المقدمة:
إنَّ الله سبحانه وتعالىٰ خلق الإنسان وكرَّمه علىٰ خلقه، وفضَّله علىٰ العالمين، مبرهناً علىٰ هذه الحقيقية التي لا مراء فيها، بقوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 70).
وإنَّ هذا التكريم والتفضيل لبني آدم، يتمثَّل في إحسان خلقه بأكمل صورة وأجلّ مظهر، ومنحه العقل الذي يدرك به كل ما يحيط به، وكذلك زوَّده بالقدرة علىٰ التفكير والنطق، لذا فإنَّ المعروف بين البشر أنَّ الله تعالىٰ خلق الإنسان في أحسن تقويم، ويقصد بها خلق الله الإنسان بصورة متوازية ومناسبة حسية وروحياً(1).
والمسألة التي بين يدي القارئ اللبيب، من أهم وأعقد المسائل من الناحية الفقهية الشرعية، ومن الناحية القانونية (التشريح لبدن الآدمي)(2) لاختلاف أهل الاختصاص فيها من الفقهاء وأهل القانون، بين الجواز والإباحة، من حيث تشريح بدن الميت الآدمي، أو قطع بعض أجزائه، أو بيع عضو من أعضائه، فكان لفقهاء المذاهب الإسلامية وقفة بين محرِّم ومبيح، وما كان لشيء أن يستجد إلَّا وله حكم في كتاب الله، لقوله تعالىٰ: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 38)، وفي سُنَّة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) لقوله: «ما من واقعة إلَّا وكان لله فيها حكم»(3)، وصحيحة علي بن إبراهيم، فقد ورد في الكافي الشريف: عن محمد بن عيسىٰ، عن يونس عن حماد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلَّا وفيه كتاب أو سُنَّة»(4).
نتيجة لذلك: فإنَّ هذا البحث يقدِّم محاولة لبيان ما في هذا الأمر من حكم شرعي ورأي قانوني، أنَّ عصراً كعصرنا هذا تتلاحق فيه التطورات العلمية، لاسيما علىٰ الصعيد الطبي، وما يرتبط به من عصر التطوُّر التقني – الإلكتروني مما توصَّلت له الحضارة الإنسانية.
إلَّا أنَّنا اليوم بحاجة ماسة إلىٰ البحث عن الأُطر القانونية السليمة، لوضع هذه المبتكرات العلمية علىٰ المسار الصحيح، نحو مزيد من الإبداع، ومما لا شكَّ فيه أنَّ لعقيدتنا الغراء الدور الأساسي والصحيح لرسم هذا المسار، وإضفاء الشرعية علىٰ أُسسهِ، وفق الأدلة الشرعية، فقد كرَّست هذه الدراسة للبحث في أحد الموضوعات العلمية المتجدِّدة، ألا وهو علم التشريح، فمن خلال هذا البحث المبارك أن نتوصَّل إلىٰ الرأي الفقهي، وكذلك القانوني.
أهمية الموضوع:
إنَّ أهمية موضوع علم التشريح، تتجلَّىٰ في الصراع بين معصومية الجسد البشري، وبين الحداثة التي تبهرنا في إنجازاتها، وابتكاراتها المذهلة والمؤثِّرة في جسم الإنسان، عن طريق شقّ صدر وبطن الميت الآدمي، لأعراض كثيرة سوف نتعرَّض لها، بل وحتَّىٰ في جسم الحيوان والنبات، بحيث يتعيَّن علىٰ التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، إيجاد أُسس وضوابط تحكم هذه المستجدات وتقوّمها.
وبناءً عليه فإنَّ هذا الإنجاز الطبي والعلمي أثار العديد من التساؤلات الدينية والقانونية، حول مدىٰ مشروعية التصرُّف بالأعضاء البشرية ونطاقه، وتطاير الحدود التي يلتزم الأطباء بالوقوف عندها في عملهم، والمسؤولية الناجمة من ذلك، وغيرها من التبادلات والإشكالات التي تتكفَّل هذه الدراسة، بطرح الأجوبة والحلول والمقترحات بشأنها.
الغرض من الموضوع:
أصبح وجيهاً التعرُّض إلىٰ هذه المواضيع الابتلائية، وبشكل مفصَّل حتَّىٰ يتسنَّىٰ معرفة الأحكام الشرعية، وخاصةً في مثل هذه الموارد، التي تتعلَّق في بدن الإنسان المسلم الميت، وتشريحه بما يلائم وطبيعة التشريح الذي لا يستلزم هتك حرمته أو التمثيل به، فإنَّ لكلِّ واحدة من هذه الأمور حكماً يتعلَّق به لأنَّ الأحكام تدور مدار موضوعاتها فقطع الرأس له حكماً وشق البطن له حكماً وإخراج الحي من الميت له حكماً وهكذا، فالغرض إيضاح هذه الأحكام الشرعية في التشريح.
سبب اختيار الموضوع:
معرفة أنَّ الدين الحنيف وتعاليمه السمحاء تكون صالحة لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولكلِّ المستحدثات، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، فلابدَّ من معرفة الأحكام الشرعية للمسائل المستحدثة، ولا سيما علم التشريح، وخاصةً بعد شيوع هذا العلم، وتطوُّره بشكل ملفت للنظر، لذا أصبح من الواجب علىٰ العلماء بيان لأحكام الشرعية المتعلقة بتشريح بدن الآدمي، أو نقل أي عضو من أعضائه، أو التصرُّف به، وكذا الحكم القانوني الوضعي في هذه المسألة(5).
والتشريح المبحوث عنه في هذا المقال، هو عبارة عن تشقُّق أجزاء البدن بعد الموت، وملاحظتها من جهة تأثير الأمراض، أو من جهة حل بعض الإشكالات، أو من جهة معرفة موت الجنين في بطن أُمِّه، أو غير ذلك(6)، أو شق جلد الإنسان الميت، وفتح جثته، والنظر في أعضائه الداخلية، بهدف الكشف عن سبب مرض، أو لمصلحة التعليم، أو القضاء(7).
أمَّا حكم التشريح من الناحية الشرعية:
مما لا خلاف فيه، ولا إشكال حرمة التشريح لبدن المسلم الميت للنصوص النبوية الشريفة، والروايات المروية عن أئمة الهدىٰ (عليهم السلام)، الدالة علىٰ حرمة التمثيل ببدن المسلم الميت، فضلاً عن كونه حيًّا، كالعلوي المروي عن مالك بن أعين قال: حرض أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بصفين، فقال: «… ولا تمثِّلوا بقتل»(8).
وبما أنَّ التشريح من أقسام التمثيل أو المثلىٰ، بل أشد منها في بعض الأحيان، من قبيل تقطيع بعض الأعضاء أو الأطراف، أو النقل منها إلىٰ أطراف أخرىٰ، لذا أفتىٰ جلّ العلماء المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين بحرمته، ما لم تكن هناك ضرورة متوقفة عليه(9).
قال الشيخ الجواهري: (ولا يجوز التمثيل بهم بقطع الآناف والآذان ونحو ذلك في حال الحرب، بلا خلاف أجده فيه سمعته من النهي في بعض النصوص السابقة)(10).
والمقال مرتب علىٰ عدَّة نقاط، وكما يلي:
النقطة الأولىٰ: التأصيل العلمي لمفهوم التشريح والمسار التاريخي:
التشريح لغة: أنَّ الشرح والتشريح قطع اللحم عن العضو قطعاً، وقيل قطع اللحم علىٰ العظم قطعاً، والقطعة منه شرحة وشريحة، وقيل الشريحة القطعة من اللحم المرققة، الشرحة من الضباء الذي يجابه يابساً، كما هو لم يقدّد خذلنا شرحة من الضباء، وهو لحم وقد شرَّحته وشرَّحته، والتصفيف من التشريح هو ترقيق البعض من اللحم حتَّىٰ يشف من دقته يبقىٰ علىٰ الجمر، والشرح الكشف(11).
قال الفيومي: (شرح الله صدره للإسلام شرحاً وسعةُ لقبول الحق، وتصغير المصدر شريح وبه سمّىٰ ومنه القاضي شُريح، وكني به أيضاً ومنه أبو شريح، واسمه خويلد بن عمرو الكعبي، ومنه اشتق اسم المرأة شُراحة الهمدانية، مثال بساطة وهي التي جلدها علي ثم رجمها، وشرحت الحديث شرحاً، بمعنىٰ فسَّرته وبيَّنته وأوضحت معناه، وشرحت اللحم قطعته طولاً، والتثقيل مبالغة وتكثير)(12).
شرح كمنع: كشف يقال: شرح فلان أمرهُ، أي أوضحه، وشرح مسألة مشكلة: بينها، وهو مجاز، وشرح: قطع اللحم عن العضو قطعاً، وقيل: قطع اللحم علىٰ العظم قطعاً كشرح تشريحاً… وشرح الشيء يشرحه شرحاً فتح وبين وكشف… والشرح البيان والفهم والفتح والحفظ وشرح البكر افتضها، أو شرحها إذا جامعها مستلقية، وعبارة للسان: وشرح جاريته إذا سلقها علىٰ قفاها ثم غشيها(13).
قال ابن عباس: (كان أهل الكتاب لا يأتون نساءهم إلَّا علىٰ حرف، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً)(14).
التشريح اصطلاحاً: التشريح بمعناه المصطلح بزماننا، هذا عبارة عن تشقيق أجزاء البدن بعد الموت، لملاحظتها من جهة تأثير الأمراض وغير ذلك(15).
أو هو العلم بأعضاء البدن، وأجزائها، وكيفية بنائها وتركيبها، من العظام والعضلات والأعصاب والعروق وغيرها، أمَّا وظائفها، وما لكلِّ عضو من عمل حيوي، فهي أمور أخرىٰ تبحث في علم وظائف الأعضاء، أو ما يسمَّىٰ بعلم الفسلجة(16).
إذن هو علم يعرف به أعضاء الإنسان بأعيانها وأشكالها وأقدارها وأعدادها وأصنافها وأوضاعها ومنافعها(17).
إذن التشريح شق بدن الميت، وفتح جثته، والنظر في أحشائه الداخلية، لغرض معرفة، وكشف سبب المرض، أو بسبب الموت، أو لمصلحة العلم والتعلم(18).
قال القنوجي: (عُرف التشريح علىٰ أنَّه علم باحث عن كيفية أجزاء البدن وترتيبها من العروق والأعصاب والغضاريف والعظام واللحم وغير ذلك من أحوال كل عضو منه)(19).
والملاحظ أن هذه التعاريف لا تتعدَّىٰ عن وصف أجزاء بدن الإنسان من الأعضاء، ووظائفها، ومن أين تتكوَّن، ومن أهل الاختصاص من عرفها علىٰ أنَّها شق بدن الميت، والنظر في أحشائه وأجزائه الداخلية، لغرض بيان ومعرفه الأسباب الحقيقية وراء وفاة الإنسان، أو لغرض وجود المصلحة في تشريح جثته، أو غالباً ما يكون هذا التشريح لغرض التعلم(20).
