الحمد لله ربِّ العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطيبين الطاهرين.
مقدمة:
القرآن الكريم كتابٌ إلهيٌّ سماويّ، متَّصف بجميع الخصائص التي تليق بكلام الله (عزَّ وجلَّ)، وقد أنزله سبحانه وتعالىٰ لهدفٍ أساسٍ ومقصدٍ محوريٍّ هو الهداية، وهذا المقصد لا يُعدّ غرضاً عرضيّاً أو جانبيّاً، بل هو أصل في نزول الكتاب الإلهي، ومناط علّة لإرساله، ومن ثمّ فهو الأساس الذي تُبنىٰ عليه سائر المقاصد التفصيلية.
فالإنسان، الذي هو محور الحركة التكوينية والتشريعية، لم يُخلق عبثاً ولا سُدىٰ، بل خُلق لغايةٍ عظمىٰ، وهذه الغاية لا تنحصر في هذا العالم المادي، الذي هو أحقر العوالم وأضيقها شأناً، بل تمتدّ إلىٰ عوالم أخرىٰ بعده، كما تقدّمه عوالم قبل أن يُولد ويصل إلىٰ هذا العالم، فهو سائرٌ إمّا إلىٰ سعادة أبدية، أو إلىٰ شقاءٍ لا يُقاس، والطريق إلىٰ إحدىٰ النهايتين ليس واضحاً بذاته للإنسان، بل يحتاج إلىٰ بيانٍ وهداية.
من هنا، اقتضت حكمة الله تعالىٰ ولطفه أن يبعث الرسل وينزل الكتب، ليبيِّنوا للناس الطريق القويم، ويأخذوا بأيديهم إلىٰ الغاية التي خُلقوا لها، وكان خاتم تلك الرسالات هو رسالة الخاتم محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وخاتمة تلك الكتب هو القرآن العظيم، الذي أنزله الله تعالىٰ لحاجة الإنسان الملحّة إلىٰ الهداية في هذا المسير الخطير.
ولأجل عظمة الغاية، وخطورة الانحراف عنها، كان القرآن هو الطريق الوحيد الآمن، والدليل الأكمل، والهادي الأوضح، فهو كتاب هداية محض، لا يُمكن أن يُغنىٰ عنه شيءٌ في هذا المجال، ومن ثمَّ، فإنَّه لا طريق للوصول إلىٰ الله سبحانه وتعالىٰ، ولا إلىٰ الكمال الإنساني اللائق، إلَّا من خلال هذا الكتاب الإلهي، فهو السبيل الحصري للهداية، في كل شؤون الحياة، علىٰ مستوىٰ الفرد والمجتمع، فإذا كان القرآن الكريم كتاب هداية إلهية نزل لتحقيق الغاية العظمىٰ من خلق الإنسان، فإنَّ كل كلمةٍ فيه، بل كل حرف، هو مقصود ومراد لله سبحانه وتعالىٰ، لا علىٰ نحو المصادفة أو العفوية، بل هو ما تقتضيه الحكمة المطلقة في مقام البيان الرباني، فلا توجد آية إلَّا ولها مقصد، ولا توجد سورة إلَّا وتندرج ضمن نسقٍ هادفٍ متكامل، يُراد به تحقيق الهداية المرحلية أو الكلية للإنسان.
وفي هذا البحث سنحاول الحديث عن إشكالية مركزية المقاصد وسنسعىٰ إلىٰ معالجتها، وهذه الإشكالية تتمثل في تصنيف التفسير المقاصدي ضمن مناهج التفسير القرآني علىٰ نحو الجزئية أو التبعية؛ أي بوصفه منهجاً خاصّاً إلىٰ جانب المناهج الأخرىٰ كالبياني، والموضوعي، والعقلي، والروائي، وغير ذلك.
كما أنَّ الإشكالية لا تقف عند حدود التصنيف المنهجي بل تتعداه إلىٰ أصل التسمية بـ(التفسير المقاصدي) فهل يصح تسمية هذا التفسير بهذه التسمية أم لا يصح ذلك؟
وتتمحور أهمية البحث ليس فقط في الخصوصية التفسيرية فحسب، بل لارتباطه المباشر بأعظم كلامٍ وهو كلام الله تعالىٰ، وأسمىٰ غايةٍ وهي هداية الإنسان، وأعلىٰ شأنٍ وهو تحديد مصيره الأخروي، فإنَّ مدار الحياة الإنسانية، في سعادتها أو شقائها، إنَّما يتوقَّف علىٰ مدىٰ فَهم الإنسان للخطاب الإلهي، ومعرفة مراده سبحانه من آياته وسوره وكلماته.
