دروس تمهيدية في فلسفة الفقه – الحلقة الأولى

الدرس (1)

دروس تمهيدية في فلسفة الفقه

تمهيد:

تعد فلسفة الفقه هي أحد العلوم الحديثة التي طرحت في الأوساط الدينية والحوزات العلمية في العقود الأخيرة، وقد ارتبطت هذه الفلسفة بتطوير فهم الفقه في السياقات المعاصرة، إنَّ نشأت فلسفة الفقه كان نتيجة لتزايد الحاجة إلىٰ التفكير في الفقه الإسلامي بعيداً عن التقليدية التي تميز به الدرس الفقهي، وذلك في مواجهة تحديات العصر الحديث.

لم يظهر مصطلح (فلسفة الفقه) بشكل رسمي إلَّا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد نمت هذه الفكرة بالتوازي مع تطور الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، وارتبطت بمحاولة إعادة التفكير في الأطر القانونية والشرعية، لعلم الفقه الإسلامي علىٰ الرغم من أنَّ فلسفة الفقه لم تحظَ في بداياتها بقبول واسع من جميع الفقهاء، إلَّا أنَّها تزايدت في الاهتمام مع مرور الوقت، وشائنها في ذلك شائن أصول الفقه والفقه ففي البداية، لم يكن هناك فصل بين الفقه وأصوله، ولكن مع تطور العلوم والفلسفات بدأ التفكير في العالم الإسلامي في كيفية الاستفادة من هذه الفلسفات في الفقه الإسلامي.

علىٰ الرغم من ذلك، لا تزال فلسفة الفقه قيد النقاش حول مدىٰ ضرورتها وفعاليتها في معالجة المشكلات المعاصرة.

هذا النقاش يعد جزءاً من الفجوة بين الفقه التقليدي والفقه الذي يتعامل مع مستجدات العصر.

وأسباب هذا النقاش:

1 – الاختلاف حول مفهوم فلسفة الفقه ما هو نطاق هذا العلم؟ هل هو فرع من الفقه أم علم مستقل؟

2 – دوره في الفكر الإسلامي: هل يتوجب عليه تقديم حلول للمشكلات المعاصرة، أم هو مجرد تحليل نقدي للفقه؟

3 – طبيعة المهمة الموكلة إليه: هل يتمحور حول تقويم المناهج الفقهية أم يشمل أيضاً محاولة تطوير أطر جديدة لفهم الفقه؟

من هنا نحاول في هذه الدروس التمهيدية أن نقف علىٰ حقيقة هذا العلم من أجل صياغة بعض معالم هذا العلم وتحديد حدوده وأبعادها وإيضاح علاقته بالعلوم الأخرىٰ، ودوره المهم في تقويم ونقد مناهج علم الفقه من خلال إطار نقدي خارجي لتحليل ماهية علم الفقه وفهمها فهماً يوضح لنا مناهج هذا العلم، وكذلك بيان العوامل التي لها تأثير علىٰ تقنين هذا العلم لذلك نجد بأنَّ فلسفة الفقه قد تخطت وظيفة علم أصول الفقه والتي تتمحور حول إنتاج العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وبيان كيفه تطبيقها في علم الفقه، أمَّا في علم فلسفة الفقه فإنَّنا نبحث عن البناء التحتي لمجموع ماله دخل في الوصول إلىٰ تلك النتائج الفقهية.

المعالم والهوية:

أوَّلاً: علاقة الفلسفة بالعلم:

الفلسفة تعد حجر الزاوية الذي يقوم عليه العلم، فهي توفر الأُسس المنهجية والمعرفية التي تساعد في بناء المعرفة العلمية من خلال التأمُّل النقدي والتحليل المنطقي، تعمل الفلسفة علىٰ توجيه العلماء نحو أسئلة جديدة وتحديد حدود المعرفة المستخلصة من التجارب، مشكلة الاستقراء، التي طرحها الفيلسوف ديفيد هيوم، تعد مثالاً واضحاً علىٰ كيفية تأثير الفلسفة في المنهج العلمي؛ حيث تسلط الضوء علىٰ كيفية تعميم النتائج المستخلصة من التجارب، مما يدفع العلماء إلىٰ التأمل في طرق وأساليب البحث العلمي.

العلم والفلسفة هما عنصران لا غنىٰ عنهما في تطور المعرفة البشرية، فالعلم يقدم الحقائق والبيانات التي تغذي الفهم البشري، بينما توفر الفلسفة الإطار النظري والتفسيري الذي يضع هذه الحقائق في سياق أوسع.

فمثلاً، بعض نظرية التي طرحت ليست مجرد معادلات رياضية جافة، بل هي أيضاً تأملات فلسفية عميقة حول طبيعة الزمان والمكان، مما يوضح التفاعل بين العقل العلمي والنظريات الفلسفية التي تساعد في فهم الواقع.

الفلسفة تقوم بدور نقدي جوهري في عالمنا، حيث تطرح أسئلة محورية حول الأُسس والمبادئ التي يقوم عليها العلم، هذا النقد يشكل قوة دافعة لتطوير المنهج العلمي وتوجيهه نحو آفاق جديدة، من خلال نقده لفكرة التحقق العلمي المطلق، وفي العصر الحديث، أصبح من الواضح أنَّ الفلسفة والعلم يتداخلان بشكل وثيق.

مجال (فلسفة العلم) حيث يسلط الضوء علىٰ هذا التفاعل المستمر بين الفلسفة والعلم، حيث يتم دراسة الأُسس الفلسفية التي يقوم عليها المنهج العلمي وكيفية تطبيقه في فهم العالم.

وأخيراً، الفلسفة لا تقتصر أهميتها علىٰ كونها الأساس الذي يقوم عليه العلم، بل تساهم أيضاً في تنمية التفكير النقدي والتحليلي لدىٰ العلماء والباحثين، من خلال دراسة الفلسفة، يتعلم الأفراد كيفية طرح الأسئلة الأساسية التي تساعد في فهم العالم بشكل أعمق، مما يعزز جودة البحث العلمي ويحفز العقل علىٰ التفكير المنطقي والمنهجي.

في النهاية، تبقىٰ الفلسفة والعلم معاً في رحلة لا تنتهي نحو اكتشافات جديدة وفهم أعمق لواقعنا.

ثانياً: ما المقصود من فلسفة العلم؟

فلسفة العلم هي فرع من فروع الفلسفة الذي يدرس الأُسس المعرفية والمنهجية والعقلية التي تقوم عليها العلوم حيث تتناول فلسفة العلم عدة جوانب، منها:

1 – الأُسس المعرفية: تتعلق بتحديد ما هو العلم وما الذي يميز المعرفة العلمية عن غيرها من أنواع المعرفة، فهي تتساءل عن طبيعة المعرفة العلمية وكيف نعرف أن شيئاً ما علمي أو غير علمي.

2 – المنهج العلمي: تدرس فلسفة العلم الأساليب التي يستخدمها العلماء للحصول علىٰ المعرفة، مثل التجربة، الملاحظة، والتفكير النقدي، كما تتناول موضوعات مثل الاستقراء (التعميم من التجارب) والاستنباط (استخلاص النتائج من المبادئ العامة).

3 – نظرية التحقق والتكذيب: تبحث فلسفة العلم في كيفية تقييم النظريات العلمية، وهل يمكن التأكد من صحة نظرية علمية بشكل قطعي أم أن النظريات دائماً قابلة للتكذيب أو التعديل بناءً علىٰ أدلة جديدة، حيث طرح مبدأ (القابلية للتكذيب) كمعيار لتمييز العلم عن غيره.

4 – علاقة العلم بالفلسفة والمجتمع: تتناول فلسفة العلم كيفية تأثير الفلسفة في تطور العلوم، وكذلك كيف يمكن أن تؤثر العلوم علىٰ المجتمع، مثل التطورات العلمية التي قد تثير مسائل أخلاقية أو اجتماعية.

5 – التفسير العلمي: تسعىٰ فلسفة العلم أيضاً إلىٰ فهم كيفية تفسير الظواهر الطبيعية باستخدام النماذج العلمية والنظريات.

وباختصار، فلسفة العلم ليست مجرد دراسة لكيفية إجراء العلوم، بل هي تأملات في المبادئ التي تجعل العلم ممكناً، والطرق التي نستخدمها لتمحيص الأدلة وتفسير النتائج التي يتوصل إليها كل علم.

إذن فلسفة العلم هي التفكير النقدي في نفس العلم من خلال البحث في شروط علمية نظريات كل علم وآلية تطويرها ومدىٰ واقعيتها وعلم الفقه من العلوم الحية التي تهم جمهور واسع من المسلمين والتي تحتاج إلىٰ الوقوف علىٰ أُسسها ونظرياتها وتقديمها إلىٰ العالم وفق المعايير العلمية الرصينة ومن هنا كان علم فلسفة الفقه.

ثالثاً: الفلسفة بين الإطلاق والإضافة:

من التقسيمات التي تذكر في الفلسفة هي انقسامها إلىٰ قسمين علىٰ أساس ما يضاف إلىٰ كلمة الفلسفة:

القسم الأول: الفلسفة المضافة:

وهي فلسفة العلوم والتي تقدم الحديث عنها وإنَّما سميت بالمضافة لإضافة عنوان علم من العلوم إلىٰ كلمة فلسفة، كفلسفة القانون وفلسفة التاريخ وفلسفة الأخلاق، والتي قلنا بأنَّها تتناول جوانب خمسة في كل علم تمثل الأُسس والمبادئ في كل علم وعنوان بحثنا في هذا القسم أي الفلسفة المضافة قسم فلسفة الفقه الإسلامي(1).

القسم الثاني: الفلسفة المطلقة:

وإن كانت الفلسفة قد مرَّت بأطوار متعددة من حيث بنيتها ومسائلها حيث كانت تتضمن جميع المعارف البشرية الحقيقية وكانوا يقسمونها إلىٰ قسمين رئيسيين وهما:

1 – الفلسفة النظرية.

2 – الفلسفة العملية.

وقد شمل القسم الأوَّل كل من الطبيعيات والرياضيات والإلهيات.

وكانت الطبيعيات تشمل بدورها كل من (علم الفلك والمعادن والنبات والحيوان) وتتشعب الرياضيات إلىٰ (الهندسة والهيئة والموسيقىٰ) وتنقسم الإلهيات إلىٰ قسمين (ما بعد الطبيعة أو ما وراء الطبيعة أو يعبر عنه بالإلهيات بالمعنىٰ الأعم أو البحوث العامة للوجود)، أمَّا القسم الثاني (فهو مباحث معرفة الله أو يعبر عنه بالإلهيات بالمعنىٰ الأخص).

أمَّا الفلسفة العملية فإنَّها تشمل علم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدن.

وقد اختصر البحث الفلسفي اليوم علىٰ الإلهيات بالمعنىٰ الأعم والأخص فقط والذي يعبر عنه بالحكمة في الأوساط الإسلامية أو الفلسفة الإسلامية، وهي مشتقة من الأصل اليوناني فيلاسوفيا أي محب الحكمة(2).

رابعاً: فلسفة الفقه:

1 – ما هو المقصود من فلسفة الفقه؟

بعد الوقوف علىٰ معنىٰ الفلسفة وأقسامها، نحتاج إلىٰ بيان معنىٰ كلمة الفقه في اللغة والاصطلاح.

فالفقه في اللغة: هو مطلق الفهم(3).

وفي الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية(4).

وعليه، يكون المقصود من فلسفة الفقه، بعد توضيح كل ما تقدم.

(هو العلم الذي يبحث في نقد وتقويم الأسس والمبادئ العامة التي يقوم عليها الفقه الإسلام)(5).

2 – ما هو الفارق بين الفقه وفلسفة الفقه؟

وبذلك يتَّضح الفرق بين الفقه فهو العلم الذي يعنىٰ باستخلاص الأحكام الشرعية من النصوص الدينية مثل القرآن والسنة والعقل والإجماع.

أمَّا فلسفة الفقه فهي العلم الذي يدرس الأسس والمنهجيات التي يقوم عليها الفقه، ويحاول أن يقدم رؤىٰ فلسفية نقدية حول كيفية استنباط الأحكام وتفسيرها.

أمَّا الفقه فإنَّه يتعامل مع الواقع الشرعي والتطبيقات العملية، في حين أنَّ فلسفة الفقه تتناول أبعاداً أعمق وأدق تتعلَّق بمفاهيم مثل الإلزام، ولغة وحدود الفقه وهذا يقودنا إلىٰ بيان التالي:

3 – الأهمية والهدف من دراسة فلسفة الفقه:

فلسفة الفقه تهدف إلىٰ فهم الفقه في سياق أوسع، علىٰ سبيل المثال، تسعىٰ فلسفة الفقه إلىٰ الإجابة علىٰ أسئلة مثل:

– ما هي المنهجيات التي يعتمد عليها الفقه في استنباط الأحكام؟

– كيف يمكن تحليل النصوص الشرعية من زوايا متعددة؟

– ما هي المبادئ الأساسية التي يجب أن يقوم عليها الفقه حتىٰ يكون مرناً وقابلاً للتكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية؟

وبذلك تبرز لنا أهمية الفلسفة النقدية للفقه:

في حين أنَّ الفقهاء يركزون علىٰ استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، فإنَّ فلسفة الفقه توفر الإطار النقدي اللازم لتقييم هذه الأحكام، تتيح هذه الفلسفة لنا تقييم مدىٰ فاعلية الفقه في تحقيق العدالة والمساواة في المجتمعات المعاصرة، بالإضافة إلىٰ التفكير في كيفية تكييف الأحكام الفقهية لتلائم مع التغيرات الثقافية والاجتماعية من دون أي مساس بثوابت الشريعة.

4 – موضوع علم فلسفة الفقه:

إنَّ موضوع هذا العلم هو نفس علم الفقه لأنَّ موضوع كل فلسفة مضافة إلىٰ علم يكون الموضوع هو ذاك العلم المضاف، ففلسفة الفقه تدرس قضايا الفقه من زاوية خارجية، أمَّا نفس الفقه فإنَّه يدرس قضاياه من زاوية داخلية كما سوف يتَّضح عند التعرض لمحاور البحث بشكل تفصيلي.

خلاصة الدرس:

يُعنىٰ الدرس بالتعريف بـ(فلسفة الفقه) كعلمٍ حديثٍ يهدفُ إلىٰ نقد وتقويم الأُسس والمناهج التي يقوم عليها الفقه الإسلامي من منظورٍ خارجي، متميزاً بذلك عن (علم الفقه) الذي ينظر للقضايا من الداخل لاستنباط الأحكام.

ويُؤسسُ الدرس لهذا المفهوم عبر بيان العلاقة التكاملية بين الفلسفة والعلم، وشرح أقسام الفلسفة (المطلقة والمضافة)، ليخلص إلىٰ أنَّ فلسفة الفقه ضرورةٌ ملحةٌ لسد الفجوة بين الفقه التقليدي ومستجدات العصر عبر تطوير أطر فهم الشريعة بمرونة وفاعلية.

الأسئلة:

1 – ما هي الأسباب الرئيسة التي دعت إلىٰ نشأة علم (فلسفة الفقه) في العقود الأخيرة، وما هو الفارق الزمني بين ظهوره وظهور مصطلحه؟

2 – ميَّز الكاتب بين (الفلسفة المضافة) و(الفلسفة المطلقة)؛ بيِّن المقصود بكل منهما مع ذكر مثال للفلسفة المضافة.

3 – حدِّد الفارق الجوهري بين (علم الفقه) و(فلسفة الفقه) من حيث الموضوع وزاوية النظر (الداخلية والخارجية)؟

4 – تلعب الفلسفة دوراً نقدياً وتأسيسياً بالنسبة للعلم؛ كيف توضِّح ذلك من خلال مفهوم (فلسفة العلم) وما تطرحه من تساؤل؟

الدرس (2)

الفصل الأول: الأسس الفلسفية للاجتهاد

تمهيد:

يُعدّ الاجتهاد من أهمّ الظواهر الفكرية في التراث الإسلامي، إذ مثَّل علىٰ الدوام الوسيلة المعرفية التي مكَّنت الفقيه من استنباط الأحكام الشرعية، وربط النص بالواقع، والثابت بالمتغيّر.

غير أنَّ النظر في الاجتهاد لم يقتصر علىٰ بعده الفقهي والأصولي فحسب، بل اتَّسع ليشمل بُعداً فلسفيّاً يتناول طبيعة المعرفة التي يقوم عليها، وحدود العقل في إدراك الأحكام، وآليات التوفيق بين النقل والعقل في عملية الاستنباط.

إنَّ الأُسس الفلسفية للاجتهاد تهدف إلىٰ الكشف عن البنية المعرفية والعقلية التي يرتكز إليها الاجتهاد، من حيث مفهوم الحقيقة الشرعية، وطبيعة العلاقة بين الذهن والواقع، وموقع الوحي والعقل في إنتاج الحكم الشرعي.

فهي تبحث في المقولات التأسيسية التي تحدِّد إمكانية الاجتهاد وحدوده، مثل نظرية المعرفة، ونظرية الحقيقة، ومبدأ العلية، وإشكالية القطع والظن، وموقع القيم في العملية الاجتهادية.

ومن هنا، تتجلّىٰ أهمية هذا البحث في كونه يسعىٰ إلىٰ تأصيل فلسفة الاجتهاد، أي بيان المبادئ الوجودية والمعرفية التي تجعل الاجتهاد ممكناً ومشروعاً في الفكر الإسلامي، وتوضيح الأساس الذي يمنح المجتهد شرعية معرفية في التعامل مع النص الإلهي ومتغيِّرات الواقع.

ففهم الأسس الفلسفية للاجتهاد لا يعني فقط تعميق النظر في أصول الفقه، بل يمثل خطوة نحو بناء نظرية معرفية إسلامية متكاملة، قادرة علىٰ مواجهة تحديات الفكر الحديث وتجديد آليات التفكير الديني.

وهذا ما نتناوله في مبحثين:

المبحث الأوَّل: الأسس التطبيقية لعملية الاجتهاد:

أ – تعريف الاجتهاد في اللغوي والاصطلاحي:

يمثِّل فهم المعنىٰ اللغوي والاصطلاحي للاجتهاد الأساس النظري لأيِّ بحث في هذا المجال.

– الاجتهاد لغةً: الاجتهاد مأخوذ من المادة اللغوية (ج ه د)(6)، والتي يحمل أصلها معنىٰ المشقة وبذل الطاقة والوسع. ويأتي بمعنىٰ الطاقة كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (التوبة: 79)، أو بمعنىٰ المبالغة والجد كما في قوله تعالىٰ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ (المائدة: 53).

وعليه، فالمعنىٰ اللغوي الجامع هو بذل الجهد والوسع في فعل ما.

– الاجتهاد اصطلاحاً: تطوَّر التعريف الاصطلاحي في المدرسة الشيعية، حيث تجنَّبوا التعريفات التي تركز علىٰ (تحصيل الظن) الشائع في المذاهب الأخرىٰ، ويميل التعريف المتداول بين المتأخرين إلىٰ كونه ملكة أو قدرة راسخة لدىٰ الفقيه يتمكَّن بها من استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها التفصيلية.

ويعرّف أيضاً بأنَّه بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع، أو بشكل أدق تحصيل الحجة علىٰ الحكم الشرعي، تمييزاً له عن العمل بالظن غير المعتبر قال السيد الخوئي: (فالأولىٰ تعريفه بأنَّه: استفراغ الوسع في تحصيل الحجة علىٰ الأحكام الشرعية)(7).

ب – مشروعية عملية الاجتهاد:

من الأدلة التي ذكره علىٰ مشروعية عملية الاجتهاد والتي ذكرها الفقهاء ترجع إلىٰ جملة من الأدلة والنظريات لإثبات مشروعية الاجتهاد وضرورته، ويمكن اقتباس الحجج التالية من مصادرهم:

1 – النصوص الروائية: يُستدل بتوقيع الإمام المهدي (عليه السلام) الذي جاء فيه: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجة الله»(8)، وكذلك مقبولة عمر بن حنظلة، حيث يأمر الإمام الصادق (عليه السلام) بالرجوع إلىٰ من «قد روىٰ حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا»(9)، يرىٰ المجتهدون أنَّ هذه النصوص تنص علىٰ ولاية الفقيه العامة بالأحكام، وأن (الرواة) هنا يُقصد بهم المجتهدون الجامعون للشرائط.

2 – السيرة العقلائية والتي هي أهم الأدلة: حيث يُعتبر الرجوع إلىٰ الخبراء سيرة متحكمة لدىٰ العقلاء في جميع شؤون الحياة، وقد أقَرَّت الشريعة هذه السيرة في المجال الديني، مما يعني مشروعية رجوع العامي إلىٰ العالم المجتهد، وهو ما يُعبّر عنه بنظام (الاجتهاد والتقليد).

3 – الضرورة والحاجة المستمرة: ينطلق هذا الدليل من حقيقة أنَّ الشريعة الإسلامية خاتمة وكاملة، وقادرة علىٰ مواكبة مستجدات كل عصر، وبسبب تطور الحياة وتعقيدها، ووجود وقائع لم يرد فيها نص خاص، تصبح عملية الاجتهاد ضرورة لاستمرار تطبيق الشريعة وضمان بقائها حية متجددة.

يقول الدكتور حامد حفني داود معلقاً علىٰ انفتاح الاجتهاد الشيعي: (إنَّ الاجتهاد علىٰ هذا النحو… يجعل النصوص الشرعية حية متحركة، نامية متطورة، تتمشىٰ مع نواميس الزمان والمكان)(10).

4 – الآيات القرآنية: رغم أنَّ بعض الباحثين يرىٰ ضعف الدلالة فيها كلياً، إلَّا أنَّ البعض الآخر يستشهد بآيات مثل آية النفر: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً…﴾ (التوبة: 122) التي تحث علىٰ التفقه في الدين وإنذار القوم، مما يفيد تكليف طائفة من الأُمَّة بهذه المهمة.

كما تُستدل بآية الذكر ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) علىٰ وجوب الرجوع إلىٰ العلماء.

ج – مصادر عملية الاجتهاد:

ويقصد بها الأصول والمراجع التي يعتمد عليها المجتهد في استنباط الحكم الشرعي من أدلته أي المنابع التي تغذي العملية الاجتهادية وتزودها بالمادة التي يستخرج منها الحكم الشرعي وهي:

1 – الكتاب أي آيات الأحكام.

2 – السنة وهي تشمل قول المعصوم وفعله وتقريره.

3 – العقل.

4 – الإجماع.

فإنَّ هذه المصادر والمنابع الأربع هي المادة الخام التي يتم من خلالها بأدوات الاجتهاد صناعة الحكم الشرعي.

خلاصة الدرس:

يبحث الفصل في البعد الفلسفي للاجتهاد كأداة معرفية تربط النص بالواقع، مُعرّفاً إياه بملكة (تحصيل الحجة) علىٰ الحكم الشرعي تمييزاً له عن العمل بالظن.

ويستعرض أدلة مشروعيته النقلية والعقلية كالتوقيع الشريف والسيرة العقلائية وضرورة مواكبة الزمن، مختتماً ببيان مصادره الأربعة (الكتاب، السنة، العقل، الإجماع) كمادة خام للاستنباط.

الأسئلة:

1 – ما هو الفارق الجوهري في تعريف الاجتهاد اصطلاحاً عند المتأخرين في المدرسة الشيعية مقارنة بالتعريفات التي ركزت علىٰ (تحصيل الظن)؟

2 – لماذا تُعد (السيرة العقلائية) أهم الأدلة علىٰ مشروعية الاجتهاد، وكيف يؤسس ذلك لنظام الرجوع إلىٰ الفقهاء؟

3 – إلىٰ ماذا تهدف دراسة (الأسس الفلسفية للاجتهاد)، وما علاقتها ببناء نظرية معرفية إسلامية؟

4 – عدّد المصادر الأربعة التي يعتمد عليها المجتهد كمنابع لتغذية العملية الاجتهادية وصناعة الحكم الشرعي؟

 

 

 

الهوامش:


(1) راجع فلسفة الفقه دراسة في الأُسس المنهجية: ص11.

(2) راجع المنهج الجديد في تعليم الفلسفة: ج1، ص17.

(3) الصحاح لجوهري: ج6، ص2243.

(4) العويص للمفيد: ص3 .

(5) المدخل لفلسفة الفقه: ص4.

(6) لسان العرب: ج3، ص133.

(7) دراسات في علم الأصول: ج4، ص421.

(8) كمال الدين وتمام النعمة: ص484.

(9) الكافي: ج1، ص67.

(10) عقائد الإمامية: ص18.

Edit Template
Scroll to Top