قراءة نقدية في أطروحات علي الوردي حول شخصيات الأئمة (عليهم السلام) والتاريخ الإمامي
المدخل النظري والمنهجي
الشيخ حسين الرماحي
يمثِّل المشروع الفكري للدكتور علي الوردي محاولة رائدة في البيئة الفكرية العربية لنقل أدوات التحليل السوسيولوجي من إطارها الأكاديمي الغربي وتطبيقها علىٰ التاريخ والمجتمع الإسلاميين، تبلور هذا المسعىٰ في دراساته المتعدِّدة، ولا سيما في كتابيه (وعّاظ السلاطين) و(مهزلة العقل البشري)، حيث سعىٰ إلىٰ نزع الطابع الغيبي الماورائي عن وقائع التاريخ المبكر، وتفكيك الحوادث عبر ثلاثية التنازع الاجتماعي، ومحدّدات البيئة البدوية والحضرية، والتحليل النفسي للشخصيات.
أفرد الوردي مساحة جوهرية لقراءة حركة أهل البيت النبوي (عليهم السلام) وتطوّر الفكر الإمامي عموماً، متجاوزاً المقاربة الكلامية المرتكزة علىٰ أصل العصمة والنص والتسديد الإلهي، ومعتمداً مقاربة وضعية تعتبر المعصوم فاعلاً اجتماعياً خاضعاً لمنطق الدوافع النفسية وموازين القوىٰ المادية كأي كائن تاريخي.
تقتضي الضرورة الأكاديمية استعراض نصوص الوردي واقتباساته في هذا الباب، تمهيداً لمحاكمتها ونقدها وفق الموازين المعرفية والكلامية والمنهجية الرصينة.
أطروحات علي الوردي حول الأئمة (عليهم السلام) وحركتهم التاريخية:
أوَّلاً: تفسير التباين في المواقف بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام):
ينطلق الوردي في تفسير صلح الإمام الحسن بن علي وثورة الإمام الحسين بن علي (عليهم السلام) من زاوية السيكولوجيا الفردية والاجتماعية، رافضاً ردّ ذلك إلىٰ اختلاف التكليف الشرعي أو الحكمة الإلهية المسبقة.
يقرِّر الوردي في وعاظ السلاطين:
(كان الحسن رجلَ صلحٍ وسلام، بينما كان الحسين رجلَ مبادئ وثورة. وهما في هذا يمثِّلان نمطين من الشخصية… فالحسن أدرك أن لا جدوىٰ من القتال، أمَّا الحسين فآثر الموت علىٰ المذلة).
ويضيف في موضع تحليلي آخر من الكتاب ذاته مقرِّراً ما يراه عقلانية برغماتية عند الإمام الحسن (عليه السلام):
(إنَّ صلح الحسن مع معاوية لم يكن نابعاً من ضعف أو جبن، بل كان نتيجة حتمية لقراءة واقعية للظروف المحيطة به، ولم يكن مدفوعاً بوحي أو نص إلهي بقدر ما كان خضوعاً لمنطق موازين القوىٰ الاجتماعية وتخاذل الكوفيين).
يرىٰ الوردي هنا أنَّ الدافع الأساس لقرارات الأئمة (عليهم السلام) ينبع من طبيعة المزاج النفسي الذاتي وتقدير الضرورات الآنية للأُمَّة والمجتمع، متجاوزاً دلالة الامتداد النبوي والتسديد الماورائي.
ثانياً: تفكيك أصل العصمة والتقديس الماورائي:
يتناول الوردي العقائد الإمامية، وعلىٰ رأسها العصمة، بوصفها نتاجاً اجتماعياً وتاريخياً تراكم عبر الزمن ليُغلف الوقائع بهالة أسطورية. ويصرِّح في مهزلة العقل البشري بنقده للمقاربة اللاهوتية التقليدية:
(إنَّ النظر إلىٰ الأئمة كأشخاص معصومين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، يجعل دراستهم التاريخية أمراً مستحيلاً؛ فالتقديس المفرط يُعطل العقل الناقد، ويحوّل الشخصيات التاريخية إلىٰ أيقونات مجردة من طبيعتها البشرية التي عاشت صراعات زمانها وتأثَّرت بها).
