الخدمة الحسينية بين العطاء الفكري والارتقاء الأخلاقي (دراسة تقويمية لبعض مظاهر الخدمة الحسينية)

الممارسات الا أخلاقية في بعض مظاهر الخدمة الحسينية

قال تعالىٰ: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾ (الحج: ٣٢).

والشعائر جمع شعيرة، بمعنىٰ العلاقة والدليل علىٰ معالم الطاعات والقرب(1)، بأنَّها أعلام الدين، وكل ما جعل علاقة لطاعة الله تعالىٰ(2)، فهي كل معلم ديني يدل علىٰ الأعمال الدينية التي تذكر الإنسان المسلم بالله تعالىٰ وبعظمته(3)، والشعائر من قبيل عناوين الأحكام الشرعية وتعاليمها والعقائد والاعتقادات والأقوال والأفعال والأعمال، والذي يظهر من بعض التفاسير أنَّ معنىٰ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ إجلالها وتقديرها وتقديسها والاهتمام بها، فضلاً عن إقامتها وعدم التعرُّض لها في انتهاك حرمتها، لضرورة كونها الهوية الإسلامية(4)، لذا قال تعالىٰ: ﴿مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾.

يمكن أن نستفاد من عموم النص القرآني المتقدم (شعائر الله) بالقول إنَّ الشعائر الحسينية تعد من أبرز مصاديق الشعائر، وذلك لكون أصحاب المصيبة فيها ممن تعظمهم الآيات القرآنية والروايات الشريفة، بل يعظمهم جميع لمسلمين، لضرورة كون الإمام الحسين (عليه السلام) يعد من رموز الدين وإماماً من أئمة المسلمين ومن أصحاب الكساء وأهل المودة والقربىٰ، فانطباق المعنىٰ اللغوي والاصطلاحي علىٰ أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) من أوضح مصاديق شعائر الله، ومن حقوق المودَّة والقربىٰ إقامة مجالس العزاء وإطعام الطعام ونصب المآتم ورفع الرايات تعظيماً لشأنهم وإحياءً لأمرهم قال السبكي: (إنَّ تعظيم عموم الصحابة كم شعائر الله)(5)، فكيف بك بالإمام الحسين (عليه السلام)؟ فهو أشرفهم وسيدهم لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»(6).

قسم الفقهاء والمفسرين هذه الشعائر إلىٰ عدَّة أقسام، وكما يلي:

الشعائر العامة: وهي كل ما يكون عقيدة ومعتقداً أصولاً وفروعاً زماناً ومكاناً وذواتاً، التي تكون قدسيتها وتعظيمها عند جميع المسلمين سواء، كالقرآن والسُنَّة والدين والقبلة وغيرها، لكونها دالة عليه لقدسيتها وعظمتها عند الله تعالىٰ.

الشعائر الخاصة: التي تكون لطائفة أو لدين أو لمذهب أو لمدرسة معيَّنة محدودة، من قبيل الشعائر الحسينية التي تتعلَّق بالطائفة الشيعية الحقة، وقد سمِّيت بالحسينية لجهة التعظيم والتقديس لشخص الإمام الحسين (عليه السلام)، ومصاديقها كثيرة، وأبرزها المجالس الحسينية والمواكب والمسيرات الراجلة (البياده) واللطم وسرادق المعدة للأكل والشرب والسكن، وإلىٰ غير ذلك.

ومحل البحث هذه الشعائر التي تتعلَّق ببعض مصاديق الخدمة الحسينية، وما لحق بها من بعض الممارسات اللاأخلاقية من بعض المحسوبات علىٰ الدين الإسلامي، وهي ممارسات استعراضية لأجساد بعض النساء المبتذلات المتبرجات المستوشمات يتمايلن بأجسادهن ذات اليمين والشمال بحركات جسدية جنسية، تبعث ببريق أمل لاأخلاقي لكلّ من يشاهدها علىٰ منصات التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة خطيرة لابد من الوقوف عندها، المخالفة لقيم ومبادئ الخدمة الحسينية بهذه الأساليب المبتدعة، متَّخذات من الطبخ والتصوير والتوزيع منهجاً استعراضياً لمفاتن الجسم وإظهار الزينة والتبرُّج، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، قال: «يطاع فلا يعصىٰ ويذكر فلا ينسىٰ ويشكر فلا يكفر»(7).

والتي معناها لا ينال الإنسان رضا الله والتقرُّب إليه زلفة بارتكاب المحرمات والفعل الفاحش منها وأصبحن مصداقاً لقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

«يظهر في آخر الزمان واقتراب القيامة وهو شر الزمنة، نسوة متبرِّجات كاشفات عاريات من الدين داخلات في الفتن مائلات إلىٰ الشهوات مسرعات إلىٰ اللذات، مستحلات للمحرمات في جهنم خالدات»(8).

فتراها تهيل وتميل وتجعل القلب خاشعاً وذليل، فهن مائلات عن العفة والحياء والاستقامة، وفي معرض الرد علىٰ أسئلة واستفسارات المؤمنين أجاب مكتب المرجع الأعلىٰ السيد السيستاني بما حاصله:

(يجب ستر جميع جسمها ما عدا الوجه والكفين بشرط أن لا يكون اللباس زينة من حيث اللون والتفصيل وأن لا يكون ضيقاً يبرز مفاتن جسمها)(9).

وكلامنا في ستر البدن وعدم التبرُّج والتزين في هذه المناسبات لأنَّها مدعاة إلىٰ الفتنة والريبة والنظر إلىٰ ما حرَّم الله تعالىٰ.

معنىٰ الممارسات اللاأخلاقية:

الممارسات لغة: هي المداومة وكثرة الاشتغال بالشيء(10).

وفي الاصطلاح: الممارسات اللاأخلاقية كل ما يخالف القيم والمبادئ والعادات والتقاليد الراسخة في المجتمع الإسلامي، من سلوكيات أفعال أقوال أو تصرفات التي تضر بالفرد أو المجتمع ولا يقتصر علىٰ ما هو معروف بين المسلمين من الظلم والخيانة والكذب والنفاق والبهتان، وإنَّما كلّ ما من شأنه استغلال الآخرين بالتصرفات المتهورة والمنفلتة، أو بتوجيه الإساءة إلىٰ مجتمع أو طائفة أو جهة، مما يخدش حيائها ويشوه صورتها(11).

والممارسات اللاأخلاقية مصطلح مركَّب من كلمتين تطلق ويراد به ابتعاد الفرد عن بعض السلوكيات الإنسانية من القيم والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية، وخروجها عن ما هو مألوف ومعروف لدىٰ المجتمع، وبهذه التصرفات يكون المنحرف قد خرج عن مسار الاستواء والاستقامة بهذه التصرفات، فالتصرفات النسوية من هذا القبيل في الخدمة الحسينية من التبرُّج والتزين وإظهار مفاتن الجسد وترديد الأشعار والأهازيج الغنائية ذات الطابع العشقي مع أداء بعض الحركات التي تدلّل علىٰ ذلك الخروج عن الحد المألوف للحشمة والعفة والحياء والوقار، والأكثر من ذلك لبس الملابس الفاتنة الحاكية عما تحتها الضيقة الخليعة؟ ووسائل التواصل الاجتماعي بين يديك! فانظر وافهم!

فهذه حركات شيطانية مدروسة ومعدة مسبقاً، تقتضي جلب الأنظار والاهتمام، وأنَّها تعني الخروج عن لب القضية الحسينية وإفراغ لمحتواها الفكري والعقائدي، كما وأنَّها تعد ضرباً لمنهج خدمة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، التي يتشرَّف بها الداني والقاصي ومن جميع الأديان والطوائف والمذاهب.

وهذه التصرُّفات غير المحسوبة تلقي بضلالها علىٰ مظاهر الخدمة بكلِّ أنواعها، وما يقوم به المتصدون لهذه المناسبات التي أمرنا أن نلتفت لها والاعتناء بها لضرورة كونها شعائر إسلامية إيمانية، تعبر عن الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) والمحبة والمودة لهم في تجديد العهد والبراءة من أعدائهم.

وأمَّا مظاهر الخدمة الحسينية:

نقصد بها كل نشاط أو ممارسة أو عمل جماعي (غالباً) أو فردي من شأنه أن يحيي به ذكر واقعة الطف الأليمة(12) في شهري محرم الحرام وصفر الخير وفي المناسبات الأخرىٰ كالولادات والوفيات، لقد أضيف مصطلح الخدمة إلىٰ الحسين (عليه السلام) أو إلىٰ القضية الحسينية، فأصبحت تعرف بالخدمة الحسينية شرفاً وعزاً وتعظيماً وتقديساً للإمام الحسين (عليه السلام) والقائمين عليها بكلِّ أنواعهم وأصنافهم يعرفون بخدمة الحسين، ومصاديقها كثيرة وكبيرة نتبرَّك ببعضها، إقامة مجالس العزاء، المسيرات الراجلة (البياده) إقامة الولائم وغيرها.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ينادي مناد يوم القيامة: أين شيعة آل محمد؟ فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلَّا الله تعالىٰ فيقومون ناحية من الناس ثم ينادي مناد: أين زوار قبر الحسين؟ فيقوم أناس كثير فيقال لهم: خذوا بيد من أحببتم، انطلقوا بهم إلىٰ الجنة، فيأخذ الرجل من أحب…»(13).

وقال في مورد آخر: «إِنَّ مَنْ جَهَّزَ زَائِراً أَوْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِهِ أَعْطَاهُ اللهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ أَنْفَقَهُ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَيُخْلِفُ عَلَيْهِ أَضْعَافَهَا»(14).

أهمية البحث:

ويمكن إجمالها في عدَّة صور، من قبيل:

واحد: بيان الأحكام الشرعية لمظاهر الخدمة الحسينية اللاأخلاقية، وما يترتَّب عليها من الآثار الاجتماعية.

اثنان: إبراز مظاهر الخدمة الحسينية ذات الطابع الديني الاجتماعي العفوي، الذي يتَّخذ من الحياء والعفاف والحجاب أنموذجاً يقتدىٰ بها، حتَّىٰ يقال: هؤلاء الخادمات الزينبيات اللواتي يقتدن بها (عليها السلام).

ثلاثة: أهمية البحث من أهمية المبحوث عنه، وهو أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أُسوة وقدوة حسنة يقتدىٰ بها، سبط الرسول وابن البتول إمام الهدىٰ ونهج الحق.

أسباب كتابة البحث:

الأوَّل: الرد علىٰ كلِّ من كان مخالفاً للعادات والتقاليد والأعراف للشعائر الحسينية المقدسة، متَّخذاً من هذه الممارسات اللاأخلاقية مكسباً ومغنماً له بالحصول علىٰ المشاهدات والتعليقات التي تشوه وجه الشيعة الناصع في الرقص علىٰ جراحاتنا.

الثاني: محاربة هذه الأفكار الهدامة والأفعال والممارسات اللاأخلاقية التي تنشر الرذيلة وعدم الحشمة واللامبالاة في الخدمة الحسينية، عن طريق الوعظ والإرشاد والتوعية الدينية الحسينية.

الثالث: نشر الثقافة الحسينية في كلِّ أرجاء المعمورة، وإيضاح هذه الشعائر وشرحها للداني والقاصي، حتَّىٰ يتم معرفة من هو صاحب المصيبة ولماذا قتل وعن ماذا خرج؟

مشكلة البحث:

السؤال الرئيسي: ما مدىٰ شرعية الممارسات في ظاهرة الخدمة الحسينية شرعاً وعرفاً؟

الأسئلة الفرعية:

السؤال الأوَّل: كيف نعالج الظواهر المستحدثة، وما هي الضابطة الفقهية في ذلك؟

السؤال الثاني: كيف نميِّز الممارسات اللاأخلاقية في قضية الخدمة الحسينية عن غيرها؟ فلابدَّ من وجود ضابطة فقهية وأخلاقية لهذه الممارسات؟

الدراسات السابقة:

  • أضواء علىٰ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، السيد محمد محمدصادق الصدر.
  • ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
  • ثورة الحسين (عليه السلام) في الوجدان الشيعي، السيد هادي المدرسي.
  • حياة الإمام الحسين (عليه السلام)، الشيخ باقر شريف القرشي.
  • الملحمة الحسينية، الشيخ مرتضىٰ مطهري.

هيكلية البحث:

ينقسم البحث إلىٰ عدَّة فصول، وكما يلي:

الفصل الأوَّل: بيان الممارسات اللاأخلاقية.

الفصل الثاني: مظاهر الخدمة الحسينية.

الفصل الثالث: الحلول والمعالجات الجذرية.

الفصل الأوَّل: بيان الممارسات اللاأخلاقية.

ونقصد بهذا الممارسات الميل والخروج عن كل ما هو مألوف في المجتمع بغض النظر عن دينه وتديُّنه، عن كونها ظواهر وتصرُّفات تخالف السلوك الإنساني والفطرة التي فطرها الله سبحانه، من قبيل ما يتعارض مع مبادئ وقيم المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، أو ما يكون مخالفاً ومعارضاً للمعايير الإنسانية والاجتماعية، والأكثر من ذلك أن يكون سلوك هذا الانحراف من قبل الإنسان مخالفاً للدين والمذهب وللعقيدة والاعتقاد، وهذه السلوكيات الإنسانية المنحرفة تعني انتهاكات لحقوق المجتمع وللأسرة والأفراد، سواء كانت هذه الانحرافات دينية أو اجتماعية أو أخلاقية، والأهم فيها أن تكون هذه الانحرافات شخصية فردية تلقي بظلالها بالتأثير السيء علىٰ المجتمع الإسلامي.

ومورد بحثنا في هذه المسألة في الانحرافات الدينية الفردية – الشخصية، دون تعميمها علىٰ المجتمع، إلَّا أنَّها سريعة الانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي فمن هنا يكون تأثيرها فعال علىٰ فئة من المتأثرين بها، فتكون هذه السلوكيات سواء كانت أفعالاً أو أقوالاً منتهكة للقيم والمبادئ وللعادات والتقاليد التي تربَّىٰ عليها المجتمع الإسلامي، ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).

وهذه الآية تتضمَّن دستوراً أكيداً للأُمَّة الإسلامية بأن تقوم بهاتين الفريضتين دائماً وأن تكون أُمَّة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر أبداً لأن فلاحها رهن ذلك(15).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية للإمام الحسن والحسين (عليهما السلام): «اِرْكَبِ اَلْحَقَّ وَ إِنْ خَالَفَ هَوَاكَ وَلاَ تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ»(16).

