الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ نبيِّنا محمد وآله الغر الميامين.
المقدمة:
تُعدّ الدعوة إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ) من أساسيات بعثة الأنبياء والأولياء، وورثتهم من العلماء والصالحين، بل هي الغاية السامية من هذا الوجود الإنساني؛ فقد جاهد المسلمون من أجلها، وسالت في سبيلها الدماء، وهُجّر المؤمنون، والمقصود بالدعوة إلىٰ الله: الدعوة إلىٰ دينه الحق، بما يشتمل عليه من منظومة عقدية وأخلاقية متكاملة وعلىٰ رأس الدعاة الإلهيين نبيِّنا محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله).
وقد قال الله تعالىٰ بحقه: ﴿يا أَيـُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّـراً وَنَذِيراً 45 وَداعِياً إِلَىٰ اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب: 45-46)، وقال سبحانه ﴿وَادْعُ إِلىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلىٰ هُدىٰ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: 67).
التمهيد:
قال الله تعالىٰ:
﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلىٰ رَبِّكَ﴾ (القصص: 87).
تشير هذه الآية المباركة إشارةً واضحة إلىٰ أنَّ الداعي إلىٰ الله، مهما واجه من عوائق ومتغيِّرات، يبقىٰ ثابتاً علىٰ مسؤوليته في الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ ودينه الشريف، كما يتبيَّن منها أنَّ الدعوة لا تقتصر علىٰ العلماء وطلبة العلوم الدينية، بل تشمل كل فرد بحسب قدرته وموقعه.
ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المقال موضوع الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الفضاء الرقمي، مع التركيز علىٰ كيفية تحقيق الأثر الإيجابي والامتثال لضوابط الشرع الحنيف بالواقع الافتراضي، مستنداً إلىٰ جملة من الآيات الشريفة والأحاديث المباركة الواردة عن النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) وعترته الطاهرين (عليهم السلام).
1- الدعوة أصلٌ قرآني:
قال الله سبحانه وتعالىٰ:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَىٰ اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).
توضح هذه الآية الشريفة أنَّ الدعوة واجب علىٰ كلِّ مسلم، سواء في الواقع المباشر أو عبر الفضاء الرقمي.
وكذلك تدل الآية المباركة علىٰ شمولية الدعوة لكلِّ فرد من أفراد المجتمع، ومن هنا يتَّضح أنَّ علىٰ المسلم أن يكون داعيةً إلىٰ الله تعالىٰ، سواء في الواقع الفعلي أم في الواقع الافتراضي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
2- الدعوة بالحكمة والأسلوب الحسن:
لابدَّ أن تقوم الدعوة إلىٰ الله علىٰ أساس الحكمة والأسلوب الحسن، لما لذلك من أثر بالغ في كسب القلوب والتأثير في الآخرين، وفي عصرنا الحاضر تُعدّ مواقع التواصل فضاءً واسعاً لنشر الأفكار ويمكن متابعة الفيديوهات القصيرة الهادفة وكذلك المقالات القصيرة النافعة، غير أنَّ الدعوة إن لم تُقرن بالحكمة والموعظة الحسنة فإنَّها تفقد أثرها المنشود، بل قد تؤدي إلىٰ نتائج عكسية.
قال تعالىٰ: ﴿ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125).
3- الدعوة إلىٰ الخير:
الخير مفهومٌ واسع ذو مصاديق متعدِّدة في حياة الإنسان، وقد رسَّخ القرآن الكريم ثقافة الدعوة إلىٰ الخير، وجعلها من ركائز شخصية المسلم، ومن هنا ينبغي علىٰ أصحاب المنصات الرقمية أن يجعلوا محتواهم دعوةً إلىٰ الخير، بما يسهم في نفع المجتمع، وبناء الوعي، وخلق بيئة آمنة أخلاقياً.
قال تعالىٰ:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَىٰ الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).
