الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.
مقدمة:
إذا ما أردنا تعريف الإمام الحسين (عليه السلام) فإنَّنا لا نتردَّد أن نعرِّفه بأنَّه سيد الشهيد، ثأر الله، المرمَّل بالدماء، وغيرها من المفردات المرتبطة بكربلاء، ولكن هل من صحيح أن نختصر الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء؟ أم أنَّ الإمام (عليه السلام) له أدوار مختلفة قبل كربلاء في فترة إمامته (عليه السلام)، فما هي هذه الأدوار؟ هل قام الإمام (عليه السلام) علىٰ معاوية، أم أنَّه كان مهادناً كما كان الإمام الحسن المجتبىٰ (عليه السلام)؟
ما هو موقفه من صلح أخيه الإمام الحسن بعد استشهاده؟
كيف كانت طبيعة العلاقة بينه (عليه السلام) وبين معاوية في هذه الفترة المهمة والحساسة؟ كل هذا سنعرفه بهذا المقال إن شاء الله تعالىٰ.
المطلب الأوَّل: مشروع التوازنات:
إنَّ المشروع الديني يتميَّز بأنَّه مشروع توازنات، خلافاً لكثير من المدارس التي هي أحادية النظرة إمَّا إفراط وإمَّا تفريط، ولتوضيح الفكرة نأخذ علىٰ سبيل المثال كيف نظر الإسلام للعلاقة بين الدنيا والآخرة؟ هل ينظر للآخرة علىٰ حساب خراب الدنيا كما تفعل بعض الفلسفات وكما هي النظرة السائدة حتَّىٰ عند عوام الناس؟ عندما نرجع إلىٰ التعاليم الدينية والنظرية الإسلامية نجدها توازن بين الدنيا والآخرة ولم تجعل الآخرة علىٰ حساب الدنيا وخرابها، فحافظ علىٰ قيمة الدنيا، نعم هي في الحقيقة وسيلة للآخرة ومزرعة نتاجها في الآخرة، وأراد من الإنسان إعمارها، وأن يكون هذا الإعمار حسب قوانين رسمها الله تعالىٰ لصالح الإنسان، هذه نقطة يجدر الالتفات لها، ولها مدخل في فهم سيرة الأئمة (عليهم السلام)، وكيف أنَّهم أرادوا الحفاظ علىٰ الدين ونصرته، ولكن حسب مقتضيات الزمان والظروف، ولذلك اختلفت مواقفهم ولكن هدفهم واحد، وما ذلك إلَّا لأجل التوازن الذي تقتضيه الحكمة الإلهية، وسنرىٰ كيف أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يتعامل في توازن متقن لمقتضىٰ الظروف.
النقطة الأخرىٰ التي ينبغي الالتفات لها: أنَّ هنالك للدين نظرة تجزئ الدين وتنظر إلىٰ كل جزء منه علىٰ حدة، هي نظرة أحادية، تنظر إلىٰ عضو من جسد الدين، وتغض النظر عن باقي الأعضاء، مما يعني أنَّها عندما تريد تحاكم هذا الجزء تحاكمه بعيداً عن النظرة الكلية للدين، وهذا ما ينتج عنه نتائج وفهم معوّق للدين، فمثلاً عندما نريد دراسة حياة الأئمة (عليهم السلام) ندرس حياة كل إمام علىٰ حِدة، أو دراسة كل موقف للإمام منقطع عن باقي المواقف لنفس الإمام، وهذا الأسلوب له سلبيات، ولكن لا يعني أنَّ الدارس لحياة الأئمة يستغني عنه بل أنَّه ضرورة لابدَّ منها، ولكن ليست نهاية الطريق بل هو خطوة أولىٰ تتبعها خطوة أخرىٰ هي الأهم، قال السيد محمد باقر الصدر: (ولا أريد بهذا أن نرفض دراسة حياة الأئمة علىٰ أساس النظرة التجزيئية، أي دراسة كل إمام بصورة مستقلة، بل إنَّ هذه الدراسة التجزيئية نفسها ضرورة لإنجاز دراسة شاملة كاملة ملائمة ككل، إذ لابدَّ لنا أوَّلاً أن ندرس الأئمة بصورة مجزأة ونستوعب إلىٰ أوسع مدىٰ ممكن حياة كل إمام بكلّ ما تزخر به من ملامح وأهداف ونشاط، حتَّىٰ نتمكَّن بعد هذا أن ندرسه ككل ونستخلص الدور المشترك للأئمة جميعاً، وما يعبّرون عنه من ملامح وأهداف وترابط)(1)، والنظرة الأخرىٰ لدراسة حياة أهل البيت (عليهم السلام) أن تدرس حياتهم ككتلة واحدة، قطعة متكاملة، صورة غير ناقصة، فبعد دراسة حياتهم (عليهم السلام) علىٰ أساس النظرة الجزئية يتم دراسة مرة ثانية بالنظرة كلية جامعة.