ولا يوجد أدق من هذا الوصف لهذه الانحرافات السلوكية للنفس الأمَّارة بالسوء، التي يريد فاعلها الحصول علىٰ المغانم والمكاسب الدنيوية لا سيما للبنات المبتذلات المتبرجات اللواتي يتَّخذن من أعمال الخدمة الحسينية مغنماً ومكسباً والتي تعرف اليوم بـ(الطشة) علىٰ وسائل التواصل الاجتماعي، متَّخذات من عمليات الطبخ والأكل والشرب والتوزيع هدفاً لحصولهن علىٰ غايات منشودة ومعروفة، بوسائل تنتقص من الخدمة الحسينية بهكذا سلبيات، بل إنَّها ممارسات تنتقص من مبادئ الدين الحنيف والأكثر من ذلك فإنَّ هذه الممارسات تعد عرفاً وشرعاً تجاوزاً علىٰ الموروث الديني الحسيني، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَـرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف: 103-104).

وتفسِّرها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ اَلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً»(17).

فهن يعتقدنَّ بأفعالهنَّ وأقوالهنَّ وأعمالهنَّ الحسنىٰ علىٰ ما وصفتهن الآية المتقدمة، إلَّا أنَّهنَّ الخاسرات بمحق الدين بالدنيا بهذه التصرُّفات الغير لائقة التي تؤدِّي إلىٰ الغيبة والنميمة والنفاق والرياء بأعمالهنَّ.

والفصل منظم علىٰ مطلبين، وكما يلي:

المطلب الأوَّل: الممارسات وفيه نبحث عدَّة أمور، من قبيل:

الأمر الأوَّل: التأصيل العلمي:

الممارسات لغة: كيفية واقعية لامتهان عمل أو تعاطيه أو اتِّباع نهج حياتي معيَّن، مزاولة ومعاطاة، احتراف (ممارسة فن) (ممارسة مهنة) (ممارسة فصلية: شراء شيء بالمساومة لا بمناقصة ولا بمزايدة، عادات، أعراف، ممارسات الشعوب)(18).

قال الزبيدي: (الملاعبة، وهو مجاز ومنه حديث علي رضي الله عنه: زعم أنِّي كنت أعافس وأمارس أي ألاعب النساء)(19).

وقال في موضع آخر: تمارس الرجل بدينه، إذا لعب به وتعبَّث به، كما في الحديث، وهو مجاز وقيل: هو ممارسة الفتن ومناورتها والخروج علىٰ الإمام(20).

الممارسة اصطلاحاً: عادات وتقاليد الشعوب وقد يراد ببعضها شعائر دينية تمارس بها بعض الأعمال الروحية(21)، وقد يراد بها الممارسة المزاولة لأمر من الأمور بعد العمل بها بنحو الخبرة والكفاءة والاعتراف، بسبب الممارسة لمدة طويلة بها فكثر العمل بها والمداومة عليها يعد من الأنشطة العلمية الإنسانية، التي تكون نتائجه إيجابية في ابتكار النظريات والأفكار الكفيلة بالرقي والتقدم في المجتمع(22)، فعلىٰ ضوء ما تقدم يكون المراد من الممارسات كل ما يفعله الإنسان من تصرفات وأعمال تنعكس سلباً أو إيجاباً علىٰ سلوكياته الشخصية الفردية فإن كانت هذه الممارسات هادفة وبناءة، قبلها المجتمع ومدح فاعلها كما هو حال الممارسات والشعائر الدينية في أيام عاشوراء وصفر، وإن كانت هذه الممارسات غير هادفة وغير بناءة استهجنت ونبذ فاعلها.

الأمر الثاني: أسباب الممارسات:

وقد يعبّر عنه بالدوافع الحقيقية لهذه الممارسات اللاأخلاقية والعقائدية، ويرىٰ علماء الاجتماع هناك أسباب مشتركة تؤدِّي إلىٰ هذا الانحراف كالنفسية والاجتماعية وأخرىٰ اقتصادية(23)، لها الدخالة في حدوث هذا التغيير والتبديل في سلوكيات الإنسان، لذا حذَّر منها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الْأَخْلَاقِ وَتَصْرِيفَهَا»(24)، ومن بين هذه الأسباب ما يلي:

السبب الأوَّل: جهل الإنسان:

ومعنىٰ الجهل: عدم المعرفة، نقيض العلم، ويعرف بخلو النفس من المعرفة، وهو اعتقاد الشيء علىٰ خلاف حقيقته والجهالة هي نقيض العلم وتعني عدم المعرفة(25)، والذي يهمنا هنا من كان جاهلاً بشرع الله تعالىٰ وأمره ونهيه، ويدلنا علىٰ ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالماً وبرأيه مكتفياً، فما يزال للعلماء مباعداً وعليهم زارياً…»(26).

ولأهمية الجهل قسم إلىٰ:

الجهل البسيط: بأن يكون الإنسان جاهلاً بالشيء أو لم تكن لديه معرفة فيه بشكل كلي وهو ملتفت لذلك الجهل.

الجهل المركَّب: هو الجهل الذي يتكون من جهلين فيكون الإنسان معتقداً بالشيء إلَّا أنَّه علىٰ خلاف ذلك الاعتقاد فيكون جاهلاً به من هذه الجهة وأخرىٰ بأن يكون جاهلاً بجهل نفسه وهو غير ملتفت إلىٰ جهله.

ومورد بحث هذه الممارسات من هذا القبيل بأن يكون جهله مركَّب من جهة جهله بحقيقة القضية الحسينية والتي من مصاديقها هذه الممارسات وأخرىٰ بأن يكون جهله مركَّب من جهة جهله بحقيقة القضية الحسينية وأخرىٰ بأن يكون جهله من جهة بأنَّه علىٰ صحة وصواب في إقامة هذه الممارسات التي نهىٰ عنها الشرع الشريف.

السبب الثاني: ضعف الوازع الديني:

ويدلّنا علىٰ ذلك بعض النصوص الكريمة وكما يلي:

قال تعالىٰ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «وشَرُّ نِسائِكُم المُتَبَرِّجاتُ المُتخَيِّلاتُ، وهُنَّ المُنافِقاتُ لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مِنهُنَّ إلَّا مِثلُ الغُرابِ الأَعْصَمِ»(27).

وتبرُّج الجاهلية واضح شكلاً ومضموناً، والذي يعني عدم الستر والحشمة والعري الذي يذهب بحياء النساء وعفتهنَّ حتَّىٰ عدَّ هذا التبرُّج والتزيُّن نوعاً من أنواع النفاق، فمن هنا عدهنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بالمتخيلات والتي تعني المرأة المتكبرة التي تزهو بنفسها وتتعاظم في مشيتها أو تعاملها مع الآخرين الدال بطبيعته علىٰ سوء النية والسريرة المنافية للأخلاق وللعادات والتقاليد، فغياب الوازع الديني وعدم الاهتمام بالأحكام الشرعية ومتابعة آراء الفقهاء العدول في هذه المسائل الابتلائية، هو السبب الرئيسي لحصول هكذا ممارسات دون الرجوع إلىٰ أهل الذكر، في استقصاء حقيقة الممارسات التي تعد نوعاً من أنواع الخدمة الحسينية أو لا تعد مما يؤثِّر سلباً علىٰ إيمان المسلم وإضعاف عقيدته الإسلامية والتي بدورها تكون مسؤولة علىٰ ارتكاب الإثم والمعاصي والمفاسد، ومعناه فقدان الصلة بالله تعالىٰ والرسول (صلَّىٰ الله عليه وآله) وبالدين وبالعقيدة، فمن هنا ينعكس الأمر سلباً علىٰ سلوكيات الأفراد في المجتمعات.

فالتمسُّك بالدين الحنيف والرسالة المحمدية والسُنَّة النبوية يكون رادعاً لهكذا تصرفات وممارسات لا أخلاقية في أشرف المناسبات الإسلامية.

فالوازع الديني يعني الشيء الرادع والمانع والأمر الزاجر عن هذه الممارسات خشية من الله تعالىٰ، الذي يقوم السلوك النفسي بمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي أو التعدِّي علىٰ حقوق الله تعالىٰ أو حقوق الآخرين بالظلم والجور والتجاوز علىٰ الحدود الشرعية.

فمن هنا يكون الوازع الديني هو الضمان الحقيقي للالتزام بالأحكام الشرعية والتعاليم الإسلامية.

السبب الثالث: الحصول علىٰ الشهرة:

والشهرة لغة: ذيوع الشيء ووضوحه، وظهور الشيء في شنعة حتَّىٰ يشهره الناس والشهير والمشهور، المعروف المكان المذكور والنبيه(28).

والذي يهمّنا من نتائج الشهرة من هذه الممارسات المنحرفة في بعض مصاديق الخدمة الحسينية انتشار وذيوع وشيوع وظهور وبروز صاحب هذه الأفعال والأقوال علىٰ منصات التواصل الاجتماعي، التي تؤدِّي به حصول الطشة(29) في الأوساط الشعبية، حتَّىٰ يعرف ويكون من مشاهير المنصات (مشاهير التيك توك) والشهرة التي يسعىٰ لها أهل الطشة من أصحاب الممارسات المنبوذة هي التي عبرنا عنها في بعض الأبحاث مرض العصر وجريمة التطور التقني، التي تفسد الأخلاق وتنتهك حرمات الشرع الشريف، فتقصم الظهر وتمرض النفس من هكذا تصرفات والتي تكون نتائجها المفاسد وإحباط العمل.

وقد ذمَّت الروايات هكذا شهرةً التي يريد صاحبها المحامد والمدائح لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «مَن لَبِسَ ثوبَ شُهرةٍ في الدُّنيا، ألْبَسَهُ اللهُ ثوبَ مَذلَّةٍ يومَ القيامةِ»(30).

والصد عن سبيل الله تعالىٰ من الأخلاق السلبية تكون من الضد للعمل الصالح في طاعة الله.

فالشهرة مرض العصر وقاصمة الظهر يدَّعيها من ليس من أهلها، ويسابق إليها أصحاب النفوس الضعيفة، فلها بريق أخَّاذ، يلهث خلفه الكثير من الناس بحق وغير حق، وهي ما تحدثه في الجميع من مفاسد تحبط عمل صاحبها وتصده عن الله(31).

فمن هنا نحذِّر وننبِّه ونتصدَّىٰ بالطرق الأخلاقية والإسلامية علىٰ منع وإيقاف هذه الممارسات لضرورة كونها تؤدِّي بالضرر علىٰ الأفراد والمجتمعات، فلا يجوز طلبها والسعي من أجلها، لما لها من آثار سلبية شرعية وعقلية من حيث إحباط العمل والابتعاد عن طاعة الله تعالىٰ وقد وعدت الآيات البينات والروايات بالوعد والوعيد علىٰ هذه الممارسات التي يلبس الله بها صاحبها ثوب الذل والمذمة والمهانة لقوله تعالىٰ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

وقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَعْرَضَ الله عَنْهُ حتَّىٰ يَضَعَهُ مَتَىٰ وَضَعَهُ»(32).

وقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ ثُمَّ تَلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ»(33).

فقد بين سبحانه الذين لا يريدون الشهرة والتكبر والتعالي ولا يسعون لارتكاب المعاصي فقد خصَّص لهم الله تعالىٰ الجنة في الدار الآخرة، فالذي يمكن أن يفهم من ذلك من سعىٰ للشهرة والتكبُّر والتعالي فلا يشمل بما تمَّ ذكره في هذه الآية من نعيم الجنة في الآخرة.

المطلب الثاني: الأخلاق:

عرَّفها عدد من الباحثين في علم الأخلاق علىٰ أنَّها مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، التي يحدّدها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته تغيّره علىٰ نحو تحقيق الغاية من وجوده في هذا العالم علىٰ أكمل وجه(34).

فمن هنا تكون أهمية هذه الأبحاث الأخلاقية ذو فائدة عظيمة في المجتمع الإسلامي لضرورة كونها مجموعة كمالات نفسية لها تأثير علىٰ سير وسلوك الفرد في المجتمع وسيرة الرسول الأعظم وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد ألّفت في حقِّهم المصادر والمراجع في السير والسلوك والأخلاق، والخلقُ ملكة نفسانية مزروعة في نفس الإنسان، فلا يمكن انفكاكها عنه إلَّا بالموت.

قال السيد السيستاني: (أمَّا بعد، فإنِّي أوصي الشباب الأعزاء الذين يعنيني من أمرهم ما يعنيني من أمر نفسي وأهلي بثمان وصايا… الثانية: الاتِّصاف بحسن الخلق فإنَّه جامع الفضائل الكثيرة من الحكمة والتروي والرفق والتواضع والتدبُّر والحلم والصبر وغيرها)(35).

والمطلب مرتَّب علىٰ عدَّة أمور، وكما يلي:

الأمر الأوَّل: الأخلاق الإسلامية علىٰ ما هو معروف ومعهود أنَّ التعريف للأخلاق الإسلامية يكون محفوف بأفعال وأقوال المسلمين النابعة من أصول الدين الإسلامي الحنيف ومصادر تشريعه كتاب الله (عزَّ وجلَّ) الذي لا يأتيه الباطل، وسُنَّة نبيِّه (صلَّىٰ الله عليه وآله) الأمين والذي بعثه الله رحمة للعالمين فهما قواعد وقوانين لتأسيس الأخلاق الإسلامية لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّما بُعِثْتُ لأُتُمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ»(36).

فيمكن أن نقول: إنَّ المنظومة الأخلاقية الإسلامية جزء لا يتجزَّأ من الدين الحنيف، بل جوهر الإسلام وروحه لضرورة ارتباطها بالعقيدة والإيمان والدين.

ويدلّنا علىٰ ذلك قول الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ أَكْمَلَ المُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقاً»(37).

فعلىٰ هذا تكون الأخلاق جوهر الإنسان المسلم، بل جوهر إيمانه وهي صورته الداخلية الحاكية عن سلوكه وميوله نحو الصفات الحسنة والفضائل الممدوحة المحمودة من الورع والتقوىٰ والعفة والحلم والصبر والصدق وحفظ الأمانة وغيرها، فعلىٰ هذا تكون الأخلاق هيئة أو ملكة نفسية راسخة في جسد الإنسان المسلم، والتي تصدر عنها الأقوال والأفعال والتصرفات الحسنة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «التقَىٰ رَئيسُ الأَخلاقِ»(38).

