناهج العلمية الدينية:

مفاد المبنىٰ الثامن أنَّ فاعلية النص الديني لا تتحقَّق إلَّا بقدر قدرته علىٰ الاستجابة لمتغيِّرات الواقع وحاجاته المتجدِّدة؛ لأنَّ الواقع متحرِّك ومتعدِّد، بينما النصوص -في أصل ألفاظها- ثابتة.

ومن ثمَّ يُقال: لو كان النص لا يتَّسع إلَّا لقراءة واحدة جامدة، لعجز عن استيعاب الوقائع المتجدِّدة، ولتحوّل من عنصر فاعل في الحياة إلىٰ نص تاريخي محدود الأثر.

وعليه، ينبغي اعتماد مرونة دلالية وتعدُّد قرائي يسمحان بإعادة استنطاق النص بحسب اختلاف الواقع، بحيث يكون الواقع -بما يفرضه من حاجات وأسئلة ومستجدات- عنصراً حاكماً في تحديد كيفية فهم النص وتفعيله.

إذن النواة الحقيقية للشبهة هي: ثبات النص لا ينسجم مع تغير الواقع إلَّا إذا كان للواقع مدخل في تحديد دلالة النص أو مجالها التطبيقي.

وهنا يقع السؤال: هل تغيُّر الموضوع والواقع يغيِّر معنىٰ النص، أم يغيِّر مورد تطبيق النص فقط؟

المعنىٰ الأوَّل: حاكمية الواقع علىٰ النص:

  1. نسبية الفهم الديني تبعاً لاختلاف البيئات والأزمنة.
  2. إمكان تعدد القراءات بتعدُّد الوقائع والحاجات.
  3. انتقال مركز الثقل من النص إلىٰ الواقع في عملية إنتاج الدلالة.
  4. احتمال جعل الحاجة الاجتماعية قرينةً علىٰ المراد من دون ضابط لغوي أو سياقي.
  5. إمكان إعادة تفسير النص كلَّما تغيَّرت الظروف.
  6. تراجع فكرة وجود مراد مستقر للنص يمكن الكشف عنه.
  7. وفي أقصىٰ صوره: يصبح الواقع ليس مجرَّد موضوع لتطبيق النص، بل مولِّداً لمعناه.

الحاكمية تعني أنَّ الواقع يحدِّد: أين ينطبق النص؟ وكيف ينطبق؟ وما هو موضوعه الخارجي؟ وهذا صحيح، بل لا يمكن الاستغناء عنه.

المعنىٰ الثاني: حاكمية الواقع في الدلالة:

أي أنَّ الواقع الجديد يملك أن يغيِّر ما الذي يعنيه النص في نفسه. وهذا هو الذي يحتاج إلىٰ برهان، ولا يثبت بمجرد تغيُّر الواقع.

الإجابة:

  1. الثابت والمتغيِّر لا يعنيان النص والواقع:

هذه أهم نقطة في الجواب، وجود نص ثابت + واقع متغيِّر، لا يستلزم معنىٰ متغيِّر للنص. بل يمكن أن يكون لدينا: نص ثابت + معنىٰ ثابت + موضوعات متغيرة + تطبيقات متجددة. مثلاً: ثبوت قاعدة الوفاء بالعقد لا يمنع أن تتغير صور العقود من بيع تقليدي إلىٰ عقد إلكتروني أو صور مالية جديدة. الذي تغير هو الموضوع الخارجي، لا أنَّ الواقع أعاد إنتاج معنىٰ (الوفاء). وهنا القاعدة: تغير المصداق لا يستلزم تغير المفهوم، وتغير الموضوع لا يستلزم تغير الحكم ما لم يكن الحكم مقيداً بذلك الموضوع أو القيد.

فالواقع قد يكون (كاشفاً عن الموضوع) لا (حاكماً علىٰ النص).

وهذه نكتة أصولية شديدة الأهمية. قد يكشف الواقع أن ما كنا نظنه مصداقاً للعنوان (أ) ليس مصداقاً له، أو أن شيئاً آخر أصبح مصداقاً له. فالواقع هنا لم يقل للنص (غيّر معناي)، بل كشف للمفسر (هذا هو الموضوع الذي أراده النص، أو هذا ليس هو الموضوع).

