الإهداء:
إلىٰ أبناء الوطن المُعذَّب.. بين ديمقراطية الجهل وبين الاستبداد الطائفي.
إلىٰ الذين كُتب عليهم أن يتجرعوا مرارة الوهم، في زمنٍ تقنّع فيه الطغيانُ بأثوابِ الشورىٰ المزيفة، واستُعبد فيه العقلُ الجمعي باسم ديمقراطية الجهل، ومُزّقت فيه أوصال الأُمَّة بسكاكين الاستبداد المتستر بالطائفة.
إلىٰ كلِّ روحٍ حرةٍ ترفض أن تكون رقماً في قطعانِ التبعية، أو ضحيةً لتزييف الوعي الذي يمارسه تجار الهويات ووعاظ السلاطين الجدد، الذين حولوا الأوطان إلىٰ غنائم، والمواطنين إلىٰ رعايا.
إلىٰ الشباب الذين يدفعون ضريبة السير القهقرائي من أعمارهم وأحلامهم، وما زالوا يقبضون علىٰ جمر الأمل، باحثين عن دولةِ العدل، والمحاسبة، والمواطنة التي لا تفرّق بين أبنائها.
إلىٰ الأجيال التي أدركت متأخرةً.. أنَّ التحرُّر الحقيقي لا يبدأ بصناديق اقتراعٍ عمياء، بل بكسر أطواق الاستعباد النفسي، وأنَّ الأوطان لا تُبنىٰ بجهل الجماهير، بل بوعي الأُمَّة وتنزيه الملَّة.
إلىٰ كلِّ هؤلاء الطامحين لانبلاج فجر الخلاص.. أُهدي عصارة هذا الجهد المتواضع؛ ليكون صرخةَ حقٍ في وجهِ الطغيان، ونبضةَ وعيٍ في طريق الانعتاق، ولبنةً في صرحِ بناء دولةِ الإنسان.
المقدمة:
- مشكلة البحث: تتمحور مشكلة هذه الدراسة حول الإشكالية الكبرىٰ التي واجهت العقل السياسي الإسلامي عموماً، والشيعي الإمامي خصوصاً في عصر الغيبة، وهي في ظلِّ غياب الحاكم المعصوم، كيف يمكن إقامة سلطة سياسية شرعية تمنع الفوضىٰ وتحفظ النظام وفي ذات الوقت لا تنزلق نحو الاستبداد المطلق؟ وكيف عالج المحقق محمد حسين النائيني (رحمه الله) هذه الإشكالية عبر التوفيق بين المرجعية الفقهية الإسلامية والآليات الدستورية الحديثة الوافدة من التجربة البشرية الغربية؟
- أهمية البحث: تكتسب هذه الدراسة أهميتها من القيمة التأسيسية لكتاب تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة، فهو لا يمثِّل مجرَّد وثيقة تاريخية كُتبت إبان الثورة الدستورية في إيران (المشروطة)، بل يُعد نقطة تحول جذرية في الفقه السياسي الشيعي؛ حيث نقل الخطاب من فقه الانتظار السلبي والطاعة الاضطرارية إلىٰ فقه المساءلة، والمؤسسات، وتقييد السلطة. إنَّ فهم هذا المشروع يفكّك الكثير من الجدل المعاصر حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.
- أسئلة البحث: تسعىٰ هذه الدراسة للإجابة عن التساؤلات الرئيسية التالية:
- ما هي طبيعة السلطة السياسية في الفكر الفقهي للمحقق النائيني (رحمه الله)؟
- كيف استطاع النائيني (رحمه الله) تفكيك البنية العقائدية للاستبداد الديني والرد علىٰ شبهات خصومه؟
- ما هو البديل الشرعي والمؤسسي الذي طرحه النائيني (رحمه الله) لتعويض غياب العصمة في الحاكم؟
- كيف تعامل فقهياً مع المفاهيم والآليات الحديثة مثل (الدستور، البرلمان، الحرية، المساواة)؟
- منهج البحث: تعتمد هذه الدراسة علىٰ المنهج الوصفي التحليلي التفكيكي؛ حيث ستقوم بوصف الظاهرة السياسية كما طرحها النائيني (رحمه الله)، ثم تحليل مرتكزاتها الأصولية والفقهية، وتفكيك الحجج التي ساقها للرد علىٰ دعاة الاستبداد، بغية الوصول إلىٰ فهم متكامل لفلسفته الدستورية.
المبحث الأوَّل: الإطار المرجعي والتاريخي لمشروع النائيني (رحمه الله):
المطلب الأوَّل: الصدمة الحضارية ومبدأ الاسترداد (بضاعتنا رُدّت إلينا):
ينطلق المحقِّق محمد حسين النائيني (رحمه الله) في مقاربته التأسيسية لمشروع المشروطة (الدولة الدستورية) من تفكيك واحدة من أخطر الشبهات التي طرحها تيار الاستبداد (وعاظ السلاطين)، وهي الزعم بأنَّ النظام الدستوري، وما يرافقه من تقييد للسلطة وتأسيس للمجالس النيابية، ما هو إلَّا بدع غربية كافرة ومستوردة تتنافىٰ مع الشريعة الإسلامية. ولمقارعة هذه الحجة، لم يكتفِ النائيني (رحمه الله) بالنصوص الفقهية المجردة، بل اعتمد قراءة تاريخية حضارية تضع الظاهرة السياسية في سياقها الصحيح.
1- تشخيص واقع الأُمَّة (السير القهقرائي):
يبدأ النائيني (رحمه الله) بتشخيص الواقع المرير للأمة الإسلامية، واصفاً إياه بالسير القهقرائي. فقد انحدر المسلمون من موقع الريادة الحضارية ليقعوا تحت نير الاستعباد المذل لحكومات جائرة (تمليكية) اعتبرت الأوطان ضياعاً والشعوب عبيداً. هذا التراجع، في نظر النائيني (رحمه الله)، لم يكن خللاً في بنية الدين الإسلامي، بل كان نتيجة حتمية لهجران المسلمين للأصول السياسية والاجتماعية التي أرساها الإسلام، وفي مقدمتها الشورىٰ، ومراقبة الحاكم، ومقارعة الظلم.
2- الاحتكاك الحضاري وانتقال أصول المدنية للغرب:
في مقابل هذا التراجع الإسلامي، يطرح النائيني (رحمه الله) تحليلاً دقيقاً لنهضة الأُمم الغربية المسيحية كما أسماها في النص(1)، ويؤكِّد أنَّ هذه الأُمم لم يكن لها، قبل الحروب الصليبية، أي نصيب يُذكر من العلم والمدنية والنظم السياسية الديمقراطي. لقد حدثت نقطة التحول التاريخية عندما احتك الغربيون بالمسلمين، فاكتشفوا ما يمتلكه الإسلام من أصول في حقلي التمدن والسياسة.
لقد أدرك الغرب أنَّ تقدُّم الدول لا يكون إلَّا بتقييد إرادة الحكام بقوانين صارمة. هذه القيم التي تشمل الحد من السلطة الجائرة، وتحقيق العدل، ومساواة الرعية، وهي أصول إسلامية خالصة، مستمدة بالأساس من الكتاب والسنة وسيرة المعصومين (عليهم السلام).
لقد أخذ الغرب هذه الأصول، وطوّر آلياتها المؤسسية (كالدستور والبرلمان)، ونهض بها لتكون البوصلة في حركته السياسية.
3- مبدأ الاسترداد (بضاعتنا رُدّت إلينا):
بناءً علىٰ هذه القراءة التاريخية، يقرّر النائيني (رحمه الله) مبدأ الاسترداد الحضاري. فالنظم الدستورية المعاصرة التي أبهرت العالم بآلياتها في الحد من طغيان الحكام، ليست غريبة عن الروح الإسلامية، وليست غزواً فكرياً يُخشىٰ منه، بل هي تطبيق لمقولة بضاعتنا رُدّت إلينا.
يؤسس المحقق النائيني (رحمه الله) هنا لقاعدة نفسية وسياسية بالغة الأهمية وهي أن تبني الأُمَّة الإسلامية للدستور والمجالس النيابية ليس استيراداً لثقافة أجنبية، بل هو استرداد وإحياء لموروث إسلامي أصيل أضاعه المسلمون وتلقفه الغرب وعمل به.