الأمر الثاني: أقسام الأخلاق:

قال الفيض الكاشاني: (اعلم أنَّ الخلق هو عبارة عن هيئة قائمة في النفس تصدر منها الأفعال بسهولة من دون حاجة إلىٰ تدبُّر وتفكُّر(39)، لذا يمكن أن نقول: إنَّ من بين هذه الأفعال التي تصدر من الإنسان إمَّا أن تكون ذات طابع جيد مألوف حسن يحبه البشر، فيعبر عنها علماء الأخلاق والاجتماع بالفضائل وآخر أفعال تكون وحشية منبوذة خارجة عن المألوف والأُطر الإسلامية قبيحة في نظر عامة الناس، يعبر عنها بالرذائل، فمن هنا كان رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يدعوا ويقول: «اللَّهمَّ اهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يَهدني لأحسنِها إلَّا أنتَ، وقني سيِّئَ الأعمال والأخلاق لا يقي سيئَها إلَّا أنتَ»(40).

قد تكون هذه الملكات والصفات مكتسبة بالعلم والمعرفة والتأثُّر بالمجالس والمدارس والمجتمع ونحوه، وأخرىٰ قد تكون فطرية ناشئة فيه علىٰ نحو انتقال الصفات الوراثية من الآباء والأجداد ونحوه.

فمن خلال ما تقدَّم لابدَّ من بيان أقسام الأخلاق، وكما يلي:

القسم الأوَّل: الفضائل:

جمع فضيلة، الدرجة الرفيعة، الصفة والميزة العالية(41)، وهي كل أمر حسن استحسنه العقل السليم علىٰ نظر الشارع المقدَّس من الدين والخلق وفضله الشيء مزيته، أو وظيفته التي فقدت منه(42)، وأظهر مصاديقها محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) وآل محمد (عليهم السلام) لكونهم أصحاب الدرجة الرفيعة وأصحاب الوسيلة فهي درجة ومقام ومنزلة بين الناس، ومثاله علي ابن أبي طالب لقول إمامنا الصادق (عليه السلام).

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إِنَّ اللهَ تَعَالَىٰ جَعَلَ لِأَخِي عَلِيٍّ فَضَائِلَ لَا تُحْصَىٰ كَثْرَةً، فَمَنْ ذَكَرَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ مُقِرًّا بِهَا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ كَتَبَ فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِهِ لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ لِتِلْكَ الْكِتَابَةِ رَسْمٌ، وَمَنْ اسْتَمَعَ إلىٰ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِالِاسْتِمَاعِ، وَمَنْ نَظَرَ إلىٰ كِتَابٍ مِنْ فَضَائِلِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِالنَّظَرِ»(43).

وقد عرفت الفضائل عند العرب والمسلمين أربعة تقوم عليها الأخلاق الإسلامية: إعمال العقل وهي الحكمة في إدراك الحقائق وتميّزها، والعدل في استقامة الإنسان، والشجاعة وهي الثبات في الشدائد وعدم الخوف، والسيطرة علىٰ الشهوات والغرائز بمعنىٰ عفة الإنسان.

القسم الثاني: الرذائل:

مشتقة من الرذل الذي هو الرديء من كلِّ شيء، والرذل والرذالة: ما انتقىٰ جيده وبقىٰ رئيسه والرذيلة ضد الفضيلة، وقيل الدون الخسيس أو الرديء من كلِّ شيء.

قال النراقي: (بإزاء كل فضيلة رذائل غير متناهية من طرفي الإفراط والتفريط… ولما كانت أجناس الفضائل أربعة فتكون أجناس الرذائل ثمانية)(44).

الأمر الثالث: اللاأخلاق (الرذائل):

الذي تقدَّم هو مقدمة لهذا الأمر الثالث، وهو أحد أعمدة البحث والذي يقع قبال كلّ ما تقدَّم عن الأخلاق الإسلامية وكمالها والتي تعني بالسلب ضرورةً، لأنهما متقابلان تقابل الملكة وعدمها.

ومعنىٰ اللاأخلاق في الرذائل التي تقع قبال الفضائل، التي أشار لها المحقِّق النراقي في جامع السعادات بأنَّ بعض أجناس الرذائل الثمانية تكون ناشئة من الجهل الذي يكون قبال الحكمة والتي تعني العلم والمعرفة والإدراك بحقائق الأشياء، فيجهله يخرج عن حدِّ الاعتدال فتصدر من هؤلاء القوم هذه التصرفات الغير لائقة والغير مسؤولة كما هو الحال في بعض ممارسات الخدمة الحسينية لذا قال (رحمهُ الله):

(فإذا حصلت له حدة خارجة عن الاعتدال يخرج عن الحد اللائق ويستخرج أمور دقيقة غير مطابقة للواقع)(45).

ويمكن أن نحدِّد هذه الرذائل والتي تغيِّر صفات وأفعال وأقوال مذمومة في عرف العقل والشرع، لذا قال عنها العقلاء بأنَّها مذمومة، وفاعلها مذموم، وغالباً ما يكون مصدرها الأساسي، شيئان وكما يلي:

الشيء الأوَّل: الغضب:

أي القوة الغضبية والتي أساسها التصرفات اللامسؤولة المتهورة، الناشئة من النقص والحقد والحسد والتي يعبر عنها علماء الأخلاق طرف الإفراط والتفريط، والذي يقع غالباً مثال الشجاعة(46).

قال ابن سينا: (هي قوة تبعث علىٰ تحريك تدفع به الشيء المتخيّل ضاراً أو مفسداً طلباً للغلبة)(47).

وقد يعبَّر عنها بالقوة الحيوانية وذلك لكونها من مختصاته، فمن هنا يكون الغضب خارجاً عن حدِّ الاعتدال ومجاوزة العادات والتقاليد في اتِّباع الهوىٰ ومخالفة العقل والشرع وهو مفسدة للدين لقول الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ»(48).

الشيء الثاني: الشهوة:

المعبّر عنها بالقوة الشهوية وهي إحدىٰ القوىٰ الأربعة النفسية والتي تخص الفم من المأكل والمشرب، والفرج والمعبّر عنها بعبودية البطن والفرج، وهي قوة بهيمية الجماع والرغبة العارمة لها، والحال نفسه في رغبة المأكل والمشرب(49)، فيطلب الإنسان فيها المنفعة لنفسه، بغض النظر عن حرام الله أو كونها طاهرة أو نجسة فلا يلتفت لهذه الأمور لكون القوة والشهوة قد غلبت علىٰ عقله فلا يتورَّع الإنسان عن محارم الله بهذه القوة البهيمية: قال الإمام علي (عليه السلام): «مَنْ تَسَرَّعَ إلىٰ الشَّهَوَاتِ، تسرع إِلَيْهِ الْآفَاتُ»(50).

والذي نريد الوصول إليه من خلال الأمر الثالث اللاأخلاقية في الممارسات للخدمة الحسينية هي كل فعل أو قول أو تصرف أو ممارسة غير منضبطة سواء كان فاعلها بشكل مباشر أو عن طريق النشر بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي وتسمَّىٰ في العرف العام بالعبث، والتي تعني اللعب أو التصرُّف بلا جدية يستخدم في سياقات متعدِّدة منها العبث بالأشياء واللعب بدون هدف(51)، أو باللامبالاة والتي يراد منها عدم التأثُّر بالمواقف التي تثير الاهتمام أو فقدان الشعور والانفعال بأمر ما، وعدم أخذه أو النظر في عواقبه بعين الاعتبار(52)، أو بالتصرفات غير المسؤولة والتي تعني بالطيش والتهوُّر من دون تفكير سابق بالنتائج، وهي حركة النفس طلباً للملائم(53).

فهذه المصطلحات تمثِّل الوجه السلبي للأخلاق والتي يمكن حصرها تحت عنوان كلِّي يسمَّىٰ بالرذائل التي تقع قبال الأخلاق الحميدة والتي تعرف بالصفات الإيجابية، فرذائل الأفعال والأقوال والتصرفات صفات سلبية مذمومة تؤدِّي إلىٰ فساد الفرد فضلاً عن المجتمع، حتَّىٰ تلحق الضرر الشرعي والعقلي في نفسه وأخرىٰ في الآخرين، لذا يمكننا أن نصطلح علىٰ هذه التصرفات التي تقوم بها بعض المحسوبات علىٰ الخدمة حال تلبُّسهنَّ بهذه الأفعال بهوىٰ النفس الأمَّارة بالسوء والتي تفسد العقل باتِّباع الشهوات والملذات، فيكون مانعاً وحاجزاً للتمييز بين الخير والشر والحق والباطل، والذي يفهم من الانحرافات اللاأخلاقية في موردنا هو جميع الممارسات من أقوال وأفعال أو سلوكيات غير مسؤولة وغير منضبطة تنتهك بها الأعراف والعادات والتقاليد والقيم والمبادئ التي جرت سيرة العرف المجتمعية عليها، فهي تحقِّق مآرب شخصية ومكاسب مادية من دون الالتفات إلىٰ نتائجها وأضرارها المجتمعية، فهي ضرب لهذه المجموعة القيمية الأخلاقية، التي من شأنها تغيير المعايير والقواعد والمبادئ الذي سار عليها المجتمع وانتهج في ذلك نهج القرآن الكريم وسُنَّة نبيِّه الأمين (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فالأخلاق القرآنية عند المسلمين هي دستورنا ونهج عملنا وأسوتنا وقدوتنا التي نعمل بها ونرجع اليها فالسلوك الإنساني يكون غالباً مرتبط ارتباط وثيق بينه وبين العقيدة الإسلامية، فمن خلال ما يفهم من عقائد المسلمين بأنَّهم يأتمرون بأمر الله وينتهون عن نواهيه، وكذلك فإنَّهم ينتهون ويأتمرون لأمر رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) فالتبرُّج وإظهار الزينة وبيان مفاتن الجسم أمام شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي من ضمن النواهي التي جاءت بها الشريعة الغراء، لقوله تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب: 59).

وتفسيرها: يا أيُّها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يرخين علىٰ رؤوسهن ووجوههن من أرديتهن وملاحفهنَّ لستر وجوههن وصدورهن ورؤوسهن، ذلك أقرب أن يميزن بالستر والصيانة…(54).

وتفسير قوله تعالىٰ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولىٰ…﴾ (الأحزاب: 33).

نصاً فيما نحن فيه من التصرُّفات اللامحسوبة لبعض مصاديق الخدمة من قبل النساء المتبرجات المتزينات الفاتنات وهو المراد من تبرُّج الجاهلية بإكثارهن الخروج متزينات متطيبات خارجات بين يدي الرجال بهذه الكيفية(55).

والحال نفسه في موردنا أيام الخدمة الحسينية عن بعض النساء في هذه التصرفات من المسير والسير علىٰ الأقدام وتوزيع المأكل والمشرب والخدمة ومجالس لعزاء واللطم، فمن هنا كان النصح والإرشاد والتوجيه والتبليغ الديني علىٰ ذلك، من قبل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، قال السيد السيستاني (دام ظله): (… ولا سيما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم والتحجُّب عن أيِّ شيء يخدش ذلك من قبيل الألبسة الضيقة والاختلاطات المذمومة والزينة المنهي عنها، بل ينبغي مراعاة أقصىٰ المراتب الميسورة في كل ذلك تنزيهها بهذه الشعيرة المقدسة عن الشوائب غير اللائقة)(56).

الفصل الثاني: مظاهر الخدمة الحسينية:

يطلق هذا المصطلح المركَّب من هذه الكلمات، علىٰ جلّ الأعمال والأقوال والأفعال والأنشطة والممارسات التطوعية، من الأفراد والجماعات والهيئات والمؤسسات ذات الشأن والعلاقة بالشعائر الحسينية، وإحيائها علىٰ مدار السَنة الهجرية المباركة في الوفيات والولادات الميمونة، إلَّا أنَّ أوضح مصاديقها أيام عشرة محرم الحرام وزيارة الأربعين قال الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ سَقَىٰ زَائِراً لِلْحُسَيْنِ (عليه السلام) شَرْبَةَ مَاءٍ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، فَكَأَنَّمَا سَقَاهُ شَرْبَةً مِنَ الْجَنَّةِ»(57).

والفصل مرتب علىٰ عدَّة نقاط، كما يلي:

النقطة الأوَّل: أبعاد مظاهر الخدمة:

البُعد الأوَّل: الثقافي الفكري:

ويكون المقصود منها الفكر المستفاد من البعد الحقيقي للقضية الحسينية وآثارها علىٰ المجتمع المسلم، عن طريق نشر هذا الفكر الإسلامي وإيضاح مبادئه السامية في إبراز الجوانب الشرعية التي قامت من أجلها هذه الثورة علىٰ الظالمين المغتصبين للخلافة الإلهية الحقة، والفكر الثقافي الحسيني يكون بإحياء المنابر وزيادة وعيها والتعريف بها وهو خير وسيلة عن طريق المحاضرات والتوجيه والإرشاد من خلال الوعي والبصيرة، يكون هناك سعي جلي لتطبيق المنهج الحسيني المحمدي الأصيل.

البُعد الثاني: الاجتماعي:

ونقصد بها عملية التكافل والتكامل الاجتماعي وهذا واضح المعالم في الأحكام، إلىٰ جميع الزائرين والوافدين إلىٰ العتبات المقدسة التي ترافقها خدمة الاستضافة والمبيت، وكذلك توفير بعض مستلزمات الخدمة الطبية من خلال العمل التطوعي للأجهزة الطبية ومفارزها المنتشرة علىٰ طول تواجد أماكن الزائرين، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ خِدْمَةَ زُوَّارِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) هِيَ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إلىٰ اللهِ»(58).

البُعد الثالث: العاطفي (المعنوي):

وخير مصاديقه الدموع التي تنهمر من العيون علىٰ الخدود، والجزع المرافق إلىٰ الضجر والحزن والكآبة، وضرب الصدور، وشق الثياب وتمزيقها لهول المصيبة، قال الإمام الرضا (عليه السلام): «إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إلىٰ يَوْمِ الِانْقِضَاءِ»(59)، هذا هو الارتباط العاطفي الذي يهيج المشاعر والأحاسيس تجاه آل البيت (عليهم السلام) وهو ارتباط عقائدي روحي ذات أبعاد عاطفية.

البُعد الرابع: المادي:

وله مصاديق كثيرة من قبيل نصب سرادق العزاء ورفع الرايات وتهيئة كل ما يتعلَّق بالجانب الغذائي من الأكل والشرب بكل أنواعه، وتنظيم عمليات السير راجلاً وآلياً من مواكب الزنجيل واللطم والمشق وغيرها، فجميع ما تمَّ ذكره هي مصاديق مادية علىٰ أرض الواقع يكون دعمها من قبل الأفراد أو بدعم جماعي أو مؤسسي، من دون تدخل الحكومات أو الجهات المتنفذة سواء كانت تشريعية أو تنفيذية، قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف علىٰ من بها من إخوانه وأهل دينه حتَّىٰ يرحل عنهم»(60).