إذن ينبغي التفريق بين تغير الواقع الكاشف عن الموضوع، وبين تغير الواقع المنشئ للمعنىٰ. الأول معقول ومقبول، والثاني يحتاج إلىٰ دليل مستقل.

  1. النص المرن لا يعني النص المتسيّب. المبنىٰ يستند إلىٰ حاجة الواقع إلىٰ مرونة النص.

الجواب: نعم، النص الديني قد يكون مرناً، ولكن المرونة غير السيولة الدلالية. المرونة قد تنشأ من: (عموم اللفظ – إطلاقه – تعدُّد الموضوعات التي يشملها العنوان – قابلية الحكم للانطباق علىٰ مصاديق مستحدثة – القواعد الكلية – العناوين الثانوية – منطقة الفراغ حيث تكون ثابتة الحدود ومتغيرة الموضوعات – اختلاف الموضوعات الخارجية).

لكن لا يلزم من ذلك أن: كل واقع جديد ينتج قراءة جديدة للنص. فالمرونة خاصية في بنية الدلالة أو مجال التطبيق، لا رخصة في إعادة صناعة الدلالة.

  1. التعدُّد القرائي يحتاج إلىٰ التمييز بين ثلاثة أشياء:

أ- تعدُّد الفهم: قد يختلف المجتهدون في فهم النص بسبب اختلافهم في المباني اللغوية أو الأصولية.

ب- تعدُّد التطبيق: قد يكون الحكم واحداً، لكن تطبيقه يختلف باختلاف الموضوعات والظروف.

ت- تعدُّد المعنىٰ: أي أنَّ النص نفسه يصبح ذا مدلول مختلف باختلاف الواقع.

الأوَّل والثاني ممكنان، بل واقعان. أمَّا الثالث فلا يثبت بمجرد تغيُّر الواقع، وهذا التفكيك يسقط كثيراً من الاستدلالات التي تخلط بين تجدد التطبيق وتجدد المعنىٰ.

  1. ماذا لو تغيَّرت الحاجات الإنسانية جذرياً؟

نقول: إنَّ تغيُّر الواقع قد يكشف أنَّ القراءة السابقة كانت تضيق بالنص أكثر مما يقتضيه النص. هذا فرق دقيق جداً. فليس الواقع هو الذي أنشأ معنىٰ جديداً، بل الواقع الجديد قد يدفع الباحث إلىٰ إعادة فحص القراءة السابقة، فيكتشف سعةً كانت موجودة في النص ولم تكن ملحوظة. إذن: الواقع قد يكون محفزاً لإعادة التفسير، لكنه ليس بالضرورة منشئاً للتفسير.

  1. العلاقة الصحيحة: النص والواقع علاقة تفاعل لا حاكمية مطلقة. الأدق منهجياً أن نقول: النص يضبط المعنىٰ، والواقع يكشف الموضوع والحاجة ومجال التنزيل، والمفسِّر يقوم بعملية الوصل بينهما.

النص: يحدِّد الإطار الدلالي.

الواقع: يحدِّد السؤال والموضوع والمصداق.

المفسِّر: يقوم بعملية التنزيل والاستنباط.

وعليه فلا يصح جعل النص حاكماً مع تجاهل الواقع، كما لا يصح جعل الواقع حاكماً علىٰ النص، بل العلاقة الصحيحة هي حاكمية النص علىٰ المعنىٰ، وحاكمية الواقع علىٰ تشخيص الموضوع ومجال التطبيق.

  1. النكتة الفلسفية الأعمق، هذا المبنىٰ يفترض ضمناً أنَّ هناك تعارضاً بين ثبات النص، وحيوية الدين، لكن هذا التعارض غير لازم، لأنَّ الحيوية قد تكون في قابلية النص الثابت لإنتاج تطبيقات متجدِّدة، لا في قابلية معناه للتبدُّل.

بل يمكن قلب الحجة: لو كان كل تغيَّر في الواقع يستلزم تغيُّر معنىٰ النص، لفقد النص قدرته علىٰ أن يكون معياراً للواقع؛ لأنَّ المعيار الذي يتشكل دائماً بحسب الشيء الذي يُفترض أن يحاكمه لا يعود معياراً بالمعنىٰ الدقيق.

إذا كان الواقع هو الذي يحدِّد معنىٰ النص بصورة مطلقة، فمن الذي يحاكم الواقع؟ فإن كان النص يتكيف مع الواقع في كل مرة بلا معيار سابق، تحولت العلاقة من: النص يُحاكم الواقع، إلىٰ الواقع يُحاكم النص وعندها تفقد المرجعية المعيارية للنص معناها.