وغالباً ما يحصل هذا النوع من التشريح في الكليات والمعاهد الطبية، ومن خلال هذه التعاريف المذكورة يثبت أنَّ علم التشريح لبدن الميت، ليس بالعلم الجديد من بين هذه العلوم، وإنَّما انوجد بوجود الإنسان منذُ زمن بعيد، فقد عرفهُ المصريين القدماء عندما كانوا يشرحون جثث موتاهم، ويزيلون الأمعاء والأحشاء منها، ليقوم بعد ذلك بتحنيط الجثث بالمومياء، حتَّىٰ تبقىٰ زمناً طويلاً محافظة علىٰ شكلها الخارجي(21)، ومن خلال هذه التعاريف المتقدمة، يكون التشريح مختصة بفردين.
الفرد الأول: الإنسان دون غيره من الحيوان والنبات.
الفرد الثاني: وأن يكون حصراً الإنسان الآدمي الميت دون غيره.
والحال أنَّ هناك تشريح للحي والميت علىٰ حدٍّ سواء، وكذا الإنسان وغيره.
المسار التاريخي:
قال الفيلسوف العربي ابن رشد: (إنَّ معرفة الأعضاء بالتشريح تقرب من الله)(22).
إنَّ تطور العلم يرتبط بتطور جميع الفروع التابعة له، بدأ من التشريح وعلم وظائف الأعضاء، وانتهاء بفروع التخصص المتفرِّعة عنه، مثل الجراحة والأمراض الباطنية(23) لقد عرفت الشعوب القديمة الكثير من المعلومات الجراحية، التي ساعدت علىٰ تكوين صورة واضحة عن جسم الإنسان، إلَّا أنَّه لم تكن بالشكل المطلوب، وإنَّما ذكروا بعض المعلومات البسيطة، التي تتناسب وحجم إمكاناتهم في ذلك الوقت، ولم يكن علم التشريح واضحاً بالشكل المطلوب، الذي يتناسب وحجم معناه اللغوي والشرعي، وإنَّما كان معروفاً تحت عنوان التحنيط، الذي كان يمارسوه الكهنة في المعبد(24) ولا علاقه له بالطب.
فقد عرف العراقيون القدماء التشريح، وشخَّصوا الأعضاء التي تصيبها الأمراض، من قبل أمراض العين، والمعدة، والأمراض النسوية، والتوليد، والأمراض الصدرية، والتناسلية، وأمراض الفم، والأذن، والأسنان، ومعرفتهم بالتشريح، وخاصة تشريح الكبد، وأقسام القدم(25).
ويرىٰ بعض الباحثين أنَّ من أشد العقبات التي حالت دون نمو الطب في محيطهم، هو تحريم تشريح الجثث علىٰ وجه العموم، لا الجثث الإنسانية فحسب، حتَّىٰ الحيوانية منها؟
لذا اقتصروا في علم التشريح علىٰ دراسة كتاب جالينوس(26) بصورة خاصة(27)، أمَّا عند ظهور الإسلام فقد تقدَّم العرب في جميع نواحي الحياة، ومنها الطب، ولا نغالي لو قلنا إنَّ العلوم الطبية، قد ولدت في البلاد العربية بعد ظهور الإسلام، نسبة القرآن الكريم الأذهان إلىٰ التفكر في خلق الإنسان وتكوينه، وأشار أنَّه خلق من علق، في عصر كان العلم فيه قاصراً عن تفسير العلق تفسير علمياً صحيحاً(28)، لذا حصلت أغلب الحضارات السابقة علىٰ العصر الحديث، علىٰ معرفة التشريح عرضياً، وفي العديد من الحضارات تتمتع وجهات النظر الدينية التي تفرض توقير الجسد، لذا عرف تشريح الإنسان من الصيادين، والجزارين، والكهنة، الذين يقطعون أوصال الحيوانات والطيور في مسار أعمالهم، محاولات الشفاء من الجروح، أو إصلاح الأطراف المكسورة، أو مساعدة النساء في الولادة(29)، وربما كان المصريون أول من أدخل نظام الاختصاص في ممارسة المهنة، ودوَّنوا علومهم علىٰ هذا الأساس، كما سنرىٰ من مضامين البرديات الطبية، كما كانت لهم اختصاصات فرعية في أمراض القلب وحدها، أو أمراض العين، أو أمراض المعدة، أو الشرج… حتَّىٰ توصلوا إلىٰ اختراع طريقة التحنيط، والطريقة عملية معقدة، تحتاج لإجرائها إلىٰ علم بأعضاء الجسم، وخصوصاً بالأحشاء البطنية والصدرية(30).
النقطة الثانية: الحكم الأولي والثانوي للتشريح واختلاف الحكم باختلاف أغراضه:
لم يثبت في الدليل القاطع أنَّ علماء العرب، وخاصة المتقدِّمين منهم، قد بحثوا في علم التشريح بحثاً مفصلاً، وإنَّما اكتفوا ببعض المسائل، التي كانت لها علاقة وطيدة بوضعهم السابق، من قبيل الشق البطن لإخراج الجنين الميت، إذا ترجح حياة الجنين، وكذا أباحوا في شق بطن الميت، إذا بلع مال غيره ومات، فإن كان له مال، فلا يجوز شقّ بطنه، وأجاز البعض ذلك في شق بطن البالع السارق، لأنَّه من حقِّ صاحب المال أن يطالب بعين ماله(31).
فقد يعبر في بعض كلماتهم بدل الشق بالبقر، كذلك ذكروا بعض المصاديق، من قبيل قطع رأس الميت، أو قطع اليدين، والساقين، وجذع أنفه، وأُذنه، حيث عبرت الروايات عنها بالمثلىٰ، أو التمثيل المنهي عنه شرعاً وعقلاً، لذا يمكن إيضاح النقطة الثالثة، بثلاث موارد، وكما يلي:
المورد الأوَّل: الحكم الأولي(32) (الحرمة):
مما لا خلاف فيه ولا إشكال حرمة تشريح بدن الآدمي، المسلم للنصوص الدينية النبوية الشريفة، والروايات المروية عنهم (عليهم السلام)، من قبيل الروايات الدالة علىٰ حرمه التمثيل ببدن المسلم الميت، فضلاً عن كونه حياً، كالعلوي المروي عن مالك بن أعين، قال: حرض أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس بصفين فقال: «… ولا تمثِّلوا بقتل»(33).
والمروي عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «إنَّ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) كان إذا بعث… – إلىٰ أن قال: – ولا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثِّلوا»(34).
وفي رواية ثالثة مروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) في حق قاتله ابن ملجم، فقال: «بُني سمعت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يقول: إيَّاكم والمثلىٰ ولو بالكلب العقور»(35).
فنرىٰ من خلال هذه الروايات المتقدِّمة حثّ الإمام (عليه السلام) علىٰ عدم التمثيل بجثة الآدمي حياً أو ميتاً، وبما أنَّ التشريح من أقسام التمثيل أو المثلىٰ، بل أشد منها في بعض الأحيان، من قبيل تقطيع بعض الأعضاء، أو الأطراف، أو النقل منها إلىٰ أطراف أخرىٰ، لذا أفتىٰ جلَّ فقهائنا لحرمه التمثيل بجسد الآدمي الميت وشق بطنه، أو تقطيع بعض أجزاء من أجزائه، ما لم تكن هناك ضرورة متوقِّفة عليه، والإجماع قائم علىٰ ذلك.
قال الجواهري: (ولا يجوز التمثيل بهم بقطع الآناف والآذان، ونحو ذلك في حال الحرب، بلا خلاف أجده فيه، سمعته من النهي في بعض النصوص السابقة)(36).
والتمثيل والمثلىٰ هي بتمزيق جسد، أو بدن الميت بعد موته، أو قبله، أو تفريق بعض أعضائه، هو هتك لحرمة الآدمي الميت وهو حرام، والهتك وإن كان من العناوين القصدية، إلَّا أنَّ القصد إليه في المقام قهري، نظير ما ذكره في باب الإعانة علىٰ الإثم، كمن صب الخمر في إناء يعلم أنَّه يشربه(37)، والأكثر من ذلك في ثبوت الدية، وهي دليلاً قاطعاً علىٰ الحرمة، فما كان في الجسد من اثنين ففيه نصف الدية، مثل اليدين والرجلين والعينين، ويدلّنا علىٰ ذلك قول أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: «ما كان في الجسد منه اثنين ففيه نصف الدية، مثل اليدين والعينين» قال: قلت رجل فقئت عينه؟ قال: «نصف الدية»، قلت: فرجل قطعت يده؟ قال: «فيه نصف الدية»، قلت: فرجل ذهب إحدىٰ بيضتيه؟ قال: «إن كانت اليسار ففيها ثلثا الدية»، قلت: ولمَ ليس ما كان في الجسد منه اثنان فيه نصف الدية؟ فقال: «لأنَّ الولد من البيضة اليسرىٰ»(38).
قال السيد الخوئي (قدّس سرّه): (لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم، فلو فعل لزمته الدية… لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميت المسلم كعينه، أو نحو ذلك لإلحاقه ببدن الحي، فلو قطع فعليه الدية)(39).
قال السيد السيستاني (حفظه الله تعالىٰ): (لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم، فلو فعل ذلك لزمته الدية… لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميت المسلم، لإلحاقه ببدن الحي، فيما إذا لم تتوقَّف عليه حياته…)(40).
قال الشيخ مكارم: (لا يقال إنَّ الدية ليست دليلاً علىٰ الحرمة مطلقاً، لانفكاكها عن الحرمة في دية الخطأ، لأن نقول الدية فرع الإتلاف… فيكون مقتضىٰ هذا الدليل حرمة قطع الأعضاء، بأي قصد كان في من تتعلَّق به الدية، فيعم المسلم والذمي دون الكافر الحربي، لعدم الدية فيه)(41).
والمتحصّل لكلِّ ما تقدَّم من الروايات والأقوال لأئمة الهدىٰ (عليهم السلام)، ثبوت الحرمة فيها، أنَّ أجساد الأموات ليست هي كالحجار المتفرقة في البراري، والصحاري، أو كالأشجار والغابات(42) فيها تثبت حرمة التشريح جسد الميت المسلم وغير المسلم، كالذمي وهذا هو الحكم الأوَّلي للتشريح، دون الكافر الحربي، لعدم الدية فيه.
المورد الثاني: الحكم الثانوي(43) (الجواز):
من مقولة مقدمة الواجب واجبة، فقد أصبح علم التشريح من مقدمات علم الطب الضرورية، والذي يتوقَّف علىٰ معرفته إنقاذ الكثير من المسلمين المصابين ببعض الأمراض، التي ما أنزل الله بها من سلطان، حيث إنقاذ المريض من الهلاك وشبهه، فمن هنا أفتىٰ بعض الفقهاء(44) بجواز تشريح بدن الميت دون غيره، ومن خلال تتبّع أقوال الفقهاء، تبيَّن أن منشأ الخلاف والاختلاف بين المانعين والمجوزين للتشريح، هي النصوص الصحيحة الصريحة علىٰ عدم الجواز، والقواعد الفقهية، والضرورات التي تبيح هذا العمل، مع ملاحظة أنَّ الأصل في تشريح بدن ميت الآدمي هو الحرمة، وعدم الجواز، وبما أنَّ دليل الجواز هو النظر إلىٰ الضرورة والضرورات تقدر بقدرها، فعلىٰ من قال بالجواز أن يحرز ثلاثة شروط، وكما يلي:
الشرط الأوَّل: العلم والتعلُّم:
تعلم الطب فإن كان غرضه تعلم الطب، الذي لا يكتمل إلَّا به، فيكون التشريح مقدمة لإنقاذ الآدمي، أو النفس المحترمة(45).