بهذا الطرح العبقري، جرّد النائيني (رحمه الله) دعاة الاستبداد الديني من أقوىٰ أسلحتهم الأيديولوجية، فقد حوّل المطالبة بالدستور من كونها تهمة بالتغريب والتبعية، إلىٰ كونها مطلباً إسلامياً أصيلاً يستهدف استعادة الذات، وتطهير الدولة من الاستبداد الذي هو الدخيل الحقيقي علىٰ الفكر السياسي الإسلامي.
المطلب الثاني: سيكولوجية الجماهير وتطبيع العبودية (تحليل السير القهقرائي للأُمَّة، وكيفية تزييف وعي الجماهير للقبول بالاستبداد):
لا تنحصر خطورة الاستبداد السياسي في كونه جهازاً قمعياً يمارس الإكراه المادي علىٰ الأجساد، بل تتجلَّىٰ خطورته الكبرىٰ في قدرته علىٰ اختراق البنية النفسية والمعرفية للمجتمع، وتحويل القهر إلىٰ قناعة، والعبودية إلىٰ طبيعة، وفي هذا المطلب، نعالج الآليات السيكولوجية والأيديولوجية التي تُفضي إلىٰ تطبيع العبودية، مستندين في ذلك إلىٰ المقاربة الرائدة للعلامة الميرزا محمد حسين النائيني (رحمه الله)، والتي مثّلت تفكيكاً مبكراً لظاهرة العبودية المختارة، ومحاولة جادة لتشخيص الانتكاسة الحضارية للأُمَّة.
أوَّلاً: السير القهقرائي ومأسسة الهزيمة النفسية، حيث ينطلق التحليل الفقهي السياسي لظاهرة التخلف من تشخيص الواقع المأزوم، حيث وصف النائيني (رحمه الله) حالة التراجع الحضاري للمسلمين بالسير القهقرائي الذي أدَّىٰ إلىٰ وقوع الأُمَّة تحت نير الاستعباد المذل.
إنَّ هذا التراجع ليس مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية، بل هو في صميمه هزيمة نفسية وفكرية عميقة، وقد تجلَّت هذه الهزيمة في أخطر صورها حينما برمَج الاستبدادُ العقلَ الجمعي، فلطول مكوث المسلمين تحت سلطة الحكومات الجائرة، تزيّف وعيهم لدرجة أنَّهم أخذوا يظنون أنَّ تمكين النفوس لتلك العبودية، وذلك الاسترقاق هو من وحي الإسلام.
وهذا يتقاطع بوضوح مع أطروحات علم النفس الاجتماعي – مثل مقاربات غوستاف لوبون وإيتيان دو لا بويسيه – التي تؤكِّد أنَّ أخطر مراحل الاستبداد هي تلك التي يتحول فيها المظلوم إلىٰ مدافع عن جلاده، معتقداً أن خضوعه هو جزء من النظام الكوني أو الشرعي الذي لا يجوز المساس به.
ثانياً: الآليات الأيديولوجية لتزييف وعي الجماهير – استثمار المقدس – لضمان استدامة خضوع الجماهير، يعمد الاستبداد السياسي إلىٰ عقد تحالف وظيفي مع مؤسسات الفساد الديني، لإنتاج ما يمكن تسميته بالاستبداد المتستر بالدين.
وقد مارس هذا التحالف آليات تفكيكية لوعي الأُمَّة، يمكن إجمالها في التالي:
أ- احتكار التفسير وشيطنة الإصلاح:
وظَّف المستبدون ووعاظهم الآليات ذاتها التي استخدمها فرعون لضرب المشروع الإصلاحي لموسىٰ (عليه السلام)، متذرعين بحجة الحفاظ علىٰ الدين ومرددين مقولة ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ (غافر: 26).
ب- الشرعنة العقدية للطغيان:
بلغ تزييف الوعي ذروته عندما حاول دعاة الاستبداد تبرير الطغيان عقدياً؛ حيث زعموا أنَّ سلب حكام الجبابرة صفة الإرادة المطلقة والفعل بما يشاء هو أمر ينافي الإسلام، وبذلك أرادوا للحاكم أن يكون حاكماً مطلقاً لا يُسأل عما يفعل.
ج – تكريس ثقافة القطيع:
من خلال هذا الخطاب، تم تصوير المطالبة بتقييد السلطة الدنيوية علىٰ أنَّها اعتداء علىٰ السلطة الإلهية، وهو ما عدّه الفقه السياسي النائيني (رحمه الله) زندقة وإلحاد وتلاعب بالدين المبين، لأنَّه يجعل من الخضوع للمستبد بمنزلة الشرك العملي.
ثالثاً: سيكولوجية الخضوع وأهمية تنبيه الأُمَّة، وهنا تكمن المعضلة الأساسية في سيكولوجية الجماهير في أنَّ المشكلة لم تعد كامنة في سوط الجلاد فحسب، بل في عقل الضحية الذي اعتاد القيد وعلىٰ أنَّ خلع طوق العبودية يعدّ خروجاً عن الدين.
ومن هذا المنطلق الدقيق، أدرك رواد الفقه السياسي الدستوري أنَّ أيَّة محاولة للإصلاح الهيكلي كإنشاء الدستور أو البرلمان ستبوء بالفشل إن لم تسبقها عملية تفكيك نفسية ومعرفية لحالة الخنوع الجمعي، لذا أصبح التكليف الشرعي متمحوراً حول إحداث صدمة وعي مزدوج.
الشق الأوَّل (تنبيه الأُمَّة) والذي يهدف إلىٰ إيقاظ الجماهير من غفلتها، لتدرك ضروريات الشريعة وحقوقها السياسية والمدنية المسلوبة، ولتتحرَّر من عقدة النقص والهزيمة النفسية.
والشق الثاني (تنزيه الملة) والذي يستهدف تبرئة الدين الإسلامي من تهمة تشريع الاستبداد والظلم التي ألصقها به وعاظ السلاطين والمستبدون، الذين وصفهم النائيني (رحمه الله) بالذئاب المفترسة(2) التي تطمع في اغتصاب أموال ورقاب المسلمين.
المطلب الثالث: تعرية الاستبداد الديني (دور وعاظ السلاطين، واستخدام الدين كغطاء لشرعنة الظلم):
تمهيد:
إذا كان الاستبداد السياسي يمثِّل أداة القهر المادي للرقاب، فإنَّ الاستبداد الديني يمثِّل أداة الاستلاب المعرفي والروحي للعقول؛ وهو ما يجعله الشريك الوظيفي الأخطر في مأسسة الطغيان وتأبيده.
ولم يكن المشروع الإصلاحي للمحقق النائيني (رحمه الله) في كتابه تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة مجرَّد هندسة دستورية لتقييد سلطة الحاكم، بل كان في جوهره ثورة معرفية لتفكيك الاستبداد المتستر بالدّين، يسعىٰ هذا المطلب إلىٰ تعرية هذه الظاهرة عبر تشخيص الدور الوظيفي لوعاظ السلاطين، وتحليل الآليات الأيديولوجية التي يُختطف بها المقدس لشرعنة الظلم وتبرير استعباد الشعوب.
أوَّلاً: ماهية الاستبداد الديني وخطورته الأنطولوجية عند النائيني:
ينطلق الفقه السياسي التفكيكي من حقيقة مفادها أنَّ الاستبداد الديني ليس مجرَّد انحراف سلوكي لبعض المنتسبين للمؤسسة الدينية، بل هو بنية أيديولوجية مغلقة تُضفي صفة الإطلاق الإلهي علىٰ الإرادة البشرية الحاكمة.
ويرىٰ النائيني (رحمه الله) أنَّ هذا النوع من الاستبداد هو أشد نكيراً وأصعب علاجاً من الاستبداد السياسي الصرف؛ لأنَّ المستبد السياسي يواجه محكومية بقوته العسكرية أو المادية، بينما المستبد الديني يواجههم باسم الله وباسم الشريعة، مما يجعل مقاومته في نظر الجماهير المغيَّبة نوعاً من المروق عن الدين والتمرد علىٰ الإرادة الإلهية.
إنَّ خطورة الاستبداد الديني تكمن في قدرته علىٰ قهر الأُمَّة باسم مقدساتها، فتحت وطأة هذا الخطاب المشوَّه، تتقبل الجماهير العبودية ليس كإكراهٍ يُصبر عليه، بل كتكليف شرعي يُثاب عليه، وبذلك يتحوَّل الدين من قوة تحريرية للإنسان إلىٰ أداة ترويض نفسي من أجل أن تضمن خنوعه الدائم.
