بناء القبور على الصالحين

بناء القبور على الصالحين

المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصلاة علىٰ محمد وآله الميامين الأخيار.

من المسائل التي كثر الكلام بها وهو البناء علىٰ قبور الصالحين من الأنبياء والأولياء والصحابة والتابعين والعلماء.

ويُعدُّ هذا الموضوع الذي وقع فيه الخلاف بين من يقول بالجواز وبين من يقول بالمنع.

ويهدف هذا البحث بيان أدلة المذاهب الإسلامية من القرآن الكريم والسُنَّة المطهرة.

وأقوال العلماء من البناء علىٰ القبور أو بناء القباب أو تشييد الأضرحة أو المشاهد المقدَّسة وإن كانت بالمعنىٰ اللغوي فيه معانٍ متقاربة إلَّا أنَّ المعنىٰ في الاصطلاح الإسلامي من باب واحد.

وفي هذا المقال نتناول عدَّة أمور نستعرض إجمالي البحث حول موضوع: (البناء علىٰ قبور الصالحين).

في الأمر الأوَّل بيان بعض المفردات اللغوية والاصطلاحية، ثم استعراض بالأمر الثاني من أدلة العلماء المجوزين، ثم بالأمر الثالث أدلة العلماء المانعين، وبعدها الأمر الرابع الأقوال بالتفصيل، وأخيراً الأمر الخامس وهو مناقشة وترجيح، وبعدها النتيجة.

الأمر الأوَّل:

القبر: لغة واصطلاحاً:

القبر: المكان الذي يدفن فيه الميت.

والجمع: قبور وأقبُر(1).

مدفن: مكان يدفن فيه الميت: أنزل النعش إلىٰ القبر(2)؛ ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: 7).

البناء:

بنَىٰ: المنزل وأقام جداره ونحوه، ويستعمل مجازاً في معان تدور حول التأسيس والتنمية:

بنىٰ مجده يبني قصراً و يهدم قصراً (مثل): يغري في من يقدم خيراً قليلاً ويؤذي كثيراً، يبني الرجال وغيره يبني القرىٰ… شتان بين قرىٰ وبين رجالِ(3) ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ (غافر: 36).

 القباب:

1 – قبة المسجد: بناء سقفه نصف دائري مقعر من داخلة – قبة القدس شمس المشرق.

2 – القبة الزرقاء أو الخضراء: السماء.

3 – القبة الخضراء: مقام سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام).

4 – قبة الشهادة أو قبة الرمان: خيمة أو مظلة من كتان كان يغطي بها اليهود تابوت العهد(4).

الضريح:

وهو الشق في وسط القبر. والجمع: ضرائح.

وجمع أضرحة: وعده ما يطلق علىٰ مقابر الخاصة (5).

المشهد:

الجمع: مشاهد: اسم مكان من شهد، والمشهد: الضريح. وغيرها من المعاني(6).

الأمر الثاني: أقوال العلماء القائلين علىٰ الجواز:

أ – من القرآن الكريم:

الأدلة القرآنية وهو المصدر الأساسي لكلِّ الأُمَّة الإسلامية عندما يواجهوا أي مشكلة فقهية أو عقائدية أو أي أمر مستحدث أو غيرها يكون المصدر الأوَّل ونظرهم اتِّجاه الكتاب العزيز، لكي يروا من خلاله ما هو موقف الشريعة المقدَّسة، وإليك عزيزي القارئ الكريم النظر في آيات القرآن الكريم ولترىٰ كم آية تتكلَّم حول القبر وتعظيم أولياء الله تعالىٰ، وما كان التعظيم للقبر وما فيه إلَّا بما أمر الله (سبحانه وتعالىٰ) عباده المؤمنين أن يقدِّسوا هذا، فإنَّ الأمر من الله تعالىٰ، ولأجل أمر الله يكون الامتثال له (سبحانه وتعالىٰ)، وإليك عزيزي القارئ الكريم الآيات التالية:

1 – قوله تعالىٰ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (الكهف: 21).

أخبرنا الله تعالىٰ عن المؤمنين الذين قرَّروا أن يتَّخذوا من مضاجع الفتية المؤمنة مسجداً، يسجدون لله سبحانه فيه، ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين، ولم يذمَّهم الله تعالىٰ علىٰ ذلك.

ومما لا شكَّ فيه: أنَّ مقام وشأنية الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) هي أرفع وأعلىٰ من شأن أولئك الفتية، فإذا جاز بناء قبورهم، فبالأولىٰ جواز ذلك بالنسبة إلىٰ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)(7).

وهذه الآية كثر الاستدلال بها من العلماء والمفسِّرين من كلا الطرفين في جواز البناء علىٰ القبور وتعظيم شأنهم.

وقد استُدل بهذه الآية علىٰ الجواز من جهة أنَّ القرآن نقل فعلهم دون إنكار، وهو ما يُفهم منه عند بعض الأصوليين نوع تقرير، إلَّا أنَّ هذا الاستدلال محل نقاش من جهة كون الآية حكاية لفعل لا نصًا تشريعيًا صريحًا.

2 – قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ﴾ (الشورىٰ: 23)، تدل هذه الآية المباركة علىٰ وجوب مودَّة قربىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وهو وجوب مطلق لم يقيَّد بزمان دون آخر، ولا مكان دون مكان، ولا كيفية دون كيفية أخرىٰ.

ومما لا شكَّ فيه: أنَّ تعهد قبر لشخص ما بالبناء والإعمار والتجديد من جملة المصاديق العرفية لهذه المودَّة(8).

3 – تعظيم شعائر الله تعالىٰ: أن القرآن الكريم، وإن لم يصرِّح علىٰ البناء علىٰ قبور الأنبياء والصالحين بالخصوص، ولكنَّه صرَّح بتعظيم شعائر الله تعالىٰ، بقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).

وقوله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (الحج: 30).

وبقوله تعالىٰ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ (المائدة: 2).

ولا شكَّ ولا ريب: أنَّ صون المعالم الدينية عن الاندراس -كالمشاهد المتضمنة لأجساد الأنبياء والصالحين- وحفظها من الخراب – بناءً وتجديداً – نحوٌ من أنحاء التعظيم، كما أنَّ حفظ المسجد عن الخراب تعظيم له.

ولا يخفىٰ: أنَّ الله تعالىٰ جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها، فكيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء، فإنَّها أولىٰ بأن تكون شعاراً للدين.

كيف لا؟ وهي من البيوت التي ﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (النور: 36)، فإنَّ المراد من البيت في الآية هو: بيت الطاعة، وكل محل أعد للعبادة، فيعم المساجد والمشاهد المشرفة لكونها من العبادة.

ولو لم يكن من في الشريعة ما يدل علىٰ تعمير المساجد وتعظيمها واحترامها لأغنتنا الآية بعمومها عن الدلالة علىٰ وجوب تعمير المسجد وتعظيمه وإدامة ذكر الله فيه، لكونه من البيوت التي أذن الله أن ترفع.

ومثل المسجد – من جهة التعمير والتعظيم والحفظ – المشاهد هي من مشاعر الإسلام، ومعالم الدين(9).

ب – من الروايات الشريفة:

ومن الأمور التي يستدل بها بالشريعة الإسلامية وهي عمل النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وكذلك عمل الأصحاب من بعده.

ومن المصادر الإسلامية التي تكون أساساً بعد القرآن الكريم وهو قول، وفعل، وتقرير النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالاستدلال علىٰ الحكم التكليفي وما هو موقف المكلَّف إزاء الأحكام التشريعية، وكذلك بعض الصحابة الذين عملوا أو رأوا عن الرسول الكريم (صلَّىٰ الله عليه وآله).

وإليك أيُّها القارئ الكريم في هذا البحث من عمل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) والصحابة الأخيار (رضوان الله عليهم).

فنذكر إن شاء الله تعالىٰ كما يلي:

الأوَّل:

عمل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) الصحابة من بعده والتابعين، ننقل ما قاله الشيخ كاشف الغطاء في كتابه منهج الرشاد: (والأصل في القباب وتعميرها ما رواه البنانيّ -واعظ أهل الحجاز- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه الحسين، عن أبيه علي (عليهم السلام)، أنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال له: «لتقتلنَّ في أرض العراق، وتدفن بها، فقلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟

فقال لي: يا أبا الحسن، إنَّ الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة، وأنَّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحنّ إليكم، ويعمّرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقرباً إلىٰ الله تعالىٰ، ومودَّة منهم لرسوله…»(10)، وفي كتاب الوسائل للحر العاملي باب حول الزيارة وثوابها وفي غيرها من الكتب حول زيارة النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله).

الثاني:

إقرار النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) والصحابة، فإنَّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) أقرَّه هو وأصحابه علىٰ البناء علىٰ القبور، ولم يأمر بهدمه، مع أنَّه مدفن نبي الله إسماعيل (عليه السلام) وأُمّه هاجر، وهكذا إقرارهم علىٰ بناء قبر إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وبقية قبور الأنبياء والمرسلين حول بيت المقدس.

ثم وإقرار الصحابة علىٰ دفن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في الحجرة التي توفي فيها، وهي مشيدة بالبناء، ودفن الخليفة الأوَّل والخليفة الثاني فيها من بعد النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ولم يأمروا بهدمها، بل العكس أمرهم بإعمارها ودليل قاطع علىٰ جواز البناء علىٰ القبور وتشييدها(11).

وأنَّ قبره الشريف (صلَّىٰ الله عليه وآله) كان في مسجده وداخل بيته وهو مزار للمسلمين في كل زمان حتَّىٰ في زمن الصحابة، فقد وردت روايات كثيرة بالتوسُّل به وزيارته وطلب الحاجات عنده، منها:

قال القاسم بن محمد: (دخلت علىٰ عائشة فقلت: اكشفي لي عن قبر رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العريضة الحمراء)(12).

أقول: في هذا الحديث عدَّة جوانب:

1 – إنَّه صحابي أي (القاسم بن محمد) جاء لزيارة القبور.

2 – وفي محضر من عائشة زوجة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله).

3 – يطلب الإذن وقد سارت معه وساعدته علىٰ الزيارة وكشفت له عن القبور بأمر منه.

4 – وهذه القبور الثلاثة (لا مشرفة ولا لاطئة) وهذه ترتبط المصطلحات تاريخياً بقبور وصفاتها بالنسبة لقبر الرسول الكريم (صلَّىٰ الله عليه وآله) وصاحبيه، وتوضِّح لنا هيئة القبور الثلاثة وهي في تدرُّج بالارتفاع عن الأرض، ولا مشرفة ليست مرتفعة كثيراً أو شاهقة، والمشرف باللغة وهو كل ما علا وارتفع.

5 – ومعنىٰ كلمة (ولا لاطئة) تعني غير لاصقة بالأرض تماماً أو مستوية بها، واللطوء في اللغة هو اللزوق بالأرض.

6 – ومعنىٰ (منبطحة): تعني ممتدة ومسطحة علىٰ الأرض، وفي وصف القبور تشير إلىٰ أنَّها رشَّت بـ(البطحاء) وهو حصىٰ صغار لتسويتها وجعلها مسطحة بشكل بسيط ومسنم قليلاً(13).

7 – وهذه القبور الثلاثة وسط الحجرة التي فيها جدران وسقف ومشيدة، وعلىٰ مرِّ العصور تعمر وتزخرف بما يليق بها، هل كل هذا لا يعد جوازاً مشروعاً لاحترام وتقديس لصاحب القبر؟! وأنَّ تخليد الأُمم لرموزها وقادتها من الأمور العقلية التي لا يختلف عليها اثنان، لو تصفَّحنا الشعوب بغض النظر عن الإسلام والمسلمين لوجدنا هذا الاهتمام موجود في كل الشعوب.

8 – فلماذا يهتم القاسم ويطلب من عائشة كشف القبر النبوي الشريف ورفع القماش عنه، بل لماذا وضع القماش والغطاء عليه أصلاً إلَّا احتراماً واهتماماً بها، وإلىٰ يومنا هذا يغطىٰ قبر النبي الأعظم (صلَّىٰ الله عليه وآله)(14).

9 – والكثير من عمل الصحابة من زيارته والتوسُّل به وطلب الحاجات وطلب المغفرة وتقبيل قبره يطول بنا المقام واختصاراً ذكرنا محل الشاهد.

ثالثاً:

الروايات الواردة في كتب الفريقين عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في الحثِّ علىٰ زيارة القبور وثواب من زار قبره وأنَّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) زار قبر أُمّه، ورمَّم قبرها(15).

في صحيح مسلم 3/63، سنن أبي داود 2/189، السنن الكبرىٰ للبيهقي 9/292، كنز العمال 15/648، كما نقل العلامة الأميني في كتابة (الغدير) كلمات أعلام المذاهب الأربعة بما يتجاوز الأربعين كلمة حول الزيارة، كتاب الغدير 5/109، وكذلك في كتاب عيون أخبار الرضا ݠ 2/106، وفي كتاب كامل الزيارات: 41، وغيرها من الكتب المعتبرة.

الأمر الثالث: أقوال العلماء المانعون:

وما هي أدلتهم التي يعتمدوا عليها بالمنع؟

الجواب الأوّل:

وهو قولُ ابنِ حزمٍ(16)، والقرطبي(17)، وابنِ تيميَّة(18)، وابن القيم(19)، والشَّوكانيِّ(20)، والشنقيطيِّ(21)، وابنِ بازٍ(22)، وابنِ عثيمينَ(23)، والألبانيِّ(24).

الجواب الثاني:

1 – من الأدلة التي يعتمدوا عليها وتمسكوا بها علىٰ تحريم البناء علىٰ القبور (الإجماع)(25)، وهي دعوىٰ تحتاج إلىٰ نقاش نؤجِّل الكلام إلىٰ الفصل الخامس إن شاء الله تعالىٰ، ونبيِّن هل دعوىٰ الإجماع ثابتة أو لا؟

2 – ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) بأنَّه قال لابن الهياج: «ألا أبعثك علىٰ ما بعثني عليه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): أن لا أدع تمثالاً إلَّا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلَّا سويته»(26).

وفيه: «ولا صور في بيت إلَّا طمستها»(27).

3 – عن جابرٍ (رَضِيَ اللهُ عنه)، قال: (نهىٰ رسولُ الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أن يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُقعَدَ عليه، وأن يُبنَىٰ عليه)(28).

4 – قال رسولُ اللهِ (صلَّىٰ الله عليه وآله): (لعنةُ اللهِ علىٰ اليهودِ والنَّصارىٰ؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجِدَ، يُحَذِّرُ مثلَ ما صَنَعوا)(29).

5 – عن عبد اللهِ بنِ الحارثِ النجرانيِّ، قال: حدَّثني جُندَبٌ (رَضِيَ اللهُ عنه)، قال: سمعْتُ النبيَّ (صلَّىٰ الله عليه وآله) قبل أن يموتَ بخَمْسٍ وهو يقول: (… ألَا وإنَّ مَن كان قبلَكم كانوا يتَّخِذونَ قبورَ أنبيائِهم وصالِحِيهم مساجِدَ، ألَا فلا تتَّخِذوا القُبورَ مساجِدَ؛ إنِّي أنهاكُم عن ذلك)(30).

6 – عن عبد الله بنِ مَسعودٍ (رَضِيَ اللهُ عنه)، قال: سمعْتُ رسولَ الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يقول: (إنَّ مِن شرارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُم السَّاعةُ وهم أحياءٌ، ومَن يتَّخِذُ القبورَ مساجِدَ)(31).

بهذا البحث من أقوال العلماء المانعين تبيَّن أنَّه كثير من الروايات التي تشير إلىٰ المنع، ولكن لو ناقشناها من حيث المصادر والسند والدلالة مع أدلة العلماء القائلين بالجواز وماذا يتبيَّن، ونحيل النقاش إلىٰ الأمر الخامس من هذا البحث.

الأمر الرابع: القول بالتفصيل حسب قول بعض الفقهاء بين الجواز وبين القائلين بالمنع:

وهو صار عند بعض هذا التفصيل في البناء علىٰ القبور وهو جائز ومرة غير جائز وقدموا تعليلاً علىٰ ذلك، فقالوا: إنَّ المقابر مرة تكون مسبلة عامة، وهي لا يجوز فيها البناء علىٰ القبر لأنَّها ليست خاصة أو ملك شخصي مما يؤدِّي إلىٰ ضيق المقبرة لأنَّ البناء القبور العالية أو القباب لأصحاب الشأن من العلماء وغيرهم مما يؤدِّي إلىٰ أخذ مكان أكثر مما هو معتاد للحالة الطبيعية للشخص الواحد، هذا من جانب آخر فهو تصرُّف غير مسموح به شرعاً.

وأمَّا لو كانت غير مسبلة أي في ملك شخصي ففي هذه الحالة ملكه الشخصي فهو تصرفه جائز شرعاً أن يكون القبر عليه من بناء أو قباب وغيره لأنَّ هذا الملك له فهو جائز من هذه الناحية(32).

ومن الغريب في هذا أنَّ قبر (ابن تيمية) لم يشمله هذا الكلام رغم أنَّه في مقبرة مسبلة فلا تشمله أقوال الوهابية وهم نفسهم منعوا من تهديم قبرة، وكان مدفنه (ابن تيمية) في مقابر الصوفية قبل 700 سنة تقريباً، وقد اتَّخذت الحكومة السورية في عهد حافظ الأسد قراراً بإزالة تلك المقابر لصالح إقامة منشآت ومباني تتبع لجامعة دمشق.

علم علماء الوهابية بذلك فطار صوابهم ومنهم ابن باز وأصرُّوا أن يفعل أي شيء لوقف هدم قبره وعلىٰ الفور طلب من الملك فهد وقف هدم قبر ابن تيمية بأي ثمن، واتَّصل الملك بسفيره في دمشق لأخذ إذن من الحكومة السورية بأن يزور هو وأركان السفارة وآخرون قبر ابن تيمية، وذلك لإحراج الحكومة السورية وعدم هدم القبر، وكان للوهابية ما أرادوا، فلم يهدم وظلَّ بمكانه بينما أزيلت جميع القبور التي حوله وبقي ابن تيمية.

وتعليلهم المضحك: هذه القبور تاريخية وتزار من قبل الباحثين والزوار، وليست مثل المشاهد أو أضرحة المبنية(33).

الأمر الخامس: المناقشة والترجيح:

1 – إنَّ دعوىٰ الإجماع التي يدعوا بها بعض العلماء ليست قاعدة ثابتة، بل تحتاج إلىٰ من يثبت من خلال عمل العلماء، وفي كل المذاهب الإسلامية وهذه القضية إن ثبتت فهو المطلوب وإلَّا فلا إجماع في البين، فهنا نناقش هذا الإجماع.

باعتبارها مخالفة لكلمات العلماء الدالة علىٰ جواز البناء علىٰ القبور، بل رجحانه، ومخالف لعمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار، وعلىٰ خلاف طبقاتهم، وتباين نزعاتهم، من بدء الإسلام إلىٰ يومنا هذا، من العلماء وغيرهم، من الشيعة والسُنَّة وغيرهم، وأي بلاد من بلاد الإسلام ليس لها جبّانة، فيها القبور المشيّدة؟

فهؤلاء أئمة المذاهب الإسلامية: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك بالمدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلىٰ اليوم سامقة المباني، شاهقة القباب، وأحمد بن حنبل كان له قبر مشيَّد في بغداد، جرفة شط دجلة حتَّىٰ قيل: أطبق البحر علىٰ البحر.

وكل تلك القبور قد شُيِّدت، وبُنيت في الأزمنة التي كانت حافلة بالعلماء، وأرباب الفتوىٰ، وزعماء المذاهب، فما أنكر منهم ناكر، بل كل منهم محبّذ وشاكر، وليس هذا من خواص الإسلام، بل هو جار في جميع الملل والأديان، من اليهود والنصارىٰ وغيرهم، بل هو من غرائز البشر، ومقتضيات الحضارة والعمران، وشارات التمدُّن والرقي والدين القويم المتكفل بسعادة الدارين، إذا كان لا يؤكِّده ويحكمه، فما هو بالذي ينقصه ويهدمه؟

ألا يكفي هذا شاهداً قاطعاً ودليلاً بيِّناً علىٰ فساد دعوىٰ الإجماع؟

2 – نناقش الرواية التي تروىٰ عن الإمام علي (عليه السلام): «ألا أبعثك علىٰ ما بعثني عليه رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): أن لا أدع تمثالاً إلَّا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلَّا سويته».

وفيه بناءً علىٰ صحة هذه الرواية، فهل معنىٰ التسوية في قوله: «إلَّا سويته»، أي ساويته بالأرض، بمعنىٰ هدمته؟ أم معنىٰ تسوية السيء عبارة عن تعديل سطحه، وتسطيحه في قبال تقعره أو تحديثه أو تسنيمه وما أشبه ذلك من المعاني المتقاربة؟

لا شكَّ أنَّ معناه: إلَّا سطَّحته وعدلته وليس معناه: إلَّا هدَّمته وساويته بالأرض، وقد فهم مسلم في صحيحه ما فهمناه من الحديث حيث عنوان الباب قائلاً:

(باب تسوية القبور)، ولم يقل مساواة القبور.

فأورد فيه أوَّلاً بسنده إلىٰ ثمامة، قال: كنَّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يأمر بتسويتها.

ثم أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدِّم: (ولا قبراً مشرفاً إلَّا سويته).

وكذلك فهم شارحوا صحيح مسلم – وإمامهم النووي – ذلك حيث قال في شرح تلك العبارة ما نصه: (إنَّ السُنَّة أنَّ القبر لا يرفع علىٰ الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر نحو شبر ويسطح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أنَّ الأفضل عندهم تسنيمها).

ويشهد لأفضلية التسليم ما ورواه البخاري في صحيحه في باب صفة قبر النبي وأبي بكر وعمر بسنده إلىٰ سفيان التمار أنَّه رأىٰ قبر النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) مسنماً.

ولكن العسقلاني أحد المشاهير من شارحي البخاري قال ما نصه: (مسنماً) أي مرتفعاً، زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبي بكر، وعمر كذلك واستدل به علىٰ أنَّ المستحب تسنيم القبور وهو قول أبو حنيفة ومالك وأحمد، والمزني، وكثير من الشافعية.

إذاً، كلّ كلمات أعاظم المسلمين وأساطين الدين من مراجع الحديث – كالبخاري ومسلم – وأئمة المذاهب – كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد – وأعلام العلماء وأهل الاجتهاد – كالنوري وأمثاله – كلهم متَّفقون علىٰ مشروعية بناء القبور في زمن الوحي والرسالة، بل النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) بذاته – بناء الفقهاء – قبر ولده إبراهيم: إنَّما الخلاف والنزاع فيما بينهم في أنَّ الأفضل والأرجح تسطيح القبر أو تسنيمه؟

3 – أضف علىٰ ذلك الآيات القرآنية الدالة علىٰ تعظيم شعائر الله تعالىٰ في الأمر الثاني مع مجموعة من الروايات الدالة علىٰ البناء علىٰ القبور مثل رواية القاسم بن محمد الصحابي الجليل، وكذلك عمل الأصحاب والتابعين من زيارة القبور والتوسل بهم، وكذلك الروايات الدالة علىٰ الحثِّ علىٰ زيارة القبور من قبل النبي الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) والثواب لمن زار قبره في صحيح مسلم 3/63، وكذلك في سنن أبي داود 2/189، وغيرهم من كتب الفريقين قد ذكرناهم في مبحث الأمر الثاني.

هذه كلها أدلة في جواز البناء علىٰ القبور، وهذا يكفي لترجيح الأقوال التي تدل بوضوح علىٰ البناء علىٰ قبور الأولياء والصالحين، بل قبور الأنبياء والمرسلين.

والنتيجة:

فالذاهبون إلىٰ التسنيم يحتجون بحديث البخاري عن سفيان التمار أنَّه رأىٰ قبر النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) مسنماً.

والعادلون إلىٰ التسطيح يحتجون بتسطيح النبي قبر ولده إبراهيم، ولعلَّ هذا الدليل هو الأرجح في ميزان الترجيح والتعديل ولا يقدح فيه أنَّه صار من شعار الروافض وأهل البدع كما قال العسقلاني.

نعم، لو أبيت إلَّا عن حمل (سويته) علىٰ معنىٰ ساويته بالأرض، حينئذٍ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل، وحيث إنَّ هذا الخبر بانفراده لا يكافئ الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور ومشروعية بنائها.

أمَّا المسلمون من النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) إلىٰ يومنا هذا، فليس منهم من يعبد صاحب القبر وإنَّما يعبدون الله وحده لا شريك له في تلك البقاع الكريمة المتضمنة لتلك الأجساد الشريفة.

وبكلِّ فرض وتقدير فالحديث يتبرَّأ أشدَّ البراءة من الدلالة علىٰ جواز هدم القبور، فكيف بالوجوب.

والأخبار – التي ما عليها غبار – ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها وأنَّها من تعظيم شعائر الله(34).

والحمد لله ربِّ العالمين أوَّلاً وآخراً.

 

 

 

الهوامش:


(1) معجم الوسيط.

(2) معجم اللغة العربية.

(3) معجم الوسيط.

(4) معجم الوسيط .

(5) معجم الوسيط.

(6) معجم الوسيط.

(7) موسوعة الأسئلة العقائدية: ج3، ص28.

(8) موسوعة الأسئلة العقائدية:ج3.

(9) موسوعة الأسئلة العقائدية: ج3، ص30.

(10) منهج الرشاد: 579.

(11) موسوعة الأسئلة العقائدية: ج3، ص30.

(12)أخرجه أبو داود: 2/70؛ والحاكم 1: 369؛ ووافقه وصححه الذهبي.

(13) المعجم الوسيط بتصرف من الكاتب.

(14) محاضرات في مؤسسة الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه).

(15) نفس المصدر.

(16) المحلَّىٰ لابن حزم (3/347).

(17) القرطبي: (وأمَّا تَعليةُ البناءِ الكثيرِ علىٰ نحوِ ما كانت الجاهليَّةُ تفعَلُه تفخيمًا وتعظيمًا، فذلك يُهدَمُ ويزالُ؛ فإنَّ فيه استعمالَ زينةِ الدُّنيا في أوَّلِ منازلِ الآخرةِ، وتشبُّهًا بمن كان يُعظِّمُ القبور ويَعبُدها، وباعتبارِ هذه المعاني وظاهرِ النهيِّ أن ينبغيَ أن يقال: هو حرامٌ) (تفسير القرطبي: 10/381).

(18) مجموع الفتاوىٰ لابن تيمية: 31/11.

(19) قال ابن القيم: (ونهىٰ عن بناءِ المساجدِ علىٰ القبورِ، ولعَنَ فاعِلَه، ونهىٰ عن تعليةِ القُبورِ وتَشريفِها وأمَرَ بتَسويتها. ونهىٰ عن البناءِ عليها وتجصيصِها، والكتابةِ عليها، والصَّلاةِ إليها وعِندَها، وإيقادِ المصابيحِ عليها. كلُّ ذلك سدًّا لذريعةِ اتِّخاذها أوثانًا. وهذا كلُّه حرامٌ علىٰ من قصَدَه ومن لم يقصِدْه) (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)؛ لابن القيم (1/362)؛ وينظر: إعلام الموقعين لابن القيم: 3/168.

(20) نيل الأوطار للشوكاني (4/104)؛ شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني: ص14.

(21) أضواء البيان للشنقيطي (2/302).

(22) مجموع فتاوىٰ ابن باز: 13/221.

(23) مجموع فتاوىٰ ورسائل العثيمين (17/212).

(24) تلخيص أحكام الجنائز للألباني (ص84).

(25) وحكىٰ ابنُ تيميَّةَ الاتِّفاقَ علىٰ أنَّ البناءَ علىٰ القبرِ مَنهيٌّ عنه، قال: (بناءُ المسجدِ عليه منهيٌّ عنه باتِّفاقِ الأُمَّةِ) (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/267). وقال: (اتَّفقَ أئمَّةُ الإسلامِ علىٰ أنَّه لا يُشرَع بناءُ المسجدِ علىٰ القبورِ) (مجموع الفتاوىٰ: 27/448). وقال: (وأمَّا بناءُ المساجدِ علىٰ القبورِ، وتُسمَّىٰ (مشاهِدَ) فهذا غيرُ سائغ؛ بل جميعُ الأُمَّةِ يَنهَون عن ذلك) (مجموع الفتاوىٰ: 24/318).

(26) صحيح مسلم 3/61؛ مستند أحمد 1/96؛ المستدرك علىٰ الصحيحين 1/369؛ المعجم الصغير 1/57.

(27) سنن النسائي 4/ 89؛ السنن الكبرىٰ للنسائي 1/653؛ علل الدارقطني 4/181.

(28) أخرجه مسلم: 970.

(29) أخرجه البخاري (4443، 4444)؛ ومسلم (531) واللفْظُ له، من حديث عائشة وابن عباس.

(30) خرجه مسلم (532).

(31) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم (7067) مختصراً، وأخرجه موصولاً أحمد (3844) واللفظ له. صححه ابن خزيمة (2/27)، وابن حبان (6847)، وابن القيم في (الجواب الكافي) (101)، والألباني في (تحذير الساجد) (26)، وحسنه الوادعي في (الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين) (824).

(32) مقالات من الانترنت بتصرف من الكاتب.

(33) نقلاً من مقال عبد الوهاب قداري.

(34) موسوعة الأسئلة العقائدية: ج3 /32.

Edit Template
Scroll to Top