الشرط الثاني: أجساد الكفار الحربي:
أن لا يجد سبيلاً إلىٰ أجساد الكفار الحربيين، بل إذا دار الأمر بين المسلم والذمي، كان الذمي مقدم، وبالجملة لا تقاس أبدانهم بأبدان المسلمين والمؤمنين، حتَّىٰ لا يجوز تشريحها(46).
الشرط الثالث: المقدار اللازم:
أن لا يتعدىٰ التشريح المقدار اللازم له، فيكون تعدياً وهتك لحرمته، فيصدق عليه مثلىٰ وتمثيل، الذي أفتىٰ الفقهاء بحرمته، فمتىٰ تمت هذه الشروط الثلاثة التي تم ذكرها، أصبح التشريح جسد الآدمي جائزاً، وينطلق هذا الترخيص من قبل بعض الفقهاء، بناءً علىٰ القاعدة الأصولية المسماة بالتزاحم(47) والتي مفادها قائم علىٰ ترجيح الأهم علىٰ المهم، علىٰ أساس دوران المصالح والمفاسد الثابتة مع الحكم وجوداً وعدماً، سعةً وضيقاً، علىٰ أن تقوم ضرورة علىٰ ذلك، كإنقاذ نفسٍ محترمة، أو نقل عضو من أعضاء الميت إلىٰ الحي(48)، وقد استدل علىٰ ذلك، بالإضافة إلىٰ القواعد بعدد من الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
الرواية الأولىٰ: المروية عن أبي عبد الله (عليه السلام): سألته عن المرأة تموت ويتحرَّك الولد في بطنها، أيشق بطنها ويستخرج ولدها؟ قال: «نعم»(49).
الرواية الثانية: عن علي بن يقطين، قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت وولدها في بطنها؟ قال: «يشقُّ بطنها ويخرج ولدها»(50).
قال الشيخ الطوسي: (وإذا ماتت المرأة وفي جوفها ولد حي يتحرَّك، شقَّ بطنها من جنبها الأيسر، وإخراج الولد منه، وهي حية أدخلت القابلة، أو من يقوم مقامها في تولِّي أمر المرأة يدها في فرجها، وأخرجت الميت، فإن لم يمكنها إخراجه صحيحاً قطعته وأخرجته قطعاً، وغُسِّل، وكُفِّن، وحُنِّط، ثم دُفِن)(51).
فمن خلال ما تقدَّم من الروايات المروية في كتب الحديث والرجال، لم يعثر علمائنا علىٰ نصوص صريحة مخصوصة في تشريح بدن الميت المسلم، وإنَّما عثروا علىٰ بعض النصوص الروائية، التي تجوِّز شقِّ البطن لاستخراج الطفل الحي من الميت، وكذا العكس، بمعنىٰ أنَّ شقّ البدن متوقِّف علىٰ تلك الضرورة، من أجل إنقاذ النفس الآدمية.
قال السيد السيستاني (دام ظلّه): (لو توقَّف حفظ حياة مسلم علىٰ التشريح، ولم يمكن تشريح الكافر غير محقون الدم، أو مشكوك الحال، جاز تشريح غيره من الكفار، وإن لم يكن ذلك أيضاً جاز تشريح المسلم، ولا يجوز تشريح المسلم لغرض التعلُّم ونحوه، ما لم تتوقَّف عليه إنقاذ حياة مسلم، أو من بحكمه، ولو في المستقبل)(52).
وإلىٰ هذا القول ذهب السيد سعيد الحكيم (رحمه الله) بقوله: (نعم يجوز، بل يجب، نعم تثبت دية الميت علىٰ المباشر علىٰ الأحوط وجوباً)(53).
قال السيد الخامنئي: (لا مانع من تشريح جسدي الميت، فيما لو توقَّف عليه إنقاذ النفس المحترمة، أو اكتشاف شيء جديد في علم الطب يحتاجه المجتمع، أو الحصول علىٰ معلومات بشأن مرض يهدد حياة الناس)(54).
المورد الثالث: اختلاف الحكم باختلاف أغراضه:
لعلَّ من أهم أغراض هذا العلم دون غيره من العلوم الأخرىٰ، كونه الباحث الحقيقي عن بيان أمور كثيرة تتعلَّق ببدن الميت حياً أو ميتاً، فيمكن ذكر هذه الأغراض المختلفة التي يختلف بها الحكم الشرعي، وكما يلي:
الغرض الأوَّل: الطب الشرعي:
إنَّ هذا العمل في الطب الشرعي يعتبر من أهم الأعمال، وأكثرها دقَّة لما يترتَّب عليه، من نتائج خطيرة قد تناقض الملاحظات الظاهرية، وتقلُّب المعايير رأساً علىٰ عقب(55)، وقد تبدو الحكمة من هذا التشريح منذ زمن القديم، حيث إنَّه يحتم بتجديد أوصاف وتصانيف مكونات الجسم، وعن طريق هذا العلم يتم اكتشاف بعض الأجزاء الأاخرىٰ من الجسم، بواسطة التشريح والملاحظة والمقارنة، بعد أن كان حكراً علىٰ الكهنة، والجزارين، والصيادين، الذين لا يمُتُّون للعلم بأيِّ صلة لعلم التشريح وتعليمه، من أجل الدعوة إلىٰ الله، وتعميق الإيمان والالتفات إلىٰ خلق الله تعالىٰ، بعد أن تعرَّض القرآن الكريم، والسُنَّة المطهرة إلىٰ مراحل خلق الإنسان، للفت الانتباه إلىٰ قدره الله تعالىٰ.
الغرض الثاني: معرفة الأمراض وأنواعها:
وتأثيراتها المختلفة في البدن، فقد أجازته بعض المذاهب الإسلامية بشقِّ بطن الميتة، لإخراج ولدها، وشقِّ بطن الميت لإخراج مال منه، فلابدَّ من تشريح الأجسام بعد الموت، لمعرفة سبب الوفاة، الانتفاع بهذه النتائج المماثلة(56).
الغرض الثالث: معرفة سبب الوفاة:
في حوادث القتل، أو التسمُّم، أو الإصابات مما يدخل تحت باب ما يعرف اليوم بالطب الشرعي، كما أنَّ الفقهاء اهتمُّوا بهذا الفرع من فروع علم التشريح اهتماماً شديداً، فقد ذكروا شجاج الرأس، والوجه، وقد فصَّلوا فيه تفصيلاً عجيباً، يدل علىٰ معرفه واسعة بالتشريح(57).
الغرض الرابع: معرفة أعضاء جسد الآدمي(58):
وصفاتها وارتباطاتها، وهو مرتبط بعلم وظائف الأعضاء ارتباطاً وثيقاً، ولابدَّ أن يتعلَّم طالب الطب التشريح، للتعرف علىٰ الجسم الإنساني.
فيمكن القول إن تعدُّد الأغراض من التشريح بتعدُّد الحكم من خلالها، لذا أفتىٰ فقهاء المذاهب الإسلامية المعاصرين، ودور الإفتاء في مصر، والسعودية، إلىٰ جواز تشريح جثة الآدمي للأغراض المذكورة(59)، إذن علىٰ ما هو المقرَّر مما تقدَّم يكون الحكم الأوَّل للتشريح الحرمة، بإجماع علماء الأُمَّة الإسلامية، وبناءً علىٰ قول صاحب الجواهر (بلا خلاف أجده)(60) ما لم تكن هناك ضرورة شرعية وعقلية، فيكون الحكم الثانوي هو الإباحة وجواز التشريح، فيختلف الحكم الشرعي باختلاف أغراضه، ومن بين أغراضه معرفة الأمراض بأنواعها، وتعلُّم التشريح وتعليمه، وكذلك لمعرفة سبب الوفاة، وإنقاذ النفس المحترمة، وإلىٰ غير ذلك.
الضوابط الفقهية عند التشريح:
الضابط الأوَّل: القدر المتيقَّن:
أي الاقتصار علىٰ القدر المتيقَّن للضرورة والحاجة لكيلا يُعد عبثاً وتمثيلاً بجسد الميت، من قبيل شقّ البطن، أو قطع الرأس، أو تقطيع الأعضاء، وكشف العورة.
الضابط الثاني: تعظيم حرمة الميت:
وعدم امتهانه، فلا يجوز الاستهزاء به، وللعبث بأعضائه، والترامي بها، كالذي يحصل في بعض المستشفيات، ويدلنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «حرمته ميتاً أعظم من حرمته وهو حي»(61).
الضابط الثالث: إعادة الأعضاء إلىٰ البدن:
جميع الأعضاء التي تم تشريحها من بدن الميت، وخياطة جسده ومواراته الأرض، وإلىٰ غير ذلك من الضوابط الشرعية والتعليمية، والذي يظهر بكلِّ ما تقدَّم من النقاط المذكورة.
والتوضيح اختلاف الحكم بالتشريح باختلاف أغراضه، فإن كان غرضه معرفة الطب وتعلّمه، مع شروط ذكرها الفقهاء، من قبيل إنقاذ نفس المحترمة، يكون علم التشريح مقدمة لعلم الطب، وأن لا يتعدَّىٰ الأمر اللازم، مما لا يجب انتهاك حرمة بدن الميت، كان التشريح جائزاً، كذلك يجوز إن كان لمعرفة سبب جنايته وكشفها، إذا كان كشفها واجباً شرعياً يترتَّب عليه إحقاق حقوق، أو دفع الخلاف والمفاسد.
النقطة الثالثة: أقوال علماء المذاهب الإسلامية وأدلتهم:
التشريح كغيره من العلوم الإنسانية العلمية، التي أصبحت محلّ للكلام والجدل بين علماء المذاهب الإسلامية، بعد أن أصبح أكثر تداولاً من أي وقت مضىٰ، بحيث أصبح علماً مستقلاً من أقسام العلوم الطبية، إلَّا أنَّ الملاحظ علىٰ هذا العلم، قد تمَّ تداوله من منظورين، وكما يلي:
المنظور الأوَّل: النص الروائي:
وهو الجمود علىٰ النص، من دون أن يلاحظ الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع الإسلامي.