ويوضِّح الوردي أنَّ فكرة الإمامة والنص تمثِّل في التحليل الاجتماعي نوعاً من التعويض النفسي للجماهير المحرومة والطبقات المسحوقة التي لم تستطع تحقيق العدالة في الواقع المادي، فلجأت إلىٰ رفع أئمتها إلىٰ مصاف العلو القدسي لتثبيت هويتها النضالية أمام تسلُّط الحكومات الأموية والعباسية المتعاقبة.
ثالثاً: نقد التديُّن الشعبي والشعائر التاريخية:
يذهب الوردي إلىٰ تفكيك المظاهر الشعائرية للتشيُّع، مستعملاً أدوات التحليل النفسي الفرويدي ونظريات التنفيس الجمعي، حيث يسجل في وعاظ السلاطين:
تحوَّلت التشيُّع من حركة ثورية سياسية تطالب بالعدل الاجتماعي ضد ظلم السلاطين، إلىٰ عقيدة طقوسية وشعائر بكائية تُمارس كنوع من التطهير الوجداني والتنفيس النفسي عن عجز تاريخي مزمن.
يرىٰ الوردي أنَّ الشعائر والتقديس استُثمرا عبر العصور لإدامة التناقض النفسي للمجتمع، حتَّىٰ غدت العقيدة في صيغتها الشعبية أداة تكريس للخضوع بدلاً من أن تكون مشروعاً حضارياً للنهضة.
النقد العلمي لأطروحات الوردي:
أوَّلاً: الاختزال المنهجي وإشكالية الإسقاط السوسيولوجي:
يقوم منهج الوردي علىٰ نزعة اختزالية تجعل البُعد الاجتماعي والنفسي هو المفسِّر الأوحد والنهائي لكافة الظواهر الإنسانية والدينية. في الفلسفة المعرفية والأبستمولوجيا، يُعد إخضاع الظاهرة الدينية المعتقدة بالغيب لأدوات التجريب والاجتماع الوضعي نوعاً من الخلط في رتب العلوم؛ إذ لكلِّ حقل معرفي موضوعه ومبادئه وأدواته.
إنَّ دراسة الفاعل الديني منزوعاً عن منظومته الفكرية الذاتية يُفضي بالضرورة إلىٰ نتيجة مسبقة فاسدة؛ فالإمام المعصوم (عليه السلام) في الوعي الإمامي ينطلق في قراراته ومواقفه من التكليف الشرعي والنص الإلهي والرؤية التشريعية الكلية. فعندما يُسقط الوردي نموذج علم الاجتماع الغربي القائم علىٰ علمنة التاريخ ونفي الغيب علىٰ سياق إسلامي يعتقد بوجود الوحي والتسديد الإلهي، فإنَّه يمارس مصادرة علىٰ المطلوب بفرض رؤيته المادية ابتداءً، متجاهلاً المنطلقات الأساسية لموضوع دراسته.
ثانياً: تفنيد ثنائية المزاج النفسي بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام):
يفتقر استنتاج الوردي القائل باختلاف الطبائع النفسية بين الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) إلىٰ السند التاريخي التحليلي الرصين؛ فالمعطيات التاريخية تثبت اتِّحاد المنهج واختلاف الظرف الموضوعي الخارجي.
الإمام الحسن (عليه السلام) لم يكن مهادناً بطبعه كما زعم الوردي، بل خاض معركة صفين قائداً مقداماً، وجيَّش الجيوش لملاقاة معاوية، وظلَّ متمسِّكاً بالمواجهة العسكرية حتَّىٰ تعرَّض جيشه للاختراق، وخيانته من قبل قادته، ووقوع محاولة اغتياله في ساباط المدائن. كان خياره بالهدنة اضطراراً لحفظ بيضة الإسلام من الاستئصال وحماية الخُلَّص من شيعة علي (عليه السلام)، وإسقاطاً للأقنعة عن مشروع معاوية من خلال شروط الصلح الملزمة.
