المشروع الإلهي والإمام زين العابدين (عليه السلام) – حركة بين المتغيِّر والثابت، وإرجاع المتغيِّر للثابت

المشروع الإلهي والإمام زين العابدين - عليه السلام

مقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ خير خلقه محمد المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

من الواضح كون المشروع الإلهي يمتاز بالحركة الهادفة الواعية الشاملة، والتي تتقاطع فيها الإرادة الإلهية مع الواقع الإنساني، عبر وسائط بشرية منتخبة، ووفق سُنن ثابتة وبآليات متدرجة لتحقيق غاية كمالية في الإنسان والمجتمع والتاريخ.

فهو إرادة إلهية غايته إنتاج إنسان عاقل أخلاقي، وتأسيس لواقع عادل قابل للاستمرار الهادئ الدافئ وبالتدريج، وارتباط الإنسان بمفاهيم حقة مع الله – سبحانه وتعالىٰ – كالتسليم والثقة والإيمان والتوكل والرضا والتفويض.

وسيكون الحديث في محورين وخاتمة:

المحور الأوَّل: في المشروع الإلهي من خلال الركائز الأساسية فيه:

أوَّلاً: الجذور (المباني، الخلفية الفكرية العقدية).

ثانياً: هوية المشروع (الغاية، مركز الثقل).

ثالثاً: المكونات البنيوية (المباني المعرفية، الآليات، الشروط، الموانع، البيئة).

رابعاً: المخرجات (الإنسان، المجتمع).

المحور الثاني: الإمام زين العابدين (عليه السلام) نموذجاً تطبيقياً للمشروع الإلهي:

ويكون الحديث في عدَّة نقاط أساسية:

أوَّلاً: تشخيص البيئة بدقة عالية.

ثانياً: إعادة تعريف طبيعة المشروع.

ثالثاً: اختيار الآلية والمنهجية الكونية.

رابعاً: الشروط والموانع في تجربته.

خامساً: النتائج الاستراتيجية.

سادساً: آثاره.

سابعاً: خلاصة المشروع الإلهي المعاصر من خلال عدَّة نقاط:

أ – ماهية المشروع المعاصر.

ب – كيفية عمل المشروع.

ت – النموذج التطبيقي.

ث – أخطاء المشاريع الدينية المعاصرة، وتقديم مشروع متلبس بالدين.

ثالثاً: الخاتمة:

المحور الأوَّل: لمعرفة المشروع الإلهي لابد من الحديث في الركائز الأساسية له، ولو علىٰ نحوٍ من الإيجاز:

أوَّلاً: الجذور:

وهي الأُسس التحتية غير المرئية وتنحل إلىٰ:

1 – المباني.

2 – الخلفية الفكرية العقدية.

1 – المباني: وهي عدة مباني يرتكز عليها المشروع الإلهي.

أ – وحدة الهدف لا وحدة الشكل:

والهدف هو هداية الإنسان وتقنين علاقته بربه وعلاقته بالناس والطبيعة، ومنه تتحقق العدالة المطلقة، ولتحقيق هذا الهدف مجموعة من السُبل وبأشكال متعدِّدة، فلا يُقتصر علىٰ أحدها.

قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).

وفي آية أخرىٰ مخاطباً نبيه الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: 7)، وعن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر (عليهما السلام) قوله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32] قال: «من حرق أو غرق»، قلت: فمن أخرجها من ضلال إلىٰ هدىٰ؟ قال: «ذاك تأويلها الأعظم»(1).

ب – قابلية الإنسان الخليفة للتكامل، لا بالجبر والفرض:

قال الله تعالىٰ: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)، وقال في آية أخرىٰ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ (الشمس: 9-10).

ت – السُننية، بمعنىٰ لا قفز علىٰ التاريخ ولا تعطيل للقوانين:

قال الله تعالىٰ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: 43).

