المقدّمة:
تُعَدّ الشائعاتُ والفتنُ من أخطر الأسلحة التي تهدِّد استقرار المجتمع، وتسهم بشكلٍ سلبيٍّ وواضح في زعزعة أمن الناس وتمزيق نسيجهم الاجتماعي المتماسك، وفي زماننا المعاصر تفاقم خطر الشائعات والفتن، مع وجود الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب حيث كان له الدور الأبرز في نشر الفوضىٰ، وإثارة النزاعات، وبثّ الفتنة بين فئات المجتمع.
ولأجل هذه الأخطار الجسيمة، جاء الإسلام محذّراً منها، ومحارباً لها، وداعياً إلىٰ التثبُّت، والتحلّي بالحكمة والعقل، وصيانة اللسان عن نقل الباطل ونشره بين الناس.
قال تعالىٰ:
﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، وهي دلالة واضحة علىٰ وجوب التثبُّت والتبيُّن عند ورود الشائعة أو الفتنة، لئلّا يقع المؤمن في الظلم أو الإثم بسبب التسرّع ونقل الأخبار دون تحقُّق.
وسيحاول هذا المقال تسليط الضوء علىٰ المنهج الأخلاقي في التعامل مع الشائعات والفتن، راجياً من القارئ الكريم الاستفادة منه.
أوَّلاً: كفّ اللسان عن النشر:
ويُعدّ هذا السلوك أحد أهم أركان المنهج الأخلاقي الإسلامي، إذ يجعل من الإنسان رقيباً علىٰ نفسه قبل أن يكون ناقلاً للكلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) كفىٰ بالمرء كذباً أن يحدّث بكلِّ ما سمع(1).
عن ابن صدقة، عن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله): إن علىٰ لسان كل قائل رقيباً، فليتَّق الله العبد، ولينظر ما يقول»(2).
ثانياً: الإعراض عن مروّجي الفتن والشائعات:
من الآداب المهمّة في التعامل مع الفتن والشائعات: الإعراض عن مروِّجيها، وعدم الانجرار وراء جدالهم فالإعراض هنا ليس ضعفاً ولا هروباً، بل هو موقف أخلاقي واعٍ، يهدف إلىٰ تجفيف منابع الفتنة، وعدم منحها فرصة التمدُّد والانتشار، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلىٰ هذا المنهج بقوله تعالىٰ: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ (الفرقان: 63).
وفي هذه الآية توجيهٌ رفيع إلىٰ ضرورة مقابلة الجهل بالحِلم، وتجنُّب الانخراط في الفتن، حفاظاً علىٰ النفس والمجتمع.
ثالثاً: عدم إعطاء الشائعة أهمية:
لأنَّ الشائعة تعيش علىٰ التفاعل معها، وكلَّما قلَّ الاهتمام بها ضعفت قدرتها علىٰ التأثير والتأزيم؛ فإنَّ من أفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان عند سماع الشائعة هو إهمالها وعدم الانشغال بها، بل المضيّ في حياته بشكل طبيعي دون السماح لها بالتأثير علىٰ تفكيره أو سلوكه، فذلك يُضعف أثرها ويُسهم في وأدها في مهدها.
رابعاً: بعض الفتن تربية وابتلاء:
ليس كل الفتن تأتي عقوبة أو انتقاماً إلهياً وإنَّما بعضها يأتي في سياق التربية ورفع الدرجات وذلك لحكمة الهية سامية ومن أبرزها:
1 – ابتلاء من الله ليميز به الصادق من الكاذب، والصابر من الجازع، قال تعالىٰ:
﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2–3).
2 – تطهير للذنوب ورفع للدرجات؛ فكلّ ما يصيب الإنسان المؤمن – صغيراً كان أو كبيراً – يكون كفّارة لذنوبه وسبباً لرفع درجاته، كما ورد في روايات العترة الطاهرة.
3 – دافع للنموّ والنضج؛ فالفتنة تعلِّم الإنسان الصبر والحكمة وحسن التوكُّل علىٰ الله.
وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في التعامل مع الفتن: «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ…»(3)، ويا له من وصف أو تشبيه رائع، والخطاب للإنسان كن في الفتنة التي تأتي كابن اللبون وهو الذي أكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة فهو غير مكتمل للركوب ولا جاهزة للحلب لصغرها.
خامساً: الاستعاذة من الفتن:
وهو ما يكشف عن عمق البعد التربوي في الإسلام، حيث يجمع بين العمل بالأسباب واللجوء القلبي الصادق إلىٰ الله تعالىٰ، وقد ورد في الدعاء المأثور بعد الوتر: «أعوذ بك من الفتن كلّها، ما ظهر منها وما بطن»(4).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«لا يقولنَّ أحدكم: اللَّهم أعوذ بك من الفتنة، فإنَّه ليس أحد إلَّا وهو مشتمل علىٰ فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مُضِلّات الفتن»(5).
سادساً: الفتنة سُنَّة إلهية:
وإذا كانت الاستعاذة من الفتن مطلوبة، فإنَّ الإيمان بكونها سُنَّة إلهية لا يتنافىٰ مع ذلك، بل يوجّه الإنسان إلىٰ حسن التعامل معها.
لقد استعرض القرآن الكريم والسُنَّة النبوية المطهَّرة آياتٍ ورواياتٍ عديدة تبيّن أنَّ الفتنة سُنَّة إلهية في الحياة، تصيب الإنسان فرداً وتارة جماعة، والغرض منها تربية الإنسان علىٰ تقوىٰ الله (عزَّ وجلَّ).
قال الإمام الحسن المجتبىٰ (عليه السلام):
«فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنَّه من يتَّق الله يجعل له مخرجاً من الفتن»(6).