ثانياً: الدور الوظيفي لوعاظ السلاطين (تفكيك مقولة الذئاب المفترسة):
في سياق تشخيصه لبطانة السوء التي تحيط بالطغيان، استخدم النائيني (رحمه الله) وصفاً بالغ الدقة والجرأة حين نعت وعاظ السلاطين ودعاة الاستبداد بالذئاب المفترسة التي تطمع في اغتصاب أموال المسلمين ورقابهم تحت غطاء الفتوىٰ والدين. ويمكن تحديد الأدوار الوظيفية التي يقوم بها هؤلاء الوعاظ في النقاط الآتية:
1- الشرعنة الفقهية للإرادة المطلق:
حيث عمد وعاظ السلاطين إلىٰ تحريف المفاهيم العقدية والفقهية لصالح السلطة السياسية الجائرة، وذلك من خلال محاولة إقناع الأُمَّة بأنَّ سلب صفة الإرادة المطلقة والفعل بما يشاء عن الحكام هو أمر ينافي أصول الإسلام.
وبذلك أسسوا لنظرية الحاكم غير المسؤول الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
2- الاستخدام الوظيفي لآليات التكفير والشيطنة:
مارس وعاظ السلاطين إرهاباً فكرياً ضد أي حراك إصلاحي؛ فحينما طالبت الأُمَّة بتقييد سلطة الاستبداد عبر الدستور ومجلس الشورىٰ، جابههم هؤلاء الوعاظ بفتواهم التي تصف المطالبة بالدستور وتقييد سلطة الحاكم بأنها زندقة وإلحاد، وتلاعب بالدين المبين.
إنَّ هذا التكفير الوظيفي يهدف إلىٰ عزل المصلحين سياسياً واجتماعياً وإباحة دمائهم باسم حماية البيضة الشرعية.
ثالثاً: الآلية الفرعونية وأيديولوجيا توظيف المقدس:
يستحضر الفقه السياسي المقارن النموذج القرآني لتحليل آليات التوظيف الأيديولوجي للمقدس؛ حيث يشير النائيني (رحمه الله) إلىٰ أنَّ الاستبداد الديني المعاصر يستخدم تماماً ذات الأسلوب الذي استخدمه فرعون ضد موسىٰ (عليه السلام). فعندما جاء موسىٰ بمشروع إصلاحي تحريري يفكيك استبداد فرعون، لم واجهه فرعون بمنطق القوة العسكرية أولاً، بل واجهه بمنطق الغيرة علىٰ الدين، مردداً مقولته التي خلّدها القرآن: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرضِ الْفَسادَ﴾ (غافر: 26)، إنَّ هذه الآلية الفرعونية تتكرَّر في كل عصر عبر مستويين:
المستوىٰ الأوَّل: ادِّعاء الوصاية علىٰ الإيمان، حيث يُصوَّر الطاغية بمظهر الحامي لحياض الدين والمدافع عن العقيدة، وتُصوَّر معارضته السياسية كخروج عن الملة والدين.
المستوىٰ الثاني: تزييف وعي العوام، إنَّ استغلال العواطف الدينية الفطرية لدىٰ العوام، وتوجيهها لضرب المشاريع التحريرية، مما يفرغ الدين من محتواه العدلي ويحوله إلىٰ رداء زائف يُخفي عورات الاستبداد والمصالح الفئوية الضيقة للحكام ووعاظهم.
رابعاً: (تنزيه الملة) كشرط أساسي لـ(تنبيه الأُمَّة):
تتجلَّىٰ عبقرية النائيني (رحمه الله) المنهجية في عنوان كتابه تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة؛ حيث أدرك برؤية ثاقبة أنَّ عملية تنبيه الأُمَّة أي إيقاظ وعيها السياسي والحقوقي ودفعها للمطالبة بضروريات الشريعة وحقوقها المسلوبة، هي عملية مشروطة بنيوياً بتنزيه الملة أي تبرئة الدين الإسلامي والشريعة الغراء من فرية شرعنة الاستبداد والظلم.
بناءً علىٰ ذلك، يصبح التكليف المعرفي الأوَّل لعلماء الفقه السياسي الحقيقيين هو:
1 – تفكيك الخطاب المشوَّه لوعاظ السلاطين وإثبات أنَّ أطروحاتهم لا تمت إلىٰ جوهر الشريعة بصلة، بل هي مجرد أدوات تبريرية اصطنعتها السلطة الجائرة.
2 – إعادة بناء المفهوم الإسلامي للحكم القائم علىٰ أصول الأمانة، والشورىٰ، والمحاسبة، وتقييد السلطة، والتأكيد علىٰ أنَّ خلع طوق الاستعباد السياسي والديني هو ذروة الالتزام بالتوحيد العملي والعبودية لله وحده.
إنَّ الاستبداد الديني هو الحصن الحصين الذي يختبئ خلفه الاستبداد السياسي. وإنَّ تفكيك هذا الحصن يتطلَّب تعرية وعاظ السلاطين وكشف تزييفهم للمقدس، وتوضيح أنَّ المعركة الإصلاحية ليست معركة ضد الدين، بل هي معركة بالدين الأصيل التحريري ضد الدين المزيف التبريري؛ إذ لا يمكن للأمة أن تسترد وعيها وحريتها السياسية ما لم تحرَّر وعيها الديني أوَّلاً من أسر الذئاب المفترسة التي تقتات علىٰ استعباد الشعوب باسم الشريعة.
المبحث الثاني: تفكيك بنية السلطة والتأصيل العقائدي لرفض الاستبداد:
المطلب الأوَّل: الاستبداد كشرك سياسي (منازعة الإرادة البشرية لصفات القهارية والحاكمية الإلهية):
تتجاوز القراءة الفقهية السياسية للمحقق النائيني (رحمه الله) في كتابه تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة الحدود التقليدية للنقد السياسي القائم علىٰ رصد مظاهر الظلم الاجتماعي أو الفساد المالي، لتلج إلىٰ النواة الصلبة للمنظومة العقدية الإسلامية.
حيث يُقدّم النائيني (رحمه الله) تأسيساً كلامياً فريداً يربط فيه بين الحرية السياسية وعقيدة التوحيد، وبين الاستبداد والشرك بالله.
يفترض هذا المطلب أنَّ أصل الاستبداد ليس مجرد انحراف في إدارة السلطة، بل هو جريمة أنطولوجية وعقدية تتمثل في انتحال المخلوق لصفات الخالق، وتحويل طاعة المستبد المطلقة إلىٰ ضرب من ضروب الشرك العملي والسياسي.
أوَّلاً: التأسيس الكلامي للمشروع السياسي (التوحيد كأداة تحرير):
ينطلق النائيني (رحمه الله) من أطروحة جذرية مفادها أن غاية الرسالات السماوية، وجوهر كلمة التوحيد (لا إله إلَّا الله)، هي تحرير الإنسان من سلطة أخيه الإنسان، وقطع دابر الاستعباد البشري بشتَّىٰ صوره.
بناءً علىٰ هذا المنظور، فإنَّ التوحيد الأفعالي والعملي لا يكتمل في حياة الأُمَّة ما لم يُترجم إلىٰ واقع سياسي يرفض الخضوع لأي إرادة مستقلة عن الإرادة التشريعية الإلهية.
إنَّ إرسال الأنبياء والرسل (صلوات الله عليهم)، والتشريعات الإسلامية الغراء، جاءت بالأساس لكسر أطواق العبودية لغير الله؛ ومن ثمّ، فإنَّ القبول بوجود سلطة بشرية مالكة لرقاب العباد، تتصرف فيهم بغير مقياس قانوني أو شرعي، هو نقض صريح للمقصد الأسمىٰ من الدين، وإعادة إنتاج للوثنية في قوالب سياسية معاصرة.
ثانياً: منازعة صفة (القهارية) و(الحاكمية المطلقة):
يُفكك الفقه السياسي الدستوري بنية الفكر الاستبدادي عبر إبراز الكيفية التي يتطاول بها الحاكم المستبد علىٰ المقامات الإلهية.
وتظهر هذه المنازعة في مستويين رئيسين:
1- انتحال صفة الفعالية المطلقة (يفعل ما يشاء):
يرىٰ النائيني (رحمه الله) أنَّ المستبدين ووعاظهم حاولوا شرعنة طغيانهم عبر الادِّعاء بأنَّ الحاكم يتمتع بإرادة مطلقة لا تقيدها حدود، وأن سلب هذه الصفة عنه ينافي أصول الإسلام.
