احكام الذبح دراسة فقهية مقارنة

مقدمة المقال:

إنَّ بعض الأعمال في الشريعة الإسلامية ليست مجرَّد فعل يقوم به المكلَّف، بل هي مسألة تعبّدية مهمة في الدين وطاعة الخالق (جل وعلا) من هذه المسائل هو عملية الذبح علىٰ طبق الأحكام الشرعية التي نصَّ القرآن الكريم والنصوص الواردة من العترة الطاهرة (عليها أفضل السلام) عليها.

ففي كلِّ يوم تذبح الملايين من الأنعام وغيرها لتوفير اللحم المستخدم للاستهلاك البشري، ولهذا فإنَّ للمسلم نصيباً منها وهو – الذبح – علىٰ طقوس وشروط جاء بها الشارع المقدَّس وأمر باتِّباعها ولزوم العمل بها.

والسبب البالغ الأهمية في هذه العملية (الذبح) منوط بمأكل المكلَّف الذي يوجب عليه الحلّية وليس مجرَّد فعل يقتصر علىٰ الحصول علىٰ لحم الذبيحة للاستفادة منه فقط، بل عمل مازج بين العبادة والفائدة المادية، من خلال الالتزام بأحكامه وترك نواهيه، فلا شكَّ من أنَّ مأكل المكلَّف له صلةٌ بين روحه وجسده، وهذا مما يرتِّب أثراً علىٰ قوام شخصيته، لذا فإنَّ الحلّية في المأكل والمشرب وطهارتهما ما يكون له دخل في ذلك.

والميزة الأخرىٰ: هو الغذاء الصحِّي الذي تنتجه عملية الذبح من خلال جودة اللحم، مضافاً إلىٰ ذلك فإنَّ الذبح يعتبر رحمة للحيوان، علىٰ غرار ما تقوم ببعض الدول النصرانية حيث شرَّعت تخدير الحيوان قبل الذبح قانوناً.

هدف المقال:

التعرُّف والتطرُّق لآراء فقهاء الإمامية والمذاهب الأخرىٰ في هذه المسألة من خلال كلماتهم، وإبراز موارد الاتِّفاق والاختلاف بينهم في تفصيلات هذه المسألة والنظر في جزئياتها من خلال الآتي:

أوَّلاً: الشروط للذابح:

ثانياً: عملية الذبح: وتشتمل علىٰ:

– أدواته.

– استقبال القبلة.

– التسمية عند الذبح.

– كيفية الذبح.

– الذبح بالآلات الميكانيكية.

هيكلية المقال: وينتظم المقال هنا في هذه المسألة علىٰ مطالب عدَّة:

المطلب الأوَّل: شروط الذابح:

وقد اتَّفق الإمامية مع الجمهور في بعض الشرائط منها:

أوَّلاً: جواز ذبح المرأة والصبي القادر.

ثانياً: أن يكون عاقلاً.

ثالثاً: حلية ذبيحة الجنب والحائض والفاسق وابن الزنا.

أمَّا ما تمَّ الاختلاف عليه: أن يكون مسلماً ولا يجوز غير ذلك، كأن يكون من النصارىٰ أو من اليهود كما هو نظر مشايخ الطائفة (قدس الله أسرارهم): كالمفيد(1) والمرتضىٰ(2) والطوسي(3) وسلّار(4) وأبو الصلاح(5) وابن إدريس(6) وجملة من المتأخِّرين عنهم(7) وقد اجتمعت كلمتهم وكذلك ما دلَّت عليه جملة من المرويات منها:

صحيح حنان بن سدير، قال: دخلنا علىٰ أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وأبي فقلنا له: جعلنا فداك، إنَّ لنا خلطاء من النصارىٰ، وإنَّا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج والفراخ والجداء، أفنأكلها؟ قال: «لا تأكلوها ولا تقربوها، فإنَّهم يقولون علىٰ ذبائحهم ما لا أحبّ لكم أكلها – إلىٰ أن قال: – فقالوا: إنَّا لنقول باسم المسيح»(8).

وموثقة سماعة عن مولانا الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني قال: «لا تقربها»(9).

