كن حرًّا تكن عبداً
الشيخ محمد حسن الشيخ ناجي
الحمد لله أوَّلاً وآخراً، عليه توكَّلتُ وإليه الإنابة والمصير، وبعد:
لعلَّ العنوان لافت لنظر الأحبة أعزّهم الله، فهو يحمل معنىٰ أشارت إليه الآيات الكريمة والروايات الشريفة، والتي تهدف إلىٰ تحرُّر الإنسان من عبودية النفس والشيطان، فإنَّ التحرُّر منهما يوصل الإنسان إلىٰ الكمال الحقيقي وهو العبودية لله تعالىٰ، فالحرية الحقيقية توصل الإنسان للتمسُّك بعبادة الرحمن ليحظىٰ العابد بالصراط المستقيم كما جاء في قوله تعالىٰ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (يس: 60).
جاء في الكافي الشريف: عدَّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبىٰ رفعه قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله، وأثنىٰ عليه ثم قال: «أيُّها الناس إنَّ آدم لم يلد عبداً ولا أَمَة، وأنَّ الناس كلّهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضاً»(1).
فالحرّ الحقيقي هو المتحرِّر من قيود زخرف الحياة الدنيا وزبرجها.
ولكي يتَّضح المعنىٰ جليّاً، فلابدَّ من بيان المعنىٰ اللغوي للعنوان.
فالحرية لغة كما جاء في المعجم الوسيط (هي الخلوص من الشوائب أو الرق أو اللؤم، وكون الشعب أو الرجل حراً)(2).
وأيضاً ذهب الطاهر بن عاشور بقوله: (جاء لفظ الحرية في كلام العرب مطلقاً علىٰ معنيين، أحدهما ناشئ عن الآخر.
المعنىٰ الأوَّل: ضد العبودية، وهي أن يكون تصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفاً غير متوقّف علىٰ رضا أحد آخر…
المعنىٰ الثاني: ناشئ عن الأوَّل بطريقة المجاز في الاستعمال، وهو تمكّن الشخص من التصرُّف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض)(3).
ومعنىٰ ذلك:
إنَّ الحرّ يكون حرّاً في شؤونه وتصرفاته، فهو يملك قراراته، ولا يتوقَّف ذلك علىٰ أي إذن من أحد سواه.
ونشوء هذا المعنىٰ الثاني من الأوَّل هو أنَّ الأوَّل كان تصرف الحرّ بالأصالة لا يتوقَّف علىٰ إذن أو معارضة من أحد وهو الخروج من عبودية الأشخاص، والثاني نتيجته كنتيجة الأوَّل إلَّا أنَّ الأوَّل ناظر إلىٰ الحرية التي يقابلها الاسترقاق والاستعباد والثاني دون ملاحظة هذا المفهوم أي لا يوجد مسترق حقيقي.
وكيفما كان فالأمر واحد وهو المطلوب، ولكن قد يشتبه علىٰ البعض أنَّ الانتفاضة علىٰ القيم والأعراف والنظم الاجتماعية تحرّر من هذه القيود كما يصفها المنتفضون.
وهذا بحدِّ ذاته خطر جسيم، فمفهوم الحرية لا يعني العبثية المطلقة دون قيود.
والاصطلاح بالقيود والشروط والحدود التي ينبغي، بل يجب عقلاً علىٰ الناس أن يتمسَّكوا بها، ولا يتعدوها فرق في المعنىٰ بين هذا وما ذهب إليه المشتبهون.
ولو سألنا سائقاً مركبة عن نتيجة عدم التزامه بقوانين المرور في الشارع ما الذي يكون؟
لكان جوابه أنَّ عدم الالتزام سيؤدِّي إلىٰ وقوع كوارث مرورية في جميع أنحاء العالم، وهذا ينسحب علىٰ جميع القوانين بلا فرق.
والسبب في ذلك هو تشهي النفوس المختلفة طباعها لما يريحها دون النظر إلىٰ عواقب الأمور.
ولو أخذنا فرداً من أفراد ناكري القوانين والناقمين عليها، وتابعنا ما هو عليه من خلال حياته لوجدناه منتظماً بالفطرة من حيث لا يشعر من بناء أُسرته وعمله وتجارته وحتَّىٰ في نومه، ويقظته وتحركاته وسكناته وأنفاسه.
ولو مرض فهو خاضع لنظام علاجي، وكلّ هذا إنَّما هو ضمن منظومة تحتوي علىٰ أُسس وأنظمة وقوانين، وهذه عبودية كما يراها من منظاره المغوَّش.
وللأسف الشديد التبس علىٰ كثير من المنادين بحرية الإنسان هو فصل القيم السماوية التي وضعها خالق السماوات والأرض عن المجتمع بدعوات مغلَّفة بمصطلحات برّاقة وخطابات رنّانة تؤدِّي ببني البشر إلىٰ المهالك والحيرة.
نعم، هناك عبودية لابدَّ للإنسان أن يتحرَّر منها ليكون لله عبدٌ يريد منه أن يكون حراً وهي عبودية النفس والشيطان، واتِّباع الهوىٰ والخنوع للدنيا وزخرفها، حتَّىٰ يصل المرء إلىٰ أن يكون بعقله البسيط مهما وصل، ومهما حصل أداة بيد الأفكار المهلكة، والقناعات المضحكة.
