الترف في القرآن الكريم

المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيدنا سيد المرسلين محمد وآلة الطيبين الطاهرين.

إنَّ القرآن الكريم كتاب الهداية الخالدة، وقد تضمَّن مُعالجات لمختلف شؤون التي تختص بالحياة الإنسان.

ومن الموضوعات التي وردت في القرآن الكريم موضوع الترف، إذ عرض القرآن حال المترفين وما يترتَّب علىٰ أسلوب حياتهم من آثار خطيرة علىٰ الأفراد والمجتمعات.

وقد جاءت هذه الدراسة لبيان معنىٰ الترف في اللغة والاستعمال القرآني، وبيان الألفاظ القريبة منه مثل (الإسراف، والتبذير، والبذخ، والبطر، والرفاهية المذمومة)، ثم التعرُّض لأقسام الترف ومظاهره، وصفات المترفين وعاقبتهم، وأسباب الترف والنماذج التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأخيرًا طرق العلاج والوقاية من الترف.

اختيار هذا الموضوع جاء بسبب ندرة الدراسات المستقلة التي تناولت الترف بشكل شامل، وقد اعتمدتُ في المنهج علىٰ جمع الآيات الكريمة المتعلِّقة بالموضوع، والرجوع إلىٰ كتب التفسير وكتب اللغة والمصادر الحديثة، مع التوثيق الدقيق للنصوص(1).

معنىٰ الترف في اللغة والاستعمال القرآني:

الترف في اللغة يعني النعمة وسعة العيش والتنعم المبالغ فيه(2).

وقال الصاحب بن عبادة: (التَّرَفُ: التَّنْعِيْمُ في الغِذَاءِ، صَبِيٌّ مُتَرَّفٌ ومَتْرُوْفٌ: مُوَسَّعٌ عليه عَيْشُه)(3).

أمَّا الترف بحسب الاستعمال القرآني فهو: (التنعم باستهلاك وفير من الكماليّات، علىٰ اختلاف أصنافها، أو اقتنائها، أو هو رفه في إشباع رغبات النفس فوق ضروراتها وحاجياتها العادية، ومن ثم فالترف قرين الثراء، ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحاً، وقد بيَّن القرآن أنَّ المترفين أثرياء بلا عقيدة، فقال تعالىٰ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (سبأ: ٣٥)، وأنَّ كثرتهم أو تحكمهم في مجتمع مدعاة لهلاكه)(4).

والترف في الاستعمال القرآني هي: (إراحة النفس والتمتّع بالنعمة وسعة العيش)(5).

وقد ورد لفظ الترف ومشتقاته في القرآن الكريم ثماني مرات، وكلها جاءت علىٰ سبيل الذم، حيث يصوِّر القرآن المترفين بأنَّهم يقفون في وجه دعوات الأنبياء ويعرضون عن الإصلاح، كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (الإسراء: 16).

وفيما يلي الآيات التي ورد فيها لفظ الترف ومشتقّاته وتفسيرها بشكل موجز:

قال تعالىٰ: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ 34 وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (سبأ: ٣٤ و٣٥).

ولقد جاء في تفسير هذه الآية: (أنَّ هذه تسلية لرسول الله (صلّىٰ الله عليه وآله) ممّا منىٰ – أي ابتلىٰ – به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة بالدنيا وزخارفها، والتكبّر بذلك علىٰ المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (مريم: 73)، وأنَّه لم يرسل قطّ إلىٰ أهل قرية من نذير إلَّا قالوا له مثل ما قال لرسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) أهل مكّة وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم علىٰ أمر الدنيا، واعتقدوا أنَّهم لو لم يكرموا علىٰ الله لما رزقهم، ولولا أنَّ المؤمنين هانوا عليه لما حرَّمهم، فعلىٰ قياسهم ذلك قالوا: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أرادوا أنَّهم أكرم علىٰ الله من أن يعذِّبهم، نظراً إلىٰ أحوالهم في الدنيا)(6).

قال تعالىٰ: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلىٰ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣).

أمَّا في هذه الآية المباركة فقد جاء: (أنَّ المقصود من – مترفوها – في هذا الموضع هم الذين أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم فلا يحبّون إلَّا الشهوات والملاهي، ويعافون مشاقّ الدين وتكاليفه)(7).

قال تعالىٰ: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَـرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٣).