سابعاً: نشر الخير والإيجابية:
في مقابل ما ينشره البعض في الإعلام من شائعات وأخبار سلبية، ينبغي علينا نشر الخير والإيجابية والمحبة بين الناس، لما لذلك من أثرٍ بالغ في زرع روح الألفة وتعزيز الأمن والاستقرار داخل المجتمع، وهذا من مصاديق نشر الخير في الناس.
ثامناً: نشر ثقافة الصدق:
إنَّ نشر ثقافة الصدق وتعزيزها بين أفراد المجتمع أمرٌ بالغ الأهمية، فالصدق خلقٌ وأدبٌ أساسي في الإنسان المؤمن، لذا استعرض القرآن وكذلك السنة النبوية مجموعة من الآيات الشريفة والروايات حول أدب وخلق الصدق لما له من أهمية بالغة في المجتمع قال (عزَّ وجلَّ): ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (المائدة: 119).
وقال (جل في علاه): ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب: 24).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الصدق عماد الإسلام ودعامة الإيمان»(7).
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خطبة طويلة: «أيُّها الناس ألا فاصدقوا أنَّ الله مع الصادقين وجانبوا الكذب فإنَّه مجانب للإيمان، ألا أنَّ الصادق علىٰ شفا منجاة وكرامة، ألا أنَّ الكاذب علىٰ شفا ردىٰ وهلكة»(8).
تاسعاً: البصيرة عند وقوع الفتن:
ينبغي علىٰ الإنسان المسلم أن يكون صاحبَ بصيرةٍ عند حدوث الفتن، فلا ينساقَ وراءها فيفقدَ صوابه؛ لأنَّ البصيرة تمثِّل الوعيَ الناقد الذي يمنع الإنسان من الانخداع بالمظاهر والشعارات الزائفة، ولذا فقد أكَّد القرآن الكريم علىٰ أهمية البصيرة في عددٍ من آياته الشريفة، وعلىٰ لسان النبي (صلىٰ الله عليه وآله)، قال تعالىٰ (تقدّست أسماؤه): ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَىٰ اللهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْـرِكِينَ﴾ (يوسف: 108).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ الفتنة إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت استُقرّت، يُشبهن مقبلات ويُعرفن مدبرات»(9).
عن طلحة بن زيد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «العامل علىٰ غير بصيرة كالسائر علىٰ غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلَّا بعداً»(10).
عاشراً: الالتجاء إلىٰ الله تعالىٰ وكتابه الكريم:
لا يخفىٰ عليك، أيُّها القارئ الكريم، أنَّ الالتجاء إلىٰ الله تعالىٰ هو الأساس في كلِّ شيء؛ ففي كلِّ أمرٍ ينبغي علىٰ الإنسان أن يلتجئ إلىٰ الباري (عزَّ وجلَّ)، في صغائر الأمور وكبارها، ولا سيّما عند وقوع الفتن وغيرها من الشدائد.
وقد أكَّد رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله) علىٰ هذا المعنىٰ بقوله: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن؛ فإنّه شافعٌ مُشفَّع».
ومن جميل الأدعية الواردة في الصحيفة السجّادية دعاء الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) في اللجوء إلىٰ الله تعالىٰ، حيث يقول:
«اللَّهم إن تشأ تعفُ عنا فبفضلك، وإن تشأ تعذِّبنا فبعدلك، فسهِّل لنا عفوك بمنّك، وأجرنا من عذابك بتجاوزك؛ فإنَّه لا طاقةَ لنا بعدلك، ولا نجاةَ لأحدٍ منّا دون عفوك، يا غنيَّ الأغنياء، ها نحن عبادك بين يديك، وأنا أفقرُ الفقراء إليك، فاجبر فاقتنا بسَعَتك، ولا تقطع رجاءَنا بمنعك، فتكون قد أشقيتَ من استسعد بك، وحرمتَ من استرفد فضلك، فإلىٰ من حينئذٍ منقلبُنا عنك؟ وإلىٰ أين مذهبُنا عن بابك؟ سبحانك، نحن المضطرّون الذين أوجبتَ إجابتهم…».
سلبيات الشائعات:
- نشر البغضاء والكراهية والأحقاد.
- تفكُّك العلاقات الاجتماعية.
- إثارة الخوف بين الناس.
- زعزعة الأمن والاستقرار.
- الهجرة والنزوح.
- تعطيل التنمية والبناء.
- انتشار الجدال الحاد بين الناس.
الخاتمة:
إنَّ الشائعات والفتن آفتان خطيرتان تهدّدان المجتمعات وتفرّقان بين أفرادها، ومن هنا يجب علينا دائماً وأبداً ترسيخ ثقافة الوعي، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة في التعامل معهما، من صدقٍ وتثبّتٍ وعقلانيةٍ وصبر، واتِّباع القنوات الصادقة الموثوقة، سواء كانت مكتوبة أو مرئية.
وبذلك يتَّضح أنَّ المنهج الأخلاقي الإسلامي يمثِّل منظومة متكاملة في مواجهة الشائعات والفتن، تجمع بين الوعي، وضبط السلوك، والالتزام القيمي، بما يضمن سلامة الفرد والمجتمع معاً.
الهوامش:
(1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج14، ص495.
(2) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج68، ص277.
(3) الشريف الرضي، نهج البلاغة: ص469.
(4) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج86، ص302.
(5) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج7، ص137.
(6) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول: ص232.
(7) الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم: ص140.
(8) البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة: ج13، ص562.
(9) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج33، ص367.
(10) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج27، ص24.