المقدمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ محمدٍ وآله الطاهرين.
تُعدّ مسألة تمايز العلوم من القضايا المحورية في البناء المعرفي الإسلامي، إذ تتعلَّق بحدود كلّ علمٍ واستقلاله ووظيفته، فالعلم لا يُعرف بموضوعه فقط، بل بالجهة التي يُنظر منها إلىٰ هذا الموضوع، وبالمقصد الذي يسعىٰ إلىٰ تحقيقه.
ومن هنا، ارتبطت دراسة تمايز العلوم منذ القدم بالمباحث المنطقية والفلسفية، لأنَّها تمسّ جوهر العلاقة بين العقل والمعرفة من جهة، والغاية والمقصد من جهة أخرىٰ، وقد انشغل العلماء بهذه القضية منذ عصر الفلاسفة الأوائل إلىٰ الحكماء المتأخرين، مروراً بالأصوليين والمتكلِّمين، فكان لكلِّ مدرسةٍ اتِّجاهٌ في تحديد ملاك التمايز: هل هو الموضوع؟ أم المحمول؟ أم الغاية؟ أم الجهة؟
يحاول هذا البحث أن يجمع بين التحليل المنطقي التراثي والرؤية المقاصدية الحديثة، من خلال إعادة قراءة قاعدة المناطقة القائلة بأنَّ (تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها لا بمحمولاتها)، ومناقشة حدودها وإمكان توسيعها لتشمل البعد الغائي والاعتباري في ضوء فلسفة العلم الإسلامي.
وسيتبيَّن من خلال البحث أنَّ التمايز بين العلوم لا يُدرك باختلاف الذوات وحدها، بل من خلال اختلاف الجهات والمقاصد التي يُلحظ بها النظر العلمي، وهو ما يربط بين البنية المنطقية والحكمة المقاصدية في الفكر الإسلامي.
وسيقدِّم البحث أنموذجاً تطبيقياً في الفرق بين علمي الكلام والعقائد، يعقبه ملحق تأسيسي عام يُعمّم القواعد المستنبطة علىٰ سائر العلوم الإسلامية والعقلية، معتمداً علىٰ المنهج التحليلي المقارن، وتوظيف التحليل المنطقي والفلسفي والمقاصدي لبناء رؤيةٍ متكاملة في تمايز العلوم ضمن الإطار الإسلامي.
الفصل الأوَّل: تحديد المفاهيم والمصطلحات:
أوَّلاً: علم الكلام:
أ – التعريف اللغوي:
ورد في معاجم اللغة تعريفات متعددة منها:
المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد (385هـ):
(الكَلْمُ: الجُرْحُ، والجميع الكُلُومُ والكِلَامُ، كَلَمْتُه أكْلِمُه. والكَلام والكَلِمَةُ: معروفٌ، وجَمْعُها كَلِمٌ. وكَلِيمُكَ: الذي يُكَلِّمُكَ وتُكَلِّمُه. وإنَّه لَتِكِلّامَةٌ وكِلِمّانيٌّ: أي صاحِبُ كَلامٍ. والكُلَامُ: الأرْضُ الصُّلْبَةُ ذاتُ حِجَارَةٍ وجَصٍّ)(1)، علىٰ أنَّ هناك تعريفات متعددة في معاجم اللغة، لا ضرورة لاستعراضها.
ويمكن القول إنَّ الكلام هو ما يُفصح به الإنسان ويُبيِّن به عمّا في نفسه.
ب – التعريف الاصطلاحي:
وردت تعريفات اصطلاحية لعلم الكلام علىٰ ألسنة عدد من العلماء:
(عُرِّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:
علم يقتدر معه علىٰ إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.
هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.
هو ملكة يقتدر بها الإنسان علىٰ نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرَّح بها واضعُ الملة وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل.
علم يتضمَّن الحجاج علىٰ العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية والرد علىٰ المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف وأهل السُنَّة… وعلىٰ ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علماً آلياً يُستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمَّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، ويكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها)(2).
السيد المرتضىٰ (ت 436هـ):
(هو العلم الذي يُطلب به نصرة العقائد الحقّة بالحجج، وكشف الشبهات عنها)(3).
كما ورد أيضاً:
علم الكلام: (هو علم يقتدر معه علىٰ إثبات العقائد الدينية علىٰ الغير، بإيراد الحجج ودفع الشبه)(4).
وكذلك: (هو العلم الذي يُطلب به نصرة العقائد الحقّة بالحجج، وكشف الشبهات عنها)(5).
(علم الكلام هو المباحث عن الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها، والنبوة، والإمامة والمعاد…)(6).
أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم:
(سموا معرفة العقائد عن أدلّتهما بالكلام:
لأنَّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.
ولأنَّ مسألة الكلام (في حدوث القرآن وقدمه) كانت أشهر مباحثه وأكثرها نزاعاً وجدالاً.
ولأنَّه يورث قدرة علىٰ الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.
ولأنَّه أوَّل ما يجب من العلوم التي تُعلَم وتُتعلَّم بالكلام، فأُطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خُصَّ به ولم يُطلق علىٰ غيره تمييزاً له.
ولأنَّه إنَّما يتحقَّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقَّق بالتأمُّل ومطالعة الكتب.
ولأنَّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتدّ افتقاره إلىٰ الكلام مع المخالفين والردّ عليهم.
ولأنَّه لقوّة أدلّته صار كأنَّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوىٰ من الكلاميين: هذا هو الكلام)(7).
وبناءً علىٰ التعريفات التي مرَّت يمكن القول إنَّ علم الكلام علمٌ برهانيٌّ(8) وظيفته إثبات أصول الدين بالعقل والنقل، والردّ علىٰ الشبهات.
ثانياً: علم العقائد:
قبل البدء بتعريف علم العقائد، لابدَّ من الإشارة إلىٰ التمايز بين العقائد وعلم العقائد، فالعقائد متقدِّمة علىٰ بزوغ نور الإسلام؛ لأنَّ البحث عن المعتقدات وإثباتها بالأدلّة كان موجوداً في زمن الأنبياء جميعاً، وقد خاضوا سجالاً مع مشركي أُممهم، ومن ذلك ما ورد في بعض الآيات، في قوله تعالىٰ:
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (هود: 32).
﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 95-96).
﴿قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْـرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (البقرة: 258).
﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).
وفي الإسلام تطوَّر هذا المصطلح إلىٰ مفهوم علم الكلام، للأسباب التي أشرنا إليها.
ويمكن القول: إنَّ العقائد هي موضوع علم الكلام، إذ تشمل التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، وهي أصول الإيمان التي تنعقد عليها قلوب المؤمنين.
والفرق بين العقائد وعلم العقائد: أنَّ العقائد هي نفس الحقائق الإيمانية التي يعتقدها الإنسان ويجزم بها قلبه، في حين أنَّ علم العقائد هو البحث المنظم في تلك الحقائق.
وبعبارة أخرىٰ: العقائد تمثِّل المضمون، بينما علم العقائد يمثِّل المنهج في دراسة ذلك المضمون.
والعقائد هي أصول الإيمان نفسها، أمَّا علم العقائد فهو العلم الذي يبحث في هذه الأصول، وينتهج منهجاً وظيفياً لبيانها إلىٰ الناس وترسيخها في نفوسهم، إلَّا أنَّ هذا المفهوم جاء متأخِّراً علىٰ ألسن العلماء.
والعقائد بعنوانها العام يمكن وصفها بأنَّها عقائد حقَّة وعقائد باطلة، جاء ذلك من خلال وصف العقائد بأنَّها العقائد الحقة كما ورد في بيان كلمة (الحسنىٰ) بالقول إنَّ: (الحسنىٰ الأعمال الحسنة، أو الكلمة الحسنىٰ، وهي العقائد الحقة… وجعل الحسنىٰ عتبىٰ، انظر إلىٰ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: 114]…)(9).
وأمَّا وصف العقائد بالفاسدة فقد ورد في تفسير قولَ الله (جَلَّ ثَنَاؤُه): ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، (أَلَا لَا إِثْمَ عَلَيْه ومَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه أَلَا لَا إِثْمَ عَلَيْه لِمَنِ اتَّقَىٰ إِنَّمَا هِيَ لَكُمْ والنَّاسُ سَوَادٌ… وفي الهامش سواد الناس. عوامهم وقوله: (إنَّما هي لكم) الظاهر فسّر الاتِّقاء بمجانبة العقائد الفاسدة واختيار دين الحق أي المغفرة علىٰ التقديرين إنَّما هو لمن اختار دين الحق)(10).
أ – التعريف اللغوي:
ورد في معاجم اللغة تعريفات متعدِّدة لعلم العقائد منها:
ابن فارس (ت 395هـ):
(عقد العين والقاف والدال أصلٌ واحد يدلُّ علىٰ شَدٍّ وشِدّةِ وُثوق، وإليه ترجعُ فروعُ البابِ كلها، من ذلك عَقْد البِناء، والجمع أعقاد وعُقود. قال الخليل: ولم أسمع له فِعْلاً. ولو قيل عَقَّد تَعقِيداً، أي بنىٰ عَقْداً لجاز. وعَقَدت الحبلَ أعقِده عَقْداً، وقد انعقد، وتلك هي العُقْدة… وعاقَدته مثل عاهدته…)(11).
ب – التعريف الاصطلاحي:
وردت تعريفات اصطلاحية لعلم العقائد علىٰ ألسن عدد من العلماء، والحديث هنا عن تعاريف العقائد الحقة لا الفاسدة كما أسلفنا بيانه:
(العقائد: وهي حقائق صحيحة ثابتة، لا تقبل التغيير والتبديل، فبديهي ألا يتعلَّق بها النسخ، كوحدانية الله تعالىٰ، ووجوب الإيمان به)(12).
ويمكن الإشارة إلىٰ بيان بعض أقوال العلماء في علم العقائد:
فقد استعمل العلماء المتأخِّرون علم العقائد علىٰ أنَّه مما يجب فعله علىٰ المسلم، فقد ورد في نفحات الولاية: (جدير بالذكر أنَّ التوجه إلىٰ النعم وشكر المنعم علىٰ فضله ونعمه هو المحور الأصلي لمعرفة الله كما ورد في علم العقائد)(13).
حيث تطرق الشيخ إلىٰ ما ورد في علم العقائد دون التطرُّق إلىٰ الإثباتات الجدلية الكلامية.
ومن هنا يمكن تعريف علم العقائد:
علم العقائد: هو البحث المنظم في دراسة مضمون وأصول الحقائق الإيمانية التي نعبِّر عنها بالعقائد وينتهج منهجاً وظيفياً لبيانها إلىٰ الناس وترسيخها في نفوسهم.
وعلىٰ ضوء ذلك يمكن القول: إنَّ علم العقائد علمٌ إيمانيٌّ تعليميٌّ يهدف إلىٰ بيان أصول الإيمان وشرحها للمؤمنين بأسلوبٍ واضحٍ ميسّر، بعيدٍ عن الجدل والمناظرة.
الفرق بين العقيدة والإيمان:
العقيدة من حيث المفهوم أوسع من الإيمان، لأنَّها تشمل ما يُعقد عليه القلب من أفكارٍ وآراءٍ ومبادئ، سواء أكانت حقّة أم باطلة، بينما الإيمان يختصّ بالاعتقاد الحقّ الموافق للواقع ولما جاء به الوحي.
فكلّ إيمانٍ عقيدة، وليس كلّ عقيدةٍ إيماناً.
وقد ورد في القرآن الكريم استعمال اللفظين في سياقين مختلفين:
قال تعالىٰ: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ﴾ (يوسف: 17)، أي بمصدّقٍ لنا.
وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ…﴾ (البقرة: 62).
فالقرآن يربط الإيمان بالتصديق والعمل، بينما العقيدة ترتبط بعقد القلب، فقد يعتقد الإنسان بفكرةٍ باطلةٍ أو خرافةٍ ما، لكن لا يقال إنَّه مؤمن بها إيماناً شرعياً.
ومن هنا، فالعقيدة تمثِّل الإطار العامّ للمعتقدات، والإيمان يمثِّل تحقُّق ذلك العقد بالتصديق الجازم بالله ورسله واليوم الآخر وما جاء به الوحي.