النقطة الثاني: الخدمة الحسينية أسمىٰ مظاهر الولاء:

في هذا العنوان المبارك لابدَّ فيه من الإجابة عن مسألتين لهما الدخالة في مظاهر الخدمة الحسينية من الناحية العقائدية، وكما يلي:

المسألة الأولىٰ: لماذا تخدم الإمام الحسين (عليه السلام):

والإجابة عن هذا السؤال من عدَّة نواحي، وهي ما يلي:

الناحية الأولىٰ: العقائدية:

ويدلّنا علىٰ ذلك قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الْأَسْبَاطِ»(61)، «مَن أحبَّ الحسنَ والحُسَيْنَ فقَد أحبَّني، ومَن أبغضَهُما فقد أبغضَني»(62).

وهنا نودّ أن نشير إلىٰ أنَّ محبة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) متوقِّفة علىٰ محبة السبطين، وكذلك بغض رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) متوقِّفة علىٰ بغضهم (عليهم السلام)، لضرورة كونهما النسل الحقيقي لرسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وقد جاء في الأثر المبارك أنَّ حبّهم ومودَّتهم تكون دليلاً علىٰ إيمان المؤمنين لقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّ حُبَّ عَلِيٍّ قُذِفَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، فَلَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَإِنَّ حُبَّ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ قُذِفَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وَالمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَلَا تَرَىٰ لَهُمْ ذَامّاً»(63).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ كَانَ عَلَىٰ فِطْرَةِ اللهِ، فَأَحَبَّ آلَ مُحَمَّدٍ وَتَبَرَّأَ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَكَانَ يَتَوَلاهُمْ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»(64).

وقد أغمضنا البصر عن كونه إماماً مفترض الطاعة عند المسلمين جميعاً، لضرورة كونه أمراً مفروغ عنه، علىٰ ما جاء في عددٍ من مصادرهم ومراجعهم الحديثية والرجالية من قبيل: قول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا»(65).

الناحية الثانية: الفقهية:

من أهم المصطلحات الفقهية والتي لها أبعاد سياسية تطبيقية علىٰ أرض الواقع هو مصطلح (النبوة والإمامة والخلافة) وقد عرَّفوا الإمامة بأنَّها رئاسة في شؤون الدين والدنيا وهي نيابة عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) المشروطة بكون الإمام (عليه السلام) منصوصاً عليه وله عصمة مطلقة، وهذا هو مبنىٰ الإمامية الاثنا عشرية(66)، وبها يتولَّىٰ الإمام زعامة المسلمين وقيادتهم وإدارة شؤونهم وحفظ مصالحهم، فتكون من أولىٰ مهامه إقامة العدل وتنفيذ وتطبيق الأحكام، فالإمام الحسين (عليه السلام) بالنص الذي أوصىٰ به الإمام الحسين (عليه السلام) من بعده فدفع إليه الكتاب والسلاح كما أمره أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم أرسل إلىٰ أخيه محمد بن الحنفية، وقال له: يا محمد بن علي أما وعند الله (جلَّ اسمه) في الكتاب وراثة من النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) أضافها الله (عزَّ وجلَّ) إليه(67)، وقد سلب حقّه حتَّىٰ نازعه يزيد وآل أمية منصبه الذي نصبه الله فيه، حتَّىٰ خرج ثائراً مجاهداً طالباً الإصلاح في أُمَّة جده رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بقوله (عليه السلام): «إنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (صلّىٰ الله عليه وآله)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَىٰ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي‏ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)»(68).

فما كان من خروجه إلَّا لتصليح شؤون الأُمَّة وإقامة العدل ضد سلطان جائر، اغتصب الخلافة ومزق الأُمَّة الإسلامية.

قال البغدادي: (وخدمتنا له ولأهل بيته (عليهم السلام)، بل وإلىٰ أتباعه ومحبيه واجبة وشرف عظيم، لكونه إماماً وأُسوة وقدوة، إنَّ التعامل مع الإمام الحسين (عليه السلام) علىٰ أنَّه الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المسدّد من المولىٰ سبحانه والأعرف بمواقع الصلاح والنجاة)(69).

وبحسب الأدلة الشرعية من الأحاديث المباركة في مصادر الرجال والحديث، فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) في زمن آل أمية (لعنهم الله)، هو خليفة المسلمين وإمامهم بنص حديث الثقلين والكساء والطاعة وغيرهما، ويدلنا علىٰ ذلك ما يلي:

الأوَّل: حديث الإمامان:

قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا»(70).

الثاني: وصية الإمام الحسن (عليه السلام) لمَّا احتضر (عليه السلام) أرسل في طلب أخيه:

قال محمد بن الحنفية فقال له: (يا محمد بن علي، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك (عليه السلام) فيك؟… أما علمت أنَّ الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله في الكتاب وراثة أبيه وأُمِّه…)(71).

المسألة الثانية: معنىٰ مظاهر الولاء:

وهي مظاهر عقائدية بحتة من قبيل زيارة المراقد المقدسة وعلىٰ طول أشهر السَنة، وفي مختلف أماكن وجودهم، لقول الإمام أبي جعفر (عليه السلام): «مُرُوا شِيعَتَنَا بِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَإِنَّ إِتْيَانَهُ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ، وَيَمُدُّ فِي الْعُمُرِ، وَيَدْفَعُ مَدَافِعَ السُّوءِ، وَإِتْيَانَهُ مُفْتَرَضٌ عَلَىٰ كُلِّ مُؤْمِنٍ يُقِرُّ لِلْحُسَيْنِ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اللهِ»(72).

وإحياء الذكر لقوله (عليه السلام): «رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا»(73) والتمسُّك بنهجهم السوي وصراط المستقيم، فاتِّباعهم واجب والدفاع عنهم والأخذ منهم طريق الحق وسبيل النجاة.

فمن هنا يرىٰ بعض الباحثين الإسلاميين أنَّ مظاهر الولاء من قبل أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لأئمتهم تتمثَّل بمظهرين أساسيين هما:

1- تأخذ الشيعة معالم الدين أصولاً وفروعاً عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وتجمع علىٰ لزوم العمل بأقوالهم وأفعالهم.

2- ومن مظاهر الولاء الذي تكنّه الشيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، أنَّهم يقومون بإحياء ذكرهم في عاشوراء أو غير أيام محرَّم فتشيد بفضائلهم ومآثرهم وتنشر مكارم أخلاقهم(74).

وأمَّا مفهوم الولاء: هو أن يلتزم الإنسان المسلم بما اعتقد به من الناحية الدينية العقائدية علىٰ وجه الخصوص، فالشيعة الإمامية تعتقد بالولاء المطلق لآل البيت (عليهم السلام)، وهم الأربعة عشر معصوماً، فنلتزم بهذا الولاء روحياً وفكرياً مادياً ومعنوياً، حتَّىٰ تجسد الشعور بهذا الولاء الحقيقي في الحب والإخلاص والنصرة لهم والسير علىٰ نهجهم واتِّباع ملَّتهم، فتكون مظاهر الولاء الفوز العظيم في الدنيا والآخرة، فنحظىٰ بحبِّ الدين والإسلام والرسالة السمحاء، والذي يمكن القول: إنَّ مظاهر الولاء حقّ من حقوق الأئمة علىٰ أتباعهم ومحبِّيهم، لفضلهم ومعروفهم علىٰ اتِّباعهم في الدنيا والآخرة، ويدلّنا علىٰ ذلك قول الإمام الكاظم (عليه السلام): «إذا كَانَ يوْمُ الْقِيَامَةِ كَان عَلَىٰ عَرْشِ اَلرَّحْمَنِ أَرْبَعَةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ، فَأَمَّا اَلْأَرْبَعَةُ اَلَذِينَ هُمْ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ فَنُوحٌ وَإبْرَاهِيمُ وَموسىٰ وَعِيسَىٰ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، وَأَمَّا اَلْأَرْبَعَةُ مِنْ اَلْآخِرِينَ فمحمد وَعلي وَالحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ) ثُمَّ يُمَدُّ اَلمِضمَارُ فَيَقْعُدُ مَعَنَا مَنْ زَارَ قُبُورَ الْأَئِمةِ (عَليُهِمُ السّلَام) ألا إِنَّ أَعْلاَهُمْ دَرَجَةً وَأَقْرَبَهُمْ حَبْوَةً زُوَّارُ قَبْرِ وَلَدِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ)»(75).

فيكون المراد من الولاء: القرب والمحبَّة والنصرة والإخلاص علىٰ ما هو مقرَّر في اللغة(76)، وأمَّا في العقيدة: محبة أهل الإسلام المؤمنين والنصرة لهم والتقرُّب منهم(77).

وفي عقيدتنا: الولاية أصل من أصول الدين(78) وعليها قام الدليل الشرعي لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (المائدة: 55).

والإيمان المحبة والنصرة لأهل البيت (عليهم السلام) والاعتقاد بإمامتهم وفرض طاعتهم(79).

ويدلّنا علىٰ ذلك قول إمامنا أبي جعفر (عليه السلام): «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَىٰ خَمْسٍ: عَلَىٰ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالْوِلَايَةِ، وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوِلَايَةِ»(80).

لكن الذي لابدَّ من ذكره أنَّ القول بالولاية يلازمه البراءة، وإلَّا لا يكن تحقيق مبدأ الولاية إلَّا بعد البراءة منهم، أي من أعدائهم الذين نصبوا العداوة والبغضاء، بل نصبوا لأتباعهم كذلك.

كذلك ما صرَّحت به الأخبار عن الإمام الصادق (عليه السلام) حب أولياء الله والولاية لهم واجبة والبراءة من أعدائهم واجبة(81).

ونقلاً عن الكافي الشريف قول الصادق (عليه السلام): «دِينِي وَدِينُ آبَائِي: الوَلَايَةُ لَدَيْنَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْ أَعْدَائِنَا»(82).

النقطة الثالثة: أوضح مصاديق الخدمة:

كثيرة قد تصل إلىٰ أكثر مما هو متعارف في الأوساط العامة، وذلك لوقعها تحت ضابط وعنوان عام كلِّي يصح انطباقه علىٰ مصاديق كثيرة، كالشعائر وإحياء الذكر وحب آل البيت حسنة قال تعالىٰ: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَىٰ الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).

ونقصد بها الشعائر الإسلامية ذات القدسية عند المسلمين كافة.

قال الطبرسي: (أي معالم دين الله والأعلام التي نصبها لطاعته…)(83) ومن معالم الدين وأعلامها محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) وآله الطيبين (عليهم السلام).

وكل ما اتَّخذه المذهب أو الطائفة وتحقَّقت به الشعيرة ينطبق عليه عنوان شعائر الله(84).

إذن هذه عناوين عامة تدخل تحتها مصاديق كثيرة، لكن الذي نريد بحثه في هذا الموضوع هو كل ما يتعلَّق بجانب الحياء والعفاف والستر والالتزام بالحجاب الشرعي وعدم الاختلاط والتمسُّك بتوصيات المرجعية الرشيدة العليا في النجف الأشرف لأداء مراسيم تقديم الخدمة للزائرين من المأكل والمشرب والسكن، أو من خلال السير راجلاً علىٰ الأقدام للذهاب إلىٰ العتبات أو من خلال حضور المجالس الحسينية، وهذا الأمر في طبيعة الحال يتعلَّق بالأخوات الزينبيات الفاطميات، اللاتي يرغبن بأداء الشعائر علىٰ أكمل وجه، متمسِّكات بقول الإمام الحسين (عليه السلام) في وصيته لعقيلة الطالبيين بقوله: «وَلاَ تُشْمِتْي بِنَا الأَعْدَاءَ»(85).

ونكتفي بذكر بعض هذه المصاديق وكما يلي:

المصداق الأوَّل: السير راجلاً:

أو ما يعرف بـ(البياده) كلمة فارسية وقيل إنها تركية؟ تعني الماشي راجلاً سيراً علىٰ الأقدام، وكذلك تطلق علىٰ مقدمة الجيوش من المشات في المعسكر(86).

فالزائرات الحسينيات الراغبات في نيل ثواب المسير إلىٰ العتبات المقدسة واللاتي يرغبن بمواساة محمد وآل محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله) بهذا الفعل فهن مصداق لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) إِنْ كَانَ مَاشِيًا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَةً»(87).

إلَّا أنَّه لابدَّ من الالتزام ببعض الملاحظات الشرعية والتي تم أخذها من خلال توصيات المرجعية الدينية العليا في خطب الجمعة(88) وغيرها، وهي من قبيل ما يلي:

الملاحظة الأولىٰ: غض البصر:

من قبل الزائرات ذوات العفاف والشرف لقوله تعالىٰ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها…﴾ (النور: 31). والآية مطلقة في غض البصر إلَّا ما أخرجه الدليل عن ذلك، وفي المسير أو الجلوس أو التجمُّع وغيرها، لقول فاطمة الزهراء (عليها السلام) في حديث لها مع رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قالت: «خَيْرٌ لِلنِّسَاءِ أَنْ لَا يَرَيْنَ الرِّجَالَ وَلَا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ»، قال (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي»(89).

وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «واشتدَّ غضب الله علىٰ امرأة ذات بعل ملئت عينها من غير زوجها، أو ذي محرم منها، فإن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته…»(90).

فالآية والروايات تؤكِّد علىٰ أحكام العفة والحياء والحشمة والوقار، وبها تغلق أبواب الفتنة لكون النظر إلىٰ ما حرَّم الله سهم من سهام الشيطان إلىٰ الإنسان لقوله (عليه السلام): «النظر سهم من سهام إبليس مسموم وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة»(91).

والذي يمكن أن نعرفه أنَّ غض البصر من قبل الخادم أو من كان محسوباً علىٰ الخدمة هو منع وكف إرسال النظر المريب التي فيها نفحة تأمُّل الذي يرافقه الإشارات والهمزات والحركات التي يفهم منها ما هو خارج عن الحياء والعفاف والذي يترتَّب علىٰ حرمة النظر إلىٰ ما حرَّم الله عواقب مادية ومعنوية في الدنيا والآخرة من الغضب الإلهي والحسرة والغضب وسوء العاقبة والغفلة والخسران المبين.

