الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة من النافذة الفقهية – حلقة اولى

مقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلىٰ الله علىٰ سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين المعصومين، سيما بقية الله في أرضه، الحجة المنتظر، واللعنة الدائمة علىٰ أعدائهم أجمعين إلىٰ قيام يوم الدين.

لقد استُدلّ علىٰ مشروعية الشهادة بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الأذان والإقامة في عدد من الكتب منذ القرون والعقود الأخيرة، وخصَّ بعض الفضلاء هذا الموضوع بكتابات مستقلة ورسائل خاصة.

ومع ذلك فالخوض في تفصيلات جديدة وصياغات فقهية بالمستوىٰ الذي يناسب طرح بعض الشبهات وتجديد الخطاب علىٰ مستويات عدَّة.

وبين هذا وذاك نمت بعض الشبهات حول هذه المسألة، وتعرَّضت مشروعية التشهُّد بالولاية في الأذان إلىٰ موجة من التشكيكات، جرىٰ تمرير بعضها تحت غطاء البحث العلمي الفقهي، ظاهره التحليل وباطنه التضعيف.

ومن المؤسف أن نرىٰ اليوم من يتناول هذه المسألة بغير الأسلوب العلمي اللائق، وهم علىٰ نوعين:

– منهم بعض ممن يعتقد بمشروعية التشهُّد بالولاية إلَّا أنَّهم لا يعطون المسألة القدر الكافي من الاستدلال والأدلة التي تغلق الباب أمام المشككين والمستشكلين بالطرق العلمية.

– ومنهم من يصفها بما لا يمتّ إلىٰ الواقع الفقهي بصلة، بل يتشدد في رفضها باسم الفقه دون تحقيق أو استقصاء، ويثير من خلالها أزمات فكرية ومجتمعية، وبعضهم يحاول استنطاق كلمات العلماء لينتزع منها فتاوىٰ مبتورة بعدم الجزئية أو جواز الترك دون قيد أو توضيح، ثم يفسّرها تفسيراً مغلوطاً.

ومن هنا، كان من اللازم إعادة النظر في هذه المسألة، ودراستها بمنهج تحقيقي ذكي ومتوازن، يسهم في رفع الالتباس عنها، ويعالج ما علق بها من أوهام وشبهات، ويكشف واقعها فقهياً وتاريخياً بصورة علمية دقيقة.

فالحاجة إلىٰ مثل هذا المشروع اليوم تزداد، خصوصاً بعدما أصبحت الشهادة بالولاية شعاراً مذهبياً يُستهدف من قبل خصوم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وليس بالضرورة أن تكون هذه المسألة تعاني من شحٍّ معلوماتي، أو يحيط ببعض أجزائها ضباب من الغموض، ومع ذلك فينبغي التتبع المنهجي المدروس في بطون الكتب الفقهية، والتنقيب الدقيق في المصادر الأصلية، لتوفير ما يلزم من معلومات وتحليل علمي يُنير جوانبها الخافية ويقدّمها بلغة علمية متوازنة.

ومن هذا المنطلق، جاءت كتابة هذا البحث خطوة متواضعة في هذا الطريق، إذ يتضمَّن دراسة تاريخية وفقهية لتطوُّر مسألة الإجهار بالشهادة بالولاية في الأذان، وبيان مستندها الفقهي، وتأصيلها علمياً، مع عرض أقوال عدد من الفقهاء حولها وموقفهم من جزئيتها أو استحبابها.

ومع إيجاز البحث، إلَّا أنَّ فكرة كتابة هذا البحث، كانت مما لمسنا من تزايد الحاجة إليه، ولما رأيته من محاولات التشويه أو التضليل التي تطال هذه الشعيرة.

أمَّا من حيث المنهج، فيمكن تناول هذه المسألة في أبواب متعددة، نتناول هنا الباب الأوَّل، والأبواب الأخرىٰ تأتي إن شاء الله، علىٰ أنَّنا سنحرِّر هنا عنوانات الأبواب الأخرىٰ ليتضح للقارئ الكريم ما سيأتي.

وأسأل الله تعالىٰ أن يتقبَّل هذا الجهد بفضله، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلاب العلم والباحثين في هذا الباب.

الباب الأوَّل: تاريخ التشهد بالولاية بحثاً وعملاً.

الفصل الأوَّل: التطور التاريخي للبحث في مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان.

الفصل الثاني: تاريخ الجهر بالشهادة بالولاية في الأذان.

الباب الثاني: الحكم الفقهي للتشهد بالولاية في الأذان.