في حين أنَّ صفة الفعالية المطلقة والإرادة المتمخضة، هي حصراً للذات الإلهية المقدسة، فعندما يمارس الحاكم سلطة مطلقة دون سقف دستوري أو رقابة شعبية، فإنَّه ينصّب نفسه في مقام الربوبية التكوينية والتشريعية، مدَّعياً ضمنياً أنَّه فعال لما يريد.
2- انتحال صفة عدم المسؤولية (لا يُسأل عما يفعل):
لقد بلغت مأسسة الشرك السياسي ذروتها حين أُريد للحاكم المستبد أن يكون غير مسؤول أمام رعيته، بحيث يُصوَّر في الوجدان الجمعي علىٰ أنَّه سلطة متعالية لا يجوز محاسبتها أو مراجعتها.
هذا المفهوم يمثِّل سرقة موصوفة لخاصة من خواص الألوهية المتمثلة في قوله تعالىٰ: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23).
إنَّ إضفاء صفة الإطلاق والتعالي علىٰ الإرادة البشرية الحاكمة هو جوهر القاهرية الزائفة التي ينازع فيها الطاغية ربَّ العالمين.
ثالثاً: سيكولوجية الطاعة المطلقة وتحوّلها إلىٰ شرك طاعتي:
في المقابل، لا يتوقَّف الشرك السياسي عند حدود ادِّعاءات الحاكم، بل يمتد لينفذ إلىٰ سلوك المحكومين عبر ما يُصطلح عليه في الفقه المقارن بشرك الطاعة أو العبودية السلوكية.
حين تذعن الجماهير للمستبد وتمنحه طاعة عمياء ومطلقة في غير معصية الله، أو تقبل بأن تكون إرادته هي القانون الأسمىٰ البديل عن قيم العدل والشريعة، فإنَّها تمارس عملية تأليه شعورية أو لا شعورية للطاغية.
إنَّ هذا الخنوع التام، ولطول مكوث الأُمَّة تحت نير الحكومات الجائرة، تزيّف وعيها لدرجة جعلتها تظن أنَّ تمكين النفوس لتلك العبودية والاسترقاق هو جزء من الواجبات الدينية؛ وهو ما يسميه الفقه النائيني (رحمه الله) بالجهل المركب والارتداد العملي عن جوهر التوحيد، حيث تحول الخضوع للظلم إلىٰ عقيدة مشوهة يُتقرب بها إلىٰ الله.
رابعاً: تقييد السلطة كضرورة لتوحيد الذات الإلهية:
بناءً علىٰ هذه المقدمات الكلامية، يصل المحقق النائيني (رحمه الله) إلىٰ نتيجته الدستورية الحاسمة: إن تقييد سلطة الحاكم (عبر الدستور والبرلمان والمحاسبة) ليس مجرَّد خيار سياسي تكميلي، بل هو واجب شرعي وعقدي لحماية حياض التوحيد وتنزيه الملَّة من الشرك السياسي.
إنَّ إقامة السلطة المقيدة بالدستور هي في حقيقتها العملية، تنزيل للحاكم من مقام الألوهية المدعاة، إلىٰ مقام البشرية الخاضعة للمساءلة والقانون، وبذلك يُسلب منه رداء القاهرية المغتصب.
وإعادة الاعتبار للأُمَّة باعتبارها مستخلفة في الأرض، تملك حق الرقابة والمحاسبة علىٰ من يدير شؤونها، مما يمنع تحول النظام السياسي إلىٰ وثنية مقنّعة.
يخلص هذا المطلب إلىٰ أنَّ النائيني (رحمه الله) قدّم قراءة ثورية للاستبداد؛ فالحاكم المستبد ليس مجرَّد حاكم سيء، بل هو منازع لله في سلطانه، والجماهير التي تطبق العبودية وتمنحه الطاعة المطلقة لا تمارس خنوعاً سياسياً فحسب، بل تقع في حبال الشرك العملي.
وبالتالي، فإنَّ معركة الدستور وتقييد السلطة هي معركة عقدية بالدرجة الأولىٰ، هدفها تحرير التوحيد من أسر الأنماط الفرعونية، وإثبات أن العبودية الخالصة لله لا تتحقَّق إلَّا بالحرية التامة من استعباد الفراعنة والجبابرة.
المطلب الثاني: ثنائية السلطة (التمليكية مقابل الولايتية):
لا يستقيم فهم الآليات الإجرائية لتقييد السلطة في الفكر الدستوري الإسلامي دون التوغل في العمق المفاهيمي الذي أسس له الفقه السياسي المقارن؛ حيث يعمد العلامة الميرزا محمد حسين النائيني (رحمه الله) إلىٰ تشريح طبيعة السلطة السياسية وتفكيكها بنيوياً عبر نموذج تفسيري ثنائي فريد.
يقسم النائيني السلطة إلىٰ نمطين متقابلين وجودياً وقيمياً، السلطة التمليكية الاستعبادية التي تقود الأُمَّة نحو السير القهقرائي، والسلطة الولايتية الأماناتية التي تضمن تحرُّر الأُمَّة واستعادة دورها الاستخلافي.
يعالج هذا المطلب الأبعاد الفلسفية والفقهية لهذه الثنائية، مبرزاً الفوارق الجوهرية بين تمثّل الحاكم كمالك للرقاب وتمثّله كأمين ووكيل للأُمة.
أوَّلاً: السلطة التمليكية (أنطولوجيا الاستملاك وتملك الرقاب):
يُمثِّل نمط السلطة التمليكية عند النائيني (رحمه الله) الذروة البنيوية للاستبداد السياسي والديني معاً؛ حيث تنبثق هذه السلطة من رؤية معرفية مشوهة تنظر إلىٰ الدولة والبلاد والعباد بوصفها ملكية خاصة للحاكم وجماعته.
وفي هذا النمط، يطرأ تحول راديكالي علىٰ طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، يمكن رصده في الأبعاد الآتية:
1 – تحويل الرعية إلىٰ عبيد (تملك الرقاب):
في المنظومة التمليكية، يتصرَّف الحاكم في نفوس المواطنين وأموالهم تصرف الملاك في أملاكهم الشخصية، فيغدو الشعب بمثابة عبيد أو رقيق مسخرين لخدمة شهوات الحاكم ومصالحه الفئوية.
وتتحوَّل الأُمَّة هنا من ذوات مالكة لحريتها وإرادتها السياسية إلىٰ محض موضوعات استملاكيه لا حقوق لها بل عليها الطاعة المطلقة فحسب.
2 – الإطلاق والتعالي عن المحاسبة:
بما أنَّ الحاكم التمليكي يرىٰ نفسه مالكاً حقيقياً، فإنه يرفض بنيوياً فكرة الشراكة السياسية أو الرقابة المؤسسية.
وتأسيساً علىٰ ذلك، يتمترس خلف دعاوىٰ الإرادة المطلقة التي روج لها وعاظ السلاطين، معتبراً أنَّ محاسبته أو تقييده عبر قواعد دستورية تشكّل اعتداءً علىٰ حق تملكه الذاتي للسلطة.
وهو ما يفضي تفكيكياً إلىٰ إنتاج حكومة جائرة تسوق الأُمَّة بالقهارية والإكراه.
ثانياً: السلطة الولايتية والأماناتية (الحاكم بوصفه أميناً ووكيلاً للأُمَّة):
في المقابل، يُعيد الفقه السياسي الدستوري صياغة مفهوم السلطة عبر أطروحة السلطة الولايتية أو الأماناتية، وهي المقاربة التي تتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في إرساء العدل والشورىٰ.
يرتكز هذا النمط علىٰ أصلين كلاميين وفقهيين حاسمين:
1 – السلطة كأمانة:
تتأسَّس الولايتية علىٰ أنَّ السلطة ليست امتيازاً شخصياً ولا غنيمة مستدامة، بل هي أمانة شرعية وأخلاقية طُوّقت بها عنق الحاكم لإدارة المصالح العامة وحماية حياض الملة. الحاكم في هذا المنظور ليس مالكاً للبلاد، بل هو مؤتمن عليها، وينعزل شرعاً وقانوناً إذا أخلّ بشروط هذه الأمانة أو انحرف بها نحو الاستبداد والتملّك المذل للرقاب.
2 – الحاكم كوكيل خاضع للعزل والمحاسبة:
ينقل النائيني (رحمه الله) مفهوم الوكالة الفقهية من دائرة المعاملات المدنية الخاصة إلىٰ فضاء القانون الدستوري العام، معتبراً الحاكم مجرَّد وكيل عن الأمة في إنفاذ الوظائف السيادية وإدارة الشأن العام.