ث – الحرية المسؤولة، بمعنىٰ لا فرض في المشروع الإلهي، بل يُستجاب له:

قال (عزَّ من قائل): ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ…﴾ (البقرة: 256).

الخلاصة: تكون بلحاظ:

1 – مبنىٰ التوحيد.

2 – الغاية والهدف.

3 – الهداية المنهجية.

4 – الفطرة.

5 – العدل.

2 – الخلفية الفكرية العقدية، وتكمن في عدَّة نقاط:

أ – الإنسان ككائن قابل للهداية، لا كموضوع للهيمنة:

قال تعالىٰ: ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان: 3)، وقد ورد عن النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) في خطابه لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عندما بعثه إلىٰ اليمن، فقال: «يا علي لا تقاتلن أحداً حتَّىٰ تدعوه إلىٰ الإسلام، أيم الله لئن يهدي (عزَّ وجلَّ) علىٰ يديك رجلاً خير لك، مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي»(2).

ب – عدم أصالة الشر، بل كونه عارضاً بنيوياً(3).

ت – الصلح ليس بين أشخاص، بل بين أنماط فكرية.

الخلاصة في منظومة العقل النظري:

1 – نظرية المعرفة.

2 – الرؤية الكونية.

3 – الإنسان.

منظومة العقل العملي:

1 – منظومة القيم.

2 – الفعل الرسالي.

3 – الاجتماع البشري.

ثانياً: هوية المشروع:

تكمن الهوية المركزية للمشروع في موردين:

أ – الغاية الكبرىٰ، وهي عبارة عن:

1 – إعادة تشكيل الإنسان.

2 – تحقيق العبودية الواعية الشاملة بوصفها نظاماً تكوينياً، أي إنسانياً لا مجرد امتثال تشريعي جزئي، فالغاية إعادة تنظيم الإنسان بالوجود وبذاته وبالآخرة وبالكون علىٰ أساس التوحيد العملي أيضاً.

ب – مركز الثقل، ويكمن في ثلاثة موارد:

1 – الوعي قبل التشريع.

2 – الضمير قبل النظام.

3 – المعنىٰ قبل الفعل.

فمركز الثقل هو الإنسان العاقل الحر المسؤول، لا النص بمعزل ولا الحكم بمعزل ولا الجماعة بمعزل ولا الجماعة بمعزل، فالإنسان الفرد بوصفه نقطة الانطلاق لأي نهوض سماوي بتفعيل الرجاء والخوف والمسؤولية والشعور بالوقوف بين يدي الله (عزَّ وجلَّ).

ثالثاً: المكونات البنيوية (الفروع الكبرىٰ):

أ – المباني المعرفية (المنهج) ونقصد به تصور الإنسان عن الله (عزَّ وجلَّ) وعن نفسه وعن العالم وعن التاريخ.

ملاحظة: أي خلل هنا يعني انحراف المشروع، ولو كانت الشعارات صحيحة، فهو مشروع حكمي يؤسِّس غاية العدل، وتحفظ بالولاية، وتدار بالعقل المنضبط، وتقنن بالشريعة، وتنجز بأُمَّة واعية، وتُمتحن بالابتلاء، وتختم بالمهدوية.

ب – الآليات وهي عبارة عن:

1 – التربية البطيئة لا الصدمة.

2 – صناعة المعنىٰ، لا صناعة الانفعال.

وصناعة المعنىٰ تعني: هندسة الربط بين النص والعقل والواقع والوجدان والسلوك والقيمة التفسيرية لتنظيم فهم الإنسان للوجود، والإنسان والدين والتكليف والغاية والمبدأ.

3 – الرمز العميق لا الشعار السطحي.

4 – الزمن كحليف لا كعدو.

5 – القيادة الولائية المنصوصة.

ت – الشروط:

1 – وجود النواة الواعية – ولو قليلة -.

2 – قابلية المجتمع للتفاعل – ولو جزئياً -.