الرد علىٰ المبنىٰ الفكري التاسع للشبهات عبىٰ المناهج العلمية الدينية:

مفاد المبنىٰ التاسع أنَّ الإشكال في كثير من القراءات الدينية ليس في النص نفسه، وإنَّما في المفاهيم التي حُمِّل عليها النص عبر التاريخ؛ إذ قد تكون بعض المفاهيم الدينية قد فُهمت فهماً خاطئاً، أو صيغت في الوعي الديني بصورة غامضة وضبابية، نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية وكلامية وفقهية.

وعليه، لا يكفي الرجوع إلىٰ النص واستخراج مدلوله بحسب الفهم الموروث، بل لابدَّ من إعادة تحرير المفهوم الديني، وتشخيص عناصره الأصلية عن العناصر التاريخية والثقافية التي التصقت به، ثم إعادة فهمه بما ينسجم مع الزمان والمكان والحاجات المعرفية الجديدة.

نواة للشبهة:

إذا كان المفهوم الذي فُهِم به النص سابقاً غير دقيق، فإعادة إنتاج الفهم القديم تعني إعادة إنتاج الخطأ؛ ومن ثم تصبح إعادة بناء المفاهيم شرطاً لفهم النص الديني فهماً صحيحاً.

نتائج هذا المبنىٰ:

  1. عدم حجية الفهم الموروث لمجرد كونه موروثاً.
  2. ضرورة التمييز بين المفهوم الديني الأصلي، وبين التراكمات التاريخية التي لحقت به.
  3. إمكان إعادة تعريف بعض المفاهيم الدينية وفق التحوُّلات المعرفية والاجتماعية.
  4. جعل الزمان والمكان عنصرين مؤثرين في تحديد المفهوم أو كيفية فهمه.
  5. فتح باب المراجعة النقدية لمفاهيم مثل: (العدالة – الحرية – السلطة – الجهاد – المرأة – المجتمع – الدين – الدولة)، وغيرها.
  6. توسُّع المبنىٰ، فقد ينتهي إلىٰ أن تغير السياق يقتضي تغيُّر المفهوم نفسه، لا مجرَّد تغيُّر تطبيقه.

يرد السؤال: هل نحن نكتشف المفهوم الموجود في النص، أم نعيد بناء مفهوم جديد يتلاءم مع عصرنا ثم نعيد قراءة النص علىٰ أساسه.

الجواب: لا يكون برفض (إصلاح المفاهيم)؛ فهذا أصل علمي صحيح، بل هو جزء من وظيفة الاجتهاد، وإنَّما ينبغي تحرير ما معنىٰ الإصلاح؟ وما موضوعه؟ وما حدوده؟

  1. الخطأ في المفهوم لا يعني الخطأ في النص: هناك فرق بين النص، وبين المفهوم الذي بناه المتلقي من النص. فإذا كان الفهم التاريخي لمفهوم معيَّن خاطئاً، فليس معنىٰ ذلك أنَّ النص كان غامضاً بالضرورة أو أنَّ معناه تغيَّر. قد يكون النص ثابتاً والفهم التاريخي قاصراً، فتكون وظيفة الإصلاح تصحيح الفهم. إذن نقد الفهم الموروث لا يساوي نقد النص، وتاريخية القراءة لا تستلزم تاريخية المدلول.
  2. هل المفاهيم الدينية ثابتة أم متغيِّرة؟ المفهوم قد يكون له:

أ- أصل دلالي ثابت: وهو ما يحدِّده الاستعمال اللغوي والقرائن والسياق ومجموع النصوص.

ب- طبقات تفسيرية تاريخية، أضافتها المدارس الكلامية أو الفقهية أو الفلسفية أو الاجتماعية.

ج- تطبيقات ومصاديق متغيِّرة، تختلف باختلاف الزمان والمكان. إذن يمكن أن يكون لدينا: ثبات في النواة الدلالية + تغير في التفسير التاريخي + تغير في المصاديق. وهذا يفسر كثيراً من التحوُّلات دون الحاجة إلىٰ القول بأنَّ المفهوم الديني نفسه يعاد إنتاجه في كلِّ عصر.