فضلاً عن تحريم تذكية الكافر منها فقد استدل بقوله تعالىٰ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (الأنعام: 121).

وذهبت طائفة، منهم ابن أبي عقيل وابن الجنيد(10)، والشيخ الصدوق(11) إلىٰ الحلّية، لكن ما اشترط الصدوق هو سماع تسميتهم عليها، وساوىٰ بينهم وبين المجوسيّ في ذلك، صرَّح ابن أبي عقيل(12) بأنَّ الحكم مخصوص باليهود والنصارىٰ تحريم ذبيحة المجوسيّ، أمَّا المتأخِّرون فذهبوا إلىٰ تحريم ذبيحة غير المسلم حتَّىٰ قال صاحب الجواهر (رضوان الله عليه): كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا(13).

وقد أطبق رأي فقهاء الطائفة الإمامية المتأخِّرين (أعلىٰ الله مقامهم وحفظ الباقين منهم) علىٰ تحريم ذبائح غير المسلم ويشمل تحريم الكتابي (اليهود والنصارىٰ) الناصبي، وعدم اشتراط الإيمان في ذلك والمرتكز هو الآية الشريفة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله تعالىٰ: ﴿وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 118-119).

ولدلالة النصوص علىٰ عدم الاشتراط صحيحة قتيبة الأعشىٰ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الذبيحة اسم ولا يؤمن علىٰ الاسم إلَّا مسلم»(14)‌.

أمَّا بخصوص مذاهب الجمهور فينبغي استعراض بعضٍ من أقوالهم فقد قالوا: بالصحة في ذبيحة أهل الكتاب.

قالت الحنفية: ثُمَّ فِيمَا هُوَ المَقْصُودُ وَهُوَ الْأَكْلُ التَّسْمِيَةُ فِيهِ نَدْبٌ وَلَيْسَ بِحَتْمٍ، فَهَذَا هُوَ طَرِيقٌ إلَيْهِ أَوْلَىٰ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَحِلُّ ذَبَائِحُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَىٰ، وَلَوْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ شَرْطاً لَمَا حَلَّتْ ذَبَائِحُهُمْ(15).

وقالت الحنابلة: فقد روىٰ الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي، قال: قال رسول الله (صلىٰ الله عليه [وآله]): «إنَّكم قد تركتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحماً فإن كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كان من ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا»، ولأنَّ كفرهم مع كونهم غير أهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب وإنَّما أخذت منهم الجزية(16).

قال ابن رشد: فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ: فَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَىٰ جَوَازِ ذَبَائِحِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5] وَمُخْتَلِفُونَ فِي التَّفْصِيلِ(17).

وعلىٰ مبنىٰ الشافعية: وخرج بذلك الوثني، والمجوسي، ونحوهما ممن لا كتاب له كعابد الشمس والقمر، فلا تحل ذبيحتهم، لأنَّهم ليسوا من أهل الكتاب والذي تحل ذبيحته لابدَّ أن يكون من أهل الكتاب(18).

وقد أفتىٰ المالكية بحلّية أكل ذبيحة الكتابي: أن لا يهل بها لغير الله، فإذا أهلَّ بها لغير الله بأن ذكر اسم معبود من دون الله كالصليب والصنم وعيسىٰ وجعل ذلك محلَّلاً كاسم الله أو تبرك بذكره كما يتبرَّك بذكر الإله فإنَّها لا تؤكل، سواء ذبحها قرباناً للآلهة أو ذبحها ليأكلها، أمَّا إذا ذكر اسم الله عليها وقصد إهداء ثوابها للصنم كما يذبح بعض المسلمين للأولياء فإنَّها تؤكل مع الكراهة، وإذا ذبحها ولم يذكر عليها اسم الله ولا غيره فإنَّها تؤكل بدون كراهة، لأنَّ التسمية ليست شرطاً في الكتابي.(19)

المطلب الثاني: شروط الذبح:

ويشتمل هذا المطلب علىٰ عدَّة مقاصد، منها:

المقصد الأوَّل: آلة الذبح:

وقد أُثيرت هذه المسألة بعد بروز (الاستيل) في صناعة السكاكين والآلات القاطعة المستخدمة في ذبح الحيوان، وقد انبرىٰ جمع من مراجع الطائفة بعد استفتاءهم من قبل المؤمنين بالجواب عنها، وهل كونه من أنواع الحديد أو هو من جنس آخر وقد وقع الخلاف بين أهل الجمهور والإمامية في هذه المسألة فقد أفتىٰ أعاظم طائفتنا (رضوان الله عليهم) بالتحريم اختياراً بالذبح بغير الحديد، منهم: المفيد(20) وأبو الصلاح(21) والشيخ(22) وابن البراج(23) والسيد ابن زهرة(24) والمحقق(25) والعلامة(26) والشهيدان(27) والمقدس(28) وصاحب الجواهر(29) والشيخ الأعظم(30).

أمَّا معتمد المذاهب الأخرىٰ في حلّية الذبح بغير الحديد اختياراً فهو جملة من الأخبار والمرويات بطرقهم وقد استند ابن قدامة(31) والقرطبي(32) علىٰ حديث رافع بن خديج عن النبي الأكرم (صلىٰ الله عليه وآله):

«ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلَّا السن والظفر»، لكن واقع الحال ينفي الإطلاق في ذلك فقد ورد صحيحي البخاري ومسلم: من أنَّ ابن خديج سأل النبي (صلىٰ الله عليه وآله) عن الذبح مع عدم توفر لوازم الذبح وهم في حالة الحرب أو السفر، قال: يا رسول الله إنَّا نكون في المغازي والأسفار فنريد أن نذبح فلا يكون مدىٰ، قال: «أرن ما أنهر الدم أو نهر وذكر اسم الله فكل غير السن والظفر»(33)، والحاصل من هذا الخبر هو الخصوصية في زمان معيَّن وعدم الإطلاق كما أفتوا به.

واستدل الأحناف: أنهر الدم بما شئتم واذكروا اسم الله عليه(34).

والمتحصِّل من ذلك: إنَّ عدي بن حاتم قد سأل النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) في حالة الصيد فقط ولا مجال للإطلاق كما صرَّح به هؤلاء والإنصاف فإنَّ جملة من المرويات قد وردت في هذا الشأن نذكر منها:

صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الذَّبِيحَةِ بِاللِّيطَةِ وبِالمَرْوَةِ، فَقَالَ: «لَا ذَكَاةَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ»(35).

وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن ذبيحة العود والقصبة والحجر، قال: «فقال علي (عليه‌ السلام): لا يصلح الذبح إلَّا بحديدة»(36).

وقد أجاب الفقهاء المعاصرون (أعلىٰ الله مقامهم وحفظ الباقين منهم) عن هذه المسألة خصوصاً مع ندرة صنع السكين والآلة الحادة من الحديد، بل الغالب هو من (الإستيل).

فقد أفتىٰ كلٌّ من السيد الحكيم(37) والسيد الخوئي(38) بعدم الجواز اختياراً، أمَّا السيد السيستاني (دام ظلّه الوارف) فقد قال: (أن يكون الذبح بالحديد مع الإمكان، فلا يكفي الذبح بغيره حتَّىٰ الحديد المخلوط بالكروم ونحوه المسمَّىٰ بـ(الإستيل) علىٰ الأحوط لزوماً. نعم، من ذبح به عن نسيان أو جهل يعذر فيه حلَّت ذبيحته وإذا لم يوجد الحديد جاز ذبحها بكلِّ ما يقطع الأوداج من الزجاجة والحجارة الحادّة ونحوهما، حتَّىٰ إذا لم تكن هناك ضرورة تدعو إلىٰ الاستعجال في ذبحها كالخوف من تلفها بالتأخير)(39).

لكن السيد الشبيري الزنجاني أفتىٰ بالحلّية: (أن يكون الذبح بآلة حادّة يتعارف الذبح بها كالسكين، ولا يجب أن تكون مصنوعة من الحديد؛ فلا إشكال في الذبح بالسكين المصنوعة من الإستيل وإن كان يعلم أنَّ الإستيل غير الحديد)(40).