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وأمَّا حق بصرك فغضّه عمَّا لا يحل لك وترك استذلاله إلَّا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً أو تستفيد بها علماً»(92).

الملاحظة الثانية: منع الاختلاط:

بين الزائرين الكرام وبالخصوص عند المسير راجلاً وعند أماكن المأكل والمشرب وكذلك عند التجمُّعات الأخرىٰ وهو خلاف ما جرت عليه العادات والتقاليد الإسلامية، فضلاً عن العرفية، وهذا الاختلاط ممنوع في الشريعة الغراء، لكونه خادش بحياء النساء… لعفتهنَّ، وقد دلَّت بعض الروايات علىٰ ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أما تستحون ولا تغارون نساؤكم يخرجن إلىٰ الأسواق ويزاحمهن العلوج»(93).

وقال (عليه السلام): «لا يخلو بامرأة رجل»(94).

والاختلاط معناه: خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطاً وخلطه فاختلط مزجه فاختلطا(95)، ويراد به اجتماع الرجال مع النساء في مكان واحد من دون مراعاة الضوابط والقواعد والأعراف الشرعية، مما يؤدِّي إلىٰ حصول كوارث أخلاقية(96)، لضرورة كون الاختلاط به تنتهك الحرمات وتنتهك به الأعراف الأخلاقية، فتكون محلاًّ لانطلاق الفاحشة وتحقُّق الفتنة، لوجود المقدمات لها من قبيل التزيُّن والتبرُّج المثير للريبة، بل للشهوة من خلال تبادل الإشارات والحركات المتمايلة والضحكات المتعالية، نعم هنالك اختلاط في المجتمع الإسلامي إلَّا أنَّه علىٰ نحو الضرورة وحدود الياقة الأخلاقية مع مراعاة الضوابط الشرعية والأخلاقية، فما كان منه محل نظر وتأمُّل وريبة وخلوة واقترانه بالإشارات والحركات غير اللائقة وتزاحم الأبدان والتقرُّب بينهما، سواء أكان في المناسبات وغيرها فذلك الاختلاط ممنوع، أمَّا إن لم يكن به ذلك فلا بأس فيه، ولو نظرنا إلىٰ نتائج النظر إلىٰ ما حرَّم الله عليهن، لوجدنا النظر المحرم والذي يعد تجاوز الحد الشرعي لقوله تعالىٰ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (النور: 30)، وحصول اللمس في بعض الأحيان من الرجل الأجنبي المحرم عليها من قبيل المصافحة والسلام وقد يكون بتبادل القبلات ومن نتائج الاختلاط ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) من حصول الخلوة التي تؤدِّي إلىٰ الشهوة وهي رأس كلّ فتنة، ويدلّنا علىٰ كلِّ ما تقدَّم قوله تعالىٰ: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: 53).

الملاحظة الثالثة: ستر البدن:

والستر معناه التغطية والإخفاء وسترت الشيء أستره إذا غطيته فاستتر هو وتستر أي تغطىٰ(97).

وتستر بدن المرأة الزائرة وغيرها هو خفاء كل ما من شأنه أن يحقّق الريبة والشهوة، بظهار مفاتن الجسد وإخفاء عوراتها باللباس الشرعي الذي يشمل بتغطية جميع البدن، عدا ما أخرجه الدليل الشرعي من قرص الوجه والكفين، فيكون تحصين المرأة لبدنها من سمات العفاف والحياء لعصمة بدنها من نظر الأجنبي لقول الله لرسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): ﴿يا أَيـُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب: 59).

وقد حدَّد الشرع الشريف الملابس الشرعية التي تستر بدن المرأة المسلمة، بأن لا تكون حاكياً عمَّا تحته لكونه خفيف أو يظهر مفاتن المرأة وبروز جسدها بالثياب الضيقة، أو أن لا تعد هذه الثياب من ملابس الزينة عرفاً وإنَّما يكون ملبوساً إسلامياً، لقوله تعالىٰ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها﴾ (النور: 31).

والذي يمكن ملاحظته في الآونة الأخيرة من وجود نوعاً من الملابس التي عليها الصور والمقالات اللاأخلاقية تفسد المجتمع لكونها تدلّل علىٰ الانحراف والكفر والإلحاد، أو تدل علىٰ الانحراف الأخلاقي كما في شعار المثليين وقد وجهة المرجعية الدينية المتمثلة بالسيد السيستاني (دام ظله) من منابر الجمعة والجماعة بالتمسُّك بالحجاب واللباس الشرعي ومحاربة هذه الظواهر اللاأخلاقية من خلال التوجيهات والتوصيات من قبيل: (وبعد فإنَّه ينبغي أن يلتفت المؤمنون الذي وفقهم الله لهذه الزيارة الشريفة… فيهتدوا بتعاليمهم ويقتدوا بأفعالهم وعليه فإنَّ من مقتضيات هذه الزيارة… هو الاهتمام بمراعاة تعاليم الدين الحنيف من الصلاة والحجاب والإصلاح والعفو والحلم والأدب وحرمات الطريق وسائر المعاني الفاضلة لتكون هذه الزيارة بفضل الله تعالىٰ خطوة في سبيل تربية النفس علىٰ هذه المعاني)(98).

قال المقرم: (فيقول الراوي عندما رجعت من سفر الحج، دخلت الكوفة فوجدت الأسرىٰ قد دخلوها رأيت الإمام السجاد علىٰ البعير، فسألت من هي: فقالوا زينب الكبرىٰ رأيتها تتحدَّث إلىٰ الناس بصوت عال تطلب منهم غض الأبصار عن آل بيت رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) وتطلب منهم الحياء من الله ورسوله)(99).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «المرأة كلها عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان»(100)، فيكون المراد منها الستر والحجاب الذي يمنع سهام الشيطان للاقتراب منها، فالعفاف والحياء قمة ما تمتلكه المرأة الزينبية في حياتها.

الملاحظة الرابعة: أداء الفرائض:

جمع فريضة وهي: (ما أوجب الله علىٰ عباده)(101).

الإتيان بها علىٰ أكمل وأتم وجه من المستحبات فضلاً عن الواجبات، التي تتعلَّق بذمة الزائرين ذكوراً وإناثاً كالصلاة مثلاً والأدعية والأذكار وتقديم العون والمساعدة لكلِّ من يحتاجها أثناء المسير والعطف علىٰ الصغير واحترام الكبير وأداء الأمانة وصدق الحديث وتجنُّب الغيبة والنميمة وعدم التعرُّض إلىٰ الآخرين، وإلىٰ غير ذلك.

وجاء في الحديث القدسي: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه»(102).

والمروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «إنَّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدود فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكفلوها»(103).

والأكثر من ذلك فإنَّ توصيات المرجعية الرشيدة غالباً ما تصب حول أمرين مهمين وكما يلي:

الأوَّل: أداء الفرائض التي فرضها الله علىٰ الزائرين والمشاركين بإحياء العزاء في الأربعينية وفي غيرها، لأنَّها مما دعا لها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والاهتمام بها والمحافظة عليها.

الثاني: الاهتمام بالحجاب الشرعي واللباس الذي يعبِّر عن عفة وحياء الزائرات المتأسِّيات بالعقيلة (عليها السلام)، فالواجبات أمانة، لذا وجب علىٰ الزائرات الاهتمام بها والالتفات لها وأدائها في أوقاتها، إنَّما هذه أمانة ائتمننا الله عليها.

المصداق الثاني: إعداد موائد الطعام:

والبحث في هذا المصداق متعلّق حصراً بالخادمات الزينبيات، اللواتي يشرفن علىٰ إعداد موائد الطعام وتوزيعها وتقديمها للزائرين في المناسبات التي يتم بها إحياء ذكر آل البيت (عليهم السلام)، وهنا نود أن نوضِّح نوعين مختلفين من الخادمات، وكما يلي:

النوع الأوَّل: الرحمانيات:

النساء الرحمانيات (الخادمات) وهن اللاتي يتميَّزن بالطاعة والانقياد لله (عزَّ وجلَّ) ورسوله (صلَّىٰ الله عليه وآله) المستقيمات علىٰ الطريق المستقيم العفيفات الحافظات للفروج الحافظات لأحكام الدين وسُنَّة نبي المرسلين محمد (صلَّىٰ الله عليه وآله)، المخالفات للأهواء والإغواء، لقوله تعالىٰ: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ (الأحزاب: 35)، الدالة علىٰ العفة والحياء والطهارة وكذلك حفظ النفس عن كلِّ ما حرَّم الله عليه.

والمروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قوله: «النساء ثلاث: امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود، تعين أهلها علىٰ الدهر ولا تعين الدهر علىٰ أهلها وقليل ما تجدها…»(104).

وكلامنا في عفة وحياء الخادمة التي تخدم في مواكب العزاء وتقدم الطعام للزائرين، وخير ما نقتدي به السيدة زينب الكبرىٰ (عليها السلام) فهي خير مصداق للعفة والشرف، وهذا يظهر جلياً واضحاً عند أرباب المقاتل وأصحاب الشأن التاريخي، وخاصةً بعد أسرها وسلبها وإرسالها إلىٰ خرائب الشام مع جمع من الهاشميات التي وقعن في سبي آل زياد وآل أُمية.

والعفة هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها، فالعفيف من يباشر الأمور علىٰ وفق الشرع والمروءة(105).

والسؤال الذي نريد الإجابة عليه، هو كيف طبَّقت السيدة زينب الكبرىٰ (عليها السلام) مظاهر العفة والحياء في واقعة الطف؟ لكي تكون نبراساً وأُسوة وقدوة، حتَّىٰ يقتدىٰ بها من قبل المؤمنات الخادمات في المناسبات الدينية.

وللإجابة عن هذا التساؤل يكون بذكر مظهرين، وكما يلي:

المظهر الأوَّل: العفة في الستر والحجاب:

العفة والستر أمران متلازمان لا ينفكان لبدن المرأة المسلمة، لضرورة كون العفة تعني أن يكف الإنسان نفسه ويصونها ويمنعها عن الشهوات، وأن يضبطها عن كلِّ ما لا يحل له فيها، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣١).

وقد يعبر عنها في علم الأخلاق بالجوهر الداخلي، وأمَّا الستر في الملبس والحجاب فيعبر عنه بالجوهر الخارجي لمظهر المرأة وشكلها، فاللباس الشرعي له الدخالة الكبرىٰ في تجسيد عفة المسلمة، وبه تحفظ المرأة كرامتها وعفتها وحيائها من خلال هذا المظهر الخارجي، لقوله تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنىٰ﴾ (الأحزاب: ٥٩).

أي قل لهؤلاء فليسترن موضع الجيب بالجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، عن الحسن، وقيل: الجلباب مقنعة المرأة، أي: يغطين جباههن ورؤوسهن إذا خرجن لحاجة(106).

لذا قلنا: إنَّ اجتماع الجوهر الداخلي والجوهر الخارجي تكون نتيجته تكامل النفس، ومورد كلامنا عن بنت فاطمة الزهراء (عليها السلام)، عقيلة الطالبين، فهي خير من مثلت العفاف الحقيقي في ملبوسها وحجابها، فقد حفظت نفسها وحافظت عليها من كل ما يخالف الشرع والأخلاق والتربية في ضبط جوارحها وجوانحها عن ما حرَّم الله، فتراها في كنف أُمِّها وأبيها لم يعرف لها صوتاً ولا أثراً ولا شكلاً، والحال نفسه مع أخويها الحسن والحسين (عليهما السلام)، ويدلنا علىٰ ذلك ما قاله يحيىٰ المازندراني، كان في المدينة لمدة طويلة ويقرب منزل مولاتنا زينب (عليها السلام) إلَّا أنَّه لم يرها ولم يسمع لها صوتاً فقال: (كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً)(107).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أفضل العبادة العفاف»(108).

وقوله (عليه السلام): «وأفضل العبادة غلبة العادة»(109).

وهي مجاهدة النفس في التغلُّب علىٰ العادات السيئة والإعراض عنها، لذا عُدَّت أفضل العبادات حتَّىٰ من أسمىٰ الطاعات، فمن هنا يرىٰ علماء الأخلاق أنَّ أفضل العبادة هي العفاف وهو شرف ووقار لكلِّ امرأة مسلمة حرة مستقيمة، حتَّىٰ تؤجر علىٰ ذلك أجر شهيد جاهد في سبيل الله تعالىٰ.

وأمَّا حجابها فقد ذكر أرباب المقاتل في القضية الحسينية، كيف كان حرصها الشديد علىٰ حفظ بنات الرسالة في واقعة الطف وبعد أسرهنَّ وسبيهنَّ من أعين الناظرين وهو دور واضح وجلي تناقلته مصادر التاريخ الإسلامي(110).

وقد سميت بسيدة العفاف، ويدلنا علىٰ ذلك تنكُّرها في محافل بني أُمية حتَّىٰ لا تعرف لها شيئاً علىٰ أنَّها زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلبست أردء الثياب وأرذلها، فكانت علىٰ وقار واستحياء في مشيتها وتصرفها بين الأعداء لتكون مصداقاً لقوله تعالىٰ: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِـي عَلَىٰ اسْتِحْياءٍ﴾ (القصص: 25)، والمراد بكون مشيها علىٰ استحياء ظهور التعفف من مشيتها(111).

فالعفاف الزينبي إذن هو حالة من العفاف تكون عليها المرأة ملائمة للظروف تستطيع من خلالها الارتقاء بعفافها إلىٰ مستوىٰ أداء مهامها وتجاوز ظروفها بأفضل صورة(112).

قال ابن طاووس: (إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء قد أوصىٰ عائلته برعاية الحجاب والعفاف وصون النفس)(113).

المظهر الثاني: العفة في الخطاب:

وفيه أكتفي بما قالته السيدة في محضر يزيد عليه لعائن الله، عندما أراد أحد جلاوزته بالتعرُّض إلىٰ بنات الرسالة وتجاوز حدود الأدب معهنَّ ولا سيما لفاطمة بنت الحسين (عليه السلام)، فقد تعرَّضت لكلِّ الحاضرين بقولها: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء وأصبحنا نساق كما تساق الأسارىٰ، أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدوا بهن الأعداء من بلد إلىٰ بلد وتتصفَّح وجوههن القريب والبعيد»(114).

هذا هو المراد من العفة في خطابها بعد حصول التجاوز علىٰ بنات الرسالة بعد خدش حيائهن والتعرُّض لهن ببعض الكلمات، والأكثر من ذلك أنَّ بعض الروايات ذكرت بأنَّ زينب (عليها السلام) عندما دخلت علىٰ مجلس اللعين ابن زياد قد غطَّت وجهها وتستره بكمها لأنَّ قناعها قد سلب منها(115).