الفرق بين العقائد وعلم العقائد:
قبل الخوض في تعريف علم العقائد، لابدّ من التمييز بين العقائد وعلم العقائد.
فالعقائد هي نفس الحقائق الإيمانية التي يعتقدها الإنسان ويجزم بها قلباً، كالتوحيد والنبوة والمعاد، وهي أصول الدين التي تنعقد عليها قلوب المؤمنين.
أمّا علم العقائد فهو العلم الذي يدرس تلك الأصول دراسةً منهجية، فيعمل علىٰ بيانها وإثباتها بالأدلّة الشرعية والعقلية، ويكشف ما يعارضها من شبهات، ويدافع عنها بالحجج والبرهان.
وقد وُجدت العقائد منذ زمن الأنبياء جميعاً، لأنَّ البحث عن المعتقدات وإثباتها من لوازم الدين، لكنَّ تدوينها علىٰ شكل علمٍ مستقلٍّ جاء لاحقاً مع تطوُّر الفكر الإسلامي، واحتكاك المسلمين بغيرهم من أهل الملل والنحل، فكان لزاماً أن يُنشأ علمٌ يُعنىٰ بتنظيم مسائل الإيمان وبيانها علىٰ نحوٍ تعليميٍّ منهجيٍّ واضح.
ثالثاً: العلاقة بين علمي الكلام والعقائد:
العلاقة بين علمي الكلام والعقائد وثيقة جدّاً من حيث الأصل والمضمون، فكلّ منهما يتناول أصول الدين ومسائل الإيمان، غير أنَّ اختلافهما يظهر في المنهج والوظيفة والغاية.
فعلم الكلام يُعنىٰ بإثبات العقائد الإسلامية والردّ علىٰ الشبهات التي تثار حولها بأسلوبٍ برهانيٍّ عقليٍّ ومنطقيٍّ، بينما علم العقائد يركِّز علىٰ عرض تلك العقائد وشرحها بأسلوبٍ تعليميٍّ مبسّطٍ يورث الاطمئنان واليقين في النفس.
فالعلاقة بينهما إذاً هي علاقة عمومٍ وخصوصٍ من وجه، يجتمعان في المضمون ويتغايران في الجهة والمنهج والغاية.
فعلم الكلام أوسع من حيث النظر والتحليل والجدل العقلي، أمَّا علم العقائد فأقرب إلىٰ الإيمان التعليمي والتلقين الإيماني.
ومن هنا، فالعقائد تمثِّل الجانب الإيماني الوجداني من الدين، بينما الكلام يمثِّل الجانب البرهاني الدفاعي التحليلي، فكلاهما يخدمان أصول الدين من زاويتين مختلفتين: إحداهما تزرع الإيمان، والأخرىٰ تحميه وتدافع عنه.
الفصل الثاني: التطوُّر التاريخي لعلمي الكلام والعقائد:
في هذا الفصل نتناول البُعد التاريخي لعلم الكلام والعقائد، للوقوف علىٰ التمايز بين العلمين علىٰ لسان الأئمة (عليهم السلام)، والتطوُّر التاريخي علىٰ لسان العلماء، إذ (يمكن القول بأنَّ من المجمع عليه بين الأُمَّة وجود بذور علم الكلام مع بزوغ الإسلام ومنذ بداية ظهوره، فإنَّ من مهمّات المسائل الكلامية، هي مسألتا التوحيد والنبوّة، وهما من المعتقدات التي أكَّد عليها الإسلام منذ البداية، فيتَّضح خطأ من أخَّر عهد نشوء علم الكلام إلىٰ عهد متأخِّر، وإذا قارنَّا بين العلوم الإسلامية، وجدنا أنَّ علم الكلام، أكثرها أهمية من حيث ما يحتويه من بحوث عميقة ضرورية، كما هو أسبق رتبة من غيره، وأشرف موضوعا، لأنَّه يبحث عن أساس ما علىٰ المسلم من التزامات فكرية وعقائد، من المبدأ، والمعاد، وما بينهما)(14).
أوَّلاً: النشأة الأولىٰ لعلم الكلام:
بدأ علم الكلام في أحضان القرآن الكريم، فهو الذي وضع أصول العقائد الكبرىٰ، وفتح باب النظر العقلي في أصول الإيمان، فحثَّ علىٰ التفكير، ودعا إلىٰ البرهان، واستعمل الحجاج العقلي بأسلوبٍ فطريٍّ رفيعٍ يخاطب العقل والوجدان معاً.
قال تعالىٰ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).
﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرضِ﴾ (إبراهيم: 10).
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ (الأنبياء: 22).
فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تشكِّل الأساس القرآنيّ لمنهج المتكلِّمين في الاستدلال العقلي، وإن اختلفت أساليبهم بعد ذلك في تحليل النصوص وتأويلها.
ولقد واجه المسلمون في عصر النبوة والوصاية أسئلةً عقائدية كثيرة، لكنّهم لم يكونوا بحاجةٍ إلىٰ تأسيس علمٍ مستقلٍّ لذلك، لأنَّ المصدر العقلي والنقلي كان متَّحداً في شخص النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله)، ثم في أئمة الهدىٰ من بعده.
وقد تصدَّىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) للرد علىٰ شبهات من داخل البيت الإسلامي بمنهج كلامي برهاني، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواجهة الخوارج: لما سمع قولهم: (لا حكم إلَّا لله).
قَالَ (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُكْمَ إلَّا لِلهِ ولَكِنَّ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ لاَ إِمْرَةَ إلَّا لِلهِ وإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ اَلمُؤْمِنُ ويَسْتَمْتِعُ فِيهَا اَلْكَافِرُ…»(15).
فهذا التفكيك الجدلي لشبهة الخوارج، يجمع بين البرهان العقلي والنقلي، وهو نموذج كلامي دفاعي.
ويمكن بيان الاستخدام البرهان العقلي والنقلي في كلامه (عليه السلام) بشيء من التفصيل بتحليل علمي منهجي:
فالبرهان العقلي: أنَّ الإمام (عليه السلام) واجه شعار الخوارج (لا حكم إلَّا لله) بميزان العقل لا بالعاطفة؛ إذ لم يُنكر مضمون العبارة من حيث صورتها اللفظية، بل بيَّن خللها من حيث الاستنتاج.