المنظور الثاني: الموروث الثقافي:
فعلىٰ ذلك أفتىٰ بعض العلماء إلىٰ حرمة التشريح(62)، وهذا التحريم يكون قائماً علىٰ أساس أنَّ التشريح والتمثيل بالجثة، وذهب البعض الآخر إلىٰ الجواز(63)، ويكون هذا الجواز قائماً علىٰ أساس المنفعة، وعدم هتك حرمة جسد الميت المسلم، ومثاله في الفقه جواز شقّ بطن الميت، من أجل إنقاذ الحي كالطفل، أو من أجل إنقاذ أُمِّ الطفل بعد موت الطفل في رحمها، فمصلحة إنقاذ الحي مقدمة علىٰ مفسدة هتك حرمة الميت، فمن هنا تبرز أهمية علم التشريح، ومادام أنَّه جزء من علم الطب، فالعلم به إذن من فروض الكفاية التي لابدَّ منه لجماعة المسلمين معرفته، والتصدِّي له والتدرُّب عليه، فعلىٰ هذا يكون هناك شخصاً مختصًّا يسمَّىٰ بالطبيب الاختصاصي، الذي يكون عارفاً عالماً بجميع أعضاء البدن الداخلية، كما أنَّ له القدرة علىٰ تشخيص العضو المصاب، ومعرفة أوصاف طرق علاجه، وفي المسألة قولان لفقهاء المذاهب الإسلامية، وكما يلي:
القول الأوَّل: الجواز:
هو مشهور قول فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرىٰ، حيث ذهبوا إلىٰ القول بالجواز، وهذا هو قول المتقدِّمين من علمائهم، في المرأة الحامل ومات طفلها في بطنها، وهو حيّ يشقُّ بطنها من الجانب الأيسر ويخرج ولدها، وكذا إذا مات الولد في بطنها وهي حية، وخيف علىٰ الأُم، قطع الجنين وأُخرج، وبه قال ابن عابدين(64)، وابن نجيم(65)، ابن قدامه الحنبلي(66)، وابن حزم(67)، والنووي الدمشقي(68).
وقد استدلوا علىٰ ذلك، بما يلي:
الأوَّل: القياس:
القياس علىٰ جواز شقِّ بطن المرأة الحامل الميتة لاستخراج جنينها الحي والعكس، فكذا يجوز تشريح الميت، وشق بطنه للتعرُّف علىٰ المرض، أو لدواعي الجريمة، أو لما يمكن أن يضطر إليه في العملية التعليمية(69).
الثاني: القواعد الشرعية:
وقد استدلوا بالنظر إلىٰ القواعد الشرعية من وجهين:
الوجه الأوَّل: تعارض المصلحتان:
الاستدلال بقاعدة إذا تعارضت مصلحتان قدِّم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان وارتكب أخفهما تفادياً لأشدِّهما(70).
الوجه الثاني: الاستدلال بقاعدة، ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب(71).
أمَّا قول علمائنا بالجواز، فهو مستند إلىٰ ثلاثة روايات مروية في الكافي الشريف، في باب المرأة تموت وفي بطنها ولد يتحرَّك، وكذا يموت الجنين في رَحِم أُمِّه، وكما يلي:
الرواية الأولىٰ: عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن علي بن أبي حمزه البطائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة تموت ويتحرَّك الولد في بطنها، أيشقّ بطنها ويستخرج ولدها؟ قال: «نعم»(72).
الرواية الثانية: عن العبد الصالح (عليه السلام)، عن علي بن يقطين، قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت وولدها في بطنها، قال: «يشقّ بطنها ويخرج ولدها»(73).
الرواية الثالثة: عن الباقر (عليه السلام)، عن محمد بن مسلم، أنَّ امرأة سألت فقالت لي: بنت عروس ضربها الطلق، فما زالت تطلق، حتَّىٰ ماتت، والولد يتحرَّك في بطنها، ويذهب ويجيء، فما أصنع؟ قال: قلت يا أَمَة الله، سئل محمد بن علي الباقر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: «يشقّ البطن الميت ويستخرج الولد»(74).
ولم يعثر الفقهاء علىٰ نصوص صريحة مخصوصة، تدل علىٰ تشريح بدن الميت الآدمي المسلم، وإنَّما عثروا علىٰ بعض الروايات كالمتقدِّمة منها، التي تجوز شقّ البطن لاستخراج الطفل الحي من الميت، وكذا العكس بمعنىٰ أنَّ شقّ البدن، متوقِّفة علىٰ تلك الضرورة من أجل إنقاذ نفس الآدمية.
قال السيد سعيد الحكيم (رحمه الله) في معرض ردِّه علىٰ استفتاء وجه له، لو توقَّف حفظ حياته مسلم علىٰ تشريح بدن ميت مسلم، فأجاب: (نعم يجوز بل يجب، نعم تثبت دية الميت علىٰ المباشر علىٰ الأحوط وجوباً)(75).
قال السيد السيستاني (أعزَّه الله تعالىٰ): (لو توقَّف حفظ حياة مسلم علىٰ التشريح، ولم يكن تشريح الكافر غير محقون الدم، أو مشكوك الحال، جاز تشريح غيره من الكفار، وإن لم يمكن ذلك أيضاً جاز تشريح المسلم، ولا يجوز تشريح المسلم لغرض التعلُّم ونحوه، ما لم تتوقَّف عليه إنقاذ حياة مسلم، أو من بحكمه، ولو في المستقبل)(76).
القول الثاني: الحرمة:
مما لا خلاف فيه، أنَّ الأصل في تشريح جثة الميت الآدمي المسلم هو التحريم، لما فيه من انتهاك لحرمة الميت المسلم وإهانته، علىٰ ما جاءت به الأحاديث الشريفة المروية عند الفريقين، كما في قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «كسر عظم الميت ككسره حياً»(77).
والمشروع في الإسلام إذا مات المسلم هو المبادرة إلىٰ تغسيله وتكفينه ودفنه، لا تأخيره من أجل تشريحه، الذي يستغرق وقتاً قد يصل عدَّة أيام، حتَّىٰ يعد عرفاً إهانة له، وهتكاً لحرمته، وكشف لعورته، وتقطيع لبدنه، المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: «يا علي ثلاث لا تؤخِّرها، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفواً»(78).
لا إشكال ولا خلاف في حرمة هتك المسلم وإهانته حياً وميتاً، ويدل عليهم مضافاً إلىٰ إطلاق الأخبار المتظافرة الدالة علىٰ حرمة إهانة المؤمن، والأخبار المستفيضة الواردة في احترام الميت المسلم(79)، من قبيل صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل قطع رأس الميت، قال: «عليه الدية، لأنَّ حرمته ميتاً، كحرمته وهو حي»(80).
وإلىٰ هذا القول ذهب جلّ علماء الإمامية المعاصرين، كالسيد الخميني(81)، والسيد السيستاني(82)، والسيد سعيد الحكيم(83)، والسيد الخرازي(84).
قال الشيخ النجفي: (ولا يجوز التمثيل بهم بقطع الأنف والآذان، ونحو ذلك في حال الحرب، بلا خلاف أجده فيه، سمعته من النهي في بعض النصوص السابقة)(85).
وإلىٰ هذا القول ذهب المالكية(86) والحنابلة(87)، عملاً بحديث رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، حيث قال: «كسر عظم الميت ككسره حياً»(88).
وقد استدلَّ أصحاب القول الثاني علىٰ الحرمة، بعدد من الأدلة، وكما يلي:
الدليل الأوَّل: الآيات المباركة، ونكتفي بآية التكريم والتفضيل:
قال تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 70).
الثاني: الأحاديث المباركة:
عن بريدة، عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: «… اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا»(89).
وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري، أنَّه قال: «نهىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) علىٰ النهب، والمثلة»(90).
إنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) نهىٰ عن المثلىٰ والتمثيل ببدن الآدمي المسلم الميت، والتمثيل هو تشويه القتلىٰ، بقطع الرؤوس والأنوف والأُذن وغيرها، وتشريح جثة الميت داخل في عموم هذا النهي، وإذا نهينا عن تشويه جثث الأعداء من الكفار وغيرهم، فمن باب الأولوية القطعية يكون النهي شاملاً لجثة الميت المسلم الآدمي(91)، فالنهي الوارد موجب لحرمة التمثيل ومنعه، كما وأنَّه مغاير لمعصومية بدن الآدمي حياً وميتاً، وإلىٰ غير ذلك من الأحاديث المروية عند الفريقين، من قبل النهي عن الجلوس علىٰ القبر، حيث اعتبر إهانةً وإيذاءً وامتهاناً، فكيف بالتشريح الذي يكون فيه اعتداء علىٰ جسده، بتقطيع أعضائه وبقر صدره وبطنه، فبطريق الأولوية تكون الحرمة واضحة المعالم، وكذا في حديث كسر العظم لضرورة، كون حرمة الميت باقية حتَّىٰ بعد موته، من قبيل إكرامه بغسل وتحنيط ودفن.
الثالث: قاعدة الضرر:
القاعدة الثالثة: الضرر لا يزال بالضرر هو كعائد يعود علىٰ قولهم الضرر يزال ولكن لا بضرر، فشأنها شأن الأخص علىٰ الأعم بل هما سواء، لأنَّه لو أزيل بالضرر لما صدق الضرر يزال(92).
ومن فروع هذه القاعدة عدم وجوب العمارة علىٰ الشريك في الجديد وعدم إجبار الجار علىٰ وضع الجذع وعدم إجبار السيد علىٰ نكاح العبد والأُمَّة التي لا تحل له(93).
القول الراجح: وهو القول الثاني الذي يقتضي الحرمة، أي حرمة تشريح بدن الآدمي المسلم الميت بضرورة عصمة بدن الميت، وللأصل الذي يكون علىٰ خلاف ذلك، والأدلة اللفظية التي تم ذكرها، والتي تقتضي هتك حرمته، وإيذاء بدنه، وكشف عورته، غير ذلك، وهو مشهور قول علماء الإمامية أيَّدهم الله تعالىٰ، ما لم تكن هناك ضرورة شرعية إلىٰ ذلك التشريح(94) وقول المالكية(95) والحنابلة(96) ضرورة كون بدن الميت ليس مملوكاً له، إنَّما هو ملك لله تبارك وتعالىٰ، ولا يحق للإنسان التصرُّف به تشريحاً وبيعاً، وشراء وهبة، أو التبرُّع بأيِّ عضو من أعضائه(97).
النقطة الرابعة: أحكام التشريح الشرعية والوضعية:
وإيضاح هذه النقطة في موردين، وكما يلي:
المورد الأوَّل: أحكام التشريح الشرعية:
ذكر فقهاء الإمامية المعاصرين منهم(98) أحكاماً للتشريح، سواء قال بجواز تشريح بدن الميت، أو بحرمته، فلابدَّ من البحث بعدَّة جهات لإيضاح ذلك:
الجهة الأولىٰ: حلية بيع جسد الميت وحرمته:
حكم الفقهاء(99) بالحرمة، وعدم صحَّة بيع الميت المسلم، لغرض التشريح عند ضرورة إليه، ضرورة كونه منافي لأدلة حرمة الميت، وانتهاك حرمته من قبيل: «حرمته ميتاً أعظم من حرمته وهو حي»(100).
فبيعها محل إشكال ونظر عند فقهائنا(101) نظراً إلىٰ بطلان بيع الميتة(102).
قال الشيخ الأعظم: (فرعان: الأوَّل: أنَّه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة، كذلك لا يجوز بيعها منظمة إلىٰ مذكىٰ)(103).
قال الشنقيطي: (كما وأنَّ شروط صحة البيع شرعاً، أن يكون المبيع ملكاً للبائع، أو موكلاً في بيعه)(104).
ويدلّنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ولا تبع ما ليس لك»(105)، وبدن الميت لا مالك له إلَّا الله تعالىٰ، فلا يصح بيع ما ليس لك بإجماع الأُمَّة، فمن باب الضرورات شراء جثث الكفار للتعلُّم والتطبيق، فلا كرامة، ولا دية لجثثهم.
الجهة الثانية: تعلُّق الدية:
أجمع فقهاء الإمامية بتعلُّق الدية الشرعية في تشريح بدن الآدمي المسلم الميت، للإطلاقات الظاهرة في أحكام الديات، من قبيل قول السيد المرتضىٰ:
(مما انفرد به الإمامية القول بأنَّ من قطع رأس ميت فعليه مئة دينار لبيت المال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، دليلنا علىٰ صحَّة ما ذهبنا إليه الإجماع المردَّد، وإذا قيل: كيف يلزم دية وغرامة، هو ما أتلف عضو الحي، قلنا: لا يمنع أن يلزمه ذلك علىٰ سبيل العقوبة، لأنَّه قد مثَّل بالميت لقطع رأسه، فاستحقَّ العقوبة بلا خلاف…)(106).
قال المحقِّق الحلي: (المسألة الثانية: في قطع رأس الميت الحر مئة دينار، وفي قطع جوارحه بحساب ديته، وكذا في شجاجه وجراحته، ولا يرث وارثه ومنها شيئاً، فتصرف في وجوه القرب عنه، عملاً بالرواية، وقال علم الهدىٰ (رحمه الله): يكون لبيت المال)(107).
قال السيد ابن زهرة: (وفي قطع رأس الميت عُشر ديته، وفي قطع أعضائه بحساب ذلك، ولا يرث ذلك، بل يتصدَّق به عنه، كل ذلك بدليل الإجماع المشار إليه)(108).
ولا فرق بين مورد تلك الروايات، وبينما نحن فيه من مسائل التشريح، بعد كون المفروض حرمة كل منهما بالعنوان الأوَّلي، ووجوبها بحكم الضرورة(109).
الجهة الثالثة: الجواز للضرورة:
حكم الفقهاء بالجواز للضرورة، إلَّا أنَّه يقتصر علىٰ المقدار الواجب منه، حيث حرَّمت به بعض الروايات في باب الاحتضار، من قبيل رواية وهب بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال في المرأة يموت في بطنها الولد في تخوف عليها، قال: «لا بأس أن يدخل رجل يده، فيقطعه، ويخرجه»(110).
ومحل كلامنا من هذا القبيل، وجود ضرورة في الحفاظ علىٰ حياة الأُم.
الجهة الرابعة: الغُسل والتكفين وتعجيل الدفن:
ذكروا الفقهاء بوجوب غُسل الميت وتكفينه والتعجيل بدفنه(111) للروايات المتظافرة في ذلك، لقول أبي عبد الله (عليه السلام): «… وغسل الميت واجب»(112) يجب تغسيله ثلاث غسلات(113)، يجب غسل الميت في ثلاثة أغسال، الأوَّل بالماء المخلوط بالسدر، والثاني بالماء المخلوط بالكافور، الثالث بالماء الخالص القراح(114) فعلىٰ ضوء ما تقدَّم التعجيل في تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
الجهة الخامسة: نفاذ الوصية:
أمَّا وصية الميت التي تكون بخصوص تشريح جثته بعد وفاته، فإنَّها تكون نافذة، لأنَّ الحكم يدور مدار الهتك، وعدم احترام الجثة ولا هتك مع الوصية، فتكون نافذة.
ونختم المطلب بمسائل وردود وجِّهت للسيد الخوئي، هل من حق الإنسان أن يوصي استئصال بعض من أجزاء جسمه بعد موته، لزراعتها في جسم من يحتاج إليه، فأجاب السيد: (لا مانع من ذلك)(115).
المورد الثاني: الحكم الوضعي:
إنَّ التطوُّر العلمي والتقني له الأثر الأكبر في تطوُّر العلوم الإنسانية، وبشكل ملفت للنظر، لاسيما في علم الطب والعلوم الأحيائية والفيزيائية وغيرها، فيعد تطوُّر أجهزة الحاسوب والأجهزة العلمية الدقيقة، أصبح أهل الاختصاص يبدعون في مجال اختصاصهم، وأنت خبير تسمع وترىٰ ما وصل إليه علم الكيمياء والأحياء، من إنتاج القنابل النووية الانشطارية، والأحيائية، والجرثومية، والفرط صوتيه، والمعبر عنها بأسلحة الدمار الشامل، وفي المقابل فإنَّ التطوُّر العلمي التقني يعكس أهمية هذه العلوم واستخدامها الأمثل، في خدمة الشعوب والإنسانية، وهي أسمىٰ وأقدس خدمة تقدُّمها هذه الأجهزة الدقيقة لخدمة المجتمع الإسلامي، ومسألتنا من هذا الباب، فعلم التشريح من أهم العلوم الطبية، التي تعتني بجسم الإنسان الميت، من حيث تشريحه لمعرفة أسباب الوفاة، أو لمعرفة الأجزاء من جسم الإنسان، كالأجهزة التي تكون منها الإنسان، أو لمعرفة كيف يتعلَّمون طلبة الدراسات الطبية، من إجراء التدريب والممارسة لشق الجسد الآدمي، لقد توصَّلت العلوم الطبية عن طريق الأجهزة الدقيقة إلىٰ اكتشاف بعض الأمراض القاتلة، والسامة، والمدمِّرة للمنظومة الدموية، والإمعائية، والدماغية، والقلبية، من قبيل أمراض الكوليرا والسرطان، وفايروس أمبولا، ومرض الإيدز، وفيروس انفلونزا الطيور والخنازير، وكوفيد تسعة عشر، وإلىٰ غير ذلك.
فعن طريق هذه الأجهزة تمكَّن الأطباء من إجراء العمليات فوق الكبرىٰ، كتبديل صمامات القلب، أو الأوردة، والشرايين، أو تبديل ورفع الكلىٰ، وزراعة الأعضاء البشرية، وقلع الرحم، واستئصال الأورام السرطانية، وإلىٰ غير ذلك.
إلَّا أنَّه السؤال المنطقي الذي يطرح علىٰ طاولة المناقشة هو: هل وضعت كل هذه الأجهزة الدقيقة المتطوِّرة، وهذه العمليات الكبرىٰ وغيرها تحت طائلة القانون الوضعي، لهذه الدول في هذه المستشفيات، والأكثر من ذلك هل توجد رقابة صحية علىٰ هذه العلاجات التي تستعمل من قبل المرضىٰ، لاسيما أصحاب الأمراض المزمنة؟ أو الأمراض المسرطنة؟ أم لا توجد ضوابط وأُطر قانونية كفيلة للحيلولة دون استخدام كل المذكورات، ضمن الضوابط القانونية، التي تتكفَّل لحماية المرضىٰ وغير المرضىٰ من كل ذي أذىٰ يلحق بهم، من جرائم استخدام الخاطئ بحق المواطنين، ومسألتنا من هذا القبيل، بمعنىٰ هل يوجد قانون أو نص قانوني يجيز عمليات التشريح في المستشفيات الحكومية وغير الحكومية؟
فالجواب واضح أنَّ هذا العلم، وهذا التطوُّر يصب في بوتقة الإنسان والإنسانية، وإلىٰ ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية، وكذلك يصب في بودقة الدول النامية المتأخِّرة رتبة عمَّن تقدَّم عنها، وهناك مؤسسة عالمية تعتني بحقوق الإنسان، تعرف بمنظمة حقوق الإنسان، وهي منظمة عالمية، تعتني بحقوق الإنسان، والإقرار بجميع أفراد الأُسر البشرية، بإقرار هذه الحريات، فإنَّ المرء يستطيع أن يتمتَّع بالأمن والأمان(116).
إذن هناك أُطر قانونية سليمة يكتنف هذه الابتكارات، ويضعها علىٰ المسار القانوني الصحيح، نحو مزيد من الإبداع والتطوُّر في خدمة المجتمع الإنساني، ومما لا شكَّ فيه أنَّ عقيدتنا الغرَّاء الدور الأساسي في رسم هذا المسار العلمي، وإضفاء الصفة الشرعية علىٰ أساسه، وتأسِّياً علىٰ ما تقدَّم فقد كرَّست هذه الدراسة للبحث في أحد الموضوعات العلمية المتجدِّدة، ألا وهو التصرُّف القانوني بالأعضاء البشرية، فسلَّط الضوء علىٰ الرأي القانوني في هذه المسألة، وعلىٰ ما يمكن تدوينه في هذا المجال، من إجراء عملية نقل الدم التي تمَّت في إحدىٰ المستشفيات الفرنسية في عام 1881م(117)، وتلتها بعض العمليات الكبرىٰ في المستشفيات البريطانية، حيث تمَّت عملية ترقيع جلد إنسان عام 1869م(118)، وبعد هاتين العمليتين تسارعت خطىٰ البحث العلمي الرامية لنقل المزيد من أعضاء لجسم الإنسان، لإنقاذ حياة المصابين بالأمراض المستعصية، مما أفضىٰ إلىٰ نجاح عملية نقل كلىٰ في بعض المستشفيات الأمريكية عام 1954م(119)، ولم يقف الإنجاز العلمي عند هذا الحد، بل بلغ ذروته حيث تمَّت عملية نقل قلب في أحد المستشفيات الأمريكية عام 1967م(120)، وخير ما ننهي به هذه الفقرة، هو الاستنساخ البايولوجي عام 1997م(121)، حيث تمكَّن العلماء من استنساخ النعجة دولي، في مستشفىٰ معهد روزلين البريطاني.
فعلىٰ ضوء ما تقدَّم، يمكن أن نقول: إنَّ القانون الوضعي هو:
مجموعة من التعاليم والنظم البشرية التي تنظم حياة الأفراد والجماعات والدول، وقد نشأت هذه القوانين الوضعية في الدول، لغرض تسهيل مهمة أهل الاختصاص من ممارسة اختصاصهم، لأجل خدمة الأفراد والجماعات، ومن بين هؤلاء موضوعنا وهو علم التشريح، حيث يمارس الطبيب المختص عمله في تشريح بدن الميت الآدمي، لأسباب ودوافع تقدَّم الحديث عنها، والذي يعرف اليوم بالطب الشرعي في المستشفيات، فهم الذين يباشرون عملهم في تشريح جسد الميت، لمعرفة أسباب الوفاة، أو للتعليم، أو لإخراج شيئاً، أو لاستئصال جزءاً، وما شاكل ذلك.
أمَّا القوانين الوضعية في الدساتير الدولية، فيمكن أن نذكر نماذج منها، وكما يلي:
النموذج الأوَّل: القانون العراقي:
باسم الشعب – رئاسة الجمهورية، بناءً علىٰ ما أقرَّه مجلس النواب وصادَق عليه رئيس الجمهورية، واستناداً إلىٰ أحكام البند (أوَّلاً) من المادة (61) والبند (ثالثاً) من المادة (73) من الدستور صدر القانون الآتي، قانون رقم (37) لسنة 2013م الطب العدلي، الباب الأوَّل: التأسيس والأهداف المادة/أ، أوَّلاً – تؤسَّس دائرة تسمَّىٰ دائرة الطب العدلي يكون مقرّها بغداد، ترتبط بوزير الصحَّة تتمتَّع بالشخصية المعنوية، ويمثِّلها مدير عام دائرة الطب العدلي، أو من يخوله(122).