4- الدعوة بالسلوك قبل الكلمة:
أصَّل أهل البيت (عليهم السلام) لثقافة الدعوة بالفعل والسلوك قبل القول، ويتجلَّىٰ ذلك بوضوح في أخلاق الإنسان وتعاملاته، ومنها ما يظهر في منشوراته وتعليقاته في مواقع التواصل.
فعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع»(1).
5- خطورة نشر ما يُنكِره الناس:
ليس كلّ ما يُقرأ أو يُسمع صالحاً للنشر، بل لابدَّ من عرضه علىٰ ميزان العقل والشرع، وقد حذَّر الأئمة (عليهم السلام) من نشر ما يُنكر الناس، لما يسببه من نفور عن الدين.
فعن عبد الأعلىٰ قال: قال لي أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام):
«رحم الله عبداً استجرّ مودَّة الناس إلىٰ نفسه وإلينا، بأن يُظهر لهم ما يعرفون، ويكفّ عنهم ما يُنكرون»(2).
6- التحذير من الدعوة إلىٰ الضلال:
يستعمل بعض الناس الكلمة أو الكتابة في نشر الضلال أو الرذيلة، وقد شدَّد الإسلام علىٰ خطورة ذلك.
فعن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام)، عن النبي (صلىٰ الله عليه واله) قال: «من دعا إلىٰ ضلال لم يزل في سخط الله حتَّىٰ يرجع منه»(3).
7- أجر الداعي إلىٰ الله:
بيَّنت النصوص الشريفة عظيم أجر الداعين إلىٰ الله تعالىٰ.
فعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: «قال موسىٰ بن عمران (عليه السلام): إلهي فما جزاء من دعا نفساً كافرة إلىٰ الإسلام؟ قال: يا موسىٰ، آذن له يوم القيامة في الشفاعة لمن يريد»(4).
8- قاعدة أساسية في منهج الدعوة:
عن الزهري، قال: دخل رجال من قريش علىٰ علي بن الحسين (عليهما السلام)، فسألوه عن الدعوة إلىٰ الدين، فبيَّن الإمام (عليه السلام).
وهذا نص الحديث الشريف عن الزهري:
قال: دخل رجال من قريش علىٰ علي بن الحسين (عليهما السلام) فسألوه كيف الدعوة إلىٰ الدين؟ فقال: «تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أدعوك إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ) وإلىٰ دينه، وجماعه أمران: أحدهما معرفة الله (عزَّ وجلَّ)، والآخر العمل برضوانه، وأنَّ معرفة الله (عزَّ وجلَّ) أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزة والعلم والقدرة والعلو علىٰ كلِّ شيء، وأنَّه النافع الضار القاهر لكلِّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ ما جاء به هو الحق من عند الله (عزَّ وجلَّ)، وما سواه هو الباطل، فإذا أجابوا إلىٰ ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما علىٰ المسلمين»(5).
الخاتمة:
إذا استُخدمت وسائل التواصل بحكمة وأخلاق، فإنَّها تصبح من أعظم أدوات الدعوة التي تعمّ الخير وتزيد الوعي.
ومن ضوابط الدعوة في الفضاء الرقمي:
- مواقع التواصل ميدان دعوة، لا ساحات عبث وتفاهة.
- الهاتف قد يكون منبراً علمياً وأخلاقياً، وقد يتحوَّل إلىٰ وسيلة لنشر المعصية.
- كن امتداداً لأخلاق الإسلام التي جسَّدها أهل البيت (عليهم السلام).
- كن داعيةً إلىٰ الدين بأخلاقك قبل أفعالك.
5. الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ مستمرة في كل زمان ومكان.
الهوامش:
(1) وسائل الشيعة: ج12، ص162.
(2) بحار الأنوار: ج2، ص77.
(3) بحار الأنوار: ج2، ص316.
(4) بحار الأنوار: ج66، ص412-413.
(5) وسائل الشيعة: ج15، ص44.