المقصد الثاني: استقبال القبلة:

نص فقهاء الإمامية علىٰ وجوب استقبال القبلة عند الذبح(41)، والحجَّة في ذلك ورود الروايات في هذه المسألة، منها ما جاء عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الذَّبِيحَةِ فَقَالَ (عليه السلام): «اسْتَقْبِلْ بِذَبِيحَتِكَ الْقِبْلَةَ، وَلَا تَنْخَعْهَا حَتَّىٰ تَمُوتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ ذَبِيحَةٍ مَا لَمْ تُذْبَحْ مِنْ مَذْبَحِهَا»(42)‌، بل الإجماع(43) أمَّا لو لم يذبح باتِّجاه القبلة بسبب النسيان أو الجهل بالحكم أو عدم العلم باتِّجاهها صحَّ ذلك(44).

أمَّا فقهاء العامة فقد قالت الشافعية: بالاستحباب وقد حكي عن الشافعي: وأحب أن يوجه الذبيحة إلىٰ القبلة.

واستنادهم في ذلك ما روي عن جابر بن عبد الله، قال: ضحَّىٰ رسول الله (صلىٰ الله عليه [وآله] وسلم) بكبشين أقرنين، فلمَّا وجَّههما قرأ: «وجَّهت وجهي…»، وقد علّق الماوردي بهذا الشأن: ولأنَّه لابدَّ في ذبحها أن يتوجَّه بها إلىٰ جهة، فكانت جهة القبلة أفضل لقول النبي (صلَّىٰ الله عليه [وآله] وسلم): «خير المجالس ما استقبل به القبلة ولأنَّها قربة»(45)، واستدل بها النووي(46) والأحناف كما حكاه الكاساني(47) وتبعهم في الاستحباب الحنابلة كما قيل(48)، لكن ما نُقل عن مالك غير ما ذهب إليه أصحاب المذاهب: أَرَأَيْت مَالِكاً هَلْ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ تُوَجَّهَ الذَّبِيحَةُ إلَىٰ الْقِبْلَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ إلَىٰ الْقِبْلَةِ، قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْجَزَّارِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَىٰ الْحُفْرَةِ يَدُورُونَ بِهَا فَيَذْبَحُونَ الْغَنَمَ حَوْلَهَا، قَالَ: فَبَعَثْتُ فِي ذَلِكَ لِيُنْهَىٰ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرْتُ أَنْ يَأْمُرُوهُمْ أَنْ يُوَجِّهُوا بِهَا إلَىٰ الْقِبْلَةِ(49).

وقد خالفه المواق حيث قال: مِنْ السُّنَّةِ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَىٰ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُكِلَت وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، وَنَهَىٰ مَالِكٌ الْجَزَّارِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْحُفْرَةِ يَذْبَحُونَ حَوْلَهَا وَأَمَرَهُمْ بِتَوْجِيهِهَا إلَىٰ الْقِبْلَةِ(50).

ومن ذلك عرفت ما ورد عن الإمامية وما أفتىٰ به البعض من مذاهب العامة.

المقصد الثالث: التسمية عند الذبح:

أجمع فقهاء الإمامية (رضوان الله عليهم) علىٰ وجوب التسمية عند الذبح، أمَّا في حال النسيان أو السهو فقد أجازوا في ذلك، والمستند في ذلك مما ورد عن حريز عن محمد بن مسلم، في حديث أنَّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ذبح ولم يسم؟ فقال: (إن كان ناسياً فليسمِ حين يذكر ويقول: بسم الله علىٰ أوِّله وآخره»(51).

ويجزي في التسمية عند الذبح التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد ومستنده ما راه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن رجلٍ ذبح فسبح أو كبَّر أو هلَّل أو حمد الله؟ قال: (هذا كلّه من أسماء الله لا بأس به)(52).

أمَّا بخصوص فقهاء الجمهور: الحنفية: أنَّ التسمية واجبة، ولو تركت عمداً لا تحل الذبيحة ولا الصيد، وإن تركت نسياناً حلَّ الأكل منهما(53).

والشافعية: أنَّ التسمية عند الذبح والصيد ليست واجبة ولكنها سُنَّة، لو تركت عمداً أو سهواً حلَّ الأكل، والواجب هو عدم ذكر اسم غير الله(54).