جاء في توضيح هذه الآية: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾، أي: بالبعث، ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، قال بعضهم: أترفناهم، أي: بسطنا لهم في الدنيا حتَّىٰ ركبوا المعاصي. وقال بعضهم: المترف: الغني الطاغي. وقوله: ﴿ما هذا إِلَّا بَشَـرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾، ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَـراً مِثْلَكُمْ…﴾ الآية. قد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّهم تناقضوا في قولهم: ﴿ما هذا إِلَّا بَشَـرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ إلىٰ قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَـراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾؛ لما أنَّهم منعوا الأتباع عن أن يتبعوا الرسول ويطيعوه؛ لأنَّه بشر مثلهم، ثمّ طلبوا منهم الطاعة لهم والاتِّباع في أمورهم، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول وفساد)(8).

قال تعالىٰ: ﴿فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦).

وعن هذه الآية فهو كما يأتي: (﴿فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ما كان منهم ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ دين وتميز وفضل ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرضِ﴾ عن الشرك والاعتداء في حقوق الله والمعصية ﴿إِلَّا قَلِيلاً﴾ لكن قليلاً ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ وهم أتباع الأنبياء وأهل الحقّ نهوا عن الفساد ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ آثروا اللذات علىٰ أمر الآخرة وركنوا إلىٰ الدنيا والأموال وما أعطوا من نعيمها)(9).

قال تعالىٰ: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلىٰ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ (الأنبياء: ١٣).

والقول في تأويل قوله تعالىٰ: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلىٰ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ يقول تعالىٰ ذكره: لا تهربوا وارجعوا إلىٰ ما أترفتم فيه، يقول: إلىٰ ما أنعمتم فيه من عيشتكم ومساكنكم(10).

قال تعالىٰ: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ (الإسراء: ١٦).

المعنىٰ: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ﴾ أهل ﴿قَرْيَةً﴾ بعد قيام الحجّة عليهم وإرسال الرسل إليهم ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ المتنعمين فيها بالإيمان والطاعة توكيدا للحجة عليهم ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ بالمعاصي ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: فوجب حينئذٍ علىٰ أهلها الوعيد فأهلكناها إهلاكاً، وإنَّما خص المترفين – وهم الرؤساء- بالذكر لأنَّ غيرهم تبع لهم(11).

قال تعالىٰ: ﴿حَتَّىٰ إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٤).

وفي تفسير هذه الآية، وقوله: ﴿حَتَّىٰ إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ﴾ يعني: كبراءهم بالعذاب ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي: يضجون(12).

قال تعالىٰ: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: ٤٥).

وفي هذه الآية، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يعني متنعّمين، أي: كانوا في الدنيا متكبّرين في ترك أمر الله تعالىٰ(13).

وبعد ذكر الآيات الواردة عن الترف ومشتقّاته في القرآن الكريم وتوضيح معانيها وتفسيرها من الواجب ذكر الألفاظ المرادفة، والتي لها صلة بالترف، وبيان معانيها وصلتها مع موضوع البحث.

الألفاظ ذات الصلة بالترف:

يرتبط الترف في القرآن الكريم بألفاظ أخرىٰ قريبة المعنىٰ، ولكل منها دلالته الخاصة لذلك كان من اللازم أن نخصِّص جزء من البحث لكي نحيط بهذه الألفاظ التي تُعين علىٰ إحاطة المعنىٰ القرآني للترف من جميع جوانبه، فهي ليست مجرد مترادفات، وإنَّما تكشف عن أبعاد الترف وآثاره.

فالإسراف والتبذير يوضحان الجانب المالي، والبذخ يكشف عن مظهر التفاخر الاجتماعي، والبطر يبيِّن حالة الكفر بالنعمة، أمَّا الرفاهية المذمومة فهي صورة لحياة الغفلة والانغماس في اللذات، ومن أبرزها:

الإسراف: مجاوزة الحد في النفقة، سواء كان في الحلال أو الحرام، قال الراغب الأصفهاني: الإسراف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان(14)، وورد في قوله تعالىٰ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْـرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْـرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

التبذير: تفريق المال في غير فائدة، قال ابن فارس: أصله من (بذر) أي نثر(15)، كما في قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ (الإسراء: 27).

البذخ: اللفظ الثالث المرتبط بالترف هو البذخ حيث عرّف في اللغة: (البذخ -محركه-: الكبر بذخ كفرح. وتبذخ: تكبر وعلا(16). وقيل: بذخ يبذخ بذوخاً، فهو باذخ، بذخ الشخص: عظم، تكبّر، افتخر فتعالىٰ في فخره، بذخ الرجل بماله / بما لديه من قوة وسلطان)(17).

البطر: كفران النعمة وعدم شكرها، كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ (القصص: 58)(18).

الرفاهية المذمومة: ليست مذمومة مطلقًا، إلَّا إذا تحوَّلت إلىٰ إسراف وبطر وغفلة عن الله.