يخبرنا التاريخ عن الأُمم الماضية، وكيف تعاملت مع النصوص السماوية المقدَّسة التي لا مناص عنها لأنَّها صادرة عن مدبِّر هذا الكون، فمنهم من رفض وانقرض، ومنهم من آمن وأَمِن، ولا يصح إلَّا الصحيح.
نقطةٌ جوهرية:
هناك نقطةٌ جوهرية مهمّة، ولعلَّها الخيط الأبيض في دياجي الغسق: أنَّ الأسياد حينما يستعبدون الناس إنَّما استعبدوهم جلباً لمصلحة أنفسهم ولا منفعة للعبد إطلاقاً.
بينما عبادة الله تعالىٰ فهي ناظرة إلىٰ مصلحة العبد نفسه، ولا ينتفع الخالق بها إن جاز التعبير ولذلك عبر (عزَّ وجلَّ) بقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسراء: 7).
فالالتزام بالمثل العليا ومكارم الأخلاق هي نظام يستفيد منه المرء ليعيش فاضلاً في نشأةٍ أراد الله تعالىٰ أن تكون للفاضلين، بينما الإساءة راجعة للمسيء، وليس لربِّ المسيء، وهذه النقطة هي الفارقة بين المعنيين.
العبوديّة البائسة:
بئس العبد الذي يرضىٰ بالذلّة والمهانة، ويتخلَّىٰ عن فطرته السليمة وكرامته كإنسان، ولا يرضىٰ إلَّا أن يكون أبيَّ النفس غير تابع لطامع أو مستبداً.
ومن هنا خاطب الإمام سيّد الشهداء أبي الضيم أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) معسكر عمر بن سعد، حيث قال: «ويحكم يا شيعة آل سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم»(4).
فالإمام الرحيم يلقي حجَّته علىٰ القوم بهذا الخطاب، ويبيِّن من خلاله أنَّ الإنسان، حتَّىٰ لو لم يكن له دين يدين به، ويلقىٰ الله تعالىٰ عليه ولم يخف من ذلك اليوم ذي الهول العظيم فعليه، أن يكون حرًّا في دنياه لا مستعبداً من قبل عبيد الدرهم والدينار وحطب النار.
ومن هنا يتَّضح جليًّا أمرٌ لابدَّ من الإشارة إليه وهو أنَّ العبد علىٰ ثلاثة أنحاء:
1- عبدٌ لله تعالىٰ إن أطاع نجا وفاز بالرضوان والجنان، وإن عصىٰ كان من الهالكين الذين فرَّطوا بنعيم الآخرة.
2- عبدٌ للشيطان وهوىٰ النفس بداعي التحرُّر من قيود الطاعة والالتزام بالأحكام واتِّباع من خلقهم الله تعالىٰ منائر للهدىٰ وسبلاً للرشاد وهذه عبودية مقيتة.
3- عبدٌ لعبيد الدنيا، وهذا هو أخسر الخاسرين والذي خاطبه الإمام الحسين (عليه السلام) بالخطاب الذي ذكرناه يوم عاشوراء حيث أراد منهم أن يتحرَّروا من عبادة قوم باعوا دينهم ودنياهم بالثمن الأوكس.
الخاتمة:
القرآن الكريم حافل بالآيات الكريمة التي ذكرت الغفلة عن آيات الله تعالىٰ وعن الموت والحساب وغير ذلك كما قال عزّ من قائل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (الأعراف: 146)، فالغفلة مرض بالغ الخطورة لا يمكن للإنسان أن يتخلَّص منه إلَّا بدوام الذكر والتفكُّر والتدبُّر ومجالسة أهل الذكر والإنذار والابتعاد عن كلِّ ما يلوِّث الأذهان من الاعتقادات والعادات الفاسدة ونبذ أهل الباطل، ولو كانوا أولي قربىٰ.
وهذا هو الغرض من كتابة هذه السطور لتذكير نفسي وإخوتي ممن لهم حقٌّ عليَّ ألَّا نبتعد عن تعاليم ديننا وأن نتمسَّك بالثقلين العظيمين (كتاب الله والعترة الطاهرة) وألَّا نغفل عنهما طرفة عين أبداً، وبهذا نكون عبيداً لله وحده أحراراً كما خلقنا وكرَّمنا، لا عبيداً لرغباتنا وأنفسنا.
ونختم بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال:
«لا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حراً»، وقال (عليه السلام): «لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حراً»(5).
وروي عن إمامنا الصادق (عليه السلام): «إنَّ الحر حر علىٰ جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصديق الأمين (صلوات الله عليه) لم يضرر حريته إن استعبد وقهر وأُسر»(6).
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
الهوامش:
(1) الكافي، ج ٨، الشيخ الكليني، ص ٦٩.
(2) ج١، ص ١٦٥.
(3) مقاصد الشريعة الإسلامية 3: 371-372.
(4) الفتوح، ج ٥، أحمد بن أعثم الكوفي، ص١١٧.
(5) ميزان الحكمة، ج١، محمد الريشهري، ص٥٨٢.
(6) المصدر السابق.