وفي الحقيقة قد يطبق علىٰ حياة إمام واحد بدراسة جزئية لكلِّ موقف من مواقفه فتخرج نتائج مختلفة عما إذا درست بنظرة كلية لحياته كما سنرىٰ.
المطلب الثاني: الإمام الحسين (عليه السلام) وعشرة سنوات من الصلح مع معاوية:
تُختصر حياة الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه مع معاوية، وتختصر حياة الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة كربلاء، اليوم يعرف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنَّه الثائر علىٰ يزيد، الشهيد، قتيل كربلاء، وغيرها مما تتَّصل بكربلاء، فيختصر (صلوات الله عليه) بكربلاء، وهذا من آثار القراءة الجزئية التي تقدَّم بيانها، ولكن القراءة بالمنهج الموضوعي لها نتائج أخرىٰ، فإنَّه (عليه السلام) لعشرة سنوات في صلح مع معاوية وكانت هذه الفترة من الفترات الحساسة جداً، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) قد أدارها بحكمة عالية وجنَّب الشيعة لما كان يريده معاوية من اجتثاثهم من الوجود.
إذن هذه الزاوية والمساحة الواسعة من حياته (عليه السلام) غطَّت عليها أحداث السنوات الأخيرة من حياة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، نريد في هذه السطور أن نسلِّط الضوء علىٰ جزئية من هذه الفترة وهي صلحه (عليه السلام) مع معاوية وكيف كانت علاقته مع معاوية.
في الحقيقة أنَّ الملمح البارز والملفت للنظر أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ولمدة عشرة سنوات كان في صلح مع معاوية، فقد سار علىٰ ما سار عليه الإمام الحسن المجتبىٰ (عليه السلام)، ولم يرد القيام علىٰ معاوية لأسباب ليس هذا محلّها، مع أنَّ شيعته كانوا قد أصرُّوا عليه بالقيام ضد معاوية، ولكنه (عليه السلام) كان ينصحهم وبشدة بالاحتراس من بطش معاوية، وأنَّ الوقت بعدُ لم يحن للقيام، ومن هنا نعرف التوازن الذي جرىٰ عليه الإمام الحسين (عليه السلام)، قرارات يحكمها مقتضىٰ الزمان والظروف والمصالح العليا للدين، فقد تعدَّدت الأدوار ولكن الهدف واحد، لا يمكن أن نصف الإمام الحسين بأنَّه ثوري فقط، ولا يمكن أن يوصف فقط بحسب ما كان عليه من الصلح مع معاوية ولمدة عشرة سنوات، يتحرَّك (صلوات الله عليه) كما باقي الأئمة حسب مقتضىٰ الظروف الزمانية والمكانية، نعم الثابت محفوظ والهدف واحد، ولكن هنالك مساحة متحرِّكة لأن يُنظَر للظروف، ومن ثم كان قيامه (عليه السلام) في كربلاء ناصعاً لأنَّ الحسابات كانت دقيقة، ولو أنَّ القيام كان في زمان معاوية لم يكن بتلك النصاعة، لأنَّ الظرف لم يحن كما صرَّح الإمام الحسين عن ذلك، ولذا فقد التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بموقف أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) في الصلح والمهادنة، فقد ورد في أنساب الأشراف للبلاذري قال: (فلمَّا توفي الحسن بن علي اجتمعت الشيعة، ومعهم بنو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي -وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب- في دار سليمان بن صرد، فكتبوا إلىٰ الحسين كتاباً بالتعزية وقالوا في كتابهم: إنَّ الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضىٰ ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك، وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه وتطلَّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضىٰ هديه ويطمأنّ إلىٰ قوله ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان، والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه، فكتب -الحسين (عليه السلام)- إليهم: «إنِّي لأرجو أن يكون رأي أخي (رحمه الله) في الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً، فالصقوا بالأرض وأخفوا الشخص واكتموا الهوىٰ واحترسوا من الأظَّاء ما دام ابن هند حيّاً، فإن يحدث به حدث [موت معاوية] وأنا حيّ يأتكم رأيي إن شاء الله»)(2).
الإمام الحسين (عليه السلام) الثوري لاحظ كيف يطلب من الشيعة أن يلصقوا بالأرض وأن يختفوا عن أنظار السلطة، هذه هي نظرة الإسلام المتوازنة، فرغم رسائل الشيعة بالقيام ضد معاوية ولكنه (عليه السلام) كان يرىٰ ضرورة أن يؤجِّل هذا القيام وأنَّ واجب الشيعة في فترة معاوية أن يكونوا في بيوتهم ويلزموا الأرض، ويحافظوا علىٰ كيانهم، ودمائهم.