3 – الأمان الوجودي – ولو بالحد الأدنىٰ -.

4 – اللغة المشتركة مع الناس علىٰ المستوىٰ الثقافي ونفسي.

ث – الموانع:

1 – الصدمة الحضارية.

2 – الاستبداد الرمزي (تدين السلطة)

3 – تخدير الوعي باسم الدين.

4 – تحويل القيم إلىٰ طقوس فارغة.

فالموانع تعني: تحريف المرجعية الدينية وكسر الولاية، وتقديم وعي اجتماعي مشوَّه وتغليب المصلحة الذاتية، واستعمال المقاصد وسوء قراءة لسُنن الابتلاء (كربلاء).

ج – البيئة ولها عدَّة معاني:

1 – اجتماعية: تركيب المجتمع طبقات.

2 – سياسية: طبيعة السلطة من كونها صريحة، ناعمة.

3 – ثقافية: لغة الناس، حساسياتهم، مخاوفهم.

4 – نفسية: مستوىٰ الخوف، الإحباط، الأمل.

فينبغي ملاحظة السلطة القاهرة والتي تقوم بتديين الواقع السياسي، وتفكيك الوعي الجمعي، وهل يسمح بالعمل العلني، وتقييم الدين هل قائم بأُسس شكلية وهيمنة فقه السلطة.

رابعاً: المخرجات:

1 – الإنسان بكونه واعٍ بذاته ومتصالح مع الفطرة وغير قابل للاستخدام، أي إنسان رسالي يعمل علىٰ تزكية داخله بكونه مستعداً لتحمُّل التكليف.

2 – المجتمع بكونه حي الضمير، بطيء الانفجار، بعيد عن التطرُّف، فالمجتمع هوية قيمية وتماسك أخلاقي وقابلية للعدل والبصيرة.

3 – القائد يعني شرعية الإلهية وبصيرة تاريخية وقدرة علىٰ إدارة السُنن.

المحور الثاني: الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه) نموذجاً تطبيقياً للمشروع الإلهي:

فهو ليس قائد مرحلة الاكتفاء، بل مهندس بقاء المشروع الإلهي، عبر نقل المعركة من الدم إلىٰ العقل، ومن الثورة إلىٰ البناء العميق طويل الأمد(4)، فأعاد الإمام مركزية العبودية وتحصين الهوية الشيعية من الذوبان، وصناعة النخبة الصامتة المؤثرة وتحويل المأساة إلىٰ وعي تاريخي، وهذا خلال عدَّة نقاط أساسية:

أوَّلاً: تشخيص البيئة:

تعامل الإمام (صلوات الله عليه) مع مجتمع مكسور نفسياً، مهزوم سياسياً، مجروح الضمير، متشتِّت الرؤية، فاقد الثقة بذاته وقيادته.

وسلطة تقتل الرمز وتخاف المعنىٰ وتقدم التشيُّع كهوية مجرمة سياسياً.

دين مُفرغ من روحه ومشحون بالخوف، ووعي جمعي مشلول بالصدمة، فكان لابدَّ من تحوُّل التشيُّع السياسي إلىٰ التشيُّع الرسالي الصامت، وانتقال مركز الثقل من الدولة إلىٰ الضمير، ولضرورة تأسيس تشيُّع علمي تربوي رسالي طويل الأمد.

فقد ورد عنه (صلوات الله عليه): «سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة أهل الدين، وأهل الفضل والعلم، لأنَّ العلماء ورثة الأنبياء»(5).

وورد عنه (صلوات الله عليه): «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إنَّ الله تبارك وتعالىٰ أوحىٰ إلىٰ دانيال أنَّ: أمقت عبيدي إليَّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وأنَّ أحبّ عبيدي إليَّ التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء»(6).

ثانياً: إعادة تعريف طبيعة المشروع:

كان تركيز الإمام (صلوات الله عليه) علىٰ سؤال أساسي وهو:

كيف يعيد الإنسان القابل للحق، ولم يسأل كيف يسقط السلطة.

كان المهم عنده إعادة الإنسان الديني، في زمن انكسار السياسة، عبر أدوات غير تصادمية، يقدم مشروعاً لا بوصف وغطاء تاريخي، بل كمخطط حضاري إيماني لإعادة بناء الإنسان والدين معاً من خلال:

1 – التحوُّل من صِدام السيف إلىٰ صراع الوعي:

فأسقط شرعية العنف الثوري المباشر مؤقتاً، لأنَّ المجتمع عاش آنذاك قمع سياسي شامل، وتشويه رمزي للدين، وانكسار أخلاقي، بينا كانت السلطة تعمل علىٰ توظيف الدين وإدارة العقل الجمعي، فكان لابدَّ من تغيير بوصلة المواجهة إلىٰ مرحلة التحصن.

2 – ترميم المشروع الرسالي:

لم تكن حركة الإمام السجاد (صلوات الله عليه) ثورية سياسية، ولم تكن انسحاباً سلبياً، والمهم عنده صناعة الإنسان من الداخل، وعدم تشويه صورة الدين، وترميم الوعي الشيعي من حالة الصدمة، من خلال رسم المسار وفق عدَّة أمور مهمة:

أ – لا تفكير في إسقاط السلطة الجائرة.

ب – ولا التبعية السريعة ولا الفعل السياسي المباشر.

ت – ضرورة تفعيل مفاهيم: (العدل والمسؤولية والكرامة والدين السماوي).

ث – ضرورة إعادة إنتاج النخبة لأنَّها تقود لا تُقاد.

فقد ورد عنه (صلوات الله عليه): «وإنَّ الأمور الواردة عليكم في كلِّ يوم وليلة من مظلمات الفتن، وحوادث البدع، وسُنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان، لتدبير القلوب عن نيَّتها، وتذهلها عن موجود الهدىٰ، ومعرفة أهل الحق إلَّا قليلاً ممن عصمه الله (عزَّ وجلَّ) [إلىٰ أن قال:] استدبرتم من الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة، والانهماك فيها ما تستدلون به (علىٰ) تجنُّب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق، فاستعينوا بالله، وارجعوا إلىٰ طاعته وطاعة من هو أولىٰ بالطاعة من طاعة من اتبع وأطيع، فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم علىٰ الله، والوقوف بين يديه»(7).

3 – رفض المقاومة في هذه الفترة، لأنَّها تشوِّه الفطرة وتطبع مع الظلم، وتكرس اختزال الدين في الطقوس.

4 – حفظ خط الإمامة، وتهيئة الأرضية لهوية شيعية طويلة الأمد.

ثالثاً: اختيار الآلية:

1 – الدعاء، ولعلَّ تأمينه للدعاء لتمرير أخطر المضامين، فالدعاء ليس عبادة فقط، بل خطاب معرفي غير مباشر، ومن خلاله:

أ – أعاد بناء صورة الله (عزَّ وجلَّ).

ب – تفكيك الخوف.

ت – استعادة الكرامة الداخلية.

2 – الصحيفة السجادية، فكانت مشروعاً إنسانياً بين من خلالها:

أ – إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) ليس جلاداً، بل ملجأً.

ب – الإنسان ضعيف، لكن ليس مهاناً.

ت – كون الخطابات للعودة، لا للإعلام.

ث – بدأ المجتمع من الداخل، لا من القصر.

3 – البكاء المنضبط، لا البكاء الهيستري، واستحضار المظلومية لا لاستثارة الثأر، بل لترسيخ المعنىٰ، وربط المأساة بالله تعالىٰ، لا بالانتقام.

الخلاصة: تحويل الهزيمة العسكرية إلىٰ نصر معرفي طويل الأمد، عبر أدوات دافئة هادئة تعيد بناء الإنسان قبل إسقاط النظام.

رابعاً: الشروط والموانع في تجربته:

الشروط الاجتماعية والتاريخية في مستوىٰ التلقي والتنزيل، الشرط محقق، بوجود نواة مؤمنة، واعية، مطيعة. المانع قوي، متمثل بوجود سلطة دموية. المشروع: اختار الإمام (صلوات الله عليه) العمل تحت السقف، لا كسره. فالنجاح مشروط بوعي الزمن، ونقاء الهدف، وحماية القيادة، وصناعة الإنسان قبل الثورة. وفشل المشروع حيت يُستعجل الصدام، ويُفرغ الدين من وعيه، ويُختزل المشروع في تحول الدين إلىٰ ملجأ نفسي، لا مسؤولية، وحظر التدين السلطوي واختزال الإمام في العابد الباكي، واختراق النخبة، وتوظيف الروايات والفقه والعلماء لصالح السلطة.

خامساً: النتائج الاستراتيجية:

1 – حفظ خط الإمامة.

2 – إعادة إنتاج الوعي، لا الثأر، ولا العاطفة والعنف الانفعالي.

3 – تمهيد صامت للمرحلة التالية (مرحلة الإمامين الباقر والصادق (صلوات الله عليهما)).

4 – مشروع طويل النفس، لا لحظة انفجار.

سادساً: آثاره:

البعد الفطري والوجداني، لا العاطفي، لم يخاطب الغضب، بل خاطب الحنين الأصلي في الإنسان، أي أعاد الإنسان إلىٰ صنعه الجميل، وإلىٰ فقره النبيل، وإلىٰ حاجته الصادقة، فالمشروع الإلهي يوقظ الفطرة، لا أن يستبدلها بأيدلوجيا وقبليات وشعارات.

سابعاً: خلاصة مركَّزة:

لنا أن ننعت المشروع الإلهي بكونه:

1 – المشروع الإلهي لا يُقاس بسرعة النتائج.

2 – المشروع الإلهي لا يُقاس بضجيج الشعارات.

3 – المشروع الإلهي لم يكن مرحلة اكتفاء بل إعادة تأسيس عميقة.

المشروع الإلهي المعاصر من نفحات مشروع الإمام: الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه) ليس تاريخاً نكرِّره، بل منهجاً نعيد إنتاجه بوعي العصر، وفق عناصر ثلاثة:

1 – ماهية المشروع المعاصر.

2 – كيفية عمل المشروع.

3 – النموذج التطبيقي.

العنصر الأوَّل: ماهية المشروع المعاصر:

أ – ليست المعاصرة مسايرة اللغة السائدة، ولا تمييع المفاهيم، ولا استيراد الأدوات الغربية، بل القدرة علىٰ قراءة الإنسان المعاصر من الداخل، لا من خلال القوالب الجاهزة.

ب – الإنسان المعاصر: فاقد للمعنىٰ، متخم بالمعلومات فقيرة البوصلة، خائف من الإطلاق والدوام، مرهق من الأيديولوجيا(8)، بل محتاج إلىٰ استعادة إنسان، والوقوف أمام الإلحاد والليبرالية، والعلمنة، والأهم تفكك الداخل الإنساني، وانفصال القيم عن الوجدان.

العنصر الثاني: النموذج المنهجي (كيفية عمل المشروع):

أ – الوعي والإحساس والإلزام الشرعي والثابت (الهوية).

ب – تحويل المشروع من خطاب إلىٰ مسار، فالمشروع السماوي المعاصر يجب أن يكون: مساراً تربوياً، يمتاز بكونه تراكمياً، صامتاً بنسبة ما، عميق الأثر، بعيداً عن الاستقطاب، لا حملة ثقافية، ولا خطاباً موسمياً(9).

ت – آليات الاشتغال:

1 – اللغة الآمنة، وقد امتازت تلك اللغة بكونها لغة: لا تستفز الهوية، ولا تشعر المتلقي بأنَّه مدان، ولا تضعه في موضع الدفاع.

خلاصة اللغة: الأسئلة والتأمُّل والفطرة والمجال المعنوي والسرد العميق.

2 – مركزية إعادة تعريف الله سبحانه وتعالىٰ، الإنسان المعاصر لا يهرب من الله بل يهرب من صورة قاسية وإله أيديولوجي، أي من ربّ ضد الإنسان.

وعليه فالمشروع يبدأ من تنقية صورة الله (عزَّ وجلَّ)، لا من فرض الإيمان به.

فقد ورد في دعاء الإمام السجاد (صلوات الله عليه): «الْحَمْدُ للهِ الأوَّلِ بِلا أَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَالْآخِرِ بِلا آخِرٍ يَكُونُ بَعْدَهُ الَّذِي قَصُرَتْ عَنْ رُؤْيَتِهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ، وَعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ، ابْتَدَعَ بِقُدْرَتِهِ الْخَلْقَ ابْتِدَاعاً، وَاخْتَرَعَهُمْ عَلَىٰ مَشِيَّتِهِ اخْتِرَاعاً، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ إِرَادَتِهِ، وَبَعَثَهُمْ فِي سَبِيلِ مَحَبَّتِهِ… [إلىٰ أن يقول:] وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَكَّبَ فِينَا آلاتِ الْبَسْطِ، وَجَعَلَ لَنَا أَدَوَاتِ الْقَبْضِ، وَمَتَّعَنَا بِأَرْوَاحِ الْحَيَاةِ، وَأَثْبَتَ فِينَا جَوَارِحَ الأعْمَالِ، وَغَذَّانَا بِطَيِّبَاتِ الرِّزْقِ، وَأَغْنَانَا بِفَضْلِهِ، وَأَقْنَانَا بِمَنِّهِ، ثُمَّ أَمَرَنَا لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَنَا، وَنَهَانَا لِيَبْتَلِيَ شُكْرَنَا، فَخَالَفْنَا عَنْ طَرِيقِ أَمْرِهِ، وَرَكِبْنَا مُتُونَ زَجْرِهِ، فَلَمْ يَبْتَدِرْنَا بِعُقُوبَتِهِ، وَلَمْ يُعَاجِلْنَا بِنِقْمَتِهِ، بَلْ تَأَنَّانَا بِرَحْمَتِهِ تَكَرُّماً، وَانْتَظَرَ مُرَاجَعَتَنَا بِرَأْفَتِهِ حِلْماً…»(10).

3 – استعادة الكرامة الوجودية، الإنسان ليس عبئاً لله تبارك وتعالىٰ، ولا خطأ في الوجود، ولا مادة للاستعمال الديني، بل الإنسان خليفة، قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً…﴾ (البقرة: 30).

ث – الشروط الواقعية للمشروع الديني المعاصر:

1 – نخبة واعية، غير مأزومة بالظهور.

2 – صبر استراتيجي.

3 – استقال نسبي عن السلطة والمال.

4 – وضوح في الغاية، ومرونة في الوسيلة.

ج – الموانع المعاصرة:

1 – التديُّن العنيف الصدامي والمغالي.

2 – الخطاب التعبوي العاطفي.

3 – التسرُّع في النتائج.

4 – تحويل المشروع إلىٰ ترند.

العنصر الثالث: النموذج التطبيقي:

المهم في هذا العنصر أن لا يتحوَّل إلىٰ حركة شعبوية، وهو علىٰ عدَّة مستويات.

المستوىٰ الأوَّل: النخبة، وتكون من خلال:

أ – إعادة بناء العقل الديني.

ب – تفكيك المسلَّمات غير المفحوصة.

ت – إنتاج خطاب عميق هادئ.

المستوىٰ الثاني: شبه النخبة، كالجامعيين والمثقفين، من خلال حوارات وورش فكرية، ونصوص تأملية، مشاريع قراءة.

المستوىٰ الثالث: الوجدان العام، ويتكون من خلال:

أ – القيم الإنسانية العامة:

فقد ورد عن الإمام السجاد (صلوات الله عليه): «لا حسب لقرشي، ولا عربي إلَّا بالتواضع، ولا كرم إلَّا بالتقوىٰ، ولا عمل إلَّا بالنية، ولا عبادة إلَّا بالتفقُّه، ألا وأنَّ أبغض الناس إلىٰ الله من يقتدي بسُنَّة إمام، ولا يقتدي بأعماله»(11).

ب – العاطفة المقرونة بالوعي:

فقد ورد: أشرف مولىٰ لعلي بن الحسين وهو في سقيفة له ساجد يبكي فقال له: يا مولاي يا علي بن الحسين أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فرفع رأسه إليه وقال: «ويلك، شكىٰ يعقوب إلىٰ ربِّه في أقل مما رأيت حتَّىٰ قال: يا أسفاً علىٰ يوسف، إنَّه فقد ابناً واحداً وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي»(12).

ت – الشعائر مع الطقوس والمنابر الحسينية غير الصاخبة:

ورد عن الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه): «أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي (صلوات الله عليه) دمعة حتَّىٰ تسيل علىٰ خدِّه، بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً»(13).

ث – الزيارات للمراقد المقدسة:

ورد عن الإمام السجاد (صلوات الله عليه): «قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليَّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليَّ السلام، فإنَّه يبلغني»(14).

وورد عنه أيضاً: «من أحبَّ أن يصافحه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، فليزر قبر أبي عبد الله الحسين بن علي في النصف من شعبان…» إلىٰ آخر الرواية(15).

أخطاء المشاريع الدينية المعاصرة:

نشير إلىٰ سبعة نماذج تمثِّل خللاً بنيوياً.

النموذج الأوَّل: الخلط بين المشروع الإلهي، وبين المشروع الشكلي، من خلال:

1 – فقدان إعادة بناء الإنسان قيمياً.

2 – فقدان الوعي.

3 – فقدان إنتاج المعنىٰ.

4 – انحسار الروح.

5 – إلغاء المسؤولية.

النموذج الثاني: تغليب منظومة الحلال والحرام، علىٰ حساب المنظومة المعرفية، مما يكون التزاماً قهرياً، من دون إحساس بالدين.

النموذج الثالث: العنف الرمزي باسم الدين:

يكون تقديم مشروع سحق الإنسان، وتقديم نموذج مثالياً، وعدم إرضاء الرغبات الدنيوية والتمدُّن(16).

النموذج الرابع: تجاهل البيئة:

من خلال استخدام خطاب واحد لكلِّ البيئات، وصيغ جاهزة لكلِّ الأزمنة، ونصوص دينية في سياق خاطئ، ينتج تشويهاً لصورة الدين.

النموذج الخامس: تديين الفشل، وتقديس الوسيلة.

النموذج السادس: اختزال الدين في السياسة أو الطقس.

النموذج السابع: القطعية مع الفطرة والوجدان، وتصحُّر الخطاب، وتغليب لغة التهديد، وإلغاء السؤال.

الخاتمة:

يتَّضح من تتبَّع المراحل المختلفة للمشروع الإلهي السماوي، أنَّه لم يكن مشروعاً لحظة تاريخية منقطعة، ولا فعلاً ردياً ظرفياً، بل منظومة هادفة، ذات تخطيط تراكمي طويل الأمد، تتبدَّل أدواتها بتبدُّل الظروف، وتثبت غاياتها رغم تغير السياقات.

فالمشروع في طور التأسيس اشتغل علىٰ بناء العقيدة والإنسان والقيم.

وفي طور المواجهة جسد القيم في الفعل والتضحية والمسؤولية، وفي طور ما بعد الصدمة التاريخية أعاد التموضع استراتيجياً لحماية الجوهر من الاستئصال، مقدماً الوعي علىٰ السلطة، والتربية علىٰ الغلبة.

وفي واقع شيعي معاصر مستهدف تتكرَّر – وإن كان بأدوات مختلفة – معادلات تلك المرحلة من:

استهداف الهوية، وتفريغ القيم، وتشويش علىٰ المرجعية، وتحويل الدين إلىٰ طقس منزوع البعد الرسالي.

وعليه فإنَّ استراتيجية هذه المرحلة لا تنطلق من ردود الأفعال، ولا من منطق الاستقطاب السطحي.

بل من استعادة وظيفة المشروع الإلهي بوصفه مشروع وعي وبناء وتميز وصناعة إنسان قادر علىٰ حمل الدين، بوصفه مسؤولية حضارية لا شعاراً صرفاً.

إنَّ حفظ المشروع اليوم لا يتحقَّق بتكثُّر الخطاب، بل بتدقيقه، ولا بتوسُّع الجمهور، بل بتأهيل النخب، ولا بتضخيم العاطفة، بل بترشيدها ضمن وعي منهجي راسخ.

فحيثما حفظ الوعي، حفظ المشروع، وحيثما صينت الهوية من الداخل، سقط الاستهداف من الخارج.

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّىٰ الله علىٰ خير الخلق محمد المصطفىٰ وآله الطيبين الطاهرين.

الهوامش:


(1) وسائل الشيعة – للحر العاملي،: ج16، ص186.

(2) وسائل الشيعة – للحر العاملي: ج15، ص43.

(3) وفق الرأي المختار عندنا في مبحث الشرور من مباحث علم الكلام: لا يمكن نسبة الشرور بقسميها – النفسية والطبيعية – إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ)، بل تنسب إلىٰ الإنسان، وكون الشرور صادرة في عالم الاختيار والإمكان والتكليف. [تقريرات بحث علم الكلام: ص134، تقريرات مخطوطة].

(4) تُعد الثورة من مفاصل البناء العميق الكلي بلحاظ الدور الكلي للأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) فلا تنافي، وإنَّما انتقال من مفصل إلىٰ آخر من مفاصل البناء.

(5) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج17، ص239؛ والبداية والنهاية – لابن كثير: ج9، ص125.

(6) الأصول من الكافي – للشيخ الكليني – صححه أكبر غفاري – وعلق عليه علي: ج1، ص35.

(7) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج75، ص149-150.

(8) الأيديولوجية: أعني يختزل الدين في هوية صلبة، ويلغي عقله وواقعه، أي يُحمل النص ما لا يتحمَّل لخدمة غاية نفسية أو سياسية أو قبليات غير ثابتة.

(9) فإنَّ الإمام السجاد (صلوات الله عليه) لم تكن الآليات التي عمل بها – من دعاء وبكاء وغيرهما – قصيرة الأمد، وذات ضجيج إعلامي صارخ، بل كانت بصمت يتناسب مع مقتضيات المرحلة، وبأمد ونفس مستمر، حتَّىٰ وصف بالبكاء وذي الثفنات وغيرها من الألقاب، فأثرت ذلك التأثير في المجتمع.

(10) الصحيفة السجادية، الدعاء الأوَّل.

(11) الروضة من الكافي – للشيخ الكليني، صحَّحه وعلَّق عليه علي أكبر الغفاري: ج8، ص234.

(12) كامل الزيارات – لابن قولويه: ص213.

(13) المصدر نفسه: ص201.

(14) المصدر نفسه: ص47.

(15) المصدر نفسه: ص234.

(16) ليس مطلق الرغبات الدنيوية والتمدُّن، بما نقصد ما حلَّله الله تعالىٰ.

Edit Template
Scroll to Top