ومن أهم أهدافها في التحرِّي عن المفقودين، وأعمال المقابر الجماعية، وإجراءات الفحوصات التكميلية(123).
النموذج الثاني: القانون القطري:
دولة قطر، وزارة العدل، البوابة القانونية القطرية قانون رقم/8 لسنة 2003م المتعلّق بشأن تشريح الجثث الآدمية، بطاقة التشريع (النوع قانون الرقم/8) الموافق 26/7/2003م عدد المواد 13 مادة، الإعلان بالجريدة الرسمية العدد 9 نسخة الجريدة الرسمية، تاريخ النشر 1/1/2003م الهجري 5/8/1424م في تطبيق أحكام هذا القانون، تكون للكلمات التالية المعاني الموضحة قرية كل منها:
الوزارة: وزارة الصحة العامة.
الوزارة: وزير الصحة العامة(124).
النموذج الثالث: القانون البريطاني:
النطاق الإقليمي، بريطانيا العظمىٰ ومملكة إيرلندا، الموافقة الملكية 18321 – August دخول حيز التنفيذ 1/أغسطس/1832 قانون التشريح 1832 هو قانون صادر عن برلمان المملكة المتحدة، أعلىٰ رخصة كرة للأطباء، ومدرسي علم التشريح، وطلاب الطب لتشريح الجثث المتبرِّع بها بحسن نية، وقد صدرت هذا القانون استجابة للاشمئزاز العام، من الاتِّجار غير المشروع بالجثث(125).
فائدة طبية: آلية تشريح بدن الميت:
ونقصد بها الطريقة المعهودة والمتَّبعة في عملية تشريح بدن الميت الآدمي المسلم، وهي مجموعة إجراءات طبية في الطب العدلي، وكما يلي:
الإجراء الأوَّل: الفحص الخارجي لبدن الميت:
عن طريق المعاينة له، بعد نزع الملابس للتأكُّد من خلو الجثة من أي شيء يكون له مدخلية في وفاة جثة الآدمي الميت، فيتم تصوير الجثة بواسطة كامرة معَدَّة لهذا الغرض، فيتم الفحص والتشخيص من قبل المختصين الأطباء العدول، بحثاً عن أي علامات مرئية، كالجروح، أو الندب، أو الوشم، أو بعض القطع المعدنية، أو الزجاجية، التي تكون علىٰ سطح الجسد، فيتم تنظيف الجسد(126) قبل إجراء الفحص الداخلي.
الإجراء الثاني: الفحص الداخلي لبدن الميت:
ونعني به معرفة أحشاء البدن الداخلية، بعد عملية شقّ صدر وبطن الميت، بدأ من عظمَي الترقوة مروراً بالقفص الصدري، حتَّىٰ نهاية البطن من الجهة السفلىٰ، علىٰ شكل حرف ( (T فيتم فحص جميع أعضاء البدن الداخلية للتأكُّد من سلامتها، بعد وزنها لمعرفة مدىٰ الاضطرابات التي لحقت باي عضو من أعضاء البطن الداخلية(127).
ثم تتم إعادة هذه الأحشاء بعد تنظيفها من كلِّ ما لحق بها من عملية التشريح، وبعد ذلك يقوم الطبيب العدلي بأحشاء جوف بدن الميت بالقطن، وبعض المواد الأخرىٰ لغرض المحافظة علىٰ بدن الميت من التلف، أو التفسخ، أو التحلُّل، حتَّىٰ يتم ملئ الجوف بالكامل(128).
الإجراء الثالث: تحنيط البدن:
والذي يعبَّر عنه بإغلاق جميع شقوق البدن التي تم تشريحه بالكامل، بدأ من فوق الصدر من عظم الترقوة، مروراً بالقفص الصدري، وانتهاء إلىٰ أسفل منطقة البطن، فيتم تغسيل البدن، بما هو معهود من الغسلات الثلاثة، وبعد ذلك يتم تكفينه بثلاثة أثواب، وفق الطرق الإسلامية المعهودة(129).
وتشريح جثة الآدمي الميت لها بعض التسميات القانونية، من قبيل التشريح الجنائي، أو فحص ما بعد الموت، حيث يعتبر من أهم الفحوصات الطبية الدقيقة، ولعلَّ أهم الأسباب التي تؤدِّي بالطب العدلي إلىٰ تشريح بدن الميت، ويمكن حصرها بما يلي:
الأوَّل: أسباب قانونية (جنائية).
الثاني: أسباب طبية (لمعرفة سبب الوفاة).
الثالث: أسباب تعليمية.
فيتم وضع كرة بلاستيكية تحت ظهر الجثة، تعرف بطوبة الجسد، فتكون وظيفتها ترفع الصدر من الأعلىٰ فتكون حركة الذراعين متدلية إلىٰ الأسفل، لتسهيل مهمة شق الصدر من الأعلىٰ علىٰ شكل حرف (T) بين أعلىٰ نقطتين علىٰ الكتفين، مارًّا في خط أفقي في جميع أنحاء منطقة عظام الترقوة، ثم يجتمع بشق عمودي يلتقي بعظم الصدر في الوسط، ويستخدم هذا قطع الأولية في كثير من الأحيان، لإنتاج المزيد من الجمالية بعد الانتهاء من التشريح، وعندما يتم إعادة تشكيلها بالخياطة، إذ إنَّ العلامات في هذه الحالة يكون مخفيه أكثر من الأسلوب السابق(130)، وبعدها تقوم بشق الصدر، بدءً من تفاحة آدم، حيث يكون الشق عمودي إلىٰ أسفل البطن، وصولاً إلىٰ عظم العانة مع الانحراف إلىٰ الجانب الأيسر من السرة(131) أمَّا الأدوات المستعملة في عملية التشريح هي الشفرة، والمقص، لشق، أو فتح تجويف الصدر، وكذلك يمكن استخدام شفرات مشرطية، وكذا المشرح الذي يكون أكبر حجماً(132) أمَّا أنواع التشريح فهي:
النوع الأوَّل: التشريح المرضي:
وهو قيام الطبيب المختص بتشريح الجثة المصابة، لدراسة التغيُّرات المرضية، التي طرأت علىٰ بنية الخلايا والأنسجة والأعضاء، ومعرفة الأسباب المؤدِّية إلىٰ ذلك(133).
النوع الثاني: التشريح التعليمي:
وهو قيام الطلبة في مشارح كليات الطب تشريح الجثث الآدمية، تحت إشراف الأطباء التدريسيين للنظر في الأعضاء الداخلية للإنسان، ومعرفة تركيبها، ومكانها، ووظائفها الظاهرة والباطنة(134).
النوع الثالث: التشريح الجنائي:
هو قيام الطبيب بتشريح الجثة المتوفاة، لمعرفة المتغيّرات التي طرأت عليها، وإدراك الأسباب الحقيقية للوفاة، وهل هي عرضية، أم جنائية، أم انتحارية، إضافة إلىٰ تحديد كيفية وتاريخ حدوثها(135).
النقطة الخامسة: المواد المستثناة من حرمة التشريح والتنبيهات التي ذكرها الفقهاء:
حكم الفقهاء(136) بعدم جواز التشريح بدن الميت المسلم، لما يترتَّب عليه من الآثار الشرعية والعرفية، فالآثار الشرعية هي من قبيل انتهاك حرمة الميت عند بقر بطنه والتمثيل به، وهو ينافي الأعراف الشرعية لما فيه من الأذىٰ النفسي، فضلاً عن الجسدي للميت ولغير الميت، وهذا التشريح ما هو إلَّا امتهان وإهانة للمسلم الميت، إلَّا أنَّ الشارع المقدَّس قد أجاز هذا التشريح، فيما إذا كانت هناك ضرورة شرعية تخص غيره من المسلمين، وأخرىٰ تخص الميت نفسه، وسوف نتطرَّق إلىٰ هذه الموارد التي استثنت من هذا الحكم المعبّر عنه بالحكم الأوَّلي الذي سبق تعريفه، أمَّا الموارد المستثناة، فهي كما يلي:
المورد الأوَّل: حفظ النفس المحترمة:
إذا توقَّف التشريح لإنقاذ الآدمي الحي، من قبيل إذا أصيب المسلمين بمرض مهلك، وقد أدَّىٰ هذا المرض إلىٰ وفاة بعضهم، ولم يستطع الأطباء من تشخيص هذا المرض، إلَّا عن طريق تشريح بدن الميت المصاب بهذا المرض(137)، ولا يختلف الحال بالأُمِّ الحامل إذا مات طفلها، وكذا إذا ماتت الأُمّ الحامل، وبقي طفلها حيًّا، فقد ذكر الفقهاء الجواز في ذلك(138).
المورد الثاني: إنفاذ وصية الميت:
إنفاذ وصية الميت، قال الفقهاء بالجواز، فلا مانع من الوصية بعد ارتفاع المانع، حيث إنَّ المانع الحقيقي للتشريح هو التقطيع المأخوذ فيه جنبة العدوان، وأنَّ ما ذكرته الروايات هو التقطيع الذي فيه جنبة عدوان الذي يؤدِّي إلىٰ انتهاك حرمات الميت، ولكن مع الإذن المسبق بالوصية من قبل الميت، فلا يمكن أن يكون منافياً لاحترامه.
المورد الثالث: وجود غرض أهم من حرمة الميت:
كان يتوقَّف التشريح علىٰ إثبات النسب، الذي يتوقَّف عليه إثبات الميراث في الشريعة، ويدلّنا علىٰ ذلك فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث أمر بنبش القبر، وأخذ ضلع من أضلاع الميت(139)، وكذا القول بالجواز إذا توقَّف علىٰ حفظ النظام الإسلامي، ضرورة كون حفظ النظام مقدَّم علىٰ حرمة تشريح الميت، بل من أهم الواجبات، وهذا كلُّه مبنىٰ علىٰ الروايات المتقدِّمة، وقاعدة التزاحم التي عليها بناء العقلاء، كما أنَّ الشارع لم يردع عن ذلك بل أيَّده، وكذا الجواز وعدم الحرمة فيما يثبت به التشريح، لإثبات القتل لأهمية التشريح علىٰ أهمية حرمة الميت، بالإضافة إلىٰ عدم صدق الهتك والإهانة، مع ملاحظة رجوع المصلحة للميت، أو إلىٰ أهله، إذا قتل القاتل رعاية لمصلحة المقتول وأهله.
المورد الرابع: إذا كانت المصلحة عائدة إلىٰ الميت:
قد تكون هنالك مصلحة عائدة للميت نفسه من قبيل إذا كان بدن الميت تحت الأنقاض أو تحت الأبنية التي ضربها الزلزال، حيث لا يتمكَّن من إخراجه كاملاً، فلابدَّ إذن من تقطيعه أو تكسيره لإخراجه، فلا إشكال في المصلحة للميت ضرورة توقُّف تجهيزه وتكفينه ودفنه، وعليه لا منافاة في ذلك لحرمته إذ لا يعد هذا العمل هتكاً لحرمة الميت أو إهانة له، لأنَّ المصلحة في تجهيزه ودفنه.
