تُعدّ مسألة الشرور واحدةً من أكثر المسائل الفلسفية والكلامية إثارةً للجدل علىٰ مستوىٰ الفكر الإنساني عموماً، وعلىٰ مستوىٰ الفكر الإسلامي خصوصاً لما تنطوي عليه من إشكالات عميقة تتعلّق بطبيعة العلاقة بين الإله والعالم، وحدود القدرة والعلم والحكمة الإلهية.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الخطاب اللاديني المعاصر، إذ يتّخذها كثير من الملاحدة محوراً أساسياً في بناء اعتراضهم علىٰ الإيمان بالله، ليجعلوها – في نظرهم – دليلاً علىٰ نفي وجود الإله أو نفي بعض صفاته الكمالية.
وقد عبّر الفيلسوف التجريبي (ديفيد هيوم)(1) عن هذا الإشكال بقوله: (إنَّ عالمنا مفعم بالشرور والآلام، متسائلاً: كيف يُتصوَّر صدور مثل هذا العالم عن إله موصوف بالقدرة المطلقة المحضة»؟
كما استعمل الفيلسوف الطبيعي (جون ليزلي ماكي)(2) مسألة الشرور بوصفها أداةً نقدية في مواجهته للفكر الديني، حيث صاغ الإشكال علىٰ نحوٍ مفارقٍ بقوله:
(توجد مفارقة بين الإيمان بإله مطلق، وعالم مطلق ، وخيرٍ مطلق من جهة، وبين وجود الآلام والشرور في العالم من جهة أخرىٰ).
وبصيغة منطقية، صاغ المعترضون الإشكال بالنحو التالي:
إنَّ الله إمَّا أن يكون عالماً بوجود الشرور أو غير عالم بها – تعالىٰ الله عمّا يصفون -.
فإن لم يكن عالماً، انتفت عنه صفة العلم، وإن كان عالماً، فإمّا أن يكون قادراً علىٰ منع الشر أو غير قادر، فإن كان قادراً ولم يمنعه، انتفت عنه صفة الخير المحض، وإن لم يكن قادراً علىٰ منعه، انتفت عنه صفة القدرة، والعاجز لا يكون إلهاً.
هذه هي أبرز الإشكالات التي يطرحها المعترضون في إطار مسألة الشرور.
وقبل الخوض في الأجوبة التي قُدِّمت للرد علىٰ هذه الاعتراضات، لابدَّ من تصنيف الشرور، إذ إنَّ الخلط بين أنواعها يؤدِّي إلىٰ اضطراب في فهم طبيعة الإشكال نفسه.
تصنيف الشرور:
تقسم الشرور – علىٰ نحوٍ إجمالي – إلىٰ قسمين رئيسين(3):
1 – الشرور الإرادية (الأخلاقية):
وهي الشرور الناشئة عن سوء اختيار الإنسان واستعماله الخاطئ لإرادته.
الحرة كالظلم، والفقر، والجوع، والزنا، والقتل، والتعدّي علىٰ حقوق الآخرين.
وتُسمَّىٰ هذه الأنواع من الشرور بالشرور الأخلاقية؛ لأنَّها مرتبطة مباشرة بالفعل الإنساني الاختياري.
2 – الشرور غير الإرادية (الطبيعية):
وهي الشرور التي لا يكون للإنسان دور مباشر في إحداثها، كالزلازل، والسيول، والأوبئة، والأمراض.
وهي ناتجة عن تفاعل بعض عناصر الطبيعة مع بعضها الآخر وفق القوانين الكونية.
إجابات الفلاسفة عن مسألة الشرور:
ذهب الفلاسفة في معالجتهم لهذه المسألة إلىٰ عدَّة اتِّجاهات من أبرزها:
أوَّلاً: عدمية الشر:
ذهب جمع من الفلاسفة إلىٰ أنَّ الشر ليس أمراً وجودياً مستقلاً، بل هو من الأمور العدمية، لا بمعنىٰ العدم المحض، بل بمعنىٰ انعدام كمالٍ أو فقدان أمرٍ وجودي آخر.
فالشر – بهذا المعنىٰ – ليس شيئاً قائماً بذاته حتَّىٰ يُسأل عن خالقه، بل هو عدم الخير أو نقصه.
ومن أمثلة ذلك:
الظلام، الذي يُتوهَّم أنَّه شر، مع أنَّ حقيقته عدم النور لا وجود لشيء اسمه الظلام.
الجهل، الذي يُعدّ شراً، مع أنه ليس وجوداً، بل هو عدم العلم(4).
وعلىٰ هذه الأمثلة يُقاس غيرها.
ثانياً: نسبية الشرور:
ذهب فريق آخر من الفلاسفة إلىٰ أنَّ الشر ليس ذاتياً في الأشياء، بل هو أمر نسبي.
فالبراكين – مثلاً – ليست شراً في ذاتها، بل هي ضرورة طبيعية تمثِّل متنفساً للأرض لتخفيف الضغط والحرارة، ولولاها لاختلَّ النظام الطبيعي.
غير أنَّها تصبح شراً إذا قيس أثرها بالنسبة للإنسان القريب منها.
وكذلك سمّ الحيّة، فهو خير محض لها، لأنَّه وسيلة دفاع وبقاء، لكنه شر إذا قيس بالنسبة للإنسان.
ثالثاً: استحالة إلغاء الشرور في عالم الطبيعة:
إنَّ إلغاء الشرور من عالم الطبيعة أمر غير ممكن؛ لأنَّ هذا العالم قائم علىٰ الحركة والتغيُّر والتزاحم، وفق نظرية الحركة الجوهرية، التي ترىٰ أن الوجود المادي وجود سيّال غير ثابت.
