خُلق الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء

خلق الأمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء

الحمد لله رب العالمين وصلىٰ الله علىٰ محمد وآله الطاهرين.

تمهيد:

عندما نتأمل في واقعة الطف، نجد أنَّها ليست مجرد معركة دموية بين الحق والباطل، بل كانت مدرسةً أخلاقيةً متكاملة جسّد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه أرقىٰ القيم والمثل.

فالأخلاق لم تكن عند الحسين (عليه السلام) حالة طارئة تُستبدل بالحرب، بل كانت جوهر سيرته في السلم والقتال، في الرخاء والشدة، ولهذا نسلط الضوء في هذا المقال علىٰ أبرز مواقفه الأخلاقية في يوم عاشوراء.

أولاً: تقديس المقدسات وعدم استباحتها:

قدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) درسًا بليغًا في احترام المقدسات، حين غادر المدينة ومكة رغم قداستهما، لئلّا تُستباح حرمة الكعبة بدمه الشريف، لا خوفًا، بل شجاعةً وحرصًا علىٰ قدسية البيت الحرام وهذا يأتي انسجامًا مع الآيات القرآنية التي أكدت أمن البيت الحرام:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ (البقرة: 125).

﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (آل عمران: 97).

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ (العنكبوت: 67).

قال (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية:

«قد خفت أن يغتالني يزيد بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت»(1).

ثانيًا: تجنب القتال وحرصه (عليه السلام) علىٰ إتمام الحجة:

رغم عِلمه بالمصير الذي ينتظره، رفض الإمام الحسين (عليه السلام) أن يبدأ القتال، وأراد أن يلقي الحجة علىٰ القوم ويفتح لهم باب الرجوع، وهو خُلق رفيع من أخلاق المصلحين.

فخطب بهم أكثر من خطبة وابلغ في النصح، وعندما أصرّوا علىٰ القتال، أذن لأصحابه بالدفاع.

ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك، فقال له: دعني حتَّىٰ أرميه، فإنَّ الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه، فقال له الحسين (عليه السلام): «لا ترمه فاني أكره أن أبدئهم بقتال»(2).

ثالثًا: رحمته (عليه السلام) بأعدائه وتعاطفه معهم:

من أبرز المواقف التي لا تُنسىٰ موقفه مع الحر بن يزيد الرياحي، الذي جاء علىٰ رأس ألف فارس لمحاصرة الإمام، ومع ذلك، أمر الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه بسقي العدو وخيولهم، في وقت كانت فيه قطرات الماء أغلىٰ من الذهب.

فقال الحسين (عليه السلام) لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفاً»، ففعلوا وأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقي آخر، حتىٰ سقوها عن آخرها(3).

رابعًا: الوفاء بالعهود رغم قساوة الطريق:

حين عرض الطرماح علىٰ الإمام (عليه السلام) النزول في جبل أجأ وضمن له الأمان والأنصار، أجابه الإمام (عليه السلام) قائلاً:

«إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول، لسنا نقدر معه علىٰ الانصراف»(4).

وهذا يعكس التزام الحسين (عليه السلام) بعهدٍ أخلاقي لا يحيد عنه، رغم إدراكه لخطورة القادم.

خامسًا: خُلقه (عليه السلام) العالي مع أصحابه:

رغم أنَّه قائد معركة كبرىٰ، فإنَّ الإمام (عليه السلام) لم يخاطب أصحابه بخطابات سلطوية أو أوامر عسكرية، بل ملأ قلوبهم رحمةً وعطفًا:

الاحترام والود:

«قوموا رحمكم الله إلىٰ الموت الذي لا بد منه»(5).

الحرية في القرار:

«أنتم في حلّ من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً»(6).

المساواة والعدل:

أمام موقف الحر من منع أنصار الكوفة من الالتحاق بالحسين، قال الإمام:

«هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي»(7).

سادسًا: إنسانيته (عليه السلام) مع الموالي والعبيد:

لما تقدم (جون) مولىٰ أبي ذر، طلب منه الإمام الرجوع، وقال له:

«أنت في إذن مني… فلا تبتل بطريقنا».

لكن (جون) أصرَّ وقال:

والله لا أفارقكم حتىٰ يختلط هذا الدم الأسود بدمائكم.

فلما استُشهد، وقف عليه الإمام (عليه السلام) وقال:

«اللَّهم بيِّض وجهه، وطيِّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد»(8).

سابعًا: قبوله (عليه السلام) لتوبة مَن رجع من أعدائه:

أحد أروع المواقف تجلىٰ مع الحر بن يزيد، حين تاب ورجع إلىٰ الحسين (عليه السلام) وهو يقول:

يا ابن رسول الله، هل لي من توبة؟

فقال الحسين (عليه السلام):

«نعم، تاب الله عليك»، ثم لما استُشهد، قال له: «بخٍ بخٍ، يا حر، أنت حرّ كما سُميت، في الدنيا والآخرة»(9).

خاتمة:

هكذا قدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) أرقىٰ الصور الأخلاقية والإنسانية في يوم عاشوراء؛ فكان (عليه السلام) رحيماً بأعدائه، ساعياً لهدايتهم، وفياً لأصحابه، ثابتاً علىٰ الحق لا تأخذه في الله لومة لائم.

 

 

 

الهوامش:


(1) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج44، ص364.

(2) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج45، ص5.

(3) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج44، ص376.

(4) تاريخ الطبري: ج4، ص307.

(5) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج45، ص12.

(6) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج44، ص316.

(7) تاريخ الطبري: ج4، ص306.

(8) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج45، ص23.

(9) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج44، ص319.

Edit Template
Scroll to Top