ورد في الطبقات لابن سعد عن لوط بن يحيىٰ الغامدي قال: (وقدم المسيب بن نجبة الفزاري وعِدّة معه إلىٰ الحسين بعد وفاة الحسن فدعوه إلىٰ خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك فقال: «إنِّي أرجو أن يعطي الله أخي علىٰ نيَّته في حبِّه الكف وأن يعطيني علىٰ نيَّتي في حبِّي جهاد الظالمين»)(3).
وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يحاول جاهداً إدارة أمور الشيعة خصوصاً في العراق والحجاز، كل ذلك بهدوء وبدون أن يثير حفيظة معاوية وولاته، لقد كانت الموازنة دقيقة وحسّاسة جدّاً بين الإمام الحسين (عليه السلام) وبين معاوية، لكنّ بعض الأمويّين ممّن كانت قلوبهم تغلي بنار الحقد علىٰ أهل البيت (عليهم السلام)، وليس لهم دهاء معاوية، كانوا يستعجلون معاوية في تقاريرهم التي يبعثونها بالأخذ علىٰ يد الإمام (عليه السلام) أخذاً شديداً أو التخلُّص منه قبل أن تستفحل الأمور وتستعصي معالجتها علىٰ بني أُميّة، وأشدّ هؤلاء الأمويّين حقداً وأكثرهم عجلة، كان مروان بن الحكم الذي كانت تقاريره تتوالىٰ علىٰ معاوية.
ورد في أنساب الأشراف للبلاذري قال: (وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلىٰ الحسين يجلّونه ويعظمونه ويذكرون فضله ويدعونه إلىٰ أنفسهم ويقولون: إنَّا لك عضد ويد، ليتَّخذوا الوسيلة إليه، وهم لا يشكّون في أنَّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحداً، فلمّا كثر اختلافهم إليه، أتىٰ عمرو بن عثمان بن عفان، مروان بن الحكم -وهو إذ ذاك عامل معاوية علىٰ المدينة- فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلىٰ حسين، والله -إنِّي- لأرىٰ أنَّ لكم منه يوماً عصيباً، فكتب مروان ذلك إلىٰ معاوية، فكتب إليه معاوية: أن اترك حسيناً ما تركك ولم يظهر لك عداوته، و-ما لم- يبد -لك- صفحته، واكمن عنه كمون الشّرىٰ إن شاء الله والسلام)(4).
هذه النصوص وغيرها تكشف عن أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان ولمدة عشرة سنوات في صلح مع معاوية، وسار علىٰ ما سار عليه الإمام الحسن (عليه السلام)، مع أنَّ الشيعة كانوا يطالبون الإمام الحسين (عليه السلام) بالقيام علىٰ معاوية، ولكن الإمام (عليه السلام) كان يطالبهم بأن يكونوا أحلاس بيوتهم، نعم الإمام الحسين الثائر يطالب شيعته بأن يكونوا أحلاس البيوت، هذه هي النظرة المتوازنة للأمور، حيث كان ينتظر الظروف المناسبة للقيام علىٰ السلطة الجائرة والظالمة والتي أرادت أن تقضي علىٰ ما تبقىٰ من الدين الحنيف، وتبيِّن هذه النصوص كيف كانت علاقته (عليه السلام) مع معاوية، ويعرف الإمام أنَّ معاوية هو العدو الأوَّل للدين في تلك الفترة، ولكن الظرف يحتِّم علىٰ الإمام أن يتعامل لأجل إبقاء الشيعة من الإبادة، وعدم نجاح القيام في فترة معاوية، كانت علاقة متوترة، فقد ورد في أنساب الأشراف للبلاذري عن المدائني قال: (كتب معاوية إلىٰ الحسين بن عليّ…: أمّا بعد، فقد انتهت إليَّ عنك أمور أرغب بك عنها، فإن كانت حقّاً لم أقارّك عليها، ولعمري إنَّ من أعطىٰ صفقة يمينه وعهد الله وميثاقه لحريّ بالوفاء، وإن كانت باطلاً فأنت أسعد الناس بذلك، وبحظّ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي، فلا تحملني علىٰ قطيعتك والإساءة بك، فإنِّي متىٰ أنكرك تنكرني، ومتىٰ تكدني أكدك، فاتَّق شقّ عصا هذه الأُمَّة وأن يرجعوا علىٰ يدك إلىٰ الفتنة، فقد جرَّبت الناس وبلوتهم، وأبوك كان أفضل منك، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولا أظنّه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه فانظر لنفسك ودينك، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون، فكتب إليه الحسين: «أمَّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنَّه بلغتك عنِّي أمور ترغب عنها، فإن كانت حقًّا لم تقارّني عليها، ولن يهدي إلىٰ الحسنات ويسدّد لها إلَّا الله، فأمَّا ما نمي