الإتقان والإحسان: بُعدٌ أخلاقي في بناء المجتمع

المقدّمة:

دعا الإسلام إلىٰ العمل وحثَّ عليه، واعتبره عبادةً يُؤجر ويُثاب عليها الإنسان، بل شبَّه العامل بالمجاهد في سبيل الله تعالىٰ، غير أنَّ الأعمال – مهما كثرت – لا تكون ذات قيمةٍ حقيقية ما لم تكن متقنة، أو داخلة في دائرة الأحسن.

وقد وضع الإسلام ضوابط وأخلاقياتٍ للعمل، في مقدّمتها الإخلاص في النيّة، وإتقان الأداء، وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلىٰ ترسيخ ثقافة الإتقان، ولا سيّما في زمانٍ كثرت فيه الأعمال وقلَّ فيه الإحكام، حتَّىٰ غدا الإهمال سمةً ظاهرة في كثيرٍ من الميادين.

ومن هنا، يؤكِّد القرآن الكريم مراراً علىٰ الإحسان في العمل، لا علىٰ مجرَّد كثرته، وقد اعتمدتُ في هذا المقال علىٰ المنهج الاستقرائي التحليلي حيث جمعتُ فيه الأدلة القرآنية والروائية الشريفة الدالة علىٰ الإتقان والإحسان ثم بيان دلالاتها الأخلاقية والاجتماعية.

تمهيد: الإتقان ثقافة قرآنية أصيلة:

إنَّ إتقان العمل ثقافةٌ قرآنيةٌ راسخة بثَّها القرآن الكريم، وأكَّدتها السُنَّة النبويَّة الشريفة.

قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: 2)، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (هود: 7)، ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَىٰ الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: 7)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف: 30).

وقال العلامة الطبرسي (رحمه الله) في تفسيره لهذه الآية الشريفة: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: 88): (أي خلق كلَّ شيءٍ علىٰ وجه الإتقان والإحكام والاتساق)(1).

فالخالق (جلَّ وعلا) أحكم هذا الكون بدقّةٍ متناهية، والمتأمّل في نظامه يرىٰ الإتقان ظاهراً في كلِّ جزءٍ من أجزائه، ومن هنا، كان لزاماً علىٰ الإنسان – خليفة الله في الأرض – أن يجعل الإتقان منهجاً ثابتاً في جميع أعماله.

وقد ورد هذا المعنىٰ أيضاً في الأدعية المأثورة؛ ففي دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام):
«وأتقن صنع الفلك الدوّار في مقادير تبرّجه».

وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام): «فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع».

إتقان العمل: خُلُق نبوي وتكليف إلهي:

جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه عن رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله): «إنَّ الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه»(2).

كما روي عنه (عليه السلام) أنَّ النبي (صلىٰ الله عليه وآله) لما توفي ابنه إبراهيم، ورأىٰ في قبره خللاً، سوّاه بيده الشريفة ثم قال:

«إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن»(3).

وتكشف هذه النصوص بوضوح أنَّ الإتقان ليس أمراً شكلياً، بل قيمة إيمانية عليا، وأنَّ الله تعالىٰ يحب العامل المتقن، لا من ينجز العمل بلا جودة أو عناية.

الإتقان في حياة الموظف والعامل:

إنَّ عمل الموظَّف والعامل أمانة ومسؤولية شرعية وأخلاقية، والله تعالىٰ مطَّلع علىٰ كل تفريط أو إهمال، ومن هنا، ينبغي أن تُشاع ثقافة الإتقان بين جميع العاملين، مهما اختلفت مواقعهم أو درجاتهم الوظيفية.

فكل من تصدَّىٰ لعمل – صغيراً كان أو كبيراً – مطالب بأن يؤدِّيه علىٰ أكمل وجه، من دون نقص أو خلل، لأنَّ الإتقان عنوان الأمانة، ومرآة الإيمان.

قصة معبّرة في الإتقان:

روىٰ الإمام الصادق (عليه السلام) قصة وفاة إبراهيم ابن رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله)، حيث قال:
«فلما مات إبراهيم ابن رسول الله، حملت عين رسول الله بالدموع… ثم رأىٰ في قبره خللاً فسواه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن»(4).

ورغم شدَّة الحزن والمصاب، لم يغفل النبي (صلىٰ الله عليه وآله) عن الإتقان، ليعلِّم الأُمَّة أنَّ المؤمن لا يترك خلفه عملاً ناقصاً مهما اشتدت الظروف.

الإحسان معيار القبول عند الله:

جاء عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ أحبَّكم إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ) أحسنكم عملاً»(5).

ويُلفت القرآن الكريم النظر إلىٰ أنَّ المعيار الإلهي ليس كثرة العمل، بل حُسنه، كما في قوله تعالىٰ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: 7)، حيث يشير هذا التعبير – كما يذكر صاحب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – إلىٰ أنَّ الكيفية العالية هي التي تحدد قيمة العمل، لا كميته(6).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية: «ليس يعني أكثر عملاً، ولكن أصوبكم عملاً، وإنَّما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والحسنة…»، ثم قال: «الإبقاء علىٰ العمل حتَّىٰ يخلص أشدَّ من العمل»(7).

فالإمام (عليه السلام) يكشف لنا رؤية الإسلام الصائبة من القيمة الحقيقية لكيفية العمل لا كثرته، ومن هنا ينبغي علينا جميعاً نشر هذه الثقافة الإسلامية الأصيلة وتربيت المجتمع عليها ليكون مجتمع منتج وعمله ذا قيمة عالية ومضمونة عند ربِّ العالمين سبحانه وتعالىٰ.

كما ورد عنه (عليه السلام): «إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله له العمل، لكلِّ حسنة سبعمائة ضعف»، ثم بيّن معنىٰ الإحسان قائلاً: «إذا صلَّيت فأحسن ركوعك وسجودك، وإذا صمت فتوقّ كل ما يفسد صومك، وإذا حججت فتوقّ ما يحرم عليك في حجك وعمرتك، وكل عمل تعمله فليكن نقياً من الدنس»(8).

الخاتمة:

1 – الإتقان خُلُقٌ راقٍ وثقافة أصيلة دعا إليها الإسلام، ورسَّخها القرآن الكريم والسنة الشريفة.

2 – كثير من مظاهر التخلُّف والضعف في واقعنا المعاصر تعود إلىٰ ضعف الإتقان وقلَّة الانضباط.

3 – المجتمع بحاجة ماسّة إلىٰ نشر ثقافة الإتقان لبناء جيل واعٍ مؤمن بهذه القيمة.

4 – الميزان عند الله تعالىٰ هو كيفية العمل لا كثرته، ولذا ركَّز القرآن علىٰ الأحسن لا الأكثر.

5 – كل عمل – مهما كان صغيراً أو كبيراً – يحتاج إلىٰ إحكام وإتقان.

6 – الإحسان في كل شيء عبادة، سواء كان العمل عبادياً أم دنيوياً.

7 – قال (عزَّ وجلَّ): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: 10).

 

 

 

الهوامش:


(1) الطبرسي، تفسير مجمع البيان: ج7، ص369، المكتبة الشاملة.

(2) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ج1، ص61.

(3) المصدر نفسه: ج3، ص229-230.

(4) وسائل الشيعة: ج3، ص229.

(5) المجلسي، بحار الأنوار: ج101، ص73.

(6) مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج9، ص199.

(7) الكليني، الكافي.

(8) المجلسي، بحار الأنوار: ج93، ص291.

Edit Template
Scroll to Top