فمن هنا بينَّا أنَّ السيدة (عليها السلام) هي خير من مثَّل العفاف والحياء في تصرُّفاتها قولاً وفعلاً، فالتأسِّي بها هو المراد من البحث في إظهار مظاهر الخدمة الحسينية للخادمات والتي تؤدِّي خدماتها من الطبخ وإعداد الطعام وغيرها، فلابدَّ من الاهتمام بمظهرها الخارجي دون التزيين التبرُّج، وإنَّما بما يستر بدنها من نظرات الشياطين، حتَّىٰ لا تكون مصداقاً لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27).

النوع الثاني: الشيطانيات:

انظر أيُّها القارئ اللبيب الاستعمال البلاغي في استعارة الألفاظ المجازية، من قبل رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في وصف النساء علىٰ أنهنَّ مضان الشهوات، ويدلنا علىٰ ذلك قوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «النساء حبائل الشيطان»(116)، وهو أشد وصفاً لفتنة النساء، وهناك وصف آخر لهن يعرف بـ(النساء الشياطين)(117)، لقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّ المرأة تقبل في صورة الشيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأىٰ أحدكم امرأة فأعجبته فيأت أهله، فإنَّ ذلك يزيد ما في نفسه»(118).

والذي يمكن ملاحظته في بعض الآيات القرآنية المباركة أنَّ كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، والآيات المباركة صريحة فيما نحن فيه لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: 28).

الآية صريحة في عظم كيدهن وضعف كيد الشيطان لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 76).

والحديث المروي عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) يؤكِّد ذلك لقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ما يئس الشيطان من أحد إلَّا أتاه من قبل النساء»(119).

وهي خطوات يتبعها الشيطان لأنصاره ومريديه وأتباعه، الذين يتَّبعون خطواته، ومن أهم خطواته تجاههم أنَّه يأمرهم بالفحشاء والمنكر لقوله تعالىٰ: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور: 21).

فيقرب لهم الأشياء ويرشدهم إلىٰ الفواحش ويرغبهم في ذلك فيقعون أسارىٰ هواه وفي شراك حبائله وهن النساء، وفتنة النساء لا توجد بعظمتها خطراً علىٰ الإسلام والمسلمين أخطر منها لقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «ما تركت بعدي فتنة أضر علىٰ الرجال من النساء»(120).

وهنا نودُّ أن نشير إلىٰ بعض المحسوبات علىٰ مظاهر الخدمة الحسينية من أفراد يمكن أن نصفها بأنهنَّ من حبائل الشيطان بسبب طيشهنَّ وتصرفهنَّ في المواكب الحسينية أثناء تقديم الخدمة أو المشاركة في المسير، بحيث تثير بعض الحركات الاستعراضية لا أخلاقية هدفها جلب انتباه الآخرين فتثير اهتمامهم، لا سيما أصحاب النفوس المريضة، والتي من شأنها نشر الرغبة والشهوة وتحريك المشاعر والأحاسيس تجاه الطرف الآخر، فتنشر الفتنة بتصرفاتها المحسوسة والملموسة بتمايلها وتميعها، مما يجعلها أكثر عرضة لحبائل الشيطان من البغي والرذلة، والذي يعبر عنه بالانحراف الأخلاقي والسلوكي وهي تريد الإيقاع بالآخرين، والآيات القرآنية صريحة في هذا المضمار لقوله تعالىٰ: ﴿فَلَمَّا رَأىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ (يوسف: 28).

والآية الأخرىٰ قوله تعالىٰ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 3).

والأبلغ في ذلك تصريحاً أو تلميحاً قوله تعالىٰ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: 32).

فلا تقيم أي وزن في تصرُّفها والعالم الإسلامي يعيش حالة من أجواء الحزن والمصاب الجلل لفاجعة الطف الأليمة.

قال السعدي: (أي في مخاطبة الرجال أو بحيث يسمعون فتَلِنَّ في ذلك، وتتكلَّمن كلام رقيق يدعوا ويطمع… أي مرض شهوة الزنا فإنَّه مستعد ينظر أدنىٰ محرِّك يحركه لأن قلبه غير صحيح)(121).

وهنا نودُّ أن نشير إلىٰ بعض السلبيات المحسوبة علىٰ مظاهر الخدمة الحسينية من قبيل:

السلبية الأولىٰ: التزيُّن والتبرُّج:

وأنت اللبيب أيُّها القارئ فيما تنظر وترىٰ بأُمِّ عينك، حتَّىٰ أصبحن مصداق للمعنىٰ الاصطلاحي في إظهار المرأة محاسنها ومفاتنها أمام الناظرين من الأجانب، بالإضافة إلىٰ تحقيق مظهرها وجمالها الخارجي(122)، كي تمكِّن غيرها من النظر لها ولفة انتباهه.

فالتزيُّن معناه: جامع لكلِّ ما يتزيَّن به(123)، ومن أوضح مصاديقه التجمُّل، وهو كل ما يجعل وجه المرأة جميل باستعمال المستحضرات والمطيبات وإزالة المنفرات(124)، وهو جائز في حدِّ نفسه إذا طلب الزوج، بل وإن لم يطلب ذلك، لورود عدد من الروايات في ذلك، ويدلنا علىٰ ذلك قول الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّ من خير نسائكم المتبرِّجة لزوجها الممتنعة عن غيره»(125).

إلَّا أنَّه محرَّم في بعض الموارد الشرعية كما دلَّت عليه الرسائل العملية للفقهاء في كتاب الحج حال الإحرام وكذلك في كتاب عدَّة الوفاة بترك التزيُّن(126)، وكذلك الحرمة في أداء الصلاة وكذلك الحرمة إذا كان أمام الأجنبي، فحكمها في الإسلام الوجوب في حال طلب الزوج من الزوجة، وآخر مستحب كما إذا تزيَّنت لنفسها في جلب انتباه زوجها بعد طلاقها في عدَّتها.

قال المحقِّق البحراني: (يستحب تزيُّن المرأة نفسها في عدَّة طلاقها الرجعي)(127).

وأخرىٰ الزينة المحرَّمة شرعاً عليها كما في الموارد المتقدمة(128)، وهو محل البحث في هذه السلبية.

ومعنىٰ التبرُّج: القصد إلىٰ إبراز المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب(129)، بمعنىٰ كشف النساء ما يمكن ستره عن الآخرين، فمن هنا حرَّم الفقهاء ذلك(130).

وهذا بطبيعة الحال يؤدِّي إلىٰ لفت النظر من خلال الملابس الفاضحة والخفيفة أو الضيقة أو عن طريق مشيها متمايلة متميعة مما تثير الشهوة والريبة في ذلك، فهذه هي السلبية في كون الخادمة متزينة متبرِّجة، لم تجعل العفة لنفسها السلاح الشافي لكسر وصد سهام إبليس، وقد وجَّهت المرجعية في ذلك في خطب الجمعة والمناسبات الحسينية علىٰ ذلك بقولها: (الله الله في الستر والحجاب فإنَّه من أهم ما اعتنىٰ به أهل البيت (عليهم السلام)… فكانوا المثل الأعلىٰ في ذلك. ولم يتأذوا بشيء من فعال أعدائهم بمثل ما تأذوا به من هتك حرمهم بين الناس… فعلىٰ الزوار جميعاً ولا سيما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم… من قبيل الألبسة الضيقة والاختلاطات المذمومة والزينة المنهي عنها)(131).

وقول رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) في التبرُّج نصاً فيما نحن فيه لقوله: «أيُّما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله (عزَّ وجلَّ)»(132).

وحكم التبرُّج عند فقهاء الإمامية الجواز في بعض الموارد، فيما إذا كان أمام الزوج والنسوة والمحارم والحرمة أمام الأجنبي في إظهار زينتها ومفاتن جسدها، ويدلّنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ…﴾ (النور: 31)، وكلامنا في من يتصدَّىٰ إلىٰ بعض مظاهر الخدمة من النساء، اللاتي يثرن مظاهر الزينة فضلاً عن التبرُّج في شكلها وملبوسها وحركاتها وأفعالها علىٰ ما هو معهود اليوم في المناسبات كالاحتفالات والمواليد لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فتراهنَّ يتمايلنَ في أجسادهن مثيرات بعض أنواع الحركات التي تكون أقرب إلىٰ الرقص، أو عدم لبس الحجاب بالطريقة المعهودة المعروفة، بسبب التأثير بالمقاطع والمشاهد التي تراها في وسائل التواصل الاجتماعي، والتفنُّن في إبداء بعض أصوات النعومة الرقيقة التي تكون زائدة عن الحد وهي نبرات أمل نحو الفاحشة، هذه هي التصرُّفات التي يراها الشرع الشريف غير لائقة بهكذا مناسبات، إذا لاحظنا عظم وهول المصيبة وهي واقعة الطف أو وفيات الأئمة (عليهم السلام)، فلابدَّ أن يكون شعارنا (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء)، فعلينا أن نفهم هذا الشعار الذي قد يكون عقائدياً لنا أتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهو مأخوذ مضموناً ونصاً من أعاظم علماء الطائفة حول قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، لذا قال فقهاؤنا: ترك كل ما من شأنه يعد زينة عرفاً، وإظهار مظاهر الحزن والأسىٰ والجزع والمواساة بين أتباع أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

السلبية الثانية: الاستعراض في الجسد ولفت النظر:

والمراد من الاستعراض الجسدي للخادمة هو كل ما من شأنه أن يكون مؤثِّراً في الآخرين، من خلال ما يقوم به الإنسان من الحركات عن طريق الجسد برمَّته، أو عن طريق بعض ذلك فحركة الرأس والوجه تجاه الآخرين لها مداليل وحركة الصدر والبطن لها مداليل وكذلك حركة الأرداف والمؤخرة، فهذه الحركات تثير عدداً من التساؤلات من قبيل إظهار مفاتن الجسد وتحريك الشهوة، وجلب الانتباه من قبل الآخرين، ويدلنا علىٰ ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَلا يَضْـرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: 31)، وهي صريحة في النهي عن جلب وإلفات النظر إلىٰ الآخرين، عن طريق حركة القدم في إحداث صوت الخلخال، وقد يعبر عن هذا المشي بالدلع وهو مخالف للحياء والستر لكونه يثير الانتباه ويجلب الأنظار، وحكم النهي في الآية واضحة المعنىٰ والدلالة، فهذه حركات دخيلة علىٰ المجتمع الإسلامي الحسيني متأثِّرات بعارضات الأزياء فهي مشية ومسير تصنع وتكلّف ومنكر لضرورة مخالفتها للنص القرآني لقوله تعالىٰ: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِـي عَلَىٰ اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ…﴾ (القصص: 25).

وتفسيرها: وهذا يقتضي النهي عن كلِّ ما من شأنه أن يذكر الرجل بلهوا النساء ويشد منه إليهنَّ من كلِّ ما يرىٰ أو يسمع من زينة أو حركة، وقيل: قد سترت وجهها بيديها، وقيل: ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة واضعة ثوبها علىٰ وجهها، وهو ظهور التعفف من مشيتها(133).

ويمكن القول: إنَّ استعراض بعض المحسوبات علىٰ مظاهر الخدمة يكون مشيها وحركة جسدها واستعراض مفاتنها محاكات لبعض الفاسقات الداعرات أو التشبه بهن فيكون التأثير واضح وجلي، ويستدل عليه بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قل من تشبه بقوم إلَّا أوشك أن يكون منهم»(134).

فهن متأثرات بهذه الأفكار والحركات التي لها تأثير واضح علىٰ سيرة وسلوك الفرد المسلم في المجتمع.

وآلية الاستعراض الجسدي يمكن إيضاحها بما يلي:

الآلية الأولىٰ: إبراز مواضع الجمال:

ونقصد به ظهور هذه المفاتن جسدياً وبشكل علني سافر ويتحقَّق غالباً في ما تلبسه المرأة فيكون حاكياً عن الجسد الأنثوي، مما يؤدِّي به إلىٰ إظهار أغلب هذه التفاصيل فيجلب الانتباه من خلال اللبس الفاضح والمحصور علىٰ الجسد الضيق، أو من خلال ما تكون عليه بعض العلامات الدالة علىٰ ذلك كإشعار وعلامة المثليين وغيرها، مما يؤدِّي إلىٰ تهييج مشاعر وأحاسيس الآخرين، بما يتلاءم وطبيعة المغريات الشيطانية لها، وهو خلاف العفاف والحياء والستر.

الآلية الثانية: تعدُّد نوع الحركة (لغة الجسد):

من قبيل إطالة النظر إلىٰ الآخرين، بنظرات تبعث الأمل في النفس فتثير الريبة والفتنة، بابتسامة بين الأطراف، وتحريك الشَعر ونقله من جهة إلىٰ أخرىٰ، وتمايل الرأس والرقبة، كما تفعله الخيول العربية الأصيلة للدلالة علىٰ أنوثتها، وقد تكون حركة انحناء الصدر والظهر أكثرها فعالية وتأثيراً والذي يعبر عنه بلغة الجسد بالعلم الحديث، وقد تعدّ هذه الحركات إغواء ومراودة للآخرين وأفضل مثل لها قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) بقوله تعالىٰ: ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها…﴾ (يوسف: 23)، وهذه الحركات أفضل أنواع الابتلاءات لإثارة الشهوات، إن لم يعصم الرجل نفسه كما فعل نبي الله يوسف (عليه السلام) بعد أن رأىٰ برهان ربِّه.

ولغة الجسد علم قائم بنفسه في العصر الحديث ومعناه عند علماء الأخلاق الحركات والإيماءات، وتعبيرات الوجه الخالية من اللفظ وتنم عن طريق الحركات والإشارات الجسدية، ومنها العيون وتعبيرات الوجه والبدن والذراعين ووضعية الجسم، وقد يعبّر عنها أيضاً لغة البدن(135)، حتَّىٰ يفهم الشخص المقصود أو المخاطب بذلك القصد.

شذرات من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «يظهر في آخر الزمان واقتراب الساعة، وهو شر الأزمنة، نسوة كاشفات عاريات متبرِّجات من الدين، داخلات في الفتن، مائلات إلىٰ الشهوات، مسرعات إلىٰ اللذات، مستحلات الحرمات، في جهنم خالدات»(136).