المورد الخامس: ضرورة التمييز بين بدن المسلم وغيره:
جواز تشريح بدن الميت عند الشكّ في كون بدن الميت مسلم أو كافر، والكافر الذمي أم غير ذمي، إلَّا أنَّنا نواجه مشكلة إذا كان الميت في دار الإسلام، ضرورة كون الأعم الأغلب من المسلمين فيكون المشكوك ملحقاً بهذه الأفراد العامة في الحكم، من قبيل إلحاق لقيط دار الإسلام بالمسلمين(140)، مع وجود المسلمين فيها واحتمال كونه مسلماً، هذا فيما إذا كان هناك غلبة بلا عمد الإلحاق، أمَّا إذا لم تكن هنالك غلبة فلا يتم الإلحاق بالمسلمين(141).
ويدلّنا علىٰ ذلك، قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، عن حماد بن عيسىٰ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «يوم بدر لا تواروا إلَّا من كان كميثاً – يعني من كان ذكره صغيراً – وقال لا يكون إلَّا في كرام الناس»(142).
فإنَّ مقتضىٰ تلك المصلحة، هو العمل بهذه العلامة علىٰ تجهيز الميت، وتغسيله، وتكفينه، ودفنه.
المورد السادس: فيما إذا بلع مال غيره:
فصل الفقهاء في هذا المورد(143)، إذا كان المال المبتلع تالفاً، فلا مجال لتشريحه، وتكون الحاجة إليه منتفية، وأمَّا إذا كان المبتلع غير تالف، فإن أمكن تعويضه من ماله فلا حاجة لبقر بطنه وتشريحه، وأمَّا إذا كان غير تالف، ولا يمكن تعويضه، فالمسألة محل نظر بين الفقهاء(144).
قال الشيخ الطوسي: (إذا بلع الحي جوهراً، فإن كان ملكاً لغيره، قال الشافعي(145) بشقِّ جوفه ويخرج، وإن كان مالكاً له فيه قولان: أحدهما بشقِّ جوفه، لأنَّه ملك الورقة. والثاني: أنَّه لا يشق لأنَّه بمنزلة ما أكل من ماله، وليس لنا في المسألة نص، والأولىٰ أن نقول: لا يشق جوفه…)(146).
أمَّا التنبيهات التي ذكرها الفقهاء:
ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ الحكم الأوَّلي للتشريح الحرمة، وما أخرجه الدليل، من موارده الاضطرار والحاجة في تشريح بدن الميت، والحكم الثانوي الذي حكم به الفقهاء، وجازوا شقّ البدن للميت، وجعلوه تحت ضابط وعنوان كلِّي، هي الموارد المستثناة من الحرمة، إلَّا أنَّهم لم يتركوها وشأنها، وإنَّما وضعوا لها تنبيهات تتلاءم وحرمة الميت، وعدم هتك حرمته، أو إهانته، والتمثيل بجسده، علىٰ ما دلَّت عليه الروايات، وكما يلي:
التنبيه الأوَّل: لزوم الدية:
نظر الشارع المقدَّس لجسد الميت من الآدمي المسلم دية، كدية الجنين الذي لم تلجه الروح(147).
قال الشيخ النجفي: وفي قطع رأس المسلم الميت دية الحر مئة دينار علىٰ المشهور، بل عن الخلاف، والانتصار، والغنية، الإجماع عليه، انتهىٰ(148).
التنبيه الثاني: حرمة النظر إلىٰ عورة الميت:
مطلقاً للنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، في غض أبصار المؤمنين والمؤمنات عما حرَّم الله النظر إليه، حرَّمت الشريعة المقدسة النظر إلىٰ عورة الأجنبي، إلَّا ما أخرجه الدليل علىٰ ما بيَّناه، فمن باب الأولوية القطعية يكون هذا التحريم شاملاً إلىٰ عورة الآدمي الميت لكلا الجنسين مهما كان نوعهما، وكذا حرمة المماثل من الرجال والنساء المسلمين، والحكم يكون مبني علىٰ إطلاقات أدلة حرمة النظر واللمس والمس وغيرها، نعم يستثنىٰ من ذلك موارد الضرورة والاضطرار(149).
التنبيه الثالث: الاقتصار علىٰ المقدار الواجب:
لا يجوز التشريح، أو شقّ البطن، أو الكسر زائداً عن مقدار الحاجة، والاقتصار علىٰ القدر المتيقَّن، بمعنىٰ أنَّ الضرورة تقدَّر بقدرها(150)، فيكون المراد منها أنَّ الضرورة إنَّما تباح بالقدر الذي تكون مع الضرورة، من قبيل اباحة أكل الميتة بقدر ما يسد رمقه(151) وكشف العورة بقدر الحاجة لها، ودليلنا علىٰ ما ندَّعي قوله تعالىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16).
التنبيه الرابع: نقل الموتىٰ والمثلىٰ بهم:
انفرد الشهيد الثاني بهذا التنبيه، وجعله من الفوائد المتفرِّقة في أبواب الفقه، حيث قال: (نقل الموتىٰ حرام مع المثلة، كما يفعل أهل الجزائر والأُجرة لا يستحقها الناقل، لأنَّ الأُجرة علىٰ الفعل المحلَّل، وهذا حرام، لأنَّ نقل المؤمن مع المثلىٰ فيه هتك شعائر الإسلام، لأنَّ حرمته ميتاً كحرمته حياً)(152).
التنبيه الخامس: خياطة مواضع التشريح:
ولا نريد أن نطيل بهذا التنبيه ونكتفي بذكر رواية مروية، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، في الجواب عن السؤال في المرأة تموت، ويتحرَّك الولد في بطنها، أيُشق بطنها ويخرج الولد؟ قال: «نعم ويخاط بطنها»(153).
التنبيه السادس: كون الحكم شاملاً لجميع أعضاء بدن الميت:
بمعنىٰ أنَّ كلّ عضو من أعضاء بدن الميت، يكون داخلاً تحت عموم جسد الميت، بلا فرق ولا مائز؟ فكما لا يجوز تشريح جسده الكامل، كذا لا يجوز تشريح بعض أعضائه، وحكم هذه الأجزاء والأعضاء من بدن الآدمي، حكم ما يترتَّب علىٰ جسد الآدمي الكامل الميت، من الغسل، واللف في خرقة ودفنه.
فأوجب الفقهاء بغسله بالأغسال الثلاثة، ثم تشريحه في موارد الجواز المتقدِّمة، فلا إعادة بعد التشريح، نعم يجب تطهير البدن من النجاسة قدر المستطاع، وتجهيزه، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، ودفن جميع ما سقط من الأعضاء، والشعر مع الميت لقول أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «لا يمس من الشعر ولا الظفر وإن سقط منه شيء فاجعله في كفنه»(154).
نعم، يجوز تأخير غسل الميت بعد التشريح، إذا توقَّف عليه إنقاذ حياة مسلم آخر، فيجوز تأخيره(155).
الخاتمة والنتائج:
التي توصَّل لها الباحث في بحثه العلمي، وكما يلي:
الأولىٰ: التشريح معناه تشقيق أجزاء البدن بعد الموت، وملاحظتها من جهة تأثير الأمراض، أو لحلِّ بعض الإشكالات، وغير ذلك.
الثانية: أنَّ أهمية موضوع علم التشريح تتجلَّىٰ في الصراع، بين مبدأ معصومية الجسم البشري، وبين الحداثة المؤثِّرة في جسم الإنسان.
الثالثة: أنَّ السبب الرئيسي لاختيار الموضوع، لبيان القدرة الإلهية في إعجاز البشر في خلق الله تعالىٰ، وإظهار قدرته في خلق وتكوين الإنسان، والكائنات الحية الأخرىٰ.
الرابعة: المعروف أنَّ للتشريح أنواعاً ثلاثة، من قبيل التشريح المرضي، والتعليمي، والجنائي.
الخامسة: آلية التشريح المتَّبعة في الطب العدلي، لها أسلوبان وهما:
الأوَّل: يكون علىٰ شكل حرف (y) وهو شقٌّ عميق وكبير، يبدأ في الجزأين العلويين للكتفين، نزولاً إلىٰ منطقة الصدر، ثم ينتقل إلىٰ أسفل منطقة البطن.
الثانية: يكون علىٰ حرف T)) ويكون الشقّ من أعلىٰ النقطتين في الكتفين، علىٰ شكل أُفقي، في منطقة عظام الترقوة، نزولاً إلىٰ منطقة البطن في أسفله.
السادسة: الحكم الشرعي في مسألة التشريح، لمعرفة سبب الوفاة، ولمعرفة الأمراض وأنواعها، أو لغرض التعلُّم الطبي وتعليمه، أو لمعرفة الأعضاء والأحشاء الداخلية الدقيقة في بدن الميت.
السابعة: الحكم الشرعي في مسألة التشريح بإجماع الأُمَّة الإسلامية، هو الحرمة للأدلة الشرعية والعقلية، إلَّا ما أخرجه الدليل الشرعي في موارد مستثناة من الأصل.
الثامنة: التشريح في القانون الوضعي، فقد أباحت الحكومات عمليات التشريح في المستشفيات الحكومية حصراً، ضمن دوائر الطب العدلي التابع إلىٰ وزارة الصحة، فيكون العمل تحت نظر وإشراف الحكومة، بشكل رسمي ومباشر.
التاسعة: اختلفت أقوال الفقهاء في مسألة التشريح، فكانوا علىٰ قولين:
الأوَّل: المجيزين، ولهم أدلَّتهم.
والآخر: المانعين، ولهم أدلَّتهم التي تم ذكرها فيما تقدَّم.
العاشرة: اختلاف الحكم الأوَّلي والثانوي للتشريح، باختلاف أغراضه.
الحادي عشر: ذكر الفقهاء ستة موارد مستثناة من الأصل، وكذا ست تنبيهات في التشريح.
الهوامش:
(1) بتصرف: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – ناصر مكارم الشيرازي: 20/312.
(2) انظر: فقه التشريح – كاظم المحمداوي: ص14.
(3) الكافي، محمد بن يعقوب الكليني: 1/149، باب الرد إلىٰ الكتاب والسُنَّة.
(4) انظر: المصدر نفسه، 1/59.
(5) الحكم الوضعي هو: (الاعتبار الشرعي الذي لا يتضمَّن الاقتضاء والتغيير) الأصول العامة للفقه المقارن، محمد تقي الحكيم: ص64.
(6) انظر: قراءات فقهية معاصرة، كمال الخرازي: 1/485.
(7) أحكام تشريح جثث الآدمي – الشنيفي: ص16.
(8) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 11/17، باب 43، باب آداب الجهاد: ح3.
(9) انظر: الانتصار، علي بن الحسين الموسوي، ص542، الخلاف، أبو جعفر الطوسي، 5/299.
(10) جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، 21/77 -78.
(11) لسان العرب، ابن منظور، 3/193.
(12) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن علي الفيومي، 1 – 2/308.