أمَّا مذهب الحنابلة: وجوب التسمية، وعدم حل ما تركت التسمية عليه عمداً أو جهلاً، أما إن تركت سهواً فيحل الأكل(55).

المالكية: قد وقع الخلاف بينهم في هذا الشأن فقد أفتىٰ البعض بالإيجاب: وجوب التسمية وعدم حلّ ما تركت التسمية عليه عمداً، وحل ما تركت التسمية عليه نسياناً، وهو المعتمد، أمَّا الرأي الآخر كمذهب الشافعية(56).

وادَّعىٰ ابن تيمية الوجوب في ذلك(57).

المقصد الرابع: كيفية الذبح:

عرف أهل اللغة الذبح بأنَّه: قطع الحلقوم من باطن عند النصيل، وموضعه المذبح، والذبيحة: الشاة المذبوحة والذبح: ما أعد للذبح وهو بمنزلة الذبيح والمذبوح، والمذبح: السكين الذي يذبح به(58).

ويقال أيضاً: بأنَّه قطع الأوداج الأربعة التي هي: المريء (مجرىٰ الطعام) والودجان (يحيطان بالمريء) والحلقوم (مجرىٰ التنفس)، ونسب صاحب الجواهر (رضوان الله عليه) الشهرة في هذا وحكىٰ الإجماع(59) عن ابن فهد(60) في ذلك.

أمَّا الحنفية: صرَّح البعض منهم باشتراط الأربعة(61)، وقال البعض الآخر بكفاية قطع ثلاثة أوداج كما هو غالبهم(62).

أمَّا الشافعية: قال صاحب مذهبهم: وأقل ما يجزئ من الذكاة أن يبين الحلقوم والمريء(63).

وتبعهم الحنابلة: لابدَّ من قطع كل الحلقوم مجرىٰ النفَس والمري مجرىٰ الطعام؛ لأنَّ الحياة تفقد بفقدهما(64).

وقال المالكية: لابدَّ من قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين، ولا يشترط قطع المري عندهم، وهو المشهور بينهم(65).

المطلب الثالث: الذبح بالماكنة:

أجاب الفقهاء الأعاظم (أعلىٰ الله مقامهم وحفظ الباقين منهم) علىٰ كلِّ مسألة: منها مما يبتلىٰ به المكلَّف وحتَّىٰ مما لا يبتلىٰ به، وهذه من المسائل الابتلائية حيث تعتبر من تطوُّرات العصر فلم يعهد ذلك في الأزمنة السابقة.

وتشتمل علىٰ عدَّة طرائق:

الطريقة الغير الشرعية: وتشتمل علىٰ:

الأنعام: التخدير، إطلاق العيار الناري، الصعق الكهربائي وهذه محرَّم عندنا ولا داعي للتطرق إليه.

الدجاج: الصعق الكهربائي، الصعق بالهواء المنفجر.

الطريقة الشرعية للذبح بالماكنة:

الإمامية: أفتىٰ البعض منهم بحلية ذلك بشرط أن يكون مراعياً فيه الشرائط المذكور في هذا الباب كأن يكون الذابح مسلماً، ذاكراً للتسمية، مستقبلاً القبلة، آلته الحديد، قاطعاً للأوداج الأربعة(66).

وقد أضاف السيد السيستاني (دام ظله): ويجزيه أن يكرّر التسمية وأن ذبح خلال تسمية واحدة ثلاثة أو أربعة(67) وهو قريب نظر السيد الروحاني (قدس سره)(68).

رأي الجمهور:

وقد حكم مجلس مجمع الفقه الإسلامي بالحلية في مسألة الذبح في الآلة بحسب الشروط المتبعة الشرعية(69).

وقد أفتىٰ دار الإفتاء المصرية بصحة الذبح الآلي إذا تطابق مع شروط الذبح عندهم(70).