وحيث ثبت فيما سبق أنَّ الطريق الموصِل إلىٰ برِّ الأمان، والخلود، والسعادة الأبدية، منحصر عقلاً ونقلاً باتِّباع القرآن الكريم وفهمه فَهماً صحيحاً، فإنَّ البحث في الأساس المقاصدي لهذا الفهم يُعدّ من أشرف الأبحاث وأنفعه، بأنَّ بيان مراد المتكلِّم – وخاصة إذا كان هو الله (جلَّ شأنه) – لا يُدرك من ظاهر الألفاظ وحدها، بل لا بد من الالتفات إلىٰ مقاصده وغاياته الكلية والجزئية.
ولا يفوتنا أن نُشير، دفعاً لأيِّ توهُّم، إلىٰ أنَّ الاتِّباع الصحيح للقرآن الكريم لا يتحقق إلَّا بالتمسّك المتلازم بالعترة الطاهرة (عليهم السلام)، كما دلَّ عليه حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين: «إني تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي…»، غير أنَّ الحديث في هذا البحث مركَّزٌ علىٰ جانبٍ تفسيري مخصوص، وهو بيان المقاصد القرآنية من داخل النص، لا في مقام الحديث عن حجية العترة أو المرجعية الدينية، فاقتضىٰ هذا التنبيه رفعاً لأي اشتباه.
وبعد بيان هذا فإنَّ لهذا البحث عدَّة أهداف، منها:
أوَّلاً: يهدف هذا البحث إلىٰ بيان أن المقاصد القرآنية لا تُعدّ منهجاً تفسيرياً مضافاً إلىٰ غيره من المناهج، بل هي المدخل الطبيعي والضروري لفهم النص الإلهي، وأنَّ الوصول إلىٰ مراد الله سبحانه وتعالىٰ – بحسب الطاقة البشرية – لا يتحقَّق إلَّا من خلال الوقوف علىٰ مقاصده في الخطاب.
ثانياً: ومن لوازم هذا الطرح، أنَّ تسمية (التفسير المقاصدي) لا تصح علمياً بعد نفي المنهجيّة، لأنَّ المقاصد لا تمثِّل منهجاً تفسيرياً خاصاً، بل تمثل أساساً ثابتاً وجوهرياً في عملية الفهم القرآني، وحضورها ضروري في كل منهج معتبر، لا ينفك عنها المفسر مهما كان مسلكه في التفسير.
وسنتحدث في هذا البحث في عدَّة محاور:
المحور الأوَّل: التأسيس المفهومي وفيه أمور:
الأمر الأوَّل: تعريف المقاصد لغة واصطلاحاً.
الأمر الثاني: تعريف التفسير لغة واصطلاحاً.
الأمر الثالث: المقاصد في القران الكريم – المفهوم والأساس -.
المحور الثاني: مقاصد القرآن الكريم وحدة الغاية وتعدد التجليات.
المحور الثالث: المقاصد بنية تأسيسية لا طارئة.
المحور الرابع: الخاتمة والنتيجة النهائية.
المحور الأوَّل: في التأسيس المفهومي:
نرىٰ من الأهمية بمكان أن نبدأ هذا المبحث ببيان مفهوم (المقاصد) من حيث اللغة والاصطلاح، لما لذلك من دورٍ في توضيح مورد البحث وتحديد معالمه بدقة، كما نرىٰ من اللازم الإشارة إلىٰ تعريف (التفسير) بشكل عام، ليتَّضح السياق الذي تُطرح فيه مسألة المقاصد، ومن خلال ذلك تظهر أهمية هذا المطلب، ويتحدد موقعه في دائرة الفهم.
الأمر الأوَّل: المقاصد لغةً واصطلاحاً:
أ – المقاصد في اللغة:
المقاصد جمع (مقصد)، وهو مشتق من الفعل الثلاثي (قَصَدَ)، الذي يدلّ علىٰ التوجُّه نحو أمر بعينه عن إرادة وعمد، قال ابن منظور في لسان العرب: (القصد: استقامة الطريق، قَصَدَ يَقْصِد قَصْداً، فهو قاصِد وقوله تعالىٰ: ﴿وَعَلَىٰ اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (النحل: 9)، أي علىٰ الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة(1).