فقال: «كلمة حقٍّ يُراد بها باطل».
وهذا التحليل العقليّ يقوم علىٰ قاعدة منطقية، مفادها أنَّ صحة المقدمات لا تستلزم صحة النتائج ما لم يكن الربط صحيحاً.
فالعبارة صحيحة في ذاتها (كلمة حق)، لكنّ تطبيقها علىٰ رفض الإمرة باطل (يراد بها باطل).
إذن الإمام استخدم برهان تحليل الصورة المنطقية للقول، وهو من صميم المنهج العقليّ البرهانيّ.
أمَّا البرهان العقليّ الاجتماعيّ (الضرورة التنظيمية)، أقام الإمام برهاناً عقلياً آخر علىٰ ضرورة وجود نظام سياسي وإمرةٍ بشرية حين قال: «إنَّه لابدّ للناس من أميرٍ برٍّ أو فاجرٍ».
وهذا استدلال يُقرِّر مبدأً فلسفياً اجتماعياً، مفاده أنَّ المجتمع لا يقوم إلَّا بالقيادة والتنظيم، لأنَّ الناس يحتاج بعضهم إلىٰ بعض، ولا انتظام لهم بلا حاكم يردع الظالم ويُنصف المظلوم.
ثم أنَّ الإمام (عليه السلام) كشف التناقض الداخلي في قول الخوارج، إذ إنَّهم يقرّون بأنَّ الحكم لله، ولكنهم في الواقع ينكرون الوسيلة التي بها يتحقَّق حكم الله في الأرض، أي الإمرة الشرعية، فردّ عليهم بالبرهان المنطقيّ الذي يكشف تناقض الدعوىٰ مع لوازمها.
ومن جهة النقل قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) البرهان النقليّ، من خلال الإسناد إلىٰ أصلٍ قرآنيّ وهو (لا حكم إلَّا لله) المأخوذ من القرآن نفسه في قوله تعالىٰ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ﴾ (الأنعام: 57).
فالإمام لم يرفض النصّ، بل فسَّره تفسيراً (تأويلياً) صحيحاً ينسجم مع مجموع النصوص القرآنية.
فقد بيَّن أنَّ المراد من (الحكم) هو المرجعية العليا للتشريع لا نفي السلطة التنفيذية التي تُطبّق هذا الحكم.
وهذا استعمال برهان نقليّ تفسيريّ يعتمد علىٰ الجمع بين الآيات، مثل قوله تعالىٰ:
﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: 26).
وهذه الآية تُثبت وجود (حاكمٍ يحكم بأمر الله)، مما يدلّ علىٰ أنَّ حكم الله لا يُنفّذ إلَّا عبر (إمرةٍ بشريةٍ مفوّضةٍ).
كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في برهان التوحيد:
قَالَ (عليه السلام): «عَرَفْتُ اللَهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ اَلْعَزَائِمِ وحَلِّ اَلْعُقُودِ ونَقْضِ اَلْهِمَمِ»(16).
وفي البرهان العقلي والوجداني في مقام الحوار عن وظيفة علم الكلام.
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) مع الزنادقة:
عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال لزنديق سأله: من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: «أنَّا لما أثبتناه أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنَّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجُّوه، ثبت أنَّ له سفراء في خلقه وعباده يعبرون عنه إلىٰ خلقه وعباده ويدلونهم علىٰ مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه المعبرون عنه (جلَّ وعزَّ) وهم الأنبياء وصفوته في خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس علىٰ مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم، مؤيدين عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كلِّ دهر وزمان مما أتت به الرُسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض الله من حُجَّة يكون معه علم يدل علىٰ صدق مقالته وجواز عدالته وغير ذلك من النيل العقلي والنقلي»(17).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام) في مناظرته مع الجاثليق:
قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «يَا نَصْرَانِيُّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ»، قَالَ: سَلْ فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمُهَا أَجَبْتُكَ، قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «مَا أَنْكَرْتَ أَنَّ عِيسَىٰ كَانَ يُحْيِي اَلمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اَللهِ (عزَّ وجلَّ)»؟ قَالَ اَلْجَاثِلِيقُ: أَنْكَرْتُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ أَحْيَا اَلمَوْتَىٰ وَأَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَاَلْأَبْرَصَ فَهُوَ رَبٌّ مُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُعْبَدَ، قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «فَإِنَّ اَلْيَسَعَ قَدْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَىٰ، مَشَىٰ عَلَىٰ اَلمَاءِ وَأَحْيَا اَلمَوْتَىٰ وَأَبْرَأَ اَلْأَكْمَهَ وَاَلْأَبْرَصَ فَلَمْ يَتَّخِذْهُ أُمَّتُهُ رَبّاً وَلَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وَلَقَدْ صَنَعَ حِزْقِيلُ اَلنَّبِيُّ (عليه السلام) مِثْلَ مَا صَنَعَ عِيسَىٰ بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) فَأَحْيَا خَمْسَةً وَثَلاَثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ بِسِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَىٰ رَأْسِ اَلْجَالُوتِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَأْسَ اَلْجَالُوتِ أَتَجِدُ هَؤُلاَءِ فِي شَبَابِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلتَّوْرَاةِ اِخْتَارَهُمْ بُخْت نَصَّرُ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ غَزَا بَيْتَ اَلمَقْدِسِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ بِهِمْ إِلَىٰ بَابِلَ فَأَرْسَلَهُ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) إِلَيْهِمْ فَأَحْيَاهُمْ – هَذَا فِي اَلتَّوْرَاةِ لاَ يَدْفَعُهُ إِلَّا كَافِرٌ مِنْكُمْ؟ قَالَ رَأْسُ اَلْجَالُوتِ: قَدْ سَمِعْنَا بِهِ وَعَرَفْنَاهُ»، قَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «يا يهودي خُذْ عَلَىٰ هَذَا اَلسِّفْرِ مِنَ اَلتَّوْرَاةِ فَتَلاَ (عليه السلام) عَلَيْنَا مِنَ اَلتَّوْرَاةِ آيَاتٍ فَأَقْبَلَ اَلْيَهُودِيُّ يَتَرَجَّحُ لِقِرَاءَتِهِ وَيَتَعَجَّبُ»(18).