إليك فإنَّما رقّاه الملاقون المشّاؤون بالنمائم المفرّقون بين الجمع، وما أريد حرباً لك ولا خلافاً عليك، وأيم الله لقد تركت ذلك وأنا أخاف الله في تركه، وما أظنّ الله راضياً عنِّي بترك محاكمتك إليه، ولا عاذري دون الإعذار إليه فيك وفي أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظالمين وأولياء الشياطين، ألست قاتل حجر بن عديّ وأصحابه المصلّين العابدين الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ظلماً وعدواناً، بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلّظة؟ أوَلَسْتَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلَّىٰ الله عليه [وآله] وسلَّم) الذي أبلته العبادة وصفَّرت لونه وأنحلت جسمه؟! أولستَ المدّعي زياد بن سميّة المولود علىٰ فراش عبيد عبد ثقيف، وزعمت أنَّه ابن أبيك وقد قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه (وآله) وسلَّم): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سُنَّة رسول الله (صلَّىٰ الله عليه) وخالفت أمره متعمّداً، واتَّبعت هواك مكذّباً، بغير هدىٰ من الله، ثمَّ سلَّطته علىٰ العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم، وصلبهم علىٰ جذوع النخل، كأنَّك لست من الأُمَّة وكأنَّها ليست منك، وقد قال رسول الله (صلَّىٰ الله عليه [وآله] وسلَّم): (من ألحق بقوم نسباً ليس لهم فهو ملعون) أوَلستَ صاحب الحضرميّين الذين كتب إليك ابن سميّة أنَّهم علىٰ دين عليّ، فكتبت إليه: اقتل من كان علىٰ دين عليّ ورأيه، فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودين عليّ دين محمّد (صلَّىٰ اللّه عليه (وآله) وسلَّم) الذي كان يضرب عليه أباك، والذي انتحالك إيّاه أجلسك مجلسك هذا ولولا هو كان أفضل شرفك تجشَّم الرحلتين في طلب الخمور وقلت: انظر لنفسك ودينك والأُمّة واتّق شقّ عصا الألفة وأن تردّ الناس إلىٰ الفتنة، فلا أعلم فتنة علىٰ الأُمَّة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وديني، أفضل من جهادك، فإن أفعله فهو قربة إلىٰ ربّي، وإن أتركه فذنب أستغفر الله منه في كثير من تقصيري، وأسأل الله توفيقي لأرشد أموري، وأمَّا كيدك إيَّاي فليس يكون علىٰ أحد أضرّ منه عليك، كفعلك بهؤلاء النفر الذين قتلتهم ومثَّلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك، إلَّا مخافة أمر لو لم تقتلهم متَّ قبل أن يفعلوه، أو ماتوا قبل أن يدركوه، فابشر يا معاوية بالقصاص، وأيقن بالحساب، وأعلم أنَّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، وليس الله بناسٍ لك أخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه علىٰ الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلَّا خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيّتك، وتبوّأت مقعدك من النار، فبعداً للقوم الظّالمين»)(5).
الخاتمة:
النتيجة التي يمكن الخروج بها مما تقدَّم هي أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قام بدورين في فترة إمامته، دوران لا يجتمعان، الصلح والقيام وذلك يرجع إلىٰ التوازن الذي كان عليه الإمام الحسين (عليه السلام)، وأنَّه (عليه السلام) ولعشرة سنوات من مدة إمامته كان قد سار علىٰ ما سار عليه الإمام الحسن (عليه السلام)، مما يعني أنَّه من غير الصحيح أن يُختصر (عليه السلام) في كربلاء، حيث إنَّ هذه العشرة كانت فترة بمنتهىٰ الحساسية، وقد اتَّضح أنَّ العلاقة بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية قد اتَّسمت بالحذر، واستمرار رسائل معاوية أحياناً بالتهديد والوعيد وأحياناً أخرىٰ بالتملُّق والتقرُّب للإمام (عليه السلام)، وهذه من شيطنة معاوية.
الهوامش:
(1) أهل البيت (عليهم السلام) تنوع أدوار ووحدة هدف – السيد باقر الصدر: ص79.
(2) أنساب الأشراف: ج3، ص151.
(3) الطبقات الكبرىٰ لابن سعد: ص440.
(4) أنساب الأشراف: ج3، ص152.
(5) مصدر سابق.