وكذلك قال الراغب الأصفهاني في المفردات، مادة (قصد): (القصد: استقامة الطريق، ويُقال: قصدتُ قصْدَه، أي نحوتُ نَحوَه).
فالقصد يدل علىٰ التوجُّه المعتدل نحو الغاية، بلا إفراط ولا تفريط، فيكون المقصد هو الغاية المتوخاة من التوجُّه أو الفعل.
ب – المقاصد في الاصطلاح:
المقاصد في اصطلاح الدراسات القرآنية تُطلق علىٰ الغايات والمرامي التي يستهدفها الخطاب القرآني لتحقيقها، بما يحفظ كيان الإنسان فرداً ومجتمعاً، ويوجِّهه نحو الكمال والسعادة ؛ فحيث إنَّ الغاية العليا للقرآن الكريم هي الهداية، كما صرَّحت بذلك آياته البيِّنات، فإنَّ سائر ما ورد فيه من أوامر ونواهٍ، ووعظ وتفصيل، ومثلٍ وقصص، إنَّما يتوجَّه إلىٰ خدمتها، فيرتبط كل حكم أو توجيه بمقصد كلّي من مقاصد الهداية والإصلاح، سواء علىٰ مستوىٰ الفرد أم الأُمَّة.
وبعد أن اتَّضحت – في الجملة – معالم المقاصد القرآنية وموقعها الأساس في بنية الخطاب الإلهي، لا مناص من التوقف عند مفهوم التفسير في ذاته، لما له من صلة مباشرة بمدخل البحث و محورتيه.
فإن تبيَّن المراد من التفسير في النظر العلمي، وكيف تعامل معه جملة من الأعلام في تعريفاتهم، يفتح لنا نافذة لفهم طبيعة العلاقة بين المقاصد والتفسير، وهل يصحّ أن تُدرج المقاصد في عداد المناهج التفسيرية أو أن لها وضعاً تأسيسياً مختلفاً؟
وعليه، فنحن معنيّون في هذا الموضع باستعراض طائفة من تعاريف التفسير، من حيث هو علم وفعل بياني، للوصول إلىٰ رؤية أوضح لمحلّ المقاصد فيه.
الأمر الثاني: تعريف التفسير لغةً واصطلاحاً:
أمَّا لغةً، فقد جاء لفظ التفسير في لسان العرب بعدة معانٍ، منها: البيان، الإيضاح، التفصيل. وهو ما جاء في قوله تعالىٰ:
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: 33).
أي: أحسن بياناً وإيضاحاً، كما نصّ عليه أهل اللغة.
وأمَّا اصطلاحاً… فقد عُرّف التفسير بعدَّة تفسيرات، منها:
الأوَّل: عرَّفه العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قدّس سرّه) بأنَّه: بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها(2).
ويُلاحظ أنَّ التعريف يتكوَّن من مقطعين، حيث يشير المقطع الثاني – الكشف عن مقاصدها ومداليلها – إلىٰ أنَّ الغاية الأساسية من فعل التفسير تكمن في الوقوف علىٰ مقاصد الآيات القرآنية.
فإنَّه قد جعل الوقوف علىٰ مقاصد الآيات القرآنية من صميم حقيقة التفسير، لا أنَّ التفسير علمٌ يمكن أن يُفهم بمعزل عنها، بل إنَّ بيان المقاصد يُعدّ ركناً أصيلاً وأساسياً لا يُستغنىٰ عنه في الكشف عن مراد النص القرآني.
وعلىٰ هذا المبنىٰ، يحدِّد العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في مواضع عدَّة من تفسيره أبرز المقاصد التي يدور عليها القرآن الكريم، وهي:
1 – المعارف الإلهية المرتبطة بأسماء الله وصفاته، دون التعرُّض لذاته المقدّسة، إذ يرىٰ أنَّها أغنىٰ من أن تُعرف.
2 – المعارف المرتبطة بأفعاله تعالىٰ: كالخلق، والأمر، والإرادة، والمشيئة، والهداية، والإضلال، والقضاء، والقدر، إلىٰ غير ذلك.
3 – المعارف المتعلّقة بالوسائط بين الله والإنسان، كالحجب، واللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، وغيرها.