هذه النماذج تكشف عن ممارسة الأئمة (عليهم السلام) للوظيفة الكلامية الجدلية في مواجهة الخصوم والرد علىٰ الشبهات.
كما كان للإمام (عليه السلام) مواقف تعليمية لمنهج العقائد منها:
– ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان أصول التوحيد:
(أوَّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له)(19).
– ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تقرير دعائم الإيمان:
(وسُئِلَ (عليه السلام) عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: «الإِيمَانُ عَلَىٰ أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَىٰ الصَّبْرِ والْيَقِينِ والْعَدْلِ والْجِهَادِ، والصَّبْرُ مِنْهَا عَلَىٰ أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَىٰ الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزُّهْدِ والتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَىٰ الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ومَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ، ومَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالمُصِيبَاتِ، ومَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلَىٰ الْخَيْرَاتِ، والْيَقِينُ مِنْهَا عَلَىٰ أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَىٰ تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ، ومَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وسُنَّةِ الأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَه الْحِكْمَةُ، ومَنْ تَبَيَّنَتْ لَه الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، ومَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأَوَّلِينَ، والْعَدْلُ مِنْهَا عَلَىٰ أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَىٰ غَائِصِ الْفَهْمِ وغَوْرِ الْعِلْمِ، وزُهْرَةِ الْحُكْمِ ورَسَاخَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، ومَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ، ومَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِه وعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً، والْجِهَادُ مِنْهَا عَلَىٰ أَرْبَعِ شُعَبٍ، عَلَىٰ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ وشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ المُؤْمِنِينَ، ومَنْ نَهَىٰ عَنِ المُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، ومَنْ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ قَضَىٰ مَا عَلَيْه، ومَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وغَضِبَ لِله غَضِبَ الله لَه، وأَرْضَاه يَوْمَ الْقِيَامَةِ…»(20).
– وعن الإمام الباقر (عليه السلام):
«بُني الإسلام علىٰ خمسة: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يُناد بشيء كما نودي بالولاية»(21).
– وعن الإمام الرضا (عليه السلام):
«الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين»(22).
ومن هنا يتَّضح أنَّ هذه النصوص تمثِّل الوظيفة العقدية التعليمية، إذ تُرسِّخ العقائد في نفوس المؤمنين بلغة موجزة، وفي هذا البيان تتَّضح حقبة زمنية بممارسة الأئمة (عليهم السلام) للرد علىٰ الشبهات الكلامية، وتعليم المسلمين العقائد الحقة.
وهنا لا بأس بدفع إشكال مقدَّر مفاده أنَّنا نجر كلام الأئمة (عليهم السلام) لما نعتقد به، إذ إنَّ الكلام يدل – مضافاً إلىٰ الجنبة التاريخية والتصدي من قبل الأئمة (عليهم السلام) للرد علىٰ الشبهات منذ بدايات الدعوة للإسلام- علىٰ التفريق بين العلمين، فنقول: نعم، الموضوع فيه دلالة علىٰ الأمرين، ولذا وجب بيان تلك الجنبة الخفية فيه، فنقول: يمكن أن تتَّضح عندنا تلك الصورة – صورة التفريق بين علم الكلام والعقائد – في كلام الأئمة (عليهم السلام)، وذلك من خلال التوضيح المفهومي، والتاريخي:
– التوضيح المفهوميّ – لا إسقاط بل استقراء وظيفيّ:
إنَّ الأئمة (عليهم السلام) لم يستخدموا لفظ علم الكلام أو علم العقائد بالمعنىٰ الاصطلاحيّ المتأخر الذي ظهر في القرون اللاحقة، لأنَّ هذه المصطلحات لم تكن بعدُ قد تبلورت كعلوم مستقلة.
لكنّهم مارسوا الوظيفتين معاً واقعاً من خلال:
أ – الوظيفة الإثباتية الدفاعية في مقام مواجهة الخصوم، وردّ الشبهات، وإقامة الحجة بالعقل والنقل، وهذا هو جوهر علم الكلام قبل أن يُسمّىٰ بهذا الاسم.
ب – الوظيفة التعليمية الإيمانية في مقام بناء الإيمان وترسيخ العقيدة في قلوب المؤمنين، وهي جوهر علم العقائد، إذن التفريق بين (الكلام والعقائد) ليس إسقاطاً لفظياً من المصطلحات اللاحقة علىٰ كلام الأئمة، بل هو استقراء موضوعيّ لوظيفتين مارسوها بالفعل.
ويمكن تقديم وصف تحليلي علمي بالقول: إنَّ الأئمة أدّوا وظيفة الكلام قبل أن يتكوَّن كعلمٍ مصطلحٍ عليه.
ولا يقال إنَّ الأئمة تكلَّموا في علم الكلام بالاصطلاح.
– التوضيح التاريخيّ – تدرّج النشأة لا الانفصال المصطنع:
إذا تتبَّعنا التاريخ الفكريّ، نجد أنَّ حقيقة علم الكلام في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) حين واجه الخوارج والمشككين، وفي مناظرات الأئمة (عليهم السلام) مع الزنادقة وأهل الكتاب.
كما نجد حقيقة علم العقائد في خطبهم وكلماتهم التعليمية للمؤمنين التي تُبيِّن أصول الإيمان والتوحيد والإمامة والعدل… إلخ.
إذن نحن نستنبط التفريق من واقع الممارسة النبوية والإمامية، لا أنَّنا نفرضه عليها.
كما أنَّ ما جاء في البحث لا يُحدث تمايزاً اسمياً، بل يصف تمايزاً موضوعياً قائماً بالفعل في منهج الأئمة (عليهم السلام).
فحين نرىٰ الإمام علي (عليه السلام) يناقش الخوارج بالعقل والنقل، ويبرهن علىٰ ضرورة الإمرة، فهذا عمل كلاميّ دفاعيّ.
وحين نراه يقول: «أوَّل الدين معرفته… وكمال توحيده الإخلاص له»، فهذا عمل عقديّ إيمانيّ.
فالتمايز في الوظيفة والغاية لا في الاسم والاصطلاح.