الآن يتَّضح أنَّ هذه المفردات ليست بعيدة عن مفهوم الترف، بل بينها علاقة وثيقة وتلازم واضح، فالترف كثيرًا ما يبدأ بالإسراف في المباحات، ثم يتطور إلىٰ تبذير للمال، ويقود إلىٰ البذخ، وينتهي بالبطر وكفران النعمة، وبذلك تكون هذه المفردات بمجموعها صورة متكاملة لظاهرة الترف كما عرضها القرآن الكريم.

أقسام ومظاهر الترف:

سنقدِّم هنا للقارئ في هذا القسم تفصيل لأقسام الترف ومظاهره علىٰ ضوء التحليل القرآني والاجتماعي والإسلامي.

لقد قسم العلماء الترف إلىٰ عدَّة أقسام:

أوَّلًا: أقسام الترف:

يمكن تقسيم الترف إلىٰ أقسام متعدِّدة بحسب زاوية النظر، وأهمّ هذه التقسيمات ما يلي:

١ – الترف الفردي والترف الجماعي:

الترف الفردي: يظهر في سلوك الأفراد الذين يفرطون في الزينة واللباس والمطعم والمركب والمسكن، ويطلبون الرفاه في كل جزئية من حياتهم.

مثال ذلك: ما ورد في القرآن عن قارون الذي قال عنه تعالىٰ: ﴿فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (القصص: 79).

الترف الجماعي (الطبقي): حين تصبح ثقافة الترف عامةً في طبقة أو فئة اجتماعية بأكملها، فتظهر في الأعراف والعلاقات والقوانين والعمران، كما كان في الأمم البائدة التي وصفها القرآن بقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْـرِفُونَ﴾ (الأعراف: 81).

٢ – الترف المادي والترف المعنوي:

الترف المادي: يتمثَّل في المأكل، والملبس، والمركب، والقصور، والفرش، والزينة، والإسراف في كل مظاهر العيش.

الترف المعنوي: يمكن وصفه بأنَّه حال من الغرور والكبرياء وحب الظهور واحتقار الآخرين، وهو أخطر أنواع الترف لأنَّه يقود إلىٰ الفساد والاستعلاء.

٣ – الترف المشروع والترف المحظور:

الترف المشروع: يمكن اعتباره التنعُّم المعتدل المباح الذي لا يوقع في الإسراف ولا يخرج عن حدود الشرع، قال تعالىٰ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ (الأعراف: 32).

الترف المحظور: الترف المحظور يمكن اعتباره التنعّم المفرط المفضي إلىٰ الغرور، الإسراف، ضياع الحقوق، وإهمال الفقراء، وهو الذي يكون سببًا في الهلاك الحضاري للأُمم.

قال تعالىٰ: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ (الإسراء: 16).

ثانيًا: مظاهر الترف:

تتحقَّق مظاهر الترف في:

١ – في الملبس والزينة: المبالغة في أنواع الملابس الثمينة والماركات، الاهتمام بالمظهر أكثر من الجوهر.

٢ – في المأكل والمشرب: تنوّع الأطعمة علىٰ المائدة الواحدة بشكل مبالغ فيه، وانتشار المطاعم الفاخرة والولائم المظهرية.

٣ – في السكن والعمران: التفاخر بالقصور والفلل والديكورات الباذخة، والاهتمام بالمظهر الخارجي أكثر من الوظيفة والمعنىٰ.

٤ – في الحياة الاجتماعية: التباهي في الأعراس والمناسبات والمآتم، وحبّ الظهور في وسائل التواصل.

انتشار عادات التميّز الطبقي والتمييز الاجتماعي.

أمَّا مظاهر الترف فكثيرة، منها: التفاخر بالملبس والزينة، المغالاة في الطعام والشراب، التوسع في المساكن والأثاث، والإفراط في الكماليات التي لا يحتاجها الإنسان.

صفات المترفين وعاقبتهم:

يتميَّز المترفون بصفات سلبية، منها: إنكار الرسل مصداق بارز للآية: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (سبأ: ٣٤)، الفسق والظلم كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦)، والتقليد الأعمىٰ كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلىٰ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23).

وقد بيَّن القرآن أنَّ عاقبة هؤلاء في الدنيا الهلاك العام كما حصل للأُمم السابقة، حيث هلكوا بالطوفان والريح والصاعقة والغرق، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأليم في النار جزاءً علىٰ كفرهم بالنعمة.