4 – المعارف المتعلّقة بالإنسان قبل نشأته الدنيوية.
5 – المعارف المتعلّقة بالإنسان في الدنيا: كمعرفة نوعه وتاريخه، والنفس الإنسانية، وأصول الاجتماع البشري، ومعرفة النبوة والرسالة، والوحي والإلهام، والدين والشريعة، ومن هذا الباب أيضاً: مقامات الأنبياء كما تُستفاد من القصص القرآني.
6 – المعارف المرتبطة بالإنسان بعد الدنيا: من البرزخ إلىٰ يوم المعاد وما بعده.
7 – المعارف الأخلاقية والسلوكية: كالعبودية، والإخلاص، والأخبات، والإيمان، والإحسان، ومقامات الأولياء(3).
وهذه المقاصد الكبرىٰ يمكن تلخيصها في الأسئلة الوجودية الثلاثة التي حيَّرت العقول: من أين؟ وفي أين؟ وإلىٰ أين؟ وهي الأسئلة التي يتكفَّل القرآن الكريم بالإجابة عليها.
أمَّا آيات الأحكام، فيرىٰ العلامة الطباطبائي (قدّس سرّه) أن بحثها يُرجع إلىٰ علم الفقه، لما فيه من تفصيل يُناسب طبيعة ذلك العلم.
الثاني: عرَّفه الزرقاني بقوله: (علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته علىٰ مراد الله تعالىٰ بقدر الطاقة البشرية)(4).
وقوله: (من حيث دلالته علىٰ مراد الله تعالىٰ) يعبّر عن تقييد البحث في النص القرآني من جهة خصوص بيان مقصوده تعالىٰ، لا مطلق جهات النظر فيه؛ إذ قد تُبحث بعض جهاته من حيث بلاغته، أو وجوه إعجازه، أو القراءات، وهي مباحث لا تصبّ في مقام التفسير بالمعنىٰ الأخص.
فالمراد من (مراد الله تعالىٰ) هو المراد الجدي، وهو المقصود الذي يتوخَّاه المفسّر قطعاً في عمله التفسيري، إذ لا يُتصوَّر في مقام التفسير أن يُبيِّن الإنسان معنىٰ لا يعتقد كونه مراداً إلهياً، وإلَّا خرج عن حدِّ التفسير بالمعنىٰ المصطلح؟ وهذا يعني أنَّ التفسير في جوهره كشفٌ عن المقاصد، فلذا عبَّر بقوله: (من حيث دلالته علىٰ مراد الله تعالىٰ) ومراد الله تعالىٰ أن يكون مقصوداً له (جلَّ شأنه).
ومن باب الفائدة: أنَّ الزرقاني أدرج في تعريفه قيداً مهماً هو: (بقدر الطاقة البشرية)، وهو قيدٌ تنبيهي يشير إلىٰ محدودية الفهم البشري، مهما بلغ من الاجتهاد والقدرة، في الوصول إلىٰ تمام مراد الله الواقعي، إذ الإدراك البشري مقيَّد بقابليته، وليس تامّ القابلية إلَّا المعصوم، لأنَّه متحقِّق بشرائط الإدراك الكامل.
وعليه، فإنَّ هذا القيد وإن لم يُذكر صراحة في سائر العلوم، إلَّا أنَّه جارٍ في جميع المعارف البشرية، ويؤكد أن الفاعل مهما بلغ من الكمال فإنَّ الفهم يظلّ متوقِّفاً علىٰ استعداد القابل.
الثالث: عرَّفه الفاضل اللنكراني (قدّس سرّه) بقوله:
(التفسير الذي مرادنا به هو: كشفُ مرادِ اللهِ تبارك وتعالىٰ من ألفاظِ كتابِه العزيز وقرآنه المجيد، كاكتشاف مراد سائر المتكلّمين من البشر من كتبهم الموضوعة لإفهام مقاصدهم، وبيان مراداتهم…)(5).
وهذا التعريف يبرز نقطتين أساسيتين:
أولاهما: أنَّ جوهر التفسير يكمن في كشف المراد الجدّي لله تعالىٰ، لا مجرَّد استخراج المعاني اللغوية أو الوقوف عند الظواهر البلاغية.