الفصل الأوَّل: مدىٰ جزئية الشهادة بالولاية في الأذان.

الفصل الثاني: حكم الشهادة بالولاية في الأذان بدون نية الجزئية.

  1. القول بالوجوب.
  2. القول بالاستحباب.
  3. الاستنتاج.
  4. القول بالكراهة.
  5. القول بالحرمة.

الباب الثالث: الموانع من شرعية التشهد بالولاية في الأذان.

الفصل الأوَّل: الشبهات المثارة حول مشروعية التشهد بالولاية.

– مسألة توقيفية الأذان والإقامة.

– دعوىٰ تشريعية الشهادة بالولاية.

– شبهة بدعية الشهادة الثالثة.

الفصل الثاني: التبعات السلبية المدّعاة للتشهد بالولاية في الأذان.

الباب الرابع: آراء الفقهاء حول الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة.

أ. الشيخ الصدوق (ابن بابويه).

ب. الشهيد الثاني.

ج. العلامة المجلسي.

د. الشيخ كاشف الغطاء.

هـ. المحقق النراقي.

و. المحقق الهمداني.

الباب الخامس: تنبيهات فقهية حول الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة.

  1. بيان كيفية التلفظ بالشهادة بالولاية في الأذان والإقامة.
  2. إنَّ التشهد بالولاية لا يبطل الأذان والإقامة حتَّىٰ علىٰ القول بوجوبهما.
  3. عدم انعدام الموالاة بين فصول الأذان بالتشهد بالولاية.
  4. انتفاء المانع الثبوتي من القول بجزئية الشهادة بالولاية علىٰ وجه الاستحباب.
  5. إمكان الإتيان بالشهادة الثالثة برجاء المطلوبية والثواب.
  6. بحث الشهادة بالولاية في أذان عصر النبي (صلىٰ الله عليه وآله).
  7. المطالبة بالرواية الصحيحة الدالة علىٰ الشهادة بالولاية في الأذان.
  8. التمييز بين الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان وترك @الحيعلة الثالثة.
  9. بيان معاني التفويض في هذا السياق.

الباب الأوَّل: تاريخ التشهد بالولاية بحثاً وعملاً.

الفصل الأوَّل: تاريخ البحث في مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان.

لقد مرَّت مسألة الشهادة بالولاية في الأذان بمراحل تطورية متعدِّدة في الفقه الإمامي، تبعاً للمتغيرات الزمانية والحوادث الواقعة التي استدعت التوسع في دراستها، شأنها شأن كثير من المسائل التي نضجت مع الزمن.

ويمكن تقسيم تطور البحث فيها إلىٰ خمس حقب فقهية متميزة من حيث الطرح والموقف العلمي:

الحقبة الأولىٰ (عصر المتقدمين):

لم تُعنون المسألة في أكثر كتبهم الفقهية، وما ورد فيها لم يتعدَّ إشارات موجزة لا تتجاوز بضعة أسطر.

يُعدّ كتاب النهاية للشيخ الطوسي أوَّل مؤلف فقهي تناول المسألة في مبحث الأذان والإقامة ضمن كتاب الصلاة(1)، ثم تبعه المبسوط كذلك(2), وكان تعرّضهما مقتضباً جداً، إذ اكتفىٰ بذكر ورود أخبار في الشهادة الثالثة وتضعيفها للشذوذ وبيان حكمها.

أمَّا ابن بابويه (الصدوق) فلم يذكرها في كتابيه الفقهيين الهداية والمقنع، لكنه تناولها في من لا يحضره الفقيه ضمن رواية تتعلَّق بعدد فصول الأذان والإقامة، فنفىٰ جزئيتها(3).

كما أفتىٰ السيد المرتضىٰ بجواز قول: محمد وعلي خير البشر بعد حيّ علىٰ خير العمل من دون نية الجزئية من الأذان(4)، ومثله الشيخ الطرابلسي الذي استحب قول: آل محمد خير البرية بعد حيّ علىٰ خير العمل مرتين إخفاتاً(5).

الحقبة الثانية (عصر المتأخرين):

شهدت هذه الفترة توسعاً نسبياً في تناول المسألة مقارنة بالحقبة الأولىٰ، حيث أصبحت أكثر الكتب تذكرها، وإن كان ظاهر كلماتهم نفي الجزئية.

ومن أبرز المصادر التي نقلت كلام الشيخين الصدوق والطوسي في هذا السياق: الذكرىٰ(6) والتذكرة(7).