ومن وصايا المرجعية الدينية العليا: (الله الله في الستر والحجاب… ولا سيما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم والتجنُّب عن أي شيء يخدش ذلك، من قبيل الألبسة الضيقة والاختلاطات المذمومة والزينة المنهي عنها، بل ينبغي مراعاة أقصىٰ المراتب الميسورة في كل ذلك لهذه الشعيرة المقدسة من الشوائب غير اللائقة)(137).

الفصل الثالث: الحلول والمعالجات الجذرية:

الذي يمكن ملاحظته أنَّ الحلول والمعالجات كثيرة وفي نفس الوقت كبيرة، ليس بالأمر الهيِّن تطبيقهن علىٰ أرض الواقع، الاختلاف الأمزجة والرغبات والالتزام الشرعي، لكن هذه المعالجات بطبيعة الحال تنعكس إيجاباً علىٰ تصحيح الظواهر السلبية في مظاهر الخدمة الحسينية، وهذا يمكن توضيحه بموردين، وكما يلي:

المورد الأوَّل: الحلول المقترحة:

ومعناها: مجموعة أفكار ومقترحات بحيث تكون خطوات عملية مطابقة لحل عددٍ من المشاكل، وهذا يمكن إيضاحه بعدَّة طرق من قبيل:

الطريق الأوَّل: النصح والإرشاد:

الديني الأخلاقي والمعبر عنه بالتوعية، لم يكن القصد من كتابة هذا البحث الحسيني الأخلاقي لتوجيه إهانة أو إساءة أو استنقاص، إلىٰ كلِّ من عمل أو سعىٰ لإحياء الشعائر الحسينية، أو لمجرد نقدهم بشكل لاذع مما يترتَّب عليه الأثر الأخلاقي بالإساءة لهم، إنَّما هو نقد بناء لإصلاح المنظومة الأخلاقية لمظاهر الخدمة الحسينية، فكان لزاماً علينا شرعاً وعقلاً التنبيه والنصح والوعظ والإرشاد والتوعية، للحدِّ من هذه المظاهر والممارسات اللاأخلاقية، فلابدَّ من معالجتها بعد تشخيص سلبياتها، ووضع الحلول الناجعة لها، لتقويمها وتنظيم عملها فتكون نتائجها إيجابية لخدمة الشعائر الحسينية عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالىٰ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: 110).

فالتوعية والإرشاد تقع علىٰ عاتق المؤسسة الدينية والهيئات التبليغية والمواكب الحسينية، بشكل مؤثِّر، لضرورة تأثيرهم بالقرار الفقهي والأخلاقي، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومنابر الجمعة والجماعة، لقد حذرت المرجعية الدينية العليا بكل أفرادها ومؤسساتها وهيئاتها ونذرت نفسها لهذا الأمر، ووسائل التواصل بين يديك فنظر وتنبه.

فالندوات والمؤتمرات والتجمعات الدينية كلّها تصب ببودقة تهذيب وتشذيب الشعائر الحسينية، لضرورة كونها الوجه الحقيقي للقضية الحسينية، فهناك هيئات ومؤسسات وجهات رقابية ذات العلاقة تابعة للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، من أهم وظائفها تقديم النصح والإرشاد والتوعية الدينية بما يخدم القضية المباركة، وكذلك هناك طرف آخر تقع مسئولية تطبيق النصح والإرشاد والوعظ علىٰ عاتقه وهو الزائر نفسه، فلابدَّ أن يكون مصداقاً لقوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

فلابدَّ من سماع توصيات المرجعية العليا بشأن المناسبة الحسينية، وبيان عظمتها وإيضاح رزيتها مصيبتها، ومن الوصايا الآخر وجوب حفظ النظام بعدم التعدِّي علىٰ الآخرين واحترام حقوقهم، والاهتمام بالجوانب الخدمية من قبيل النظافة وإدامة المكان، وعدم مضايقة ومزاحمة الآخرين ولا سيما كبار السن والنساء، وتقليل الإسراف في المأكل والمشرب في عدم التبذير لكونه مخالف للنصوص الشرعية والعقلية والالتزام بالحجاب والستر والعفة والتأكيد علىٰ الحشمة والوقار في الملبس والحركة.

الطريق الثاني: المراقبة والتقييم:

والسؤال الأكثر أهمية: من المسؤول عن المراقبة والتقييم؟

وجوابه: كل إنسان يرىٰ نفسه مستطيعاً له ما لم يلحق به الأذىٰ، فيكون مسؤولاً عن مراقبة وتقييم وردع هذه التصرفات، بالإضافة إلىٰ المؤسسات والهيئات الدينية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني وغيرهما، فمراقبة كل ما يسيء للشعائر واجب أخلاقي وشرعي فتكون من أهم وظائف المسلمين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالىٰ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ…﴾ (آل عمران: 110)، وحديث رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) بين يديك: «من رأىٰ منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ليس وراء ذلك شيء من الإيمان»، وفي رواية: «إنَّ ذلك أضعف الإيمان»(138).

فليكن كل أتباع أهل البيت (عليهم السلام) رقباء عن كلِّ من تسوَّل له نفسه الإساءة إلىٰ الشعائر بقولٍ أو فعلٍ أو تصرف، باتِّباع الوعظ والإرشاد والتوجيه، وأمَّا تقييم العمل هذا بطبيعة الحال تحدّده الجهات المسؤولة ذات العلاقة الملقاة علىٰ عاتقها هذه المسؤولية كالعتبات المقدسة وهيئات ومؤسسات الخدمة الحسينية بالإضافة إلىٰ الأجهزة الساندة كالقوات الأمنية وغيرها.

الطريق الثالث: تنسيق العمل:

بين الأجهزة والجهات الرقابية المشرفة علىٰ تنظيم وتسهيل حركة الزائرين والوافدين لأداء مراسيم الزيارة وكذلك تنظيم أماكن تواجد مواكب الخدمة وتوزيعها بشكل يضمن انسيابية حركة الأفراد والمواكب، وكذلك العجلات وتوزيعها بشكل يضمن انسيابية حركة الأفراد والمواكب وكذلك العجلات فهي مسؤولية عظيمة وتنسيق علىٰ أعلىٰ المستويات، بين الأجهزة الأمنية الحكومية والاستخباراتية وبين العتبات المقدسة وكذلك بالتعاون مع الهيئات والمواكب الحسينية في جميع محافظات العراق.

ونتائج هذا التنظيم والتنسيق في العمل يؤدِّي إلىٰ كبح جماح كلّ من تسوَّل له نفسه الاستهزاء والاستهتار أو تقليل من حجم هذه الشعائر باستعمال الطرق القانونية والشرعية والعرفية لمراقبة حركة الزائرين في أداء مراسم الزيارة، وكذلك للحدِّ من مظاهر الانحراف السلوكي السلبي في التجمُّعات والمناسبات التي هي من أهم شعائر المسلمين، فإنَّ هذه الممارسات الخاطئة تلقي بظلالها علىٰ المجتمع الإسلامي التي تربَّىٰ عليها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) حتَّىٰ عدَّه مظهراً من مظاهر الشين في التصرُّف بالقول والفعل، وقد نهت الروايات عن ذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول وقبيح القول»(139).

فالتنسيق بين الأجهزة الأجنبية المختلفة لردع المخالفين والمسيئين لكلا الجنسين، بما يجعل تصرّفهم شيناً وعيباً ومنقصة علىٰ المنهج السوي المستقيم الذي وضع قواعده وأصَّل أصوله رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) حتَّىٰ قال في محكم كتابه: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (الحشر: 7).

أي مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنَّه إنَّما يأمركم بخير وإنَّما ينهىٰ عن شر(140).

فمن خلال التنسيق الأمني والاستخباراتي نستطيع أن نحد من ظواهر سلبية كثيرة لها المدخلية في تشويه هذه الشعائر المقدسة، نتيجة الظهور علىٰ منصات التواصل الاجتماعي لعددٍ ليس بالقليل من البلوكرات والفاشينيستات وغيرهن، عن طريق تقديم موائد الطعام وتوزيعها علىٰ الزائرين، بطريقة يعتقد أصحابها بأنَّها مواكبة لحركة التقدُّم والرقي المجتمعي، وهو سعي حثيث نحو الإباحة العلنية بطرق ملتوية في لبس الملابس الفاضحة الخفيفة الحاكية عن الجسد مع عدم الالتزام بآداب الستر والحجاب والعفة والحياء، كما وأنَّه مخالف للأعراف والمبادئ والقيم الشرعية والعقلية، فالأجهزة الأمنية وبالتنسيق مع الجهات الرقابية لها القدرة الفائقة علىٰ منع وردع هكذا تصرُّفات مشينة، التي من شأنها تخدش الحياء والعفاف وتمزُّق موروث حضاري إسلامي قائم علىٰ أساس الأخلاق الحميدة الفاضلة، لقوله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم منِّي يوم القيامة مجلساً أحسنكم خُلقاً وأشدّكم تواضعاً، وإنَّ أبعدكم منِّي يوم القيامة الثرثارون وهم المتكبرون»(141).

الطريق الرابع: النظم الإداري والفني:

وهذا غالباً ما يكون سبباً في نجاح الخطة الإدارية والخدمية، فعملية التنظيم تكون علىٰ أعلىٰ المستويات الحكومية للأجهزة المختلفة، حيث تشترك عدَّة وزارات للبحث عن خطة كفيلة تؤدِّي بها إلىٰ إنجاح الزيارة وتسهل حركة السابلة، وأغلب المسؤولين عنها هم رئاسة الوزراء وسلّمه الهرمي من قبيل وزارة الداخلية ووزيرها الذي يشرف ميدانياً علىٰ حركة تنظيم الزائرين وكذلك وزارة النقل في تفويج الزائرين ذهاباً وإياباً، والمنافذ الحدودية التي لها الدور الأكبر إدارياً وفنياً في عملية التفويج وكذلك وزارة الاتِّصالات التي لها الدور العظيم في ضمان الاتِّصال الإلكتروني بين حركة الزائرين ومناطق سكناهم، فالتنظيم الإداري والفني عاملاً إضافياً لإنجاح الخطة الموضوعة، وكذا من صميم عملهم منع مظاهر المقاطع والمنشورات الخادشة للحياء لا سيما في أيام الزيارة من قبل كل من يسيء إلىٰ هذه الشعائر عن طريق حجبها ومنع ظهورها لكونها ظواهر سلبية دخيلة علىٰ ظاهرة الخدمة الحسينية.

المورد الثاني: المعالجات:

من خلال تتبُّعي لبعض المصادر الأخلاقية والاجتماعية، رأيتهم يركِّزون علىٰ عدَّة معالجات أساسية، بل رئيسية للحد من هذه الظواهر اللاأخلاقية، وكما يلي:

المعالج الأوَّل: تفعيل الوازع الديني:

تحريكه المانع والرادع في سلوك الإنسان داخلياً، عن طريق التأثير عليه من الخارج من قبيل سماع المحاضرات الدينية الأخلاقية أو المحاضرات التوعوية التي تؤكِّد علىٰ جانب عدم ارتكاب المعاصي والذنوب، أو عن طريق قراءة الكتب الأخلاقية أو كتب السير والسلوك، أو عن طريق مجالس العلم والأدب والشعر، أو عن طريق مجالس العشائر في اتِّباع أعرافها وعاداتها وتقاليدها، قال تعالىٰ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ (البقرة: 229)، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ (البقرة: 187)، إذن فإنَّ الوازع الديني لابدَّ له من محرك خارجي يحركه نحو الفضيلة.

المعالج الثاني: تفعيل الجانب الإعلامي:

من أهم الجوانب الرقابية في القضية الحسينية هو السلطة الرابعة علىٰ ما يعبرون عليها، فالأعلام العراقي ليس بمستوىٰ الحدث، نعم الإعلام الذي يعتني بهذه الشعائر هو الإعلام الشيعي دون غيره في إظهار هذه الممارسات العظيمة، وعلىٰ العكس من ذلك الإعلام المغرض التابع إلىٰ بعض الجهات المحسوبة علىٰ الإسلام، في إظهار المقاطع والصور التي تثير بعض التساؤلات نحو الظاهرة الحسينية حقداً أو حسداً، فمن هنا نريد من الإعلام الحر الشريف مراقبة عمل هذه الإذاعات والشبكات المدسوسة والمأجورة والحد منها بالطرق القانونية والقضائية، للقضاء علىٰ بعض المظاهر السيئة المهينة للشعائر الحسينية.

المعالج الثالث: وضع القوانين الصارمة:

القوانين الصارمة الفعَّالة التي تكون أداة فاعلة لردع المسيئين، أو لكلِّ من يحاول إثارة كلّ ما هو يخالف الأعراف والعادات والتقاليد والشرع والقوانين الوضعية، ومحاسبة كل من يسيء للشعائر الحسينية والرموز الدينية، أو ينتقص من الأماكن المقدسة والأضرحة المباركة، فالقوانين الوضعية هي الفيصل والحكم في منع ظهور كل ما من شأنه أن يكون مخالفاً للأحكام الوضعية والشرعية، وكذلك يكون أداة رقابية فعالة تجاه وسائل التواصل والإذاعات المنفلتة ومنصات التواصل الأخرىٰ، فوجود هكذا قوانين رادعة لها الأثر علىٰ تقليل من هذه الممارسات المسيئة لظواهر الخدمة الحسينية كما وأنَّها مخالفة للآداب العامة، وعلىٰ ضوء ذلك أصدرت وزارة الداخلية العراقية بيان برقم (14) صادر من وزارة الداخلية إلىٰ وسائل الإعلام كافة والمواليين الكرام أنَّ أمن العراق مسؤولية تضامنية، والالتزام بالقانون هو السبيل الوحيد لردع العابثين ويهدف تعزيز الأمن وضمان عدم المساس بالاستقرار(142).

المعالج الرابع: الاهتمام الأُسري:

يرىٰ علماء الأخلاق والاجتماع أنَّ الاهتمام الأُسري يعني الرعاية الأبوية للأُسرة المسلمة(143)، من الزوجة والأولاد والآباء والأُمهات والإخوان والأخوات، ونحن نعيش في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد العائلية الأُسرية المبنية علىٰ التمسُّك بالقرآن الكريم وسُنَّة نبيِّه العظيم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، وحبل الله المتين، وهذه الرعاية يجب أن تكون مادية ومعنوية، فالدعم العاطفي الفعال لابدَّ أن يكون شاملاً للرعاية والتربية والتعليم من قبيل بناء شخصية الأولاد والبنات والأُم، وهي الأُسرة فهي النواة الحقيقية لبناء مجتمع إسلامي متكامل فالرعاية والعناية تبدأ من العائلة والأُسرة، فإن صلحت صلح ما سواها، ومن أهم أوجه الاهتمام الأُسري هو تلبية حاجاتهم وإشباع رغباتهم والاعتناء بهم، وحثّهم علىٰ فعل الخير وعمل الصالح وتجنُّب المنكر والفحشاء.