ومن جهة أخرىٰ: (يمكن القول بأنَّ من المجمع عليه بين الأُمَّة وجود بذور علم الكلام مع بزوغ الإسلام ومنذ بداية ظهوره، فإنَّ من مهمّات المسائل الكلامية، هي مسألتا التوحيد والنبوّة، وهما من المعتقدات التي أكَّد عليها الإسلام منذ البداية، فيتَّضح خطأ من أخَّر عهد نشوء علم الكلام إلىٰ عهد متأخِّر، وإذا قارنا بين العلوم الإسلامية، وجدنا أنَّ علم الكلام، أكثرها أهمية من حيث ما يحتويه من بحوث عميقة ضرورية، كما هو أسبق رتبة من غيره، وأشرف موضوعاً، لأنَّه يبحث عن أساس ما علىٰ المسلم من التزامات فكرية وعقائد، من المبدأ، والمعاد، وما بينهما)(23).
ثانياً: العوامل التي ساهمت في نشوء علم الكلام:
اتِّساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول أقوامٍ وثقافاتٍ مختلفة إلىٰ الإسلام، مما استدعىٰ الحاجة إلىٰ الدفاع عن العقيدة الإسلامية في مواجهة المذاهب الفكرية والديانات الأخرىٰ.
ظهور الفرق الكلامية بعد مقتل عثمان ونشوء الخلاف السياسي الذي اتَّخذ منحىٰ عقدياً، كمسألة مرتكب الكبيرة، والإيمان، والقضاء والقدر، مما تطلَّب معالجة عقلية منهجية.
الاحتكاك بالفلسفة اليونانية وظهور الترجمات في عهد المأمون، حيث بدأ الفلاسفة والمتكلِّمون المسلمون باستخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية في بيان العقائد الإسلامية.
المناظرات الفكرية بين المسلمين وأهل الأديان الأخرىٰ، مما أوجب وضع ضوابط في الجدل وأسسٍ للحجاج العقلي.
انفتاح العقل الإسلامي علىٰ التأمُّل العقلي في النصوص، وتأكيد الأئمة والعلماء علىٰ الجمع بين العقل والنقل في فهم أصول الدين.
ثالثاً: مراحل تطوُّر علم الكلام:
مرَّ علم الكلام بمراحل متعدِّدة يمكن إجمالها فيما يلي:
المرحلة الأولىٰ: مرحلة الجدل البسيط في صدر الإسلام:
حيث كانت المناقشات محدودة تدور حول نصوص الوحي، وأبرز قضاياها: التوحيد، والقدر، والعدل الإلهي.
المرحلة الثانية: مرحلة التكوين المذهبي.
برزت فيها المدارس الكلامية الكبرىٰ:
– المعتزلة، الذين قدَّموا العقل علىٰ النقل في التأسيس العقدي.
– الأشاعرة، الذين حاولوا التوفيق بين النقل والعقل.
– الإمامية، الذين وحَّدوا بين العقل والنقل علىٰ أساس النصّ والعقل البرهاني معاً.
المرحلة الثالثة: مرحلة الفلسفة الكلامية:
في هذه المرحلة تأثَّر المتكلِّمون بالفلسفة والمنطق، فازدادت مباحثهم عمقاً، وظهر علماء كبار كالفارابي وابن سينا والشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم، حيث أدخلوا مباحث الوجود والماهية والعلّية في علم الكلام.
المرحلة الرابعة: مرحلة النضج والتهذيب:
وفيها استقرّ علم الكلام كمادّة علمية لها كتبها ومناهجها في الحوزات والمدارس، فصار يُدرَّس ويُصنَّف بشكلٍ منظّمٍ واضحٍ.
رابعاً: تطور علم العقائد:
علم العقائد بحدِّ ذاته لم يُعرف في العصور الأولىٰ كمصطلحٍ مستقلّ، بل كانت مباحثه تُطرح ضمن أبواب الإيمان وأصول الدين في مؤلفات المتكلِّمين والمحدّثين والفقهاء.
ومع مرور الزمن ظهرت الحاجة إلىٰ تيسير بيان العقائد الإسلامية لعامة الناس وطلبة العلم، فبدأت تُكتب المصنّفات المختصرة التي تُعنىٰ بتقرير العقيدة بأسلوبٍ واضحٍ مبسّطٍ بعيدٍ عن الجدل الفلسفي والمنطقي.
ومن أوائل من كتب في هذا الباب الشيخ الصدوق (ت 381هـ) في كتابه الاعتقادات في دين الإمامية، ثم تتابعت المصنفات بعده، حتَّىٰ أصبح علم العقائد علماً تعليمياً قائماً بذاته، يُدرّس في المدارس الدينية كمقدّمة لعلم الكلام والفلسفة.
خامساً: أثر المدارس الإسلامية في تطور العلمين:
المدرسة الإمامية:
تميَّزت بتأسيس علم الكلام علىٰ قاعدة الجمع بين العقل والنقل، مع التركيز علىٰ النصِّ القرآني والحديثي في ضوء الدليل العقلي القطعي، وقدَّم أعلامها كالشريف المرتضىٰ والعلامة الحلي والخواجة نصير الدين الطوسي بناءً متيناً لعلم الكلام العقلي.
المدرسة المعتزلية:
غلَّبت العقل علىٰ النقل، فكانت رائدة في التحليل العقلي للمسائل العقدية، لكنها أحياناً تجاوزت النصوص الشرعية في بعض مباحثها، مما أثار اعتراضاتٍ واسعة من غيرهم.
المدرسة الأشعرية:
حاولت التوفيق بين المدرستين السابقتين، فاعتمدت النقل أساساً والعقل خادماً له، واهتمَّت ببيان العقائد وفق مقاصد النصوص مع ضوابط الجدل الكلامي.
المدرسة الفلسفية الإسلامية:
مثَّلت تطوراً لاحقاً لعلم الكلام، إذ تناولت العقائد بأسلوبٍ برهانيٍّ فلسفيٍّ قائمٍ علىٰ مبادئ الحكمة والعلّية والوجود.
المدرسة الصوفية والعرفانية:
تناولت العقيدة من جهة التزكية والمعرفة الوجدانية، فكان اهتمامها بالمشاهدة الباطنية أكثر من الجدل العقلي، ومع ذلك قدَّمت رؤىٰ عميقة في توحيد الله ومعرفته.