أسباب الترف:

لا يخفىٰ ان أسباب الترف تتنوَّع بحسب الزاوية التي يُنظر منها، وهنا يمكن تقسيمها إلىٰ أربعة محاور رئيسة:

أوَّلاً: الأسباب الاقتصادية:

وفرة المال دون رقابة شرعية أو أخلاقية: حين تتكدَّس الثروات بأيدي فئة محدَّدة دون ضوابط أو مسؤولية اجتماعية.

الاعتماد علىٰ الريع لا علىٰ الكسب المشروع: مثل الاعتماد علىٰ الميراث أو الموارد الطبيعية دون جهد.

غياب العدالة في توزيع الثروة: مما يؤدِّي إلىٰ ظهور طبقة مترفة وأخرىٰ فقيرة، فتسود ثقافة البذخ لدىٰ الأولىٰ.

الانفتاح الاقتصادي غير المنضبط: نتيجة تقليد المجتمعات الغربية في أنماط الاستهلاك دون وعي بالقيم الدينية والاجتماعية.

ثانيًا: الأسباب النفسية والاجتماعية:

حبّ المظاهر والرغبة في التفاخر: قال تعالىٰ: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (التكاثر: 1).

ضعف الوازع الديني: مما يجعل الإنسان يرىٰ في المال غايةً لا وسيلة.

التربية علىٰ الدعة والراحة: حيث يُربّىٰ الأبناء علىٰ الكسل والاعتماد علىٰ الغير.

الفراغ القيمي والروحي: فحين يفقد المجتمع هدفه الأخلاقي، يملأه الترف والمظاهر.

 ثالثًا: الأسباب السياسية:

استبداد الحكّام وتكديس الثروة في القصور: وهو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالىٰ:

﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ (الإسراء: 16).

الفساد الإداري والمالي: حيث تُهدر الأموال العامة علىٰ الرفاهية الخاصة.

تسخير الاقتصاد لخدمة الطبقات العليا: ما يؤدِّي إلىٰ تضخم الترف عند فئة قليلة.

رابعًا: الأسباب الثقافية والفكرية:

ضعف الوعي الديني والفكري: مما يؤدِّي إلىٰ تقليد الأنماط المترفة دون نقد، وكذلك التأثُّر بالإعلام وثقافة الاستهلاك: التي تروِّج لفكرة أنَّ السعادة في اقتناء الأشياء.

نماذج قرآنية من المترفين:

عرض القرآن الكريم نماذج واضحة للمترفين، منها:

﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ (هود: 116).

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسىٰ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق(19).

﴿حَتَّىٰ إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ﴾ (المؤمنون: 64).

حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ﴾، قال: المُتْرَفُون: العظماء. ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجُّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا، ولعلّ الجُؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور…)(20).

﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45).

يقول تعالىٰ ذكره: إنَّ هؤلاء الذين وصف صفتهم من أصحاب الشمال، كانوا قبل أن يصيبهم من عذاب الله ما أصابهم في الدنيا مترفين، يعني منعمين.

كما حدَّثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يقول: منعمين.

علاج الترف:

يعدّ الترف مرضًا خطيرًا يلحق أضرارًا بالفرد والمجتمع، وقد يفضي إلىٰ العقاب الإلهي إذا استمرّ، وللتخلّص من هذه الآفة، يقترح البحث عدَّة وسائل علاجية:

الإيمان:

الإيمان هو العلاج الأساسي للترف، لأنَّه يرفع من شأن الروح ويحول القلب بعيدًا عن الشهوات والمتع الدنيوية، ويملأه بمحبة الله وطاعته، يبدأ العلاج بذكر الله والتقرب منه، فتزول محبة الدنيا المفرطة ويحلّ مكانها حب الله، فيصبح القلب مرتاحًا بالإيمان وحده دون التعلق بالملذات.

الصيام:

قال الله تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣)، الصيام يقي الإنسان من الشهوات ويقوّي التقوىٰ، كما يحدّ من سيطرة الشيطان علىٰ الإنسان، توسّع المأكل والمشرب يزيد من تأثير الشيطان، بينما الصيام يضيق مجاريه، فتصبح النفس محمية من الانغماس في الترف والمعاصي.

الصاحب الصالح: للصحبة الصالحة أثر قوي في تعديل سلوك الإنسان، الصحبة الجيدة تذكّر الإنسان بالخير، توجهه نحو الحق، وتبعده عن الشر، النبي (صلىٰ الله عليه وآله) بيَّن أنَّ الإنسان يتأثَّر بدين وأخلاق خليله، ولذلك يجب اختيار الصحبة المؤمنة والتقيّة التي تساعد علىٰ الإصلاح الذاتي.

