المقدمة:
يمرّ الإنسانُ بمنعطفاتٍ كبيرة في حياته، ويتفاوت المؤمنون في كيفية التعامل معها, فبعضهم يستقبلها بكلِّ إيمان وثبات، وبعضهم دون ذلك، وثالث قد يضعف أو ينحرف عند اشتداد الفتن.
لذا ينبغي للمؤمن أن يتعامل مع الأحداث والمنعطفات بروحٍ إيمانيةٍ عالية، ملؤها الإيمان والاطمئنان والصبر والتسليم.
وهذا المعنى نجده واضحاً جلياً في سيرة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وكذلك في سيرة علمائنا الربانيين؛ إذ تعكس حياتهم نماذج مضيئة في الثبات أمام الابتلاءات، والآيات والأحاديث في هذا المجال كثيرة، نذكر في هذا المقال بعضاً منها، مع الوقوف عند هذه المفاهيم الأساسية في شخصية الإنسان المؤمن.
تمهيد:
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
وقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (الأحزاب: 22).
وقال جلّ شأنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
تشير هذه الآيات الشريفة إلى أنَّ المؤمن مهما عصفت به الفتن والأحداث، فلا بدَّ أن يكون ثابت الإيمان، صابراً، مطمئناً، مسلِّماً أمره لله تعالى ولأوليائه.
ومن هذا المنطلق يتناول هذا المقال هذه المفاهيم الأساسية في شخصية الإنسان المؤمن، مستمداً ذلك من القرآن الكريم وكلام النبي (صلَّى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة (عليهم السلام).
أوَّلاً: ثبات الإيمان:
يعدّ الإيمان من الركائز الأساسية في شخصية المؤمن، وبه يدخل الإنسان الجنة، وله درجات ومراتب.
وما يهمّنا هنا هو ثبات المؤمن على إيمانه عند وقوع الفتن والأحداث وعدم تزلزله.
وقد أصَّلَ أئمةُ أهل البيت (عليهم السلام) لهذه الثقافة، خصوصاً في زمن الغيبة الكبرى، فقد وردت جملة من الروايات تؤكِّد ضرورة الثبات على الدين رغم طول زمن الغيبة، منها ما رُوي عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «للقائم منَّا غيبة أمدها طويل، كأنِّي بالشيعة يجولون جولان النَّعَم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقسُ قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة»(1).
وروي أيضاً عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنَّه قال للحسين (عليهما السلام): «التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين، الباسط للعدل… ولكن بعد غيبةٍ وحيرة، لا يثبت فيها على دينه إلَّا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم بروحٍ منه»(2).
ومن الأدعية الشريفة الواردة في طلب الثبات ما جاء فيه: «اللَّهم إنِّي أسألك إيماناً ثابتاً…»(3).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيُّها الناس دينكم دينكم، تمسَّكوا به، لا يُزيلكم أحدٌ عنه»(4).
وقال (صلوات ربِّي عليه): «يا كميل، إنَّه مستقر ومستودع، واحذر أن تكون من المستودعين، يا كميل إنَّما
تستحق أن تكون مستقراً إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن
منهج ما حملناك عليه وهديناك إليه»(5).
عن جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإيمان، فقال: «شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله»، قال: قلت: أليس هذا عمل؟ قال: «بلى»، قلت: فالعمل من الإيمان؟ قال: «لا يثبت له الإيمان إلَّا بالعمل والعمل منه»(6).
ثانياً: الاطمئنان:
ينبغي على المؤمن أن يعيش حالة الاطمئنان القلبي في حياته مهما مرَّت به من شدائد ومتغيِّرات، وهذا الاطمئنان نابع من عمق الإيمان بالله تعالى.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
إنَّ حالة الاطمئنان تمنح الإنسان الراحة والاستقرار والأمن الداخلي، حتَّى في أصعب الظروف، ومن جميل ما ورد في أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية قوله: «واجمع لي الغنى والعفاف، والدَّعَةَ والمعافاة، والصحة والطمأنينة والعافية…»(7).