وبما أنَّ كل ما في هذا العالم في حركة مستمرة، فإنَّ هذه الحركة تستلزم التضادّ والتزاحم، ومن ثَمّ وقوع بعض الشرور.
وعليه، فإن تحقُّق الخير المحض في هذا العالم يتوقَّف علىٰ إيقاف الحركة الجوهرية ونفي مادية العالم، وهو ما يؤدِّي إلىٰ انتفاء خيرات كثيرة، الأمر الذي يُعدّ شراً أعظم من الشر الجزئي الموجود.
إجابات المدرسة الكلامية:
أمَّا المتكلِّمون، فقد عالجوا مسألة الشرور من خلال مسارين رئيسين:
المسار الأوَّل: نسبة بعض الشرور إلىٰ أفعال الإنسان:
يرىٰ المتكلِّمون أنَّ كثيراً من الشرور الواقعة في الأرض منشؤها الإنسان نفسه، نتيجة أفعاله وسوء تدبيره.
فالظلم، والجوع، بل حتَّىٰ بعض الكوارث، هي – بنحو مباشر أو غير مباشر – من نتائج السلوك البشري، وقد أشار القرآن الكريم إلىٰ ذلك في مواضع عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَىٰ الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: ١٧).
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (الكهف: ٥٩).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورىٰ: ٣٠).
وقد بيَّن بعض المفسّرين أنَّ هذه الآيات تكشف جانباً من فلسفة الحوادث المؤلمة والمصائب الحياتية.
كما ورد في الأثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلىٰ الله عليه وآله): «ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلَّا بذنب، وما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه».
غير أنَّ هذا المعنىٰ لا يُفهم علىٰ إطلاقه(5) كما يظهر من رواية الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث أوضح أنَّ الله يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها(6) لا عقوبةً لهم.
ويؤيِّد ذلك ما ورد في دعاء كميل، حيث يربط الإمام علي (عليه السلام) بين الذنوب ونزول البلاء، من غير أن يجعل ذلك قانوناً كلياً: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْلِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب أذْنَبْتُهُ، وَكُلَّ خَطيئَة أخْطَأتُها»(7).
يبقىٰ سؤال: وهو ما ذنب من يقع ضحية هذه الحوادث من الأبرياء؟
ويُجاب عنه إمَّا بكونهم قد رضوا بالفعل الجمعي، كما في قصة عقر الناقة فإن من عقرها واحد ولكن القرآن نسبها إلىٰ المجموع: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها﴾ (الشمس: ١٤).
أو بالاستناد إلىٰ قاعدة الإعواض، أي أنَّ الله يعوّضهم في الآخرة عوضاً عادلاً، علىٰ تفصيل يطلب في مظانه(8).
المسار الثاني: حكمة مجهولة لا يدركها العقل البشري:
يرىٰ المتكلِّمون أنَّ الله عالم، قادر، حكيم، منزّه عن الظلم والنقص.
وأنَّ وجود الشرور لا ينافي هذه الصفات، وإنّما يدلّ علىٰ وجود حكمة إلهية قد تكون خارجة عن نطاق إدراك العقل البشري المحدود.
فعدم إدراكنا للحكمة لا يعني عدم وجودها، بل يعكس قصور أدواتنا المعرفية عن الإحاطة بجميع شؤون النظام الكوني.
ويتَّضح ممّا تقدَّم أنَّ مسألة الشرور علىٰ ما تنطوي عليه من تعقيد فلسفي وإثارة جدلية لا تفضي عند إخضاعها للتحليل العقلي والكلامي الدقيق إلىٰ نفي وجود الله تعالىٰ ولا إلىٰ الطعن في صفاته الكمالية من علمٍ وقدرةٍ وحكمة وعدل، بل إنَّ الإشكال ينشأ في الغالب من مقارباتٍ جزئية تنظر إلىٰ الشرور بمعزل عن البناء الكلّي للنظام الكوني أو من الخلط بين أنواع الشرور ومصادرها ووظائفها.
بالإضافة إلىٰ ذلك أنَّنا عندما نتناولها ضمن إطارٍ شمولي يجمع بين العقل والنقل والفلسفة والكلام – تتحوَّل من كونها شبهة علىٰ الإيمان إلىٰ مدخلٍ لفهم أعمق لمعنىٰ الحكمة الإلهية وطبيعة العالم وحدود الإدراك الإنساني ويندفع بها ما أُثير من إشكالات حول عدل الله تعالىٰ وخيريته المطلقة وقدرته الشاملة.
الهوامش:
(1) ديفيد هيوم (1711 – 1776) كان فيلسوفاً ومؤرخاً واقتصادياً اسكتلندياً بارزاً من عصر التنوير / م ديفيد هيوم بقلم مارك كارترايت: ص ١.
(2) جون ليزلي ماكي هو فيلسوف أسترالي بارز (1917 – 1981) اشتهر بمساهماته في الأخلاق الميتافيزيقية، والميتافيزيقيا، وفلسفة الدين، وخاصةً دفاعه القوي عن الإلحاد الفلسفي التحليلي/ قاموس السيرة الذاتية الاسترالية.
(3) ينظر الكلام الإسلامي المعاصر: ج١، ص٢٠٧.
(4) ينظر دراسات عقائدية الشهيد مطهري: ص١٦٩.
(5) تفسير الصافي: ج2، ص1130.
(6) الكافي: ج٤، ص٢٦٢.
(7) مفاتيح الجنان: ص ٩٦.
(8) ينظر كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص٥٣٠.