  1. (إصلاح المفهوم) يحتاج إلىٰ معيار سابق. إذا قيل: (إنَّ المفهوم الديني القديم خاطئ، وينبغي إصلاحه وفق الزمان والمكان)، نسأل: ما المعيار الذي نحكم به علىٰ أنَّ الفهم القديم خاطئ وأن الفهم الجديد صحيح؟ فلا يكفي أن يكون المفهوم الجديد: (أكثر ملاءمة للعصر، أكثر قبولاً اجتماعياً، أكثر انسجاماً مع الحساسية المعاصرة، أو أكثر قدرة علىٰ حل المشكلة الاجتماعية).

لأنَّ هذه كلّها قد تكون مؤشّرات وظيفية، لكنَّها لا تثبت وحدها صحة دينية أو دلالية.

إذن نحتاج إلىٰ التفريق بين الصحة الدلالية والملاءمة الحضارية. قد يكون المفهوم أكثر ملاءمة للعصر، دون أن يكون ذلك وحده دليلاً علىٰ أنَّه هو المراد من النص.

  1. الزمان والمكان قرينة أم منشئ للمعنىٰ؟ لا إشكال في أنَّ الزمان والمكان قد يكونان: (كاشفين عن الموضوع – محددين للمصداق – موضحين لمقام الخطاب – معينين علىٰ فهم بعض القرائن – مؤثّرين في تنزيل الحكم)، لكن هل هما منشئان لمعنىٰ المفهوم؟ الجواب: مجرد تغيُّر الزمان والمكان لا يثبت ذلك، مثلاً مفهوم (العدل) قد تتغيَّر تطبيقاته الاجتماعية والتاريخية، لكن لا يلزم أن يتغيَّر أصل مفهوم العدل نفسه مع كل تحول حضاري. وعليه فإنَّ تاريخية التطبيق لا تستلزم تاريخية المفهوم.
  2. المفهوم ليس هو المصداق. كثير من الخلط في هذا المبنىٰ ناشئ من عدم الفصل بين المفهوم والمصداق فإنَّ تغيُّر (شكل الدولة، شكل الأُسرة، أنماط المعاملات، وسائل الاتِّصال، البنية الاقتصادية)، لا يلزم أن تتغيَّر المفاهيم الكلية التي تحكمها، بل قد يكون التطور الحضاري نفسه سبباً في اكتشاف مصاديق جديدة للمفهوم الثابت، وهذا يفسِّر كيف يستطيع النص الثابت أن يتعامل مع واقع متغيِّر دون أن يكون معناه سائلاً.
  3. ولكن توجد نقطة قوة حقيقية للمبنىٰ، لا ينبغي أن يكون نقدنا له إنكاراً للتاريخ. فالتراث الديني قد يحمل بالفعل طبقات من الفهم ليست كلها في رتبة واحدة. وقد يتداخل في فهم النص: (الديني – الكلامي – الفلسفي – العرفي – السياسي – الاجتماعي – التاريخي)، وهنا تكون وظيفة الباحث: تفكيك طبقات الفهم، لا هدم المفهوم. أي يسأل:

أ. ماذا يقول النص؟

ب. ماذا فهم منه المتقدمون؟

ت. ما الذي أضافته البيئة التاريخية؟

ث. ما الذي هو تفسير ديني؟

ج. ما الذي هو تطبيق تاريخي؟

ح. ما الذي هو بناء كلامي أو فلسفي؟

خ. وما الذي يمكن إثباته بالنص نفسه؟

  1. الإصلاح الحقيقي ليس (إعادة اختراع المفهوم)، الإصلاح المفهومي لا يعني صناعة مفهوم جديد، بل تحرير المفهوم من التشوهات التي علقت به والكشف عن بنيته الدلالية الأصيلة، ثم إعادة تنزيله علىٰ الواقع المتغيِّر، فإذا كان مفهوم (العدالة) مثلاً قد أُحيط عبر التاريخ بتطبيقات أو تصورات معينة، فوظيفة الباحث ليست أن يقول: (بما أنَّ الواقع تغيَّر، فلنعرّف العدالة من جديد)، بل: (لنحدِّد أوَّلاً ماذا تعني العدالة في منظومة النص، ثم نبحث عن مقتضياتها في الواقع الجديد)، وهذا فرق بين الإصلاح وإعادة التشكيل.
  2. الجواب الفلسفي الأعمق: هل المعنىٰ تابع للعصر؟ لو قيل: (لا يمكن فهم المفهوم إلَّا في ضوء زمانه ومكانه)، نقول: نعم من جهة، ولا من جهة أخرىٰ. نعم؛ لأنَّ فهم أي خطاب يحتاج إلىٰ معرفة: (مقام الخطاب – المخاطبين – الأعراف اللغوية – الملابسات – الظروف التاريخية). لكن لا؛ لأنَّ السياق الذي يساعد علىٰ اكتشاف المعنىٰ لا يصبح بالضرورة مصدراً للمعنىٰ. فالسياق قد يكون كاشفاً عن الدلالة، ولا يلزم أن يكون منشئاً لها.

