المقدّمة:
تُعدّ الغيبة من السُنن الإلهية الجارية في حياة البشر، فقد تحقَّقت لدىٰ عددٍ من الأنبياء والأولياء لحِكَمٍ ربانية قد تخفىٰ علىٰ الناس في زمانها.
ومن ذلك غيبة نبيّ الله موسىٰ (عليه السلام) عن قومه، حيث لم يدركوا سرّها في حينها، مع ما فيها من المصالح العظيمة.
وفي هذا السياق تأتي غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فهي غيبةٌ لحكمةٍ إلهية عميقة، وإن جهل الناس تمام أبعادها.
وقد وردت الروايات الشريفة مؤكِّدةً أنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) امتدادٌ لسنن الأنبياء السابقين؛ فعن حنّان بن سدير، عن أبيه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
«إنَّ للقائم منَّا غيبةً يطول أمدها… وإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبىٰ إلَّا أن يجري فيه سُنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم…»، ثم تلا قوله تعالىٰ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: 19)(1).
المؤمنون الثابتون علىٰ إيمانهم في زمن الغيبة هم من أفضل الناس في آخر الزمان، بل عبَّر عنهم النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) بـ(إخوانه) لما يتمتَّعون به من ثبات عميق والتزام تام، فعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: (اللَّهم لقّني إخواني) مرَّتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنَّكم أصحابي، وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا ولم يروني، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم، من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أُمَّهاتهم، لأحدهم أشدّ بقية علىٰ دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض علىٰ جمر الغضا، أولئك مصابيح الدجىٰ، ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة»(2).
وفي رواية أخرىٰ فيها تركيز علىٰ المؤمنين الثابتين في زمن الغيبة، فعن المفضَّل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«يأتي علىٰ الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبىٰ للثابتين علىٰ أمرنا في ذلك الزمان…»(3).
تمهيد:
ليس الناس علىٰ مستوىٰ واحد في إيمانهم وتعاملهم وثباتهم مع قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في زمن الغيبة، بل بيَّنت الروايات الشريفة أنَّهم ينقسمون إلىٰ أصناف متعدِّدة بحسب مواقفهم النفسية والعقائدية.
ومن أهم الروايات في هذا الباب ما رُوي عن الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)، فعن الصقر بن دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول: «إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه»، ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكىٰ (عليه السلام) بكاءً شديدًا، ثم قال: «إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر».
فقلت له: يا ابن رسول الله، ولم سُمِّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته».
فقلت له: ولم سُمّي المنتظر؟ قال: «لأنَّ له غيبةً تكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكثر فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلمون»(4).
ومن خلال هذه الرواية يمكن استكشاف أصناف الناس في زمن الغيبة، حيث إنَّ الإنسان قد ينتقل من (الارتياب) إلىٰ (الاستعجال) أو من (الإخلاص) إلىٰ (الضعف).
الصنف الأوَّل: المرتدّون:
وهم الذين كانوا يؤمنون بإمامة الإمام المهدي (عليه السلام)، لكنَّهم ينحرفون عن هذا الاعتقاد مع طول أمد الغيبة، فيقعون في الارتداد – والعياذ بالله -، وليس المراد هنا الارتداد بمعناه الفقهي، بل الارتداد عن الاعتقاد بالإمامة.
وقد أشار القرآن الكريم إلىٰ خطورة هذا الصنف بقوله تعالىٰ:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ…﴾ (المائدة: 54).
ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يكون ثابتًا في زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وألَّا يزلّ بسبب طول الغيبة.
أثر عملي:
ينبغي للمؤمن أن يداوم علىٰ تقوية عقيدته وقراءة ما يرتبط بالإمام المهدي (عليه السلام) حتَّىٰ لا تؤثِّر فيه الشبهات والفتن.
الصنف الثاني: المخلصون:
وهم الذين بلغوا مرتبةً عالية من الإخلاص والثبات، فلا تزعزعهم الفتن ولا طول الغيبة، بل يزدادون يقينًا وانتظارًا، وقد عبَّرت الرواية عنهم بقولها: «فينتظر خروجه المخلصون».
أثر الإخلاص علىٰ حياة الإنسان المؤمن:
لا شكَّ أنَّ للإخلاص ثمراته الواقعية، ولسنا في هذا المقال بصدد الحديث عن الإخلاص بمفهومه الواسع، وإنَّما نقتصر علىٰ ما يرتبط بهذا الجانب من الرواية الشريفة، حيث عبَّرت عن صنف من الناس أنَّهم يتمتَّعون بالإخلاص في زمن الغيبة.
وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون دائمًا مخلصًا لله تعالىٰ، وقد علَّمنا أهل البيت (عليهم السلام) أن ندعو الله تعالىٰ أن نكون من عباده المخلصين:
«وأغنني بغناك، وأرضني بقضائك، واجعلني من أوليائك المخلصين»(5).
وعن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «وكونوا عباد الله المخلصين»(6).
وعن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وبالإخلاص يكون الخلاص»(7).
فهؤلاء يجمعون بين حقيقة الانتظار وروح الإخلاص لله تعالىٰ، وهم بحقٍّ من أنصاره ومن رجال دولته المباركة؛ لأنَّ فاقد الإخلاص لا يمكن أن يكون ضمنها، لسطحية إيمانه وضعف يقينه، وإنَّما رجال الله الصادقون هم الأهل لذلك.
أثر عملي:
المخلص لا يجعل عمله مرتبطًا بمدح الناس أو ذمّهم، بل يجعل هدفه رضا الله تعالىٰ وخدمة دينه.
الصنف الثالث: المرتابون:
وهم الذين يتسلَّل الشك إلىٰ قلوبهم حتَّىٰ يصل إلىٰ حدِّ إنكار الإمام (عليه السلام)، كما في قوله: «وينكره المرتابون».
وهذا الصنف نتيجة ضعف المعرفة وقلَّة الوعي العقائدي، ممّا يستوجب علىٰ المؤمن تحصيل العلم والبصيرة لتجنُّب الوقوع في الشبهات.
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
… عن محمد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أقرب ما يكون العباد إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ) وأرضىٰ ما يكون عنهم، إذا افتقدوا حجة الله، فلم يظهر لهم، ولم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنَّه لم تبطل حجة الله، فعندها فتوقَّعوا الفرج كل صباح ومساء، فإنَّ أشدّ ما يكون غضب الله علىٰ أعدائه إذا افتقدوا حجته فلم يظهر لهم… وقد علم أنَّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنَّهم يرتابون لما غيَّب حجته طرفة عين…»(8).
لماذا يقع الإنسان في الشك؟
لوقوع الإنسان في الشك أسباب كثيرة من أهمّها الأفكار السلبية والوساوس الشيطانية وكذلك تأثير البيئة والمحيط الخارجي، لذا ركَّز القرآن الكريم في كثير من آياته الشريفة علىٰ ذمِّ هذه الظاهرة، بل الكافر يصرِّح علنًا بشكِّه، قال تعالىٰ:
﴿وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (إبراهيم: 9).
أثر عملي:
من أهم وسائل علاج الشكّ، الرجوع إلىٰ أهل العلم والابتعاد عن مصادر الشبهات والانحراف.
الصنف الرابع: الجاحدون:
وهم الذين يقابلون ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) بالاستهزاء والسخرية، وهي صفة مذمومة ارتبطت عبر التاريخ بالكافرين والمنافقين، كما قال تعالىٰ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ (المطففين: 29).
وقد تصل حالة الجحود إلىٰ القول: «مات أو هلك أو بأي وادٍ سلك؟»(9).
كما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«… من أقرَّ بجميع الأئمّة (عليهم السلام) وجحد المهدي، كان كمن أقرَّ بجميع الأنبياء وجحد محمدًا (صلَّىٰ الله عليه وآله) نبوّته…»(10).
أثر عملي:
علىٰ المؤمن أن يحفظ احترام القضايا العقائدية وألا يسمح للسخرية أو الاستهزاء أن تضعف ارتباطه بدينه.
الصنف الخامس: الوقّاتون:
وهم الذين يحدِّدون وقتًا لظهور الإمام (عليه السلام)، أو يحاولون إسقاط الأحداث علىٰ مصاديق معيَّنة دون دليل معتبر، وقد نهت الروايات عن ذلك بشدّة، بل أكَّدت أنَّ هذه الظاهرة تكثر في زمن الغيبة:
«ويكثر فيها الوقّاتون».
وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون»(11).
وعن التوقيع الشريف: «وأمَّا ظهور الفرج فإنَّه إلىٰ الله، وكذب الوقّاتون»(12).
الوقّاتون في وسائل الإعلام:
ممّا كثر في زماننا المعاصر الوقّاتون الكذّابون، فهؤلاء ليسوا سوىٰ مهرّجين يفتقدون للبحث العلمي، همّهم صرف الناس عن أصل القضية المهدوية وإشغال الناس بهذه الأمور، وفي قبال ذلك ينبغي علىٰ الإنسان المؤمن أن يكون حذرًا منهم.
أثر عملي:
لا ينبغي للمؤمن أن ينجرف خلف كل خبر أو تحليل يدَّعي تحديد وقت الظهور.
الصنف السادس: المستعجلون:
وهم الذين لا يصبرون علىٰ طول الغيبة، فيقعون في الهلاك بسبب استعجالهم، كما قال (عليه السلام): «ويهلك فيها المستعجلون».
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«… إنَّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إنَّ الله لا يعجل لعجلة العباد، إنَّ لهذا الأمر غايةً ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا»(13).
والاستعجال أمر سلبي منهي عنه، وقد ذمَّت بعض الآيات الشريفة مسألة الاستعجال، وممّا ورد في تفسير قوله تعالىٰ: ﴿أَتىٰ أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: 1).
عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال:
«هو أمرنا، أمر الله لا يُستعجل به…»(14).
أثر عملي:
المؤمن الحقيقي يجمع بين الانتظار والصبر والعمل الصالح دون يأس أو استعجال.
الصنف السابع: المسلمون (الناجون):
وهم الذين يسلِّمون تسليمًا كاملًا لأمر الله تعالىٰ، ويؤمنون بالإمام المهدي (عليه السلام) دون تردُّد أو اعتراض، ويفوِّضون الأمور إلىٰ الله (عزَّ وجلَّ).
وقد ورد في دعاء زمن الغيبة:
«… وصبِّرني علىٰ ذلك حتَّىٰ لا أحبّ تعجيل ما أخَّرت، ولا تأخير ما عجَّلت، وأفوِّض أموري كلّها إليك…»(15).
كما يؤكِّد القرآن الكريم علىٰ مبدأ وثقافة التسليم بقوله تعالىٰ:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: 65).
ورُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الإيمان له أربعة أركان: التوكُّل علىٰ الله، وتفويض الأمر إلىٰ الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله»(16).
أثر عملي:
التسليم لله تعالىٰ يمنح الإنسان الطمأنينة والثبات مهما كثرت الفتن وتأخَّر الفرج.
الخاتمة:
يتبيَّن ممّا تقدَّم أنَّ زمن الغيبة ليس مجرَّد مرحلة زمنية عابرة، بل هو ميدان اختبارٍ إلهي، تُمحَّص فيه القلوب وتُقاس فيه درجات الإيمان والوعي.
وعلىٰ المؤمن أن يكون بصيرًا ثابتًا، لا ينحرف أمام الشبهات، وأن يُحصِّن نفسه بالعلم والمعرفة، ويتحلَّىٰ بالإخلاص والتسليم، ليكون من الناجين في هذا الامتحان العظيم.
الهوامش:
(1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج51، ص142-143.
(2) المصدر نفسه: ج52، ص123.
(3) المصدر نفسه: ج52، ص145.
(4) المصدر نفسه: ج51، ص30.
(5) ابن طاووس، رضي الدين علي بن موسىٰ، جمال الأسبوع: ص40.
(6) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج12، ص15.
(7) المصدر نفسه: ج1، ص59.
(8) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص145.
(9) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج50، ص21.
(10) المصدر نفسه: ج51، ص143.
(11) المصدر نفسه: ج51، ص143.
(12) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص111.
(13) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص547.
(14) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص139.
(15) المصدر نفسه: ج53، ص187.
(16) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص47.