تذكُّر الموت والآخرة:

تذكُّر الموت يجعل الإنسان مستعدًا دائمًا للمحاسبة ويبعد قلبه عن تعلقه بالدنيا، النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) وصف هذا التذكير بأنَّه يوسّع النفس عند الضيق ويقوّي التوازن بين الخوف والرجاء، هذا التذكير يحفّز المسلم علىٰ الإحسان وعمارة الأرض وتنمية أعماله الصالحة.

الخاتمة:

بعد هذه الجولة في آيات القرآن الكريم وكتب اللغة والتفسير يتبيَّن أنَّ الترف ليس مجرَّد حالة مادية يعيشها الإنسان في ظل النعمة والرخاء، بل هو موقف وسلوك متكامل تتولَّد عنه نتائج خطيرة، فالترف ينشأ من النعمة غير المضبوطة بالاعتدال، ويتطوَّر إلىٰ انغماس في الشهوات، وينتهي إلىٰ إنكار الحق والوقوف في وجه رسالات السماء.

وقد عرض القرآن الكريم صور المترفين في أكثر من موضع ليكونوا عبرة للآخرين، فبيَّن أنَّ الترف هو سبب رئيسي لانهيار الحضارات وزوال الأُمم، كما حصل للأقوام السابقة الذين كفروا بنعم الله، وهنا تتبيَّن الحكمة القرآنية في ربط بقاء النعمة بالشكر، وزوالها بالكفر والطغيان.

إنَّ هذه الدراسة تكشف أنَّ الترف مرض اجتماعي قبل أن يكون فردياً، فهو يبدأ من الشخص المترف ثم يتحوَّل إلىٰ ثقافة عامة داخل المجتمع كما بينا في النصوص القرآنية التي ذكرنها منها: ﴿إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، فيصبح الناس أسرىٰ للمظاهر والمبالغات، وتُهمل القيم الحقيقية، ومن هنا تظهر خطورته؛ لأنَّه يقوِّض أُسس العدالة والتكافل، ويعمِّق الفوارق الطبقية، ويؤدِّي إلىٰ الفساد السياسي والأخلاقي.

ولأهمية الموضوع فقد قدَّمت الشريعة الإسلامية مجموعة سلوكيات تعالج حالة الترف في المجتمع نذكر جملة منها:

– تعزيز الروح الإيمانية، وربط النعمة بالمسؤولية أمام الله.

– إشاعة ثقافة القناعة والاقتصاد في النفقة.

– اعتماد أسلوب الصيام والتربية الروحية في تهذيب النفس.

تربية الأجيال علىٰ البُعد عن الإسراف والبذخ، وربط السلوك الاستهلاكي بالقيم.

ومن هنا يمكن القول: إنَّ مفهوم الترف في القرآن الكريم يتجاوز الدلالة اللغوية إلىٰ كونه منهجاً تحذيرياً يرشد الإنسان إلىٰ طريق الاعتدال، فهو مفهوم أخلاقي واجتماعي واقتصادي في آنٍ واحد، يضع حدودًا واضحة بين الاستفادة من النعم والوقوع في الغفلة والبطر.

وأخيرًا: فإنَّ علىٰ المجتمعات المعاصرة أن تقرأ هذه الدروس القرآنية بوعي، لتدرك أنَّ الترف إذا استشرىٰ فيها سيؤدِّي إلىٰ ما أدَّىٰ إليه في الأُمم السابقة من ضعف وزوال، فالقرآن الكريم لا يذكر قصص المترفين للتاريخ فحسب، بل ليجعلها رسالة حية متجدِّدة تحذِّر كل أُمَّة من الانغماس في الترف، وتدعوها إلىٰ الاعتدال والشكر والعمل الصالح.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 15/ 26.

(2) معجم مقاييس اللغة: 1/345.

(3) المحيط في اللغة، ج٩، الصاحب بن عباد، ص ٤٢٦.

(4) موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة: ١٣٢.

(5) التوقيف علىٰ مهمات التعاريف: ص٩٦.

(6) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:٣/٥٨٥.

(7) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:٤/٢٤٥.

(8) تأويلات أهل السنّة (تفسير الماتريدي): ٧/٤٦٧.

(9) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير الواحدي): ١/٥٣٦.

(10) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ١٧/١١.

(11) تفسير جوامع الجامع: ٢/٣٦٥.

(12) تفسير القمي: ٢/٩٢.

(13) تفسير السمرقندي: ٣/٣٧٠.

(14) المفردات في غريب القرآن: 236.

(15) معجم مقاييس اللغة: 1/345.

(16) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص248.

(17) لسان العرب، مادة (بذخ).

(18) القاموس المحيط، مادة (بطر).

(19) جامع البيان: 15/529.

(20) المصدر السابق: 19/50.

Edit Template
Scroll to Top