ثالثاً: الصبر:
يعدّ الصبر من أساسيات شخصية المؤمن في هذه الحياة، وكيف لا يتحلَّى المؤمن بالصبر، وقد مدح الله تعالى الصابرين في آيات عديدة من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153).
وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
وقال جلّ شأنه: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).
لقد أكَّد القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) على صفة الصبر، وضرورة تحلِّي المؤمن بها في كل بليةٍ أو مصيبةٍ أو ابتلاء، بل في كل صغيرة وكبيرة من نكبات الحياة، وكلَّما اشتدَّت الفتن ازداد المؤمن صبراً، لأنَّ فقدان الصبر قد يؤدِّي إلى ضعف الإيمان.
ولهذا شبَّه الإمام الصادق (عليه السلام) الصبر بالرأس من الجسد، فقال: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»(8).
وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «بلغ من لقيتَ من موالينا السلام وقل لهم: إنِّي لا أغني عنهم من الله شيئاً إلَّا بورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفُّوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة، إنَّ الله مع الصابرين»(9).
وروي أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الصابرون؟ فيقوم فئام من الناس ثم ينادي مناد أين المتصبرون؟ فيقوم فئام من الناس»، قلت: جعلت فداك ما الصابرون والمتصبرون؟ فقال (عليه السلام): «الصابرون على أداء الفرائض، والمتصبرون على ترك المحارم»(10).
رابعاً: التسليم:
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: 65).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب: 56).
إنَّ مفهوم التسليم مفهوم قرآني أصيل؛ فالمؤمن يعيش حياته مسلِّماً لله تعالى في كلِّ ما جاء عنه، ومسلِّماً لأوليائه (عليهم السلام)، من غير استكبار ولا اعتراض سواء أدرك المعنى أو لم يدركه فهمه أو لم يفهمه، ومهما كان الإنسان باحثاً عبقرياً عالماً، يبقى عقله محدود قبال قول المعصوم.
ومن جميل ما رُوي في هذا الباب ما ذكره الشيخ الكليني (رحمه الله) عن زيد الشحام قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ عندنا رجلاً يقال له كليب، لا يجيء عنكم شيء إلَّا قال: أنا أسلِّم، فسمَّيناه كليب تسليم، فقال الإمام: «رحم الله كليباً… أتدرون ما التسليم»؟ فسكتنا، فقال: «هو والله الإخبات»، ثم تلا قوله تعالى: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23]»،(11).
ورد في التوقيع الشريف عن الناحية المقدسة الموجه للشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) ما هذا نصه: «فاتَّقوا الله، وسلِّموا لنا، وردّوا الأمر إلينا…»(12).
الخاتمة:
يتبيَّن مما تقدَّم أنَّ الإنسان المؤمن يعيش في حياته اليومية بين أربع ركائز أساسية هي: الإيمان، والاطمئنان، والصبر، والتسليم، وهذه الركائز تشكِّل الأساس المتين لشخصية المؤمن في مواجهة الابتلاءات والفتن.
ونحن اليوم – كمؤمنين – بأمسِّ الحاجة إلى الثبات الإيماني، والاطمئنان القلبي، والصبر الجميل، والتسليم لله تعالى؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يواجه تقلُّبات الحياة من دون هذه المعاني العميقة التي تصنع منه إنساناً ثابتاً راسخاً في إيمانه خصوصاً ونحن في زمان تكالبت علينا الأعداء وتفنَّنوا ببث الفتن بيننا.
والحمد لله ربِّ العالمين.
الهوامش:
(1) بحار الأنوار: ج٥١، ص١٠٩.
(2) بحار الأنوار: ج٥١، ص١١٠.
(3) إقبال الأعمال: ص٦٢٠.
(4) بحار الأنوار: ج٦٥، ص٣٠٩.
(5) تحف العقول: ص١٧٤.
(6) الكافي: ج٢، ص٣٨.
(7) الصحيفة السجادية: ص٢٢١.
(8) بحار الأنوار: ج٦٨، ص٨١.
(9) وسائل الشيعة: ج١٢، ص١٩٥.
(10) بحار الأنوار: ج٧٥، ص١٧٦.
(11) الكافي: ج١، ص٣٩١.
(12) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١٧٩.