المعالج الخامس: الإصلاح الجذري:

والمعبّر عنه بالإصلاح الحقيقي الذي تكون نتائج عمله هو القضاء التام علىٰ هذه الظواهر السلبية، عن طريق الإصلاح النفسي للفرد نفسه والمعبر عنه بالسلوك الشخصي، فلابدَّ من التخلُّص من الأفكار السلبية التي هي الهاجس الأكبر في إصلاح البدن، فالتخلُّص منها شعور حقيقي بالإصلاح نحو النجاة والتخلُّص من آفات الأخلاق الضارة المانعة من الأفعال الممدوحة المحمودة.

الخاتمة والنتائج:

ويمكن إيجازها بعدَّة نقاط، من قبيل:

الأولىٰ: الانحراف اللاأخلاقي مصطلح يطلق ويراد به ابتعاد الفرد عن بعض السلوكيات الإنسانية من العادات والقيم والمبادئ، الشرعية والعقلية، وخروجها عن كلِّ ما هو معروف لدىٰ المجتمع، وبهذه التصرفات يكون الفرد قد خرج عن مسار الاستواء والاستقامة، والتصرُّفات النسوية في مظاهر الخدمة الحسينية من هذا القبيل، من قبيل التزيُّن والتبرُّج واستعراض المفاتن.

الثانية: مظاهر الخدمة الحسينية نقصد بها كلّ نشاط أو ممارسة أو عمل جماعي أو فردي، من شأنه أن يحيىٰ به ذكر محمد وآل محمد ولا سيما واقعة الطف وأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، حتَّىٰ عرفوا بخدمة الإمام لشرفية الخدمة تجاه الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن أبرز مصاديق الخدمة الحسينية إقامة مجالس العزاء، وإعداد موائد الطعام والمسير راجلاً، وإلىٰ غير ذلك.

الثالثة: الحلول والمعالجات لهذه الظواهر السيئة المشينة، والتي تلقىٰ بظلالها علىٰ عدداً من المؤشِّرات السلبية في مظاهر الخدمة الحسينية، فالتوعية العقائدية والأخلاقية لابدَّ منها، وكذلك النصح والإرشاد ومحاربة هذه الظواهر الدخيلة علىٰ هذه الشعائر، ومراقبة جميع هذه التصرُّفات التي تظهر علىٰ مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عنها ومحاربتها بالطرق القانونية فضلاً عن الشرعية.

الرابعة: زيادة الوعي المجتمعي عن طريق سماع التوجيهات الدينية الصادرة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، والاهتمام بها والعمل عليها، والالتزام بالنصائح والإرشادات الدينية التي تتعلَّق بحياء النساء وعفَّتها والتمسُّك بها وستر بدنها بما يلائم وطبيعة الزي الإسلامي الشرعي علىٰ ما هو المقرّر في الرسائل العملية.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: تاج العروس، الزبيدي، 12 \ 191. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 1 \ 217.

(2) مجمع البيان، الطبرسي، 1 \13.

(3) انظر: تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي، 8 \ 405.

(4) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 18\ 256.

(5) الفتاوى، السبكي، 2 \ 593.

(6) انظر: من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 4 \ 45.

(7) انظر: معاني الأخبار، الصدوق، ص71. انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 11\ 186.

(8) انظر: من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 3 \ 390. انظر: مفاتيح الجنان، القمي، 1 \401.

(9) الموقع الرسمي اخبار الساحة الإسلامية، العتبة الحسينية المقدسة، 23 \ 6 \ 2019م.

(10) انظر: الكليات، أبي البقاء، ص175.

(11) بتصرف: الأخلاق في القرآن، مكارم الشيرازي، 3 \ 109-114.

(12) شبكة النت الموقع وكالة كربلاء الآن، لماذا نخدم زوار الحسين (عليه السلام). https\\www.karbaia-intel.not

(13) انظر: كامل الزيارات، ابن قولويه، ص166. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 98\ 27.

(14) انظر: تهذيب الأحكام، الطوسي، 6 \ 45.

(15) الأمثل، مكارم الشيرازي، 2 \ 629. انظر: تفسير الطبري، 4 \ 162.

(16) انظر: عيون الحكم والمواعظ، الواعظي، 79.

(17) انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 11 \ 401.

(18) انظر: المنجد في اللغة العربية المعاصرة، لويس معلوف، ص1332.

(19) تاج العروس، مرتضىٰ الزبيدي، 8\ 471.

(20) المصدر نفسه، 8 \ 471.

(21) انظر: المنجد، لويس معلوف، ص1332.

(22) بتصرف: معجم الفلسفة، جميل صليبا، 1\ 580.

(23) انظر: مفهوم تجديد الدين، البسطامي، 1 \ 73.

(24) انظر: نهج البلاغة، الخطبة 105.

(25) انظر: تفسير غريب القرآن، الطريحي، 483. انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3 \ 229.

(26) انظر: تحف العقول، القاضي، ص73. انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 1 \ 464.

(27) انظر: السنن الكبرى، البيهقي، برقم 13478.

(28) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 8 \ 155.

(29) شبكة النت الموقع العربي أحمد النعيمي – الطشة. HTTPS:\\WWWALARABYCO.ULA

(30) انظر: السنن الكبرى، البيهقي رقم 9560. انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 2 \ 1522.

(31) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، ابن الحداد، 14 \ 206.

(32) انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 2 \ 1522. انظر: مسند أحمد بن حنبل، الرقم 5664.

(33) انظر: صحيح أبو داوود، الرقم 4029 -4030.

(34) انظر: تهذيب الأخلاق، ابن مسكويه، 41. انظر: التربية الأخلاقية، مقداد يالجين، 75.

(35) شبكة النت نصائح سماحة السيد السيستاني المؤمن. https:\\wwwsistani.org

(36) انظر: مجمع البيان، الطبرسي، 1 \333. انظر: الأمثل، الشيرازي، 18 \ 529.

(37) انظر: أصول الكافي، الكليني، 2 \ 81.

(38) انظر: نهج البلاغة، قصار الكلمات، 410.

(39) الحقائق، الفيض الكاشاني، 54.

(40) انظر: الانتصار، العاملي، 4 \ 67. انظر: نتائج الأفكار، العسقلاني، 1 \ 411.

(41) انظر: المصباح المنير، الفيومي، 2 \ 476. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 939.

(42) انظر: موسوعة المفاهيم الشحوذ، 503. انظر: الكليات، 684

(43) المناقب، الموفق الخوارزمي:32.

(44) جامع السعادات، النراقي،1\322.

(45) جامع السعادات، النراقي، 1 \ 322.

(46) بتصرف: المصدر نفسه.

(47) رسالة في النفس، ابن سينا، 1 \ 58.

(48) انظر: أصول الكافي، الكليني، 2 \ 302.

(49) بتصرف: جامع السعادات، النراقي، 1 \ 61.

(50) انظر: عيون الحكم، الواسطي، 459. انظر: غرر الحكم، الآمدي، 625.

(51) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 10 \ 8.

(52) انظر: معجم اللغة، أحمد مختار، 1 \ 246.

(53) انظر: المنجد في اللغة، أويس معلوف، 407.

(54) انظر: مجمع البيان، الطبرسي، 8 \ 181. انظر: الميزان، الطباطبائي، 16 \ 274. الأمثل، الشيرازي، 10 \ 479.

(55) انظر: الدر المنثور، السيوطي، 12 \32. انظر: التبيان، الطوسي، 8 \ 1339.

(56) شبكة النت – سلام العسكري، توصيات. Face book

(57) انظر: الكافي، الكليني، 2 \ 80.

(58) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 14 \ 425.

(59) انظر: الأمالي، الصدوق، 1 \ 190.

(60) انظر: الكافي، الكليني، 5 \ 152.

(61) انظر: الإرشاد، المفيد، 2 \ 234. انظر: مروج الذهب، المسعودي، 3 \ 342.

(62) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، 2 \ 288.

(63) انظر: المناقب، ابن شهر آشوب، 3 \ 383.

(64) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 68 \ 97.

(65) انظر: مسند أحمد بن حنبل، 3 \ 62. انظر: سنن الترمذي، البيهقي، 5 \ 615، انظر: تاريخ بغداد، الخطيب، 11 \ 90.

(66) انظر: النافع يوم الحشر، السيوري، 93. انظر: العقائد الحقة، علي الحسيني، ص275.

(67) انظر: الكافي، الكليني، 1 \ 301.

(68) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 3 \ 241.

(69) انظر: العباس ابن علي، البغدادي، 1 \ 172.

(70) انظر: الإرشاد، المفيد، 2 \ 30.

(71) انظر: الكافي، الكليني، 1 \239. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 44\ 174.

(72) انظر: كامل الزيارات، ابن قولويه، 284.

(73) وسائل الشيعة، العاملي، 14 \ 501.

(74) انظر: شبكة النت مركز الأبحاث العقائدية، مظاهر الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، أبو حوراء. https\\agaed.not

(75) بحار الأنوار، المجلسي، 22\8.

(76) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 15 \ 411.

(77) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 12 \ 22.

(78) انظر، كشف الغطاء، انظر: عقائد الإمامية، المظفر.

(79) انظر: معاني الأخبار، الصدوق، 1\ 179. انظر: مهمات التوحيد المفيد، ص203.

(80) انظر: الكافي، الكليني، 2 \18.

(81) انظر: الكافي، الكليني، 2 \ 18. انظر: الأنوار الإلهية، تقي القمي، 1 \90.

(82) انظر: الكافي، الكليني، 1 \ 22.

(83) مجمع البيان، الطبرسي، 7 \ 150.

(84) جواهر الكلام، النجفي، 6 \ 98.

(85) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 44 \ 391.

(86) شبكة النت الموقع المصري اليوم. https\\www almaryyoum.com

(87) انظر: كامل الزيارات، ابن قولويه، 128 -129.

(88) شبكة النت لموقع العتبة الحسينية، وصايا المرجعية. https\\ www gmamhusg alu. org

(89) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 20 \ 233.

(90) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 73، 266.

(91) انظر: الكافي، الكليني، 5 \ 559.

(92) رسالة الحقوق، زين العابدين (عليه السلام)، 257.

(93) انظر: الكافي، الكليني، 5 \ 519.

(94) المصدر نفسه، 101\ 51.

(95) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 5 \ 128.

(96) انظر: الجامع في العلل والفوائد، ماهر الفحل، 2 \ 74.

(97) انظر: لسان العرب، ابن منظور، 7 \ 122.

(98) شبكة النت الموقع الرسمي، الاستفتاءات، زيارة الأربعين، 15 \ 12 \ 2017م. https\\www Sistani.org

(99) انظر: مقتل الحسين، السيد المقرم، 371.

(100) انظر: الكافي، الكليني، 5 \ 378.

(101) انظر: المنجد، لويس معلوف، 577.

(102) صحيح البخاري، البخاري، برقم 6502.

(103) انظر: نهج البلاغة، ص487.

(104) انظر: شعب الإيمان، البيهقي، 11 \ 168.

(105) انظر: التعريفات، الجرجاني، 151.

(106) مجمع البيان، الطبرسي، 20 \ 322.

(107) انظر: في رحاب السيدة زينب، بحر العلوم، 37.

(108) انظر: الكافي، الكليني، 2 \ 468.

(109) انظر: غرر الحكم، 2873.

(110) انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 20 \ 86. انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، 6 \ 212. انظر: الإرشاد، المفيد، 186.

(111) انظر: الميزان، الطباطبائي، 16 \ 26.

(112) شبكة النت الموقع منتدىٰ الكفيل، سيدة العفاف. https\\www foru nsglkgfee.net

(113) الملهوف علىٰ قتلىٰ الطفوف، ابن طاووس، 142.

(114) انظر: زينب الكبرىٰ من المهد إلىٰ اللحد، 420.

(115) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 45 \ 133.

(116) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن، 24 \ 266.

(117) انظر: صحيح مسلم، برقم1403. انظر: تفسير القرطبي، 7 \ 62.

(118) انظر: صحيح مسلم، برقم 1403.

(119) انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني، 2 \ 167.

(120) انظر: صحيح البخاري، برقم 5096.

(121) تفسير السعدي، السعدي، 6 \ 1428.

(122) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، عبد الباقي، 325.

(123) انظر: لسان العرب، 13\ 201. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 4 \ 234.

(124) انظر: المصباح المنير، الفيومي، 261.

(125) انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 20 \ 29.

(126) انظر: مهذب الأحكام، السبزواري، 25\ 218. انظر: منهاج الصالحين، السيستاني، 3 \ 106.

(127) الحدائق الناظرة، يوسف البحراني، 25 \ 476.

(128) انظر: جواهر الأحكام، النجفي، 32\ 354. المهذب، ابن البراج، 2 \ 330.

(129) انظر: إظهار الحق والصواب، القحطاني، 294.

(130) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 197. انظر: معجم ألفاظ الفقه الجعفري، 93.

(131) شبكة النت الموقع الرسمي بخصوص زيارة الأربعين. https\\ www Sistani. ory

(132) انظر: شبكة النت الموقع شبكة المعارف، https\\www almaaref. ory

(133) انظر: تفسير الطبري، 19 \ 559. انظر: الميزان، الطباطبائي، 16 \ 12.

(134) انظر: من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 2 \ 254. انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 11 \212.

(135) انظر: المورد، البعلبكي، ص145.

(136) انظر: من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 2 \ 23. انظر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، 14 \ 19.

(137) شبكة النت العتبة الكاظمية المقدسة، توجيهات المرجعية. Facabook AljwidaiHdyshrine

(138) انظر: جامع أحاديث الشيعة، البروجردي، 14 \ 398.

(139) انظر: ميزان الحكمة، الريشهري، 2 \ 1544.

(140) انظر: تفسير ابن كثير، ابن كثير، 8 \ 65.

(141) انظر: قرب الأسناد، الحميري، ص22. انظر: بحار الأنوار، المجلسي، 71 \ 285.

(142) شبكة النت الموقع وزارة الداخلية العراقية.

(143) انظر: موسوعة الأُسرة تحت رعاية الإسلام، عطية صقر، 1 \ 38. انظر: معالم الأُسرة، أبو عبدو، ص122.

Scroll to Top