سادساً: التكامل بين علم الكلام والعقائد:
رغم التباين المنهجي بين العلمين، فإنَّ التاريخ أثبت أنَّ أحدهما لا يُغني عن الآخر.
فعلم الكلام يمدّ علم العقائد بالأُسس العقلية والبرهانية، بينما يمدّ علم العقائد علم الكلام بالوضوح التعليمي والإيماني.
وبذلك تكمِّل الوظيفة الدفاعية البرهانية في الكلام الوظيفة التعليمية الإيمانية في العقائد، ويصبحان معاً جناحين لطائرٍ واحدٍ هو العقيدة الإسلامية الشاملة التي تجمع بين الفكر والدين، والعقل والإيمان.
الفصل الثالث: أوجه الاختلاف بين علمي الكلام والعقائد:
يتناول هذا الفصل أوجه الاختلاف بين علمي الكلام والعقيدة من حيثيات متعدِّدة:
أوَّلاً: من حيث الموضوع:
يتَّحد علم الكلام وعلم العقائد في موضوعهما العام، وهو أصول الإيمان والعقائد الإسلامية، إلَّا أنَّهما يختلفان في الجهة التي يُنظر منها إلىٰ هذا الموضوع.
فعلم الكلام يبحث في أصول الدين من حيث إقامة البرهان والدفاع عن الحقّ وردّ الشبهات، بينما علم العقائد يبحث في تلك الأصول من حيث التقرير والتعليم والإيضاح للمؤمنين.
فالاختلاف إذاً ليس في الذات -أي في أصول الإيمان نفسها-، بل في الحيثية التي يُلحظ بها هذا الموضوع.
وعليه يكون موضوع علم الكلام هو: العقيدة من حيث قابليتها للبرهان والدفاع عنها.
وموضوع علم العقائد هو: العقيدة من حيث وجوب الإيمان بها وتعليمها.
ثانياً: من حيث الغاية والوظيفة:
الغاية في علم الكلام هي البرهان والدفاع، أمَّا في علم العقائد فهي التقرير والإيمان والتعليم.
فعلم الكلام ذو طبيعةٍ جدليةٍ برهانيةٍ تهدف إلىٰ حماية العقيدة من الانحراف ودفع الاعتراضات، بينما علم العقائد ذو طبيعةٍ تعليميةٍ تبشيرية تهدف إلىٰ غرس العقيدة في النفوس وتثبيتها.
وبهذا يكون الفرق بين الغايتين كالفرق بين المعلّم والمجادل؛ فالمعلّم يبيِّن الحقّ ليُؤمن به المتعلِّم، والمجادل يبيِّن الحقّ ليُسكت الخصم.
ومن هنا يظهر أنَّ علم الكلام علمٌ دفاعيٌّ بامتياز، بينما علم العقائد علمٌ تعليميٌّ إيمانيٌّ بامتياز.
ثالثاً: من حيث المنهج والأسلوب:
علم الكلام يعتمد علىٰ المنهج العقلي البرهاني الجدلي، ويستخدم قواعد المنطق ومناهج البرهان العقلي والنقلي.
بينما علم العقائد يعتمد علىٰ المنهج التعليمي الإيماني الوجداني، فيعرض المسائل بأسلوبٍ تقريريٍّ موجزٍ بعيدٍ عن الجدل العقلي.
فعلىٰ سبيل المثال، عند الحديث عن وجود الله:
المتكلِّم يقيم البرهان العقلي والنقلي ويبحث في دليل الحدوث والإمكان والعلّية.
أمَّا عالم العقائد فيشرح وجود الله من حيث ضرورة الإيمان به وآثار قدرته في الكون، بأسلوبٍ يزرع الإيمان أكثر من إثارة الجدل.
إذن المنهج الكلامي تحليليٌّ برهانيٌّ، والمنهج العقدي تعليميٌّ تبليغيٌّ.
رابعاً: من حيث المرتبة والمقام:
علم العقائد هو المدخل الذي يتلقّىٰ منه المؤمن أصول الدين، فيورثه اليقين الأولي، ثم يأتي علم الكلام ليرفع هذا اليقين إلىٰ مرتبة البرهان والإثبات والدفاع.
فالعقيدة تُزرع أوَّلاً، ثم يُبرهن عليها ثانياً.
خامساً: في تكامل العلمين ووحدة الغرض:
رغم التباين في الغاية والمنهج، فإنَّ علم الكلام وعلم العقائد يتكاملان في خدمة الدين.
فعلم العقائد هو الأساس الذي يقوم عليه الإيمان الفردي، وعلم الكلام هو الحصن الذي يحمي هذا الإيمان من الانهيار أمام الشبهات الفكرية.
فلا غنىٰ لأحدهما عن الآخر، كما لا غنىٰ للجسد عن الروح، ولا للفكر عن الوجدان.
وبهذا يتحقَّق التوازن بين العقل والنقل، البرهان والإيمان، الحجة واليقين.
خلاصة الفصل الثالث:
من خلال ما تقدَّم يظهر أنَّ الفرق بين علمي الكلام والعقائد ليس في موضوعهما، لأنَّهما يشتركان في بحث أصول الدين، وإنَّما في الجهة والغاية والمنهج والوظيفة.
فعلم العقائد يُقرِّر ما يجب الإيمان به، وعلم الكلام يُقيم الأدلة علىٰ صحّة هذا الإيمان ويدفع عنه الشبهات.
فهما متغايران بالوظيفة، متكاملان في الغاية، يجتمعان في خدمة الدين، ويتَّحدان في غرضهما الأسمىٰ: ترسيخ الإيمان الحقّ بالله تعالىٰ ورسله وحججه.
ومع الحاجة إلىٰ بيان هذا الموضوع تفصيلاً، والسعي لتوسعة دائرة الأدلة لتشمل العلوم الأخرىٰ، سيقدّم الباحث ملحقاً تأسيسياً في خاتمة هذا الفصل لتوضيح القاعدة العامة لتمايز العلوم بالموضوع والحيثية والغاية، ليُعمّم ما طُبّق هنا علىٰ علمي الكلام والعقائد إلىٰ سائر ميادين المعرفة.