الخلاصة:

إنَّ إصلاح المفاهيم الدينية لا يساوي إخضاعها للواقع، وإنَّما يعني التمييز بين المدلول النصي، والتفسير التاريخي، والتطبيق الحضاري؛ فالمتغيّر ليس بالضرورة أصل المفهوم، بل قد يكون الفهم التاريخي له أو مصاديقه وآليات تنزيله.

ومن ثم يكون الزمان والمكان عاملين في كشف الموضوع وتجديد التطبيق، لا معياراً مستقلاً لإنشاء الدلالة الدينية.

وهنا تظهر النقطة الفاصلة بين التجديد والاجتهاد من جهة، وإعادة إنتاج الدين وفق مقتضيات العصر من جهة أخرىٰ.

خاتمة البحث:

الحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحق، والصلاة والسلام علىٰ محمد وآله الطاهرين.

بعد استعراض المباني الفكرية التي تقوم عليها جملة من الشبهات المتعلقة بالمناهج العلمية الدينية، وبيان ما يترتَّب عليها من نتائج في فهم النصوص والمفاهيم، يتَّضح أنَّ القضية المحورية لا تتمثَّل في إنكار أثر الإنسان والزمان والمكان في عملية الفهم، وإنَّما في تحديد موقع هذا الأثر وحدوده ضمن البناء المعرفي الديني.

فالفهم الديني لا يجري في فراغ، بل يحتاج إلىٰ مراعاة مقام الخطاب، والظروف المحيطة به، وطبقات التلقي التاريخي؛ إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ المعنىٰ تابع بصورة مطلقة للمتلقي أو للواقع المتغيرِّ، لأنَّ السياقات والظروف قد تكون أدوات لكشف الدلالة وبيان المصاديق، من دون أن تكون منشئة لأصل المفهوم ومقوّمة لحقيقته.

كما ظهر أنَّ الخلط بين المفهوم وتطبيقاته، أو بين النص وتفسيراته التاريخية، يؤدِّي إلىٰ نتائج غير منضبطة؛ إذ إنَّ تغيُّر المصاديق والظروف الحضارية لا يستلزم بالضرورة تغيّر المبادئ الكلية التي يقوم عليها الخطاب الديني.

ومن هنا فإنَّ التجديد الصحيح لا يقوم علىٰ إعادة تشكيل المفاهيم وفق التحوُّلات الخارجية، بل علىٰ استكشاف بنيتها الأصيلة وإعادة تفعيلها في الواقع ضمن ضوابط المنهج العلمي.

وعليه فإنَّ قوة المنهج الديني تكمن في قدرته علىٰ الجمع بين الثبات والحركة؛ ثبات الأصول والمعايير من جهة، وحيوية الاجتهاد في فهم الواقع وتنزيل الأحكام من جهة أخرىٰ.

فليس المطلوب إلغاء التاريخ، ولا إخضاع الدين للتاريخ، بل إدراك العلاقة المتوازنة بين النص الثابت والفهم المتطوّر.

وبذلك يظهر أنَّ صيانة المفاهيم الدينية من التحريف لا تكون بالانغلاق عن الأسئلة الجديدة، كما أنَّ الانفتاح عليها لا يكون بإذابة الخصوصية الدينية في المتغيّرات الفكرية، وإنَّما عبر منهج علمي رصين يحفظ أصالة المعارف الدينية ويكشف عن قدرتها علىٰ الاستمرار والهداية في مختلف الظروف.

الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقُّه، وصلَّىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

الهوامش:


(1) هذه النسبية يُعبر عنها بالنسبية المعذرية.

Scroll to Top