وبما أنَّ الوكيل يستمد شرعية تصرفه وحدود سلطته من الموكِّل (وهو الأُمَّة هنا)، فإنَّ إرادة الأُمَّة تظل متعالية وحاكمة علىٰ إرادة الحاكم. ويترتَّب علىٰ هذا الأصل الدستوري حق الأُمَّة في مراقبة وكيلها، ومحاسبته، وعزله إذا تجاوز حدود الوكالة أو خان الأمانة الموكلة إليه.
ثالثاً: الآثار الفقهية والقانونية المترتبة علىٰ الثنائية:
إنَّ التمييز بين السلطتين التمليكية والولايتية ليس ترفاً مفهومياً، بل تترتَّب عليه آثار بالغة الأهمية في بنية الدولة الإسلامية، حيث تُبين هذه المقارنة أن الإبقاء علىٰ السلطة في لبوسها التمليكي يمثل شركاً سياسياً مبطناً كما تقدم، بينما تسييج السلطة بحدود الولاية والوكالة يمثّل تفعيلاً للتوحيد العملي والعدالة الاجتماعية.
رابعاً: المشروطة كآلية فقهية لتحويل السلطة من التمليك إلىٰ الولاية:
يخلص النائيني إلىٰ أن المعركة السياسية للأُمَّة تتلخص في إلغاء النمط التمليكي وإحلال النمط الولايتي مكانه.
ولما كان الحكام يميلون بطبيعتهم البشرية نحو الطغيان واغتصاب صفة التمليك، غدا من الواجب الشرعي إلزامهم بالمشروطة أي تقييد سلطتهم بالدستور.
إنَّ الدستور ومجلس الشورىٰ (البرلمان) في فقه التحرير النائيني (رحمه الله) هما الأداتان العمليتان اللتان تضمنان بقاء الحاكم في حدوده الوظيفية كأمين ووكيل، وتمنعانه من النكوص بالأُمَّة نحو طقوس تملك الرقاب.
وبذلك يرتفع مشروع التقييد الدستوري من رتبة التدبير الإداري البشري إلىٰ رتبة الواجب الشرعي المفرع علىٰ وجوب حفظ الأمانات وحرمة الاستعباد.
تثبت قراءة ثنائية السلطة (التمليكية مقابل الولايتية) أنَّ الفقه السياسي الإصلاحي قد نجح في فك الارتباط التاريخي المفتعل بين الدين والاستبداد؛ فالنمط الذي يرىٰ الحاكم مالكاً للرقاب هو بدعة سياسية فرعونية تُدمر وعي الجماهير وتطبع العبودية.
أمَّا النمط الذي يراه أميناً ووكيلاً، فهو التعبير الفقهي الأصيل عن روح الإسلام التحريرية، وبناء الدولة علىٰ هذا الأساس هو الخطوة المنهجية الأولىٰ لكسر طوق السير القهقرائي واسترداد الأُمَّة لسيادتها المسلوبة.
المبحث الثالث: هندسة البديل المؤسسي (إشكالية الحكم في عصر الغيبة):
تمهيد:
تُمثِّل غيبة الإمام المعصوم (عجَّل الله فرجه) التحدي الأنطولوجي والمعرفي الأبرز في مسار الفكر السياسي الشيعي؛ إذ أفرز غيابه تساؤلاً مصيرياً حول شرعية السلطة وإدارة الشأن العام في مرحلة اللاعصمة. وفي الوقت الذي انكفأت فيه بعض الاتِّجاهات الفقهية نحو الانتظار السلبي معتبرةً كل راية تُرفع قبل القائم راية ضلالة، أحدث المحقق النائيني (رحمه الله) انعطافة راديكالية عبر الانتقال بالفكر الفقهي من المثالية الجمودية إلىٰ الواقعية المؤسسية.
وهنا نسعىٰ إلىٰ تتبُّع هذه الهندسة البديلة عبر ثلاثة أبعاد متكاملة، يبدأ الأوَّل برصد التأسيس القواعدي للواقعية السياسية، ويمر الثاني بصياغة نظرية العصمة المؤسسية كبديل عن غياب الرادع الداخلي، وينتهي الثالث بمأسسة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأداة دستورية لحفظ النظام العام ومنع المنكر السياسي.
المطلب الأوَّل: الواقعية الفقهية والانتقال من المثالية إلىٰ التقييد (تطبيق قاعدتي دفع الأفسد بالفاسد، وما لا يُدرك كله لا يُترك جله، لرفض الانتظار السلبي):
يقوم النموذج الفكري السياسي التقليدي (قبل المشروطة) علىٰ مقاربة أحادية: إمَّا حكومة المعصوم العادلة المطلقة، وإما حتمية الصبر علىٰ جور المستبد في انتظار الفرج.
بيد أنَّ النائيني (رحمه الله) فكّك هذه الثنائية العقيمة مستنداً إلىٰ الواقعية الفقهية ومستدعياً منظومة من القواعد الأصولية والمقاصدية التي تُخرج الأُمَّة من حالة الشلل السياسي، وذلك وفق المحاور الآتية:
أوَّلاً: تفكيك سيكولوجية الانتظار السلبي:
يرىٰ النائيني (رحمه الله) أنَّ القول بتعطيل الحياة السياسية وإرجاء إقامة العدل وتدبير شؤون الأُمَّة إلىٰ حين الظهور، هو فهم قاصر لمفهوم الانتظار.
فالانتظار السلبي يؤدِّي وظيفياً إلىٰ تأبيد الاستبداد وتمكين الحكومات الجائرة من رقاب المسلمين وبلادهم، مما يسرّع في السير القهقرائي للأُمَّة.
لذا، حوَّل النائيني (رحمه الله) الانتظار من حالة انكفاء نفسي إلىٰ حركة بنائية تقتضي تقليل مساحات الظلم قدر الإمكان بشرط عدم ادِّعاء الشرعية المطلقة المخصصة للمعصوم.
ثانياً: الاستدلال بقاعدة (ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه):
واجه النائيني (رحمه الله) إشكالية فقهية مفادها كيف نجيز إقامة حكومة دستورية (مشروطة) في عصر الغيبة وهي لا تخلو من شائبة الغصب لمقام الإمام؟ هنا وظّف النائيني قاعدة ما لا يُدرك كُلّه لا يُترك جُلّه أو الميسور لا يسقط بالمعسور، والتي مفادها إن كانت الطهارة المطلقة والعدالة التامة للحكومة متعذرة لغياب المعصوم وهذا هو الكُلّ، فإنَّ هذا التعذُّر لا يسوغ إسقاط القدر الممكن من العدل وحفظ النظام وتقييد يد الطاغية وهو الجُلّ. إنَّ التمسُّك بالمثالية المطلقة في واقع مأزوم يعدّ انحرافاً عن مقاصد الشريعة التي جاءت لتحقيق المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.
ثالثاً: موازنة دفع الأفسد بالفاسد (جدلية المغصوبية الزائدة):
في مقاربة كلامية بالغة الذكاء، يُشرعن النائيني النظام الدستوري عبر بوابة أهون الشرين، الحكومة في عصر الغيبة -عند النائيني (رحمه الله)- تنقسم إلىٰ نوعين:
1 – الحكومة الاستبدادية (الأفسد): وهي تمثِّل غصباً مضاعفاً (أفسد)؛ لأنَّها تغتصب مقام الإمام المعصوم أوَّلاً، وتغتصب حريات الأُمَّة وأموالها ورقابها ثانياً، وتدّعي عدم المسؤولية.
2 – الحكومة الدستورية/ المشروطة (الفاسد): وهي تظل فاسدة أو مغصوبة في رتبتها الكلامية لأنَّها ليست حكومة المعصوم، لكنها تقتصر علىٰ الغصب الأوَّل وتتحاشىٰ الغصب الثاني؛ إذ إنَّها تقيد يد الحاكم وتمنعه من استعباد الناس.
بناءً علىٰ قاعدة دفع الأفسد بالفاسد، يصبح إلزام الحاكم بالدستور واجباً شرعياً لرفع المغصوبية الزائدة عن رقاب الأُمَّة؛ فالتحوُّل نحو التقييد الدستوري هو الوسيلة الفقهية الوحيدة المتاحة لمنع تحول الدولة إلىٰ ملكية استبدادية تمليكية تدمّر الدين والدنيا معاً.
المطلب الثاني: نظرية العصمة المؤسسية (الرادع الخارجي):
(كيف استعاض النائيني (رحمه الله) عن عصمة الإمام الغائب بالدستور والبرلمان لردع الحاكم):
تُمثِّل العصمة في الفكر الإمامي الرادع الجوهري الأعظم ضد الانحراف السياسي؛ فالإمام المعصوم ممتنع عن الظلم والخطأ ذاتياً بفضل ملكة نفسانية إلهية وهي الرادع داخلي.
بيد أنَّ الإشكالية تكمن في كيفية إدارة السلطة حين يكون الحاكم غير معصوم أي بشراً عادياً يميل بطبعه نحو الطغيان واغتصاب صفة القهارية.
وهنا تجلَّت عبقرية النائيني (رحمه الله) في صياغة ما يمكن أن نصطلح عليه بنظرية العصمة المؤسسية عبر المقاربات الآتية:
أوَّلاً: من الرادع الداخلي إلىٰ الرادع الخارجي:
أدرك النائيني (رحمه الله) بصيرةً سيكولوجية وسياسية أنَّ الطبيعة البشرية إذا مُنحت سلطة مطلقة دون رقيب، فإنَّها تنزع حتماً نحو الاستملاك والتمليك، وفي غياب المعصوم (الرادع الداخلي النوراني)، فلابدَّ من إيجاد رادع خارجي مادي يقوم وظيفياً بمقام العصمة في منع الحاكم من الجور، هذا الرادع الخارجي لا يغير طبيعة الحاكم الإنسانية، لكنه يُسيّج حركته السياسية بكبحٍ قانوني ومؤسسي يجعل الإقدام علىٰ الظلم ممتنعاً من الناحية الهيكلية.
ثانياً: الدستور كمصحح بنيوي للسلطة:
تتحقَّق العصمة المؤسسية إجرائياً عبر صياغة الدستور وهو الوثيقة القانونية الفوقية التي تُحدّد وظائف الحاكم بوضوح وتجرُّده من دعاوىٰ الإطلاق وعدم المسؤولية.
الدستور هنا ليس مجرَّد ترف قانوني غربي، بل هو في فقه النائيني (رحمه الله) أداة تسديد وتصويب بديلة، تجعل تصرفات الحاكم خاضعة للمشروعية، فإذا حاول الحاكم الخروج عن الحدود المؤتمن عليها، واجهه النص الدستوري بالمنع الإجرائي، مما يُحاكي أثر العصمة في صون النظام العام من الانحراف.
ثالثاً: البرلمان (مجلس المبعوثين) كبنية رقابية عاصمة:
لا يكفي النص الدستوري ما لم تحمه مؤسسة فاعلة؛ لذا اعتبر النائيني (رحمه الله) مجلس المبعوثين البرلمان الممثّل للأُمَّة هو التجسيد المادي للرادع الخارجي.
يقوم البرلمان بمحاسبة الحاكم ومراقبة ميزانية الدولة وتشريع القوانين المتسقة مع روح الشريعة.
إنَّ اجتماع عقول ممثلي الأُمَّة وفقهائها -من خلال مجلس أمناء يتابع حركة مجلس النواب والحكومة التنفيذية والسلطة القضائية- يُشكل حصانة معرفية وسياسية ضد استفراد الشخص الواحد بالقرار.
وبذلك، تحوَّلت العصمة من مفهوم فِردي (مرتبط بشخص المعصوم الغائب) إلىٰ مفهوم مؤسسي إجرائي مرتبط بآليات الدستور والشورىٰ للبرلمان، مما سمح للفقه السياسي الشيعي بإنتاج دولة حديثة ومقيدة من داخل المنظومة العقائدية ذاتها.
المطلب الثالث: مأسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الدستور ومجلس المبعوثين كأدوات شرعية لحفظ النظام العام ومنع المنكر السياسي:
يُعدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان الفروع العملية في الإسلام، إلَّا أنَّ الفقه التقليدي غالباً ما حصر هذه الفريضة في نطاق فقه الأفراد أي المنكرات السلوكية الفردية.
وفي هذا المطلب، نكشف كيف ارتقىٰ النائيني (رحمه الله) بهذه الفريضة إلىٰ مستوىٰ فقه الدولة والنظام العام، محوِّلاً إيَّاها من جهد شعبي عَفوي إلىٰ مأسسة دستورية صارمة:
أوَّلاً: الاستبداد بوصفه المنكر السياسي الأكبر:
أعاد النائيني (رحمه الله) هندسة المفاهيم الفقهية عبر تعريف الاستبداد السياسي والديني بأنَّه ليس مجرَّد معصية، بل هو أكبر المنكرات؛ لأنَّه يؤدِّي إلىٰ شرك سياسي، ويُزيّف وعي الجماهير، ويقود الأُمَّة إلىٰ الهزيمة النفسية والحضارية.
وفي المقابل، غدت الحرية السياسية وتقييد يد الطاغية هما أعظم المعروف.
وبناءً علىٰ هذا التأصيل، فإنَّ وجوب النهي عن المنكر يقتضي بالدرجة الأولىٰ اقتلاع البنية التحتية للاستبداد، وليس الاكتفاء بمواجهة آثاره السطحية.
ثانياً: مأسسة الفريضة عبر البرلمان:
لم يترك النائيني (رحمه الله) إنكار المنكر السياسي لآحاد الناس ومواجهاتهم العفوية مع بطش الحكام؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إمَّا إلىٰ القمع أو الفوضىٰ الطاحنة وإخلال بالنظام العام.
ومن ثمّ، فإنَّ الحل يكمن في المأسسة؛ أي تحويل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلىٰ مؤسسة دستورية دائمة، يمثلها مجلس المبعوثين ومجلس الأمناء بالدرجة الأولىٰ الذي يتكوَّن من مجموعة من الفقهاء المتخصصين بالفقة السياسي والجزائي.
إنَّ أعضاء مجلس الأمناء ونواب البرلمان في هذا المنظور الفقهي التجديدي هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بالوكالة عن الأُمَّة، فلهم الحق في استجواب الوزراء، ومراجعة الحسابات، ورفض القوانين الجائرة، هو ممارسة معاصرة ومنظمة لهذه الفريضة الشرعية بأرقىٰ أدواتها وآلياتها القانونية.
ثالثاً: حفظ النظام العام ومنع الفوضىٰ:
تتجلَّىٰ المسؤولية المقاصدية في فكر النائيني (رحمه الله) في حرصه الشديد علىٰ مبدأ حفظ النظام العام الذي يعدّ من الواجبات المطلقة في الفقه الإسلامي، فمأسسة إنكار المنكر السياسي عبر الدستور والبرلمان تحمي المجتمع من منزلقين خطيرين:
1 – منزلق الاستسلام للاستبداد، بحجة الخوف من الفتنة، وهو ما روج له وعاظ السلاطين.
2 – منزلق الفوضىٰ العارمة (الهرج والمرج)، الناجم عن الثورات العشوائية غير المؤطرة بمؤسسات بديلة.
لذا، فإنَّ الدستور والبرلمان هما القناتان الشرعيتان اللتان تضمنان تقييد السلطة وتغيير السياسات بالتي هي أحسن وبطرق سلمية ومؤسسية، مما يضمن الموازنة الدقيقة بين إقامة العدل ومحاربة الجور من جهة، وبين حفظ استقرار المجتمع وبيضة الإسلام من جهة أخرىٰ.
المبحث الرابع: أسلمة الآليات الحديثة وتحرير المفاهيم الدستورية:
إنَّ استعارة الآليات السياسية الحديثة (كالدستور والبرلمان) والمفاهيم الحقوقية المعاصرة (كالحرية والمساواة) أثارت إشكالية مركبة في الفقه السياسي الإسلامي إبان عصر المشروطة؛ فقد حاول دعاة الاستبداد وصم هذه الآليات والمفاهيم بالعلمنة والإلحاد لتنفير الأُمَّة منها، وفي المقابل حاول المستغربون تفريغها من أي ضابط شرعي.
وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، تصدَّىٰ المحقق النائيني (رحمه الله) لمهمة مزدوجة.
الأولىٰ: أسلمة الآليات عبر إيجاد آليات فقهية تضمن توافق القوانين النيابية مع الشريعة.
والثانية: تحرير المفاهيم الدستورية من الحمولات العلمانية الدخيلة والتفسيرات الاستبدادية المشوهة.
يسلّط هذا المبحث الضوء علىٰ هذه الهندسة المفاهيمية والمؤسسية التي ضمنت أصالة المشروع الدستوري.
المطلب الأوَّل: آلية الإشراف الفقهي وشرعنة القوانين النيابية:
(دور هيئة المجتهدين [مجلس الأمناء] في الرقابة علىٰ البرلمان، والتمييز بين التشريع الإلهي والتقنين الوضعي العرفي).
شكَّلت وظيفة التشريع في البرلمانات الحديثة المعضلة الأكبر؛ إذ كيف يحق لبشر أن يشرّعوا في دين ينص علىٰ أنَّ الحاكمية والتشريع لله وحده؟ لحل هذه الجدلية العويصة، قدّم النائيني (رحمه الله) تنظيراً فقهياً دقيقاً يفصل بين مساحات الوحي ومساحات الفراغ التشريعي، وذلك عبر مرتكزين:
أوَّلاً: التفكيك المعرفي بين التشريع (التحليل والتحريم) والتقنين (التدبير العرفي):
فرَّق الفقه السياسي النائيني (رحمه الله) بوضوح بين الأحكام الإلهية الثابتة التي لا تقبل التغيير أو النسخ، وبين تدبير المصالح العامة في المتغيرات والموضوعات المستحدثة المعبر عنها بمنطقة الفراغ، فالبرلمان أو مجلس المبعوثين في الدولة لا يمارس دور المُشرّع الذي يحلل حراماً أو يحرم حلالاً؛ بل يمارس دور المُقنِّن الذي يضع اللوائح والأنظمة الإجرائية كقوانين المرور، والضرائب، وتنظيم الإدارة، وإعلان الحرب والسلم بناءً علىٰ قاعدة توازن المصالح والمفاسد.
وبذلك، يتم تجريد الآلية البرلمانية من ادِّعاء منازعة الله في حاكميته التشريعية، وتُوجّه نحو التدبير العرفي العقلائي لشؤون الأُمَّة.
ثانياً: ابتكار (الرقابة الفقهية الدستورية)، (مجلس الأمناء من المجتهدين):
لضمان عدم انحراف البرلمان وتجاوزه لحدود التقنين الإداري إلىٰ التعدِّي علىٰ الثوابت الشرعية ومحاسبته هو والحكومة التنفيذية في حال التواطؤ علىٰ الفساد أو تعطيل القوانين أو عدم القيام بالمهام الموكلة إليهم، هندس النائيني (رحمه الله) آلية دستورية فذة تمثلت في اشتراط وجود (مجلس أمناء من المجتهدين العدول) ما عُرف تاريخياً بهيئة طراز أوَّل.
تتلخَّص وظيفة هذه الهيئة في مراجعة مخرجات مجلس النواب؛ فما كان منها موافقاً لروح الشريعة ومقاصدها أُقرّ وأُضفيت عليه الشرعية الفقهية، وما كان مخالفاً للثوابت نُقض ورُدّ.
إنَّ هذه الآلية لا تُمثل إشرافاً كهنوتياً، بل هي مأسسة لمبدأ حاكمية الشريعة العليا علىٰ القوانين الوضعية، وهي الآلية التي أسست لاحقاً لفكرة المجالس الدستورية العليا في النظم السياسية المعاصرة.
وكذلك الحفاظ علىٰ التجربة السياسية من الانحراف سواء علىٰ الصعيد السياسي أو العسكري أو القضائي.
المطلب الثاني: تحرير مفهوم الحرية:
الحرية كتحرُّر من الطواغيت ومقدمة للتوحيد، وليست تحللاً من الشريعة:
لقد كانت الحرية من أكثر المفاهيم التي طالها التشويه الممنهج من قِبل وعاظ السلاطين والمستبدين؛ حيث صوَّروها للعوام علىٰ أنَّها مرادف للتحلُّل الأخلاقي، والتمرُّد علىٰ الدين، والزندقة.
وفي مواجهة هذا التزييف، انبرىٰ النائيني (رحمه الله) لتحرير مفهوم الحرية وإعادته إلىٰ جذوره القرآنية، وذلك من خلال:
أوَّلاً: الحرية كمقدمة واجبة للتوحيد الخالص:
لم يتعامل النائيني مع الحرية كشعار غربي مستورد، بل اعتبرها الجوهر العملي لكلمة التوحيد (لا إله إلَّا الله)، فالحرية في الفقه السياسي الإصلاحي تعني الانعتاق من طاعة غير الله، ورفض الخضوع للإرادات البشرية المستبدة.
إنَّ المسلم لا يمكن أن يحقّق عبوديته الخالصة للخالق جل وعلا إلَّا إذا تحرَّر من استعباد المخلوقين.
وعليه، فإنَّ المطالبة بالحرية السياسية والتخلص من الرقية للمستبدين ليست تمرداً علىٰ الدين، بل هي في صميم الامتثال لأوامر الشريعة التي جاءت لتضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
ثانياً: التمييز بين الحرية السياسية (المشروعة) والحرية العلمانية (المنفلتة):
قام النائيني (رحمه الله) بتحديد سقف معرفي للحرية؛ فبيَّن أنَّ الحرية التي تطالب بها الأُمَّة هي الحرية من قهر الفراعنة والطواغيت، وحقها في التعبير والمحاسبة والمشاركة السياسية، وليست الحرية من أحكام الله كما يُروّج المستبدون لتخويف المتدينين.
إنَّ الحرية في المنظور الإسلامي الدستوري مشروطة بألّا تتعدَّىٰ علىٰ الحرمات القطعية، وهي بذلك تصون كرامة الإنسان وتُفعّل طاقاته دون أن تسقطه في فخ العدمية والتحلل الأخلاقي الذي أفرزته بعض القراءات الغربية المتطرفة للمفهوم.
المطلب الثالث: تحرير مفهوم المساواة:
المساواة أمام القانون الدستوري والمحاسبة، وليست المساواة التي تلغي الفروق الفقهية الثابتة كالإرث:
المفهوم الثاني الذي تعرض للتزييف هو المساواة فقد استغل تيار الاستبداد الديني بعض الفروق الفقهية الثابتة كاختلاف أحكام الإرث بين الذكر والأنثىٰ، أو أحكام الديات ليُشيع بأنَّ مبدأ المساواة الدستوري هو طعن صريح في صميم الفقه الإسلامي ومحاولة لنسخ الشريعة.
وقد فكَّك النائيني (رحمه الله) هذه المغالطة المركبة عبر التوضيحات الآتية:
أوَّلاً: تحديد مساحة المساواة (المساواة المدنية والسياسية):
أوضح النائيني (رحمه الله) أنَّ المساواة المطلوبة في المشروع الدستوري ليست المساواة المطلقة العمياء التي تلغي الطبائع والفروق التكوينية والتشريعية المخصوصة؛ بل هي المساواة أمام القانون الدستوري وفي تطبيق الأحكام.
وتعني أنَّ الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والقوي والضعيف، كلّهم سواسية في الخضوع للقانون وفي استيفاء الحقوق وتحمل الواجبات العامة.
إنَّها المساواة التي عبر عنها النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله وسلم) بقوله: «الناس سواسية كأسنان المشط»(3)، والمساواة التي تمنع الحاكم من التمتع بحصانة تقيه من المحاسبة والقصاص.
ثانياً: الرد علىٰ شبهات تيار الاستبداد (حفظ الأحكام التأسيسية):
ردّ النائيني (رحمه الله) بحزم علىٰ المغالطات التي خلطت بين المساواة الحقوقية والأحكام الفقهية التفصيلية.
وبيَّن أنَّ المطالبة بمحاكمة الوزير والسلطان كما يُحاكم آحاد الرعية وهو جوهر المساواة الدستورية لا علاقة لها مطلقاً بأحكام الإرث أو المعاملات التي لها تفصيلاتها الشرعية الثابتة المبنية علىٰ الحكمة والعدل الإلهي.
لقد أثبت الفقه السياسي هنا أنَّ دعاة الاستبداد تعمدوا الخلط بين تطبيق القانون بعدالة المساواة وبين ماهية القانون نفسه، وذلك بهدف الإبقاء علىٰ الامتيازات الفئوية للحكام المستبدين تحت غطاء حماية الفقه.
لقد أثبت المحقق النائيني (رحمه الله) في هذا المضمار قدرة الفقه الإسلامي علىٰ التجدُّد والمهنية؛ فلم يقف موقف الرفض العاجز أمام مؤسسات الحداثة السياسية، ولم يذُب في أتونها بشكل أعمىٰ، بل مارس عملية جراحة معرفية دقيقة شرعن البرلمان بآلية الرقابة الفقهية، وحرر حقيقتي الحرية والمساواة من زيف المستبدين وغلو المتغربين، ليخرج للمسلمين بنظرية دستورية تجمع بين أصالة الانتماء للنص وعصرنة الآلية والمؤسسة.
الخاتمة: (النتائج والتوصيات):
بعد رحلة استقصائية وتفكيكية في مضامين الفقه السياسي الدستوري عند العلامة الميرزا محمد حسين النائيني (رحمه الله)، وفي ضوء تحليلنا لمشروعه الرائد في كتاب تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة، توصَّلت هذه الدراسة إلىٰ حزمة من الاستنتاجات العلمية التي تجيب عن إشكاليات البحث، وتكشف عن عبقرية الفقه الشيعي في المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، ونُجمل هذه النتائج والتوصيات في الآتي:
أوَّلاً: النتائج:
1 – التفكيك المعرفي بين الآلية والفلسفة:
توصَّلت الدراسة إلىٰ أنَّ النجاح الأكبر للنائيني (رحمه الله) يكمن في تقديمه صياغة مقاصدية أصولية بالغة الدقة؛ حيث استطاع أن يفكّك الارتباط الوهمي بين الآليات الديمقراطية والفلسفة العلمانية الغربية.
لقد أثبت أنَّ الدستور، والبرلمان، والانتخابات هي مجرَّد آليات عقلائية وبشرية لتقييد السلطة ومنع الظلم، ويمكن للإسلام استيعابها وتوظيفها، مع الرفض التام للفلسفة العلمانية المرفقة بها في الغرب والتي تجعل التشريع حقاً بشرياً مطلقاً متحللاً من الوحي.
2 – الاستبداد كشرك سياسي:
أثبتت الدراسة أنَّ النائيني لم يكتفِ بالنقد السياسي للاستبداد، بل صعَّد نقده إلىٰ المستوىٰ العقدي والأنطولوجي؛ معتبراً أنَّ الحاكم المستبد ينازع الله في صفتي القهارية والحاكمية المطلقة.
ومن هنا، أصبحت مواجهة الاستبداد وتقييد السلطة ليست مجرَّد مطلب حقوقي مدني، بل هي فريضة توحيدية تهدف إلىٰ تحرير الإرادة البشرية من طاعة غير الله.
3 – تفكيك الاستبداد المتستر بالدين:
أظهرت الدراسة الدور الوظيفي الخطير الذي مارسه وعاظ السلاطين في تزييف وعي الجماهير وتطبيع العبودية، وقد نجح النائيني في تنزيه الملَّة عبر إثبات أنَّ خضوع الجماهير للحاكم الجائر ليس من الدين في شيء، بل هو نتاج سير قهقرائي للأُمَّة، وأنَّ الدين الأصيل هو أداة تحرير لا أداة ترويض.
4 – ابتكار العصمة المؤسسية كبديل واقعي:
في ظلِّ إشكالية الحكم في عصر الغيبة، بيَّنت الدراسة كيف انتقل الفقه السياسي من مربع الانتظار السلبي إلىٰ مربع الواقعية الفقهية.
فقد استعاض النائيني (رحمه الله) عن العصمة الذاتية للإمام الغائب بالعصمة المؤسسية المتمثلة في الدستور ومجلس المبعوثين ومجلس الامناء لتشكيل رادع خارجي يمنع الحاكم من الانحراف، مستنداً في ذلك إلىٰ قواعد دفع الأفسد بالفاسد وما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه.
5 – تحرير المفاهيم الحديثة (الحرية والمساواة):
خلصت الدراسة إلىٰ أنَّ المشروع النائيني (رحمه الله) قام بأسلمة المفاهيم الدستورية الوافدة؛ فالحرية عُرِّفت بأنَّها التحرر من الطواغيت ومقدمة للتوحيد، والمساواة عُرّفت بأنَّها المساواة أمام القانون الدستوري والمحاسبة، مع الحفاظ التام علىٰ الثوابت والأحكام الفقهية التأسيسية التي ادَّعىٰ المستبدون أنَّ المشروع الدستوري جاء لنسخها.
ثانياً: التوصيات (آفاق البحث المستقبلي):
بناءً علىٰ النتائج السالفة الذكر، ونظراً لأهمية الفقه السياسي في معالجة إشكاليات الدولة المعاصرة، توصي هذه الدراسة بما يلي:
1 – توسيع دائرة البحث المقاصدي في الفقه الشيعي:
توصي الدراسة الباحثين في الحوزات العلمية والأكاديميات الجامعية بتجاوز الدراسات الفقهية الفردية، والتوجه نحو تعميق فقه الدولة وفقه النظام العام، واستثمار منهجية النائيني (رحمه الله) الأصولية في معالجة القضايا السياسية المعاصرة مثل مفهوم المواطنة، حقوق الأقليات، والحوكمة الرقمية.
2 – إدراج كتاب تنبيه الأُمَّة ضمن المقررات الدراسية:
نوصي بإدراج كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة كمتنٍ منهجي أساسي في أقسام العلوم السياسية في الجامعات الإسلامية، وفي الحلقات المتقدمة في الحوزات العلمية؛ لكونه يمثل الجسر المعرفي الأهم بين الفقه الإسلامي الأصيل والفلسفة السياسية الحديثة.
3 – إجراء دراسات مقارنة معمقة:
تدعو الدراسة إلىٰ إنجاز دراسات أكاديمية مقارنة بين مدرسة النجف الأشرف الدستورية النائيني والآخوند الخراساني وبين مدارس الإصلاح في العالم الإسلامي كفكر عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده، بل وحتَّىٰ مع فلاسفة العقد الاجتماعي في الغرب مثل (جون لوك) و(جان جاك روسو)، لبيان المشتركات الإنسانية والفوارق الابستمولوجية.
4 – تأسيس مراكز بحثية متخصصة في العصمة المؤسسية:
نوصي بتأسيس مراكز دراسات فقهية قانونية تُعنىٰ بترجمة نظرية الرقابة الفقهية الدستورية والعصمة المؤسسية التي طرحها النائيني (رحمه الله)، إلىٰ مسودات دستورية وقانونية تطبيقية يمكن أن تستفيد منها الدول الإسلامية في صياغة دساتيرها الحديثة، بما يحقّق التوازن بين حاكمية الشريعة ومطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
عن هذا الكتاب:
تُعد إشكالية إدارة السلطة وتقييدها في عصر الغيبة من أعقد الإشكاليات التي واجهت العقل الفقهي الشيعي.
وفي هذا السياق، تأتي هذه الدراسة لتقدم قراءة تفكيكية وتأسيسية رائدة للمشروع الدستوري عند العلامة الميرزا محمد حسين النائيني (رحمه الله)، عبر سفره الخالد تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة.
لا تكتفي هذه الدراسة بالسرد التاريخي لأحداث المشروطة، بل تغوص في العمق الكلامي والأنطولوجي للفقه السياسي؛ حيث تُفكك بنية الاستبداد بوصفه شركاً سياسياً وتطبيعاً للعبودية، وتُعري التحالف الوظيفي بين الطغيان السياسي والاستبداد المتستر برداء الدين.
وفي المقابل، تُبرز العبقرية الفقهية للنائيني (رحمه الله) في هندسة البديل المؤسسي، والانتقال من مربع الانتظار السلبي إلىٰ ابتكار نظرية العصمة المؤسسية، التي تستعيض عن عصمة الإمام الغائب بالدستور والبرلمان كرادع خارجي يكبح جماح السلطة، ويؤسس لمأسسة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنَّ هذا الكتاب يمثل جهداً رصيناً يثبت قدرة الفقه الإسلامي علىٰ أسلمة الآليات الحديثة وتحرير مفاهيم كالحرية والمساواة من الحمولات العلمانية، وهو يقدم مقاربة لا غنىٰ عنها لكلِّ باحث ومهتم بالفلسفة السياسية، والفقه الدستوري، ومسارات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر.
المصادر:
1- القرآن الكريم.
2- بحار الأنوار.
3- تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة.
الهوامش:
(1) انظر تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة: ص93.
(2) انظر تنبيه الأُمَّة وتنزيه الملَّة: ص96.
(3) بحار الأنوار: ج75، ص251، ح99.