وثانيتهما – وهي علىٰ جانب كبير من الأهمية -: أنَّ الطريق لكشف المراد الجدّي ليس طريقاً خاصاً أو غيبياً، بل هو الطريق العقلائي العام الذي اعتاد عليه الناس في فهم مرادات بعضهم، أي: الاعتماد علىٰ الألفاظ وظهوراتها، كما هو المتَّبع في سائر الخطابات، فالكاشف المعتمد هو أصالة الظهور، لا الكشف ولا الاستخارة أو طرق غير عقلائية، وهذا يؤسس لبحث حجية الظواهر، بوصفها الطريق المعتمد عقلائياً لفهم النصوص، وهو ما ينعكس مباشرة في مناهج التفسير.
ويُستفاد من مجموع هذا التقرير أنَّ التفسير – بحسب هذا المبنىٰ – يقوم علىٰ بيان المراد الجدّي الإلهي، والذي لا سبيل إليه إلَّا ببيان مقاصد النصّ، لأنَّها المنبع الذي يُستلهم منه المراد ويفسّر علىٰ ضوئه خطاب الوحي.
ومن هنا يتَّضح أنَّ المقاصد القرآنية ليست عنصراً خارجياً يُدرج في التفسير، بل هي اللبّ الذي يقوم عليه التفسير ذاته، إذ لا معنىٰ للبحث عن مراد الله تعالىٰ دون سعي لكشف مقاصده من الكلام الإلهي، وهذا ما يجعل الحديث عن (التفسير المقاصدي) بوصفه منهجاً مستقلاً موضع تأمل، لأنَّ المقاصد تمثّل الأصل المؤسِّس للتفسير، لا مجرد أحد مناهجه، وفي ضوء ذلك، سنبحث في المباحث الآتية أبعاد هذا الفهم وآثاره المنهجية.
الأمر الثالث: المقاصد في القرآن الكريم – المفهوم والأساس -:
ومن المناسب قبل الدخول في المفهوم القرآني للمقاصد، الإشارة إلىٰ أنَّ المقاصد قد يُعبّر عنها بألفاظ متعدِّدة تدور في فلكٍ واحد، كـ(الغايات)، و(الحِكَم)، و(العلل)، و(الأغراض)، و(الأهداف)، وغيرها من العبارات التي تُشير إلىٰ ما يقصده الخطاب الإلهي من التوجيه والتشريع والتربية والتزكية، فالمهمّ في المقام هو الالتفات إلىٰ أنَّ هناك توجيهاً إلهياً متعالياً يتضمَّنه النصّ القرآني، ويتحرَّك لتحقيقه علىٰ نحو منظَّم ومنسجم، بما يُشكّل الأساس لفهم المراد الجدّي من كلام الله تعالىٰ، ويُبرز المقاصد لا بوصفها مسألة ثانوية أو اجتهادية، بل بوصفها بُنية تأسيسية في النصّ نفسه، وقد عزَّز القرآن الكريم هذه الفكرة بآياتٍ بيِّنات، منها:
قوله تعالىٰ: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (ص: 29).
حيث يجعل من التدبُّر والتذكُّر غايةً من غايات الإنزال، مما يكشف عن حضور المقاصد في بنية النصّ القرآني.
ومن التدقيق في قوله تعالىٰ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ يتبيَّن أنَّ التدبُّر في ذاته ليس مجرد فعل ذهني، بل هو غاية مقصودة للنصّ القرآني، لما فيه من إحياء للوعي وتنشيط للعقل في التعامل مع الخطاب الإلهي.
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إنَّ التدبُّر يُعدّ كذلك وسيلة كاشفة عن مقاصد الخطاب، إذ لا طريق لفهم مراد المتكلِّم – بحسب الطاقة البشرية – إلَّا بالتأمُّل العميق في بنية النص وسياقاته ودلالاته.
فيكون التدبُّر من جهة غايةً قرآنيةً قائمة بنفسها، ومن جهة أخرىٰ أداةً منهجيةً – واسطة – لفهم الغاية الكبرىٰ من الخطاب، وبهذا تتجلّىٰ دائرية العلاقة بين التدبُّر والمقاصد: فالتدبُّر يؤدِّي إلىٰ المقصد، وهو نفسه مقصد من مقاصد القرآن.