الحقبة الثالثة (عصر متأخري المتأخرين):

وفيها حصل توسع كيفي وكمي في معالجة المسألة.

إذ اتَّخذ العلامة المجلسي الأوَّل منهجاً جديداً في التعامل الفقهي معها، فناقش كلام ابن بابويه الذي كان متلقّىٰ بالقبول، ونفىٰ كون أخبار الشهادة الثالثة موضوعة، بل فسّر وصف الشيخ الطوسي لها بـ(الشاذة) بأنَّها صحيحة السند نادرة النقل.

كما حاول توجيه عدم ورودها في الروايات المشهورة، وكشف عن أنَّ سيرة الشيعة منذ العصور المتقدمة كانت علىٰ الإجهار بالشهادة في الأذان، وإن لم يقل بجزئيتها الماهوية إلَّا أنَّه حكم باستحبابها(8).

والظاهر أنَّ التصريح باستحبابها ظهر لأوَّل مرة في هذه الحقبة، وهو تطور فقهي طبيعي ناتج عن نضوج البحث.

الحقبة الرابعة (عصر المحققين):

شهدت هذه المرحلة نضوجاً علمياً مميزاً في دراسة المسألة.

فقد بحثها بتوسع المحقق البهبهاني في مصابيح الظلام(9)، وتبعه الشيخ كاشف الغطاء(10) والمحقق النراقي(11) في مؤلفاتهم، حيث تناولوا الجوانب الفقهية بدقة وعمق.

الحقبة الخامسة (القرن الرابع عشر الهجري):

امتازت هذه الفترة بعدَّة أمور:

  1. شيوع البحث حول المسألة في كتب الفقه والفتاوىٰ بشكل غير مسبوق، حتَّىٰ لا يكاد يخلو كتاب فقهي من ذكرها.
  2. اتِّجاه عام نحو إثبات مشروعية الشهادة الثالثة في الجملة.
  3. ظهور رسائل مستقلة في دعمها، مثل الهداية في مشروعية الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة للشيخ حسين آل طاهر، وسر الإيمان للسيد عبد الرزاق المقرم.
  4. تنوع وجوه الاستدلال علىٰ مشروعيتها، ومنها كونها شعاراً للإيمان والتشيّع، حتَّىٰ قال السيد الحكيم:

(إنَّها في هذه الأعصار من شعائر الإيمان ورمز التشيع، فتكون راجحة شرعاً، بل قد تكون واجبة)(12).

وقد تلقّىٰ كثير من العلماء هذا الرأي بالقبول، خصوصاً في جانب الرجحان الشرعي.

منهم:

– السيد الخوئي في منهاج الصالحين.

– السيد محمد باقر الصدر في تقريراته الفقهية.

– السيد علي الحسيني السيستاني في منهاج الصالحين.

– السيد عبد الأعلىٰ السبزاوري في مهذب الأحكام.

– السيد محمد تقي الحكيم (صاحب الأصول العامة للفقه المقارن).

الفصل الثاني: تاريخ الإجهار بالشهادة بالولاية في الأذان:

لا يُعرف علىٰ وجه الدقة التاريخُ الذي بدأ فيه المسلمون الإجهار بالشهادة بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في الأذان.

وربما كان سبب غياب النقل التاريخي الدقيق هو عدم وجود دافعٍ لتدوينه أو وجود موانع سياسية ومذهبية من إظهاره، لاسيما وأنَّ كثيراً من المؤرخين كانوا مناوئين للشيعة.

غير أنَّ بعض المصادر الحديثية والفقهية والتاريخية المتفرقة تُثبت أنَّ ذكر اسم الإمام علي (عليه السلام) في الأذان – تصريحاً أو ضمن الشهادة بولايته – كان قائماً منذ القرن الثالث الهجري في مدن متباعدة.

وأقدم تاريخ عُرف لذلك هو سنة 290 هـ، حيث كان يُقال في مدينة حمص ومناطقها: أشهد أنَّ علياً ولي المؤمنين(13).

وبعد قيام الدولة العبيدية في مصر سنة 322 هـ، جرىٰ الأذان بعبارة: محمد وعلي خير البشر مرتين، واستمر ذلك حتَّىٰ تولي الأيوبيين الحكم سنة 565 هـ حيث مُنع ذلك(14).

وفي مدينة حلب كان المؤذنون يقولون: محمد وعلي خير البشر سنة 347 هـ(15).

كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنَّه سمع مؤذناً في أحد مساجد بغداد يقول:

(الله أكبر، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ علياً ولي الله، محمد وعلي خير البشر)(16).