(13) تاج العروس، مرتضىٰ الزبيدي، 4/3 -1.
(14) بتصرف: سيرة أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، 2/245.
(15) قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/485.
(16) قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/485.
(17) بتصرف: كشف اصطلاح الفنون، محمد بن علي التهانوي، 1/556.
(18) انظر: فقه التشريح، كاظم محسن المحمداوي، ص61.
(19) نقلاً عن قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/457.
(20) أحكام التشريح جثث الآدمي، الشنيفي، ص16.
(21) انظر: التحنيط في مصر القديمة، جمال السلماني، مجلة جامعة بغداد، العدد 104.
(22) انظر: الطب عند العرب، حنيفة الخطيب، ص27.
(23) فقه التشريح، كاظم المحمداوي، ص71.
(24) بتصرف: موسوعة تاريخ الطب، رودريك مكجور، ص33.
(25) بتصرف: حضارة العراق، نخبة من الباحثين العرقيين، 2/337.
(26) كان أحد الأطباء المعلمين وقيل المعلم الثامن من صاحب كتاب التشريح الكبير، انظر: التراث الطب العربي، الطباطبائي: ص7.
(27) انظر: الطب عند العرب في الإسلام، الخطيب: ص27.
(28) بتصرف: من علوم الطب في الإسلام، عارف القره غولي: ص9.
(29) بتصرف: موسوعة تاريخ الطب، اورديك مكجور، ص33.
(30) بتصرف: مختصر تاريخ الطب العربي، كمال السامرائي، ص40 – 41.
(31) بتصرف: أعلام الموقعين، محمد بن أبي بكر، 3/3.
(32) الحكم الأوَّلي هي الأحكام المجعولة علىٰ نفس طبائع الموضوعات وعناوينها بما هي عليها وتكليف العباد بما هم كذلك من غير ملاحظة ظرف خاص أو حالة خاصة…
(33) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 11/71، باب 43، أبواب الجهاد، ح3.
(34) انظر: الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، 5/29.
(35) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 19/96، باب 62 من قصاص النفس، ح6.
(36) جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، 21/77.
(37) بتصرف: بحوث فقهية هامة، ناصر مكارم الشيرازي، ص318.
(38) أصول الكافي، محمد بن يعقوب، 7/315.
(39) منهاج الصالحين، أبو القاسم الخوئي، 1/426.
(40) منهاج الصالحين، علي الحسيني السيستاني، 1/425.
(41) قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/488.
(42) المصدر نفسه، 1/90.
(43) هي أحكام محدودة ومقيَّدة بالحالات الطارئة فما دامت تلك الحالات متحققة فتلك الأحكام أيضاً متحققة فإنَّ الضرورات تقدر بقدرها.
(44) المسائل المنتخبة، علي الحسيني السيستاني، ص754.
(45) بتصرف: أجوبة الاستفتاءات، علي الخامنئي، 1 – 2/256.
(46) قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/460.
(47) هو التنافي بين الأحكام التكليفية الإلزامية في مقام الامتثال علىٰ أن يكون منشأ التنافي هو ضيق قدرة المكلف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال. انظر: المعجم الأصولي، صنقور، 1/503.
(48) انظر: المسائل المنتخبة، علي الحسيني السيستاني، ص754.
(49) فروع الكافي، محمد بن يعقوب، 3/154.
(50) المصدر نفسه.
(51) تهذيب الأحكام، أبو جعفر الطوسي، 1/366.
(52) منهاج الصالحين، علي الحسيني السيستاني، 1/425 – 426.
(53) الفتاوىٰ، محمد سعيد الحكيم، 1/404.
(54) أجوبة الاستفتاءات، الخامنئي، 1 – 2/256.
(55) الدليل الطبي الشرعي، حسين علي شحرور، ص20.
(56) مغني المحتاج، الخطيب الشربيني، 1/366.
(57) المصدر نفسه.
(58) انظر: الانتفاع بأجزاء الآدمي، عصمت الله، ص123.
(59) انظر: حكم التشريح الإنسان، القصار، 37.
(60) الجواهر، محمد حسن النجفي، 21/77. انظر: أحكام الجراحة الطبية، الشنقيطي، ص171.
(61) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 21/329.
(62) انظر: منهاج الصالحين، الخوئي، 1/426. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 1/425.
(63) الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص75.
(64) رد المحتار، ابن عابدين، 1/628.
(65) الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص75.
(66) المغني، ابن قدامه الحنبلي، 2/551.
(67) المحلىٰ بشرح المجلىٰ، ابن حزم الظاهري، 5/115.
(68) المجموع شرح المهذب، يحيىٰ ابن شرف النووي، 5/271.
(69) انظر: شفاء التباريح والأدواء في حكم التشريح ونقل الأعضاء، اليعقوبي، ص89.
(70) الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص89.
(71) بتصرف: موقف الفقهاء من التشريح، محمد علي البار، ص85.
(72) الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، 3/154.
(73) المصدر نفسه.
(74) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 2/271.
(75) الفتاوىٰ، محمد سعيد الحكيم، 1/404.
(76) المسائل المنتخبة، علي الحسيني السيستاني، ص574.
(77) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، 4/354، رقم الحديث 24308.
(78) السنن الكبرىٰ، الترمذي، 1/133.
(79) قراءات فقهية معاصرة، كمال خرازي، 1/461.
(80) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 19/248.
(81) تحرير الوسيلة، روح الله الخميني، 2/565.
(82) المسائل المنتخبة، علي الحسيني السيستاني، ص530.
(83) الفتاوىٰ، سعيد الحكيم، ص401.
(84) قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/461.
(85) الجواهر، محمد حسن النجفي، 21/77.
(86) التاج والإكليل المختصر خليل، العبدري، 2/254.
(87) المغني، ابن قدامه الحنبلي، 2/413.
(88) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، 3/213.
(89) صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، 12/398.
(90) صحيح البخاري، البخاري، 5/142.
(91) انظر: حكم تشريح الإنسان بين الشريعة والقانون، عبد العزيز القصار.
(92) انظر: الأشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي، 1/178.
(93) المصدر نفسه.
(94) انظر: قراءات فقهية معاصرة، 1/438. منهاج الصالحين، الخوئي، 1/425. منهاج الصالحين، السيستاني، 1/426.
(95) التاج والإكليل، محمد العبدري، 2/254.
(96) المغني، ابن قدامه الحنبلي، 2/413.
(97) فقه التشريح، كاظم المحمداوي، ص134.
(98) تحرير الوسيلة، روح الله الخميني، ص564.
(99) انظر: بحوث فقهية هامة، ناصر مكارم الشيرازي، ص322.
(100) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 21/329.
(101) شرائع الإسلام، المحقق الحلي، 1 – 2/232.
(102) المكاسب، مرتضىٰ الأنصاري، 1/36.
(103) المصدر نفسه.
(104) أحكام الجراحة والآثار المترتبة عليها، الشنقيطي، ص180.
(105) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، 3/24.
(106) الانتصار، علم الهدىٰ، ص272.
(107) شرائع الإسلام، المحقق الحلي، 3 -4/407.
(108) الغنية، أبو المكارم السيد ابن زهرة، ص621.
(109) بحوث فقهية هامة، ناصر مكارم الشيرازي، ص324.
(110) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 2/470.
(111) منهاج الصالحين قسم العبادات، محمد باقر الصدر، 1/103.
(112) الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، 3/40.
(113) العروة الوثقىٰ، السيد اليزدي، 1/298.
(114) الأحكام الشرعية، حسين منتظري، ص101.
(115) مسائل وردود، أبو القاسم الخوئي، ص30.
(116) بتصرف: حقوق الإنسان بين الفكر العربي والفكر الإسلامي، فضل الله إسماعيل، ص160.
(117) انظر: مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، ص11، العدد الأول.
(118) المصدر نفسه.
(119) بتصرف: نقل الأعضاء البشرية بين الطب والشريعة والقانون، مجموعة باحثين، ص8.
(120) بتصرف: زرع الأعضاء البشرية بين الحضر والإباحة، أحمد محمود سعيد، ص10.
(121) انظر: مجلة دار الأنبار للطباعة والنشر، ص25 العدد 74.
(122) انظر وبتصرف: قانون الطب العدلي، صباح صادق الأنباري، ص1 – 6.
(123) شبكة ENT الموقع المرصد النيابي العراقي، مشروع قانون، Hattps://www migpm.com
(124) شبكة ENT الموقع الميزان، البوابة القانونية القطرية. Hattps://www almeezan.ga
(125) شبكة ENT الموقع ويكبيديا قانون علم التشريح 1832. Hattps://wwwargwi;lbedia> org
(126) نقلاً عن فقه التشريح، كاظم المحمداوي، ص66 – 68.
(127) بتصرف: شبكة ENT الموقع الموسوعة الحرة – ويكبيديا 25/12/2012م. Hattps://www bing com/seareh
(128) انظر: التحنيط فلسفة الخلود في مصر القديمة، صالح أحمد، المقدمة ص5 – 6.
(129) بتصرف: الفتاوىٰ الواضحة، محمد باقر الصدر، ص293.
(130) بتصرف: المعجم الطبي الكبير، محمد الصاوي محمد مبارك، ص245.
(131) بتصرف: معجم المصطلحات العلمية في الأحياء الدقيقة، محمد الصاوي، ص61.
(132) بتصرف: معجم الملاح في مصطلحات علم الحشرات، نزار مصطفىٰ، ص95.
(133) بتصرف: الانتفاع بأجزاء الآدمي، عصمت الله عناية الله، ص123.
(134) بتصرف: فقه الحياة، محمد حسين، ص16.
(135) بتصرف: موسوعة الطب الشرعي، سالم الدميري، ص9.
(136) بتصرف: قراءات فقهية معاصرة، ناصر مكارم الشيرازي، 1/488.
(137) ينظر: الاستفتاءات الشرعية – مكتب الشيخ بشير النجفي، بتاريخ 21/4/1432هـ.
(138) المسائل المنتخبة، علي الحسيني السيستاني، ص754؛ أجوبة الاستفتاءات، علي الخامنئي، ص256.
(139) بحار الأنوار، باقر المجلسي، 40/225.
(140) انظر: تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، 2/428.
(141) انظر: المهذب، القاضي ابن البراج، 2/380.
(142) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 11/112.
(143) انظر: الخلاف، أبو جعفر الطوسي، 1/730. أجوبة الاستفتاءات، الخامنئي، ص256.
(144) انظر: قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/478.
(145) شرح المهذب، أبو إسحاق الشيرازي، 6/417.
(146) الخلاف، الطوسي، 1/370.
(147) انظر: المسائل المنتخبة، جواد الشيرازي، ص424.
(148) جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، 19/248.
(149) بتصرف: الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص37.
(150) شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا: ص 201 – رقم القاعدة 28.
(151) الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص89.
(152) رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي، 2/1217
(153) انظر: الكافي، محمد بن يعقوب، 3/154.
(154) وسائل الشيعة، الحر العاملي، 2/294.
(155) بتصرف: قراءات فقهية معاصرة، مجموعة باحثين، 1/484.