الملحق التأسيسي: في تمايز العلوم بالموضوع والحيثية والغاية:
قد يُثار سؤالٌ منهجيٌّ مفاده:
هل يكفي اختلافُ المحمولاتِ لتعدُّد العلوم؟
إنَّ القاعدة المشهورة عند المناطقة والأصوليين تقرِّر أنَّ تمايُز العلوم إنَّما يكون بالموضوع لا بالمحمول، لأنَّ المحمولات في كلِّ علمٍ إنَّما هي عوارضُ تُحمَل علىٰ موضوعٍ واحدٍ بالنظر إلىٰ جهةٍ مخصوصة، فهي تابعةٌ للموضوع لا مكوِّنةٌ له.
غير أنَّ ما يُراد من أثر المحمول في التمايز – كما سيأتي بيانه – ليس مناقضةً لما قرَّره المناطقة، بل هو نظرٌ من جهةٍ أخرىٰ ترتبط بعلاقة المحمول بالحيثية التي يُلحَظ بها الموضوع.
ومن هنا، يلزم قبل الخوض في هذا الأثر أن نبيِّن بدقة طبيعة العلاقة بين المحمول والحيثية، لنرىٰ هل يمكن أن تكون هذه العلاقة بنفسها أساساً لتمايز العلوم أم لا.
تحليل العلاقة بين الموضوع والحيثية والمحمول:
الموضوع في الاصطلاح العلمي ليس الذات المادية وحدها، بل الذات بما هي ملحوظة من جهة مخصوصة، أي بالحيثية المأخوذة في لحاظ الباحث.
ولهذا قالوا: (وأمَّا الموضوع فقد أوضح المعلم في الميزان أنَّه: ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، فيكون هنا بدن الانسان؛ لأنَّ الصحة والمرض له، كذلك الطب باحث عنهما، ثم لابدَّ حينئذٍ أن يكون الموضوع الواحد لعلوم متعدِّدة إذا اختلفت الحيثيات كالجسم من حيث التغير الطبيعي، وافتقاره إلىٰ الإيجاد الإلهي، وتركيبه عن النقطة وما بعدها للهندسة وهكذا، ثم هو قد يكون قريباً كالبدن للطب وعكسه كالعناصر ومتوسطاً كالأمزجة، وتحقيق ذلك كله راجع إلىٰ الحكيم، فإنَّه هنا كالأصول للفقه)(24).
فإذا اختلف المحمول بسبب اختلاف الجهة التي يُلاحظ بها الموضوع، فالتغاير في الحقيقة عائد إلىٰ الحيثية لا إلىٰ المحمول المجرَّد.
أمَّا إذا كانت الجهة واحدة والمحمول اختلف عرضاً، فالتغاير يكون في الفروع لا في أصل العلم.
إذن، التغاير بالمحمول لا يُعدّ ملاكاً مستقلاً، بل راجعاً في جوهره إلىٰ اختلاف الحيثية.
توضيح أوسع:
إنَّ أصل القاعدة في تمايز العلوم إنَّما يكون بموضوعاتها، لا بمحمولاتها ولا بغاياتها.
والوجه في ذلك أنَّ المحمولات عوارض للموضوع، فهي تابعة له في الاعتبار، ولا تستقل بالتعريف.
ولا نريد إنكار هذه القاعدة أو تبديلها.
أمَّا الغاية فهي خارجة عن ذات العلم، فلا تكون مناطاً للتمايز من حيث الحقيقة المنطقية، وإنَّما هي أمرٌ غرضيٌّ يختلف باختلاف المقاصد.
لكن يمكن القول: إنَّ الغرض من تصنيف العلوم إنَّما هو تمييز المسالك المعرفية بحسب المقاصد.
فإنَّ العلوم وإن اشتركت في النظر إلىٰ الوجود أو الإنسان أو أفعال القلوب، إلَّا أنَّ جهة النظر فيها مختلفة، فربَّ علمٍ ينظر في الشيء من جهة تهذيب النفس، وآخر من جهة إقامة البرهان، وثالث من جهة العمل به في المعاش والمعاد، فلكلِّ علمٍ جهةٌ وغرضٌ يخصّه، ومن هنا يمكن التمييز بأكثر من جهة:
التمييز المنطقي الحقيقي: وهو الذي يكون باختلاف الموضوع.
التمييز الاعتباري المنهجي: وهو الذي يكون باختلاف الجهة أو الغاية.
وبهذا يمكن القول: إنَّ العلوم قد تتَّحد في الموضوع والمحمول، لكنها تختلف في الجهة المقصودة، مما يسوِّغ تدوينها علىٰ نحو علوم مستقلة.
فمثلاً: علوم مثل الأخلاق، والعرفان، والفقه، والتصوف، علوم متغايرة وإن اشتركت في موضوع الإنسان الكامل.
ومن أمثلة الاختلاف بالاعتبار مع وحدة الموضوع بالذات: البحث عن الإنسان من جهة أنَّه جسم طبيعي في الفيزياء، ومن جهة أنَّه عاقل في الفلسفة، ومن جهة أنَّه اجتماعي في علم الاجتماع.
فكلما اختلفت الجهة اختلف العلم، وإن كان الموضوع واحداً بالذات.
فالتمايز بالموضوع يعود في حقيقته إلىٰ تمايز الحيثيات والاعتبارات وليس بتغاير الذوات.
موافقة القاعدة المنطقية:
هذا القول لا يُلغي القاعدة المنطقية، فإنَّ ملاك تمايز العلوم عند المناطقة هو اختلاف الموضوع، غير أنَّ المراد بالموضوع ليس الذات المبحوث عنها بما هي هي، بل الذات الملاحَظة من جهة مخصوصة؛ فكلَّما اختلفت الجهة أو الحيثية اختلف الموضوع.
كما يمكن جعل اختلاف الغايات والمقاصد موجباً لتعدُّد العلوم من جهة التدوين والاعتبار.
وعلىٰ هذا الأساس، فإنَّ علم العقائد وعلم الكلام وإن اشتركا في موضوع واحد هو أصول الإيمان، إلَّا أنَّ اختلاف الحيثية والوظيفة والغاية بينهما يوجب التغاير المنهجي الكافي لتدوينهما علمين مستقلين؛ فالