الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، لا سيما بقية الله في الأرضين، واللعن الدائم علىٰ أعدائهم إلىٰ قيام يوم الدين.
وبعد، يعد نظام الأُسرة في الإسلام من أمتن النظم، ولما كان عقد الزواج (ميثاقاً غليظاً)، فإن فضه بالطلاق لم يترك للأهواء، بل سُيج بشروط شرعية صارمة، ومع الثورة الرقمية، والتطوُّر العلمي والتقني الذي يشهده العالم المعاصر، ظهرت وسائل اتِّصال حديثة أثَّرت علىٰ مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك العلاقات الأُسرية والاجتماعية.
ومن أبرز هذه الظواهر التي أثارت جدلاً فقهياً وقانونياً هو الطلاق عبر الوسائل الإلكترونية، مثل الرسائل النصية، البريد الإلكتروني، وتطبيقات المحادثة.
ومع تزايد الاعتماد علىٰ التكنولوجيا في العلاقات اليومية، برزت تساؤلات عميقة عن مدىٰ جواز اعتبار هذه الوسائل في صحة إيقاع الطلاق، وما إذا كانت تستوفي الشروط الشرعية والقانونية المعتمدة في المذاهب الإسلامية والأُطر القانونية الوضعية المعاصرة.
ولا يخفىٰ أنَّ أحكام الطلاق في الفقه الإسلامي تمثِّل أحد أركان المعاملات الأُسرية التي تتطلَّب وضوحاً ودقةً في النصوص والأدلة، نظراً لما لها من آثار نفسية واجتماعية وقانونية علىٰ الزوجين والأبناء والمجتمع بأُسره.
وفي ضوء ذلك، يصبح البحث في مشروعية الطلاق الإلكتروني وصحَّته في الشرع والقانون أمراً في غاية الأهمية، لا سيما لدىٰ المذهب الجعفري الإمامي الذي يتميَّز بتفصيلات دقيقة في مسائل الأُسرة والطلاق.
ولبيان ذلك نذكر ثلاثة محاور وخاتمة:
المحور الأوَّل: تعريف الطلاق لغةً، واصطلاحاً، وقانوناً:
أوَّلاً: الطلاق لغةً: حل القيد، سواء كان قيداً حسياً، مثل قيد الناقة، حيث يُقال: ناقة طالق بمعنىٰ أنَّها مرسلة بلا قيد، أو قيداً معنوياً، مثل قيد النكاح، وهو الارتباط بين الزوجين(1).
كما يدل الطلاق أيضاً علىٰ الترك والتخلية، فيقال: طلَّق فلان البلد أي تركها، ويُقال: أطلق الأسير بمعنىٰ أنَّه تم تخليته أو تحريره(2).
ثانياً: الطلاق اصطلاحاً: تعدَّدت التعريفات الفقهية للطلاق بتعدُّد المذاهب والآراء، فعُرِّف علىٰ أنَّه: (رفع قيد النكاح المنعقد بين الزوجين بألفاظ مخصوصة)(3)، وهذا التعريف مختصر.
وعرفه الأحناف بأنَّه: (رفع القيد الثابت شرعاً بالنكاح)، وقوله: (شرعاً)، يحترز به عن رفع القيد الثابت حسًّا وهو حل الوثاق، وقوله: (بالنكاح)، احترز به من العتق(4).
وعرَّفه الجعفرية الإمامية: هو إزالة قيد النكاح بصيغة (طالق)، مما يعني عدم جواز وقوع الطلاق بغير لفظ (طالق)، ويرفع قيد الطلاق بالحال إن كان الطلاق رجعياً، فمن طلَّق زوجته طلاقاً رجعياً فلا يقع بالحال، بل بعد انقضاء العدة، لذا يجوز أن يرجعها بدون مهر أو عقد مادامت في العدة(5).
ثالثاً: الطلاق في القانون: عرَّفه قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم188 لسنة 1959 المعدل الفقرة أوَّلاً من المادة 34 بأنَّه رفع قيد الزواج بإيقاع من الزوج أو من الزوجة إن وكلت به أو فوضت أو من القاضي، ولا يقع الطلاق إلَّا بالصيغة المخصوصة له شرعاً، فهذا التعريف قد أخذ من التعاريف الفقهية السابقة(6).
وإنَّ التعريف القانوني المذكور قد أعطىٰ الزوج حق التطليق إن كان أهلاً لإيقاعه، وليس للزوجة هذه الحق إلَّا باشتراطها أن يكون لها حق تطليق نفسها في عقد الزواج.
وقد عُدِّلت هذه المادة وأصبحت بالصورة التي عليها الآن بحذف كلمة (أو وكيله) وحصرت إيقاع الطلاق بيد الزوج أو الزوجة إذا كانت مفوضة فيه(7).
المحور الثاني: أركان الطلاق وشروطه:
لا يقع الطلاق إلَّا بتوفر أركانه الأساسية:
1 – المُطلِّق: وهو الزوج، ويشترط فيه: البلوغ، العقل، الاختيار. القصد: فلو نطق بالطلاق سهواً أو غلطاً أو هزلاً فلا يقع الطلاق عند الإمامية(8).
2 – المُطلَّقة: الزوجة، ويشترط أن تكون زوجة صحيحة العقد، وأن يتم تعيينها، أن تكون في طهر لم يواقعها الزوج فيه، وأن لا تكون حائضاً أو نفساء.
3 و4 – الصيغة والإشهاد: اللفظ الذي يترتَّب عليه الطلاق، ويشترط أن يكون صريحاً، قال صاحب الجواهر، نقلاً عن الكافي:
ليس الطلاق إلَّا كما روىٰ بكير بن أعين، وهو أن يقول لها، وهي طاهر من غير جماع: أنتِ (طالق)، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوىٰ ذلك فهو ملغىٰ، ثم نقل صاحب الجواهر عن الانتصار إجماع الإمامية علىٰ ذلك(9).
وبالتالي، فإنَّ الإمامية يُضيِّقون دائرة الطلاق إلىٰ أقصىٰ الحدود، ويفرضون القيود الصارمة علىٰ المُطِّلق والمُطلَّقة، وصيغة الطلاق وشروطه.
المحور الثالث: حكم الطلاق الإلكتروني:
تعريف الطلاق الإلكتروني: هو إيقاع صيغة الطلاق أو التعبير عنها عبر وسيلة إلكترونية حديثة، بقصد إنهاء العلاقة الزوجية، دون التلاقي الحضوري التقليدي.
يُعد الطلاق الإلكتروني امتداداً لمسألة (الطلاق بالكتابة) القديمة؛ حيث تباينت المواقف بشأنها؛ فبينما اعتبرها الفقه الحنفي وسيلة معتبرة لإنشاء الطلاق (إذا كانت الكتابة مستبينة وقصد بها الزوج الفرقة)(10)، بينما في الفقه الجعفري إلىٰ عدم وقوع الطلاق بالكتابة مع القدرة علىٰ النطق، مما يجعل الرسائل النصية (لغواً) في الأصل.
ومن المعلوم أنَّ الهاتف النقال وسيلة من وسائل الاتِّصالات الحديثة التي انتشرت بصورة واسعة، فأصبحت تشغل حيِّزاً واسعاً في حياة الإنسان حتَّىٰ باتت هذه الوسيلة مفردة من مفردات حياته اليومية، وذلك لما يحقِّق الهاتف المحمول من سهولة التوصيل عن طريق التحدُّث، أو الرسائل القصيرة.
وأفرزت هذه الوسيلة الحديثة عادات وتصرُّفات جديدة أثَّرت تأثيراً مباشراً في سلوكيات الإنسان وغيَّرت مسار حياته الاجتماعية مما يقتضي في بعض الأحيان تدخل الدين والقانون ومن هذه التصرُّفات لجوء بعض الأزواج إلىٰ اتِّخاذ قرارات خطيرة وحاسمة عبر وسائل الهاتف النقال كأن يبلغ أحدهم زوجته بالطلاق عن طريق رسالة نصية مرسلة (SMS) منه بواسطة هاتفه المحمول.
فلو قام الزوج بإرسال رسالة نصية إلىٰ زوجته مكتوب بها (أنتِ طالق) وكتبت عن طريق الخطأ أو سهواً، أي أنَّ الزوج لم يقصد بها الطلاق ولم يكن لديه نية لإيقاع الطلاق، فالطلاق هنا لا يقع حتماً لأنَّ الزوج لم يكن قاصداً إيقاعه حتَّىٰ لو لجأت الزوجة إلىٰ استغلال هذه الرسالة وتوثيقها في المحكمة المختصة، فلا عبرة بهذا التصرُّف مادامت النية غير متوافرة لدىٰ الزوج لتطليق زوجته.
وبذلك يرىٰ الفقهاء من المذاهب الأربعة(11) وقوع الطلاق بوسائل الاتِّصال الحديثة لأنَّ الطلاق لا يحتاج إلىٰ توثيق لغرض الإثبات، فيكون الإثبات في هذه الحالة عند إنكار الزوج هو الورقة الموثوقة المرسلة بطريق الإنترنت لأنَّ الطلاق يقع بالعبارة والإشارة، وعلىٰ ذلك فإنَّ الطلاق بالمراسلة إذا كان مقصوداً به أنَّ الزوج قد طلَّق زوجته غيابياً ثم أعلمها بهذا الطلاق عن طريق رسالة بعثها لها فهو طلاق واقع، ولا شكَّ فيه حتَّىٰ قبل المراسلة، وكل ما أضافته المراسلة أنَّها أعلمت الزوجة بما حدث من طلاق بينهما.
أمَّا علىٰ رأي الإمامية إذا كتب الرجل لفظ الطلاق في رسالة إلىٰ زوجته دون أن ينطق بها بهذا اللفظ، فلا يقع الطلاق بمجرَّد الكتابة من دون لفظ الطلاق ما دام الرجل قادر علىٰ النطق، وفي حالة عجزه عن النطق كالأخرس مثلاً فيقع طلاقه بالإشارة أو الكتابة المعبِّرة عمَّا يقصد به وهو الطلاق مع توفُّر الشروط الأخرىٰ، وهذا ما تكلَّمت به المدوَّنة الشرعية الجعفرية(12).
أمَّا قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩ النافذ، لم يتطرَّق لمعالجة الطلاق الإلكتروني مما يقتضي الرجوع إلىٰ الأحكام الشرعية والفقهية بهذا الخصوص والسؤال من الطرفين عن المذهب الذي يقلدانه، وبالتالي معرفة آراء الفقهاء، وأنَّه المادة الأولىٰ من قانون الأحوال الشخصية في فقرتها الثانية نصَّت علىٰ: (إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه فيحكم بمقتضىٰ مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون)، أي أنَّ في حالة عدم وجود نص تشريعي يمكن تطبيقه فيحكم بمقتضىٰ مبادئ الشريعة الإسلامية(13).
وفي بعض قوانين الأحوال الشخصية العربية كثير من القوانين (مثل مصر والأردن) تعترف بالطلاق إذا ثبت صدوره من الزوج، ولو كان عبر وسيلة إلكترونية، لكن تشترط توثيقه أمام القضاء لإثباته وترتيب آثاره.
الخاتمة:
يمكن تلخيص أهم نتائج البحث في النقاط التالية:
1 – يُعد الطلاق الإلكتروني امتداداً لمسألة (الطلاق بالكتابة) القديمة؛ حيث تباينت المواقف بشأنه؛ فبينما اعتبره الفقه الحنفي وسيلة معتبرة لإنشاء الطلاق (إذا كانت الكتابة مستبينة وقصد بها الزوج الفرقة)، ذهب الفقه الجعفري إلىٰ عدم وقوع الطلاق بالكتابة مع القدرة علىٰ النطق، مما يجعل الرسائل النصية (لغواً) في الأصل.
2 – إنَّ العائق الرئيس لوقوع الطلاق الإلكتروني في الفقه الجعفري هو (ركنية الإشهاد)؛ حيث يشترط حضور شاهدين عدلين يسمعان الصيغة معاً في مجلس واحد، وهو ما لا توفره الرسائل النصية أو التسجيلات الصوتية الجافة، مما يفقد الطلاق الإلكتروني مشروعيته عند الإمامية.
3 – إنَّ الطلاق الإلكتروني مظنَّة لانتفاء القصد الجدِّي (بسبب الغضب، المزاح، أو الاختراق التقني)؛ وفي حين يوقع الحنفية طلاق الهازل والمكره إلكترونياً، بينما يشترط الجعفرية القصد والاختيار التام، وهو ما يصعب إثباته عبر الوسائط الرقمية دون حضور الزوج أمام القضاء.
4 – من الناحية القانونية (في مدونة الأحكام الجعفرية والقوانين المعاصرة)، لا يُعد الطلاق الإلكتروني (منشئاً) للفرقة بحدِّ ذاته، بل هو (قرينة إثبات) تحتاج إلىٰ إقرار الزوج أمام المحكمة أو توفُّر البيِّنة الشرعية (الشهود)؛ وذلك صيانةً للأُسرة من التفكُّك عبر وسائل قد يعتريها التزوير أو التسرُّع.
5 – من اللازم التدخُّل تشريعياً وضرورة إيجاد المعالجة القانونية في النصوص، خاصةً وأنَّ التطوُّر التكنولوجي بدأ يغزوا العالم في جميع المجالات، وفي العودة إلىٰ قانون الأحوال الشخصية العراقي نجد هناك فراغ قانوني في هذا المجال، فلابدَّ من نصوص تشريعية تعالج ذلك.
والحمد لله ربِّ العالمين
الهوامش:
(1) محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1980، ص 258.
(2) محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري، لسان العرب، دار صادر، لبنان، 2003، ص 95.
(3) المعجم الوسيط: ص ٥٦٤.
(4) عثمان الديلعي، تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق، مطبعة بولاق، مصر، ١٣١٥هـ: ص ١٤٣، محمد بن عبد الواحد السيواسي كمال الدين ابن الهمام، فتح القدير شرح كتاب الهداية في شرح البداية، وبهامشه العناية شرح الهداية، المكتبة الأميرية.
(5) ينظر محمد جواد مغنية، فقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، ط1، مؤسسة السبطين، 1425هـ: 22/531.
(6) محمد حسن كشكول وعباس السعدي، الأسباب الموجبة لقانون الأحوال الشخصية العراقي، رقم188 لسنة1959 المعدل، شرح قانون الأحوال الشخصية وتعديلاتها، ط2، بإشراف المكتبة القانونية، بغداد 2011م: ص 536.
(7) التعديل الخامس لقانون رقم 56 لسنه 1980 في 22-9 المنشور في الوقائع العراقية، بالعدد 3795.
(8) الشيخ محمد جواد مغنية، الفقه علىٰ المذاهب الخمسة،ص409.
(9) ينظر: الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج32، ص57.
(10) ينظر: الفتاوىٰ الهندية، ج1، ص378؛ الفقه الإسلامي وأدلته، ج9.
(11) ينظر: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، المحلىٰ بالآثار في الفقه الإسلامي، دار الفكر، لبنان، 1988 ص454.
(12) مدونة الأحكام الشرعية القانون الجعفري: ص44.
(13) ينظر: المادة 39 من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم188لسنة 1959 المعدل.