خلاصة البحث:

فقد تبيَّن مما تقدَّم من أهمية هذه المسألة كونها مرتبطة في مأكل المكلَّف وصيانته عمَّا حرَّمه الله تعالىٰ وليس مجرَّد إزهاق للحيوان لغرض الاستفادة منه، وقد عرفت من تناول الفقهاء من الإمامية وغيرهم من المذاهب الأخرىٰ في البحث في – الذبح – بالحلية حسب الشروط التي أفتوا بها وبحثوا فيها من خلال استنادهم للنصوص الشرعية من القرآن الكريم والسُنَّة المعصومية (سلام الله عليهم).

 

 

 

الهوامش:


(1) المقنعة: 579.

(2) الانتصار: 188.

(3) النهاية: 582.

(4) المراسم: 209.

(5) الكافي في الفقه: 277.

(6) السرائر: 3/87-105-106.

(7) الجامع للشرائع: 382 ؛ قواعد الأحكام: 2/153؛  تحرير الأحكام: 2/158؛ الدروس الشرعية: 2/410 .

(8) الوسائل: الباب٢٧، من أبواب الذبائح، ح٣.

(9) تهذيب الأحكام: ج9، ص63، ح266.

(10) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 679.

(11) المقنع: 140.

(12) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 679.

(13) جواهر الكلام: 36/80.

(14) الوسائل: 16/284 ح8.

(15) المبسوط للسرخسي: 11/237.

(16) الشرح الكبير علىٰ متن المقنع: 11/48.

(17) بداية المجتهد: 2/212.

(18) إعانة الطالبين: 2/392.

(19) الفقه علىٰ المذاهب الأربعة: 2/24.

(20) المقنعة: 578.

(21) الكافي في الفقه: 74.

(22) النهاية: 538.

(23) المهذب: 2/439.

(24) الغنية (مطبوع ضمن الجوامع الفقهية): 618.

(25) المختصر النافع: 249.

(26) قواعد الأحكام: 204.

(27) اللمعة الدمشقية: 7/212؛ مسالك الأفهام: 2/226.

(28) مجمع الفائدة والبرهان: 11/91.

(29) جواهر الكلام: 12/587.

(30) لوامع النكات: 6/35.

(31) الشرح الكبير:11/50.

(32) الجامع لأحكام القرآن: 6/53.

(33) صحيح البخاري: 6/233.

(34) المبسوط للسرخسي: 12/2؛ بدائع الصنائع: 6/2768.

(35) الكافي: 6/227.

(36) الاستبصار: 4/80.

(37) منهاج الصالحين: 2/357.

(38) منهاج الصالحين: 2/336.

(39) المسائل المنتخبة: مسألة 1191.

(40) المسائل الشرعية: 597.

(41) المقنعة للمفيد: 419.

(42) الكافي: 12/168.

(43) الخلاف: 6/50؛ كشف اللثام: 3/154؛ جواهر الكلام: 36/110.

(44) النهاية: 1/583؛ إرشاد الأذهان: 2/108؛ مسالك الأفهام: 1/160؛ رياض المسائل: 12/100.

(45) الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي: 15/95.

(46) المجموع: ٨/٤٠٨.

(47) بدائع الصنائع: 5/60.

(48) المغني: 9/398.

(49) المدونة: 1/534.

(50) التاج والإكليل: 4/331.

(51) وسائل الشيعة: 24/30.

(52) تهذيب الأحكام: 9/59.

(53) الدر المختار وحاشيته: 6/299.

(54) مغني المحتاج: 6/105.

(55) كشف القناع: 6/208.

(56) بلغة السالك لأقرب المسالك: 2/171.

(57) مجموع الفتوىٰ: 39/239.

(58) العين: 3/202.

(59) جواهر الكلام: 36/105.

(60) المهذب البارع في شرح المختصر النافع: 4/168.

(61) تحفة الفقهاء: 3/68.

(62) فتح الباري: 9/552.

(63) الحاوي الكبير: 15/88.

(64) المغني: 8/575.

(65) بداية المجتهد: 1/431.

(66) إرشاد السائل: 130.

(67) استفتاءات الموقع الرسمي لمكتب السيد السيستاني (دام ظلّه).

(68) المسائل المستحدثة: 139.

(69) مجلة مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات المجمع، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ع10، ص228-229.

(70) دار الإفتاء المصرية/حكم الذبح بالصعق الكهربائي.

Edit Template
Scroll to Top