وهذا يدل علىٰ شيوع الذكر جهراً في القرن الرابع.

كما أخبر ابن بابويه (الصدوق) عن وجود هذا التشهد في الأذان بعبارة: أشهد أنَّ علياً ولي الله وأشهد أنَّ علياً أمير المؤمنين حقاً، وإن كان قد خصّه بمن سماهم المفوّضة أو المتهمين بالتفويض(17).

وفي النصف الأوَّل من القرن الخامس، ورد في رسالة ميافارقين(18) إلىٰ السيد المرتضىٰ سؤال عن وجوب قول محمد وعلي خير البشر بعد حيّ علىٰ خير العمل، فأجاب بجوازه إن لم يُقصد الجزئية(19).

كما نقل الرحالة ناصر خسروا أنَّه سمع أهل اليمامة يقولون في الإقامة: محمد وعلي خير البشر(20) وذكر ابن بطوطة في رحلته إلىٰ القطيف أنَّه سمع المؤذنين يقولون: أشهد أنَّ علياً ولي الله(21).

وفي القرن العاشر، وبعد سقوط السلاجقة، عادت الشهادة بالولاية إلىٰ الأذان في بلاد فارس سنة 907 هـ(22).

كما أكَّد العلامة المجلسي الأوَّل أنَّ الشيعة قديماً وحديثاً كانوا يتشهدون بالولاية في أذانهم(23) مما يدل علىٰ رسوخ السيرة واستمرارها.

ومن خلال هذه الشواهد يتَّضح أنَّ الإجهار بالشهادة الثالثة في الأذان له جذور عميقة تمتد إلىٰ القرن الثالث الهجري، وأنَّه ليس وليد العصور الصفوية، بل كان قائماً في المدن العربية قبل ذلك بقرون.

أمَّا تراجعه في بعض الحقب فكان لأسباب سياسية قهرية، كما حصل عندما منع محمود الزنكي في حلب سنة 543 هـ(24) وصلاح الدين الأيوبي في مصر الأذان بعبارة محمد وعلي خير البشر وحي علىٰ خير العمل(25).

وأمَّا ما ذكره ابن بابويه من نسبة التشهد إلىٰ المفوّضة فسيأتي تفصيله في الباب الثاني، حيث يتَّضح أنَّ مراده لم يكن فرقة منحرفة، بل طائفة من الاثني عشرية حصل بينهم خلاف حول مقامات النبي والأئمة (عليهم السلام) في القرن الرابع، فجرىٰ إطلاق هذا الوصف عليهم مجازاً في سياق الخلاف الكلامي لا العقائدي(26).

 

 

 

الهوامش:


(1) النهاية في مجرد الفقه: ٦٩.

(2) المبسوط: ١ / ١٤٨.

(3) من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٨٨-١٨٩.

(4) مسائل ميافارقينات:  ٢٥٧.

(5) المهذب: ١/ ٩٠.

(6) ذكرىٰ الشيعة: ٣/ ٢٠٢- ٢٠٣.

(7) تذكرة الفقهاء: ٣/ ٤٥؛ الجامع للشرائع: ٧٣.

(8) روضة المتقين: ٢ / ٢٤٥ – ٢٤٦.

(9) مصابيح الظلام: ٧/ ٣١-٣٤.

(10) كشف الغطاء: ٣/ ١٤٣-١٤٥.

(11) مستند الشيعة: ٤/ ٤٨٦- ٤٨٧.

(12) مستمسك العروة: ٥/ ٤٣٨.

(13) بغية الطالب في تاريخ حلب: ٢/٩٤٤.

(14) أخبار ملوك بني عبيد: ١/ ٥٠٠.

(15) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: ٣/ ٢٢٦.

(16) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة: ١/ ١٣٣.

(17) من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٨٩.

(18) ميافارقين – مدينة تقع في محافظة ديار بكر في شرق تركيا.

(19) مسائل ميافارقينات – مطبوع مع جواهر الفقه ٢٥٧.

(20) سفر مانه: / ١٠٤.

(21) تحفة النظار في غرائب الأمصار (رحلة ابن بطوطة): ٢/ ١٥٣.

(22) أحسن التواريخ: ٦١.

(23) روضة المتقين: ٢/ ٣٤٥.

(24) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: ٣/ ٢٢٦.

(25) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: ٣/ ٢٢٧.

(26) من لا يحضره الفقيه: ١/ ١٨٩.

Edit Template
Scroll to Top