وفي المقابل، عاش الإمام الحسين (عليه السلام) نحو عشر سنوات بعد استشهاد أخيه الحسن (عليه السلام) إبان حكم معاوية، والتزم حرفياً بنفس الهدنة وشروط الصلح التي أمضاها أخوه الحسن (عليه السلام)، ولم يعلن الثورة المسلحة إلَّا بعد موت معاوية ومحاولة يزيد فرض البيعة القسرية عليه وإسقاط الشرعية عن أحكام الدين. لو كانت العلة علة مزاج شخصي ثائر عند الحسين (عليه السلام) ومسالم عند الحسن (عليه السلام) لخرج الحسين (عليه السلام) علىٰ معاوية في حياته، غير أنَّ الموقفين صدرا عن رؤية قيادية وتشريعية واحدة تزن المصلحة العليا للرسالة؛ فالحسن والحسين (عليهما السلام) إمامان قاما أو قعدا، وسلوكهما تحكمه وظيفة الإمامة لا انفعالات الطبائع البشرية.
ثالثاً: الخلط بين كمال العصمة واختزال التكوين البشري:
وقع الوردي في خلط معرفي بين نفي البشرية عن الأئمة (عليهم السلام) وإثبات العصمة لهم. لم يدَّع الفكر الإمامي يوماً أنَّ الإمام (عليه السلام) خارج عن السُنن الفيزيولوجية أو البشرية العامة، بل إنَّ القرآن نصَّ صراحة في شأن الأنبياء علىٰ أنَّهم بشر يوحىٰ إليهم، والإمام (عليه السلام) في علم الكلام إنسان كامل الإرادة، يملك القدرة علىٰ المعصية والخطأ عقلاً لكنَّه يمتنع عنها بالاختيار لكمال معرفته وسداده الإلهي.
إنَّ نفي العصمة بدعوىٰ أنَّها تعيق التحليل العلمي هو إقصاء مسبق للبُعد الغيبي دون برهان فلسفي، واختزال للإمامة في السياسة الدنيوية المحضة؛ فالتعامل مع الإمام (عليه السلام) بوصفه زعيماً سياسياً محضاً يُسقط دراسة الوردي في خلل مضاعف: جهل بمفهوم الإمامة الإلهية كخلافة نبوية تشريعية، وتشويش علىٰ فهم طبيعة القيادة الدينية وأهدافها الرسالية التي تتجاوز مجرَّد حسابات الربح والخسارة الآنية لموازين القوىٰ.
رابعاً: التعميم غير العلمي في نقد الشعائر والتديُّن:
عمد الوردي إلىٰ أخذ ظواهر التديُّن المشوَّهة أو الممارسات الشعبية المنفلتة ليحاكم بها أصل الفكر الشيعي والمنظومة الشعائرية، دون تمييز دقيق بين الموقف النصي العقائدي الأصيل وبين السلوكيات المتولدة عن الجهل والظروف المجتمعية الضاغطة.
إنَّ الشعائر في المنظور الشيعي الرصين، لا سيما المرتبطة بقضية كربلاء، لم تكن مجرَّد آليات تنفيس نفسي باطني، بل شكَّلت عبر التاريخ نسقاً تعبوياً وحاملاً للهوية المقاومة والرفض المستمر للظلم والاستبداد. اختزال هذه البنية الرمزية والاجتماعية العميقة في مجرَّد مركَّبات نفسية فرويدية يعبر عن قصور في فهم أثر العقيدة الحركي، وعن اتِّكاء علىٰ فرضيات نفسية استشراقية تفتقر إلىٰ الاستقراء الشامل للتاريخ الثقافي والاجتماعي لهذه الأُمَّة.
المراجع والمصادر المعتمدة:
- علي الوردي، وعاظ السلاطين، منشورات دار ومكتبة دجلة، بغداد، طبعة موسعة ومحققة.
- علي الوردي، مهزلة العقل البشري، منشورات دار كوفان، لندن.
- علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دار ومكتبة دجلة، بغداد.
- محمد باقر الصدر، أهل البيت (عليهم السلام) تنوُّع أدوار ووحدة هدف، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.
- محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت.
- جعفر السبحاني، الإلهيات علىٰ هدىٰ الكتاب والسُنَّة والعقل، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم.
- راضي آل ياسين، صلح الحسن (عليه السلام) – أسباب ومواقف ودوافع، دار الكتاب الإسلامي، قم.