إنَّ المقاصد في الإطار القرآني تُفهم علىٰ أنَّها الغايات العليا والغايات الوسيطة التي تتخلل البنية التشريعية والهدايتية للنص، وتعبِّر عن التوجه العام والهدف المحوري الذي يصوغ الخطاب الإلهي، وهي لا تقتصر علىٰ الأحكام، بل تمتد إلىٰ سائر أبعاد الخطاب: العقائد، القصص، السنن، الوعد والوعيد، المواقف من الإنسان والكون، وهي تمثِّل الوجه المقصود للهداية القرآنية، الذي تتوزع تحته سائر الأوامر والنواهي، والمواقف والمفاهيم.
المحور الثاني: مقاصد القرآن الكريم وحدة الغاية وتعدُّد التجليات:
يتضمَّن القرآن الكريم، في بنائه الهادي، مقاصدَ كلية وخاصة وجزئية، تتوزَّع علىٰ سور القرآن وآياته، وتتكثَّف ضمن مقصدٍ أعلىٰ جامعٍ هو الهداية الإلهية للإنسان، بما يُحقق صلاحه الفردي والاجتماعي، ويضعه علىٰ الطريق المستقيم المؤدِّي إلىٰ كماله اللائق به، بعبارة أخرىٰ: أنَّ لبنية الداخلية للنص القرآني تقوم علىٰ نظام هادٍ، تتكامل فيه المقاصد الجزئية تحت مقصد كليّ هو الهداية، ما يجعل الهداية ليست مجرد مضمون في القرآن، بل منطقاً حاكماً علىٰ تركيبه كله.
وإذا كان بعض العلماء قد صنَّف مقاصد القرآن إلىٰ أبواب وفروع تفصيلية، فإنَّ التأمل الكلي في بنية النص القرآني يكشف عن تقسيم جامع ترتدّ إليه سائر المقاصد والغايات، ويتأسَّس علىٰ أربعة محاور كبرىٰ، يشكل كلٌّ منها مقصداً قرآنياً كلياً:
أوَّلاً: التوحيد:
يمثِّل التوحيد المحور الأوَّل والأعمق في هندسة المقاصد القرآنية، بل هو مقصد المقاصد، الذي تنتظم حوله سائر المضامين.
فلا تخلو آية من آيات القرآن، ولا لفظة من ألفاظه، من حضور التوحيد دلالةً أو تضميناً أو تفرعاً، وتُردّ إليه القصص والأمثال والأحكام والتشريعات، كما تُرد إليه الغايات الوجودية للإنسان.
ومن الشواهد الدالة علىٰ مركزية التوحيد في البناء القرآني أنَّ اسم الجلالة (الله) قد ورد في الكتاب الكريم أكثر من (2660) مرة، في نصّ يتألف من نحو (77439) كلمة،، أي أن ذكر الله وحده يشكّل ما يقارب واحداً من كل ثلاثين كلمة، بل يزيد علىٰ ربع مجموع كلمات القرآن إذا ما أضيفت إليه أسماءه وصفاته، كـ(الرحمن) و(الرحيم) و(العليم) و(القدير)… مما يكشف عن الكثافة التوحيدية في البيان القرآني، ويجعل من التوحيد محوراً يتخلَّل كل موضوع، بل يضبط دلالات المفردات، ويمنحها امتداداً غيبياً مرتبطاً بالله (جلَّ شأنه)، وكلّها تُرسّخ في الذهن البشري فكرة: أنَّ الله هو الحقيقة الأولىٰ التي يُبنىٰ عليها كل شيء.
ولو تأمَّلنا المفردات اللغوية التي كانت مألوفة في الجاهلية قبل نزول الوحي، لرأينا كيف أنَّ القرآن تصرف في دلالاتها، وربطها بالله (عزَّ وجلَّ)، جاعلاً منها أدوات للتوحيد لا مجرد ألفاظ بشرية.
فمن الألفاظ التي طرأ عليها تحوُّل دلالي بعد نزول الوحي، مثلاً لفظ (الزكاة) فقد كانت العرب تستعمله في الأصل للدلالة علىٰ الزيادة والكم، وكما ذكر ذلك ابن فارس: (الزاء والكاف والحرف المعتل أصل يدل علىٰ نماء وزيادة)(6).
إلَّا أنَّ القرآن لم يقتصر في توظيفه لهذا اللفظ علىٰ دلالته بل أعاد توجيه معناها وربطها ببعد تعبدي فغدت الزكاة في المنظور القرآني ليست مجرد نماء وزيادة فقط بل طهارة للمال والنفس يبتغىٰ به وجه الله سبحانه وتعالىٰ.
كما قال تعالىٰ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (التوبة: 103).
وكقوله تعالىٰ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها﴾ (الأعلىٰ: 14).
ويتفرَّع عن التوحيد – باعتباره المقصد الأساس في القرآن الكريم – سائر أصول العقيدة، كالإيمان بالنبوة، وبالإمامة (وفق مدرسة أهل البيت)، وبالمعاد، فإنَّ الإيمان بالله (عزَّ وجلَّ) لا يتحقق علىٰ وجهه التام إلَّا بالإيمان برسله الذين يُبلِّغون عنه، واليوم الآخر الذي تتجلَّىٰ فيه عدالته وحكمته، فلا يُتصور توحيدٌ حقيقيٌ منفصلٌ عن هذين الأصلين، بل إنَّ القرآن يجعل التصديق بالنبوة والمعاد شرطاً لازِماً لتمام الإيمان بالله سبحانه وتعالىٰ.
ثانياً: الإنسان:
يُعدّ الإنسان أحد المقاصد المركزية في الخطاب القرآني، بل المحور الذي تدور حوله أغلب تشريعات الوحي، سواء في البُعد التكويني أو التشريعي أو القيمي، والقرآن الكريم يصوغ إنساناً موحّداً، عابداً، خليفة، ومعمّراً للأرض، إذ الإنسان هو الغاية من الخلق كما في قوله تعالىٰ:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: 29).
ويندرج تحت هذا المقصد الكلّي عدد من المقاصد الخاصة، أهمها:
الخلافة: بمعناها الوجودي والتشريعي، كما في قوله تعالىٰ: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
العبادة: باعتبارها وجهة الوجود الإنساني: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
عمارة الأرض: من حيث الإصلاح والتسخير والتنمية: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ (هود: 61).
ثالثاً: التشريع:
يحوي القرآن الكريم ما يزيد علىٰ (500) آية تتعلَّق بالأحكام الشرعية العملية، وهي تمثل البعد التنظيمي والحقوقي للوجود الإنساني، وتتكفّل ببيان العلاقة بين الإنسان وجميع دوائر الوجود:
1 – علاقته بربِّه: من خلال عباداته ومعاملاته الإلهية.
2 – علاقته بنفسه: بما يشتمل علىٰ تزكيتها وتربيتها و مجاهدتها.
3 – علاقته بأسرته: فيما يندرج في فقه الأسرة، وقد تضمَّن هذا الجانب أكثر من (200) آية.
4 – علاقته بالمجتمع الأوسع: في إطار العلاقات الاجتماعية والسياسية، داخلياً وخارجياً.
رابعاً: الأخلاق:
وهو مقصد أصيل أيضاً، حظي بعناية بالغة في القرآن الكريم، نظرياً وسلوكياً، تأسيساً وتطبيقياً، إذ يُراد من النص القرآني صياغة إنسان أخلاقي، يجمع بين المعرفة بالله والسلوك في سبيله.
خاتمة تحصيلية للمقاصد:
إنَّ مجموع هذه المقاصد الأربعة يشكِّل الإطار البنائي للخطاب القرآني، بل يمكن القول، من باب التحقيق لا المجازفة، أنَّ التوحيد هو المقصد الأعلىٰ، وما سواه من المقاصد يرجع إليه، ومن تأمَّل في الكمّ العددي للآيات المرتبطة بالأصول الثلاثة العقائدية (التوحيد، النبوة، المعاد)، والتي تتجاوز (3500) آية، يُدرك بوضوح التناسب التكويني بين التوحيد وسائر المقاصد الأخرىٰ، مما يكشف عن مدىٰ رسوخ هذا المقصد في عمق البنية القرآنية.
المقاصد بنية تأسيسية لا طارئة:
إنَّ التتبع الموضوعي للنص القرآني يُفضي إلىٰ نتيجة جوهرية، وهي أنَّ المقاصد ليست مقولات تُفرض علىٰ القرآن من الخارج، كما قد يقع في بعض المناهج التأويلية، وإنَّما هي مندرجة في نسيجه، ومؤسسة له في حركته ووظيفته، فالقرآن لا يقدِّم أحكاماً متفرِّقة دون ربطها بمقصد، ولا يعرض مفاهيمه العقائدية بمعزل عن غاية وجودية أو هدايتية، بل كل آيةٍ فيه تشهد – بنحو ما – علىٰ حضور المقصد في صلب المعنىٰ.
ومن هنا، فإنَّ الكشف عن مقاصد النص ليس استحضاراً خارجياً، بل هو تعبير عن بنية داخلية، فالمقاصد ليست أدوات فهم فقط، بل هي موجهات خطاب، ودوافع تنزيل، ومعايير هداية.
بل أكثر من ذلك أنَّ معرفة مقاصد القرآن الكريم لا تنحصر في إطار نظرية التفسير فحسب، بل تمتد لتشمل كلّ منهج في قراءة النص القرآني وفهمه، فإنَّ كلّ منهج وطريقة في فهم النص، سواء أدرجت تحت عنوان التفسير أو التأويل، أو انتمىٰ إلىٰ القراءات الفلسفية والعرفانية أو غير ذلك، ينعكس بالضرورة علىٰ مستوىٰ إدراك المقاصد وبلورة الغايات القرآنية الكامنة، فالمقاصد ليست تابعة لمنهج مخصوص، ولا منبثقة من خصوصيات القراءة نفسها، بل هي حقائق موضوعية كامنة في النص تستكشف بقدر ما يكون المنهج مؤهلا للكشف عنها ووفق ما يتوفر فيه من أدوات معرفية وشرائط استنطاق النص وكيفية الكشف عن مرادات النص في ضوء المنهج المتّبع.
المحور الرابع: الخاتمة والنتيجة النهائية:
تبيَّن ممّا سبق أنَّ (المقاصد القرآنية) ليست إضافة خارجة عن نسيج النص، ولا مفهوماً طارئاً أُلحق به من الخارج، بل هي البنية التأسيسية العميقة التي يقوم عليها الخطاب القرآني ذاته، فالنص لا يُفهم في بعده الحقيقي إلَّا من خلال إدراك مقاصده؛ إذ بها يتَّضح المراد الجدي من الكلام الإلهي، وبدونها يغدو التفسير ضرباً من التجزئ السطحي المبتور.
وعليه، فإنَّ التفسير – في جوهره – ليس مجرد بيان لألفاظ أو استخراج للمعاني اللغوية أو الفقهية، بل هو ممارسة معرفية غايتها استكناه المقاصد التي انبنىٰ عليها النص، ومن هنا، كانت وظيفة المفسّر الحقيقية هي الكشف عن تلك المقاصد وبيان وجه انتظامها في البنية الخطابية للقرآن، وهذا يستلزم بدوره تحرّي المنهجية القادرة علىٰ النفاذ إلىٰ أعماق النص واستنطاق غاياته العليا، لا الاكتفاء بقشور اللفظ وتراكيب البيان.
وبالتالي، فإنَّ من لا يضع كشف المقصد في صلب جهده التفسيري، لا يستحق أن يُعدّ مفسّراً بالمعنىٰ الحقيقي؛ لأنَّه قد أعرض عن جوهر الرسالة القرآنية، وانشغل بعرضها الظاهري، أنَّ التفسير من دون مقصد، كتلاوة من دون فهم، وكمعرفة من دون روح.
ومن هنا تتَّضح مفارقةٌ منهجية دقيقة: أن تسمية (التفسير المقاصدي) في حدِّ ذاتها قد توهم أنَّنا بإزاء (منهجٍ) مضاف إلىٰ مناهج التفسير الأخرىٰ، في حين أنَّ الصواب أن يُنظر إلىٰ المقاصد باعتبارها (روح النص) و(أصله البنيوي)، لا منهجاً طارئاً عليه، فكل تفسير لا يكشف عن المقصد، لا يعدو أن يكون اشتغالاً خارج النطاق الحيوي للنص القرآني.
الخلاصة:
إنَّ مقاصد القرآن الكريم هي روحه الجارية في جميع مفاصله، ولا يُتصوَّر الوصول إلىٰ مراد الله تعالىٰ من خطابه إلَّا عبر إدراكها، فهي ليست أحد المناهج، بل هي الأصل الذي ينبغي أن تستند إليه كل قراءة قرآنية واعية، وتُبنىٰ عليه كل محاولة تفسيرية جادة.
(1) لسان العرب: ج11، مادة (قصد) 353.
(2) الميزان: ج1، 4.
(3) المصدر السابق: 13.
(4) مناهل العرفان: ج3، 2.
(5) مدخل التفسير: 169.
(6) مقاييس اللغة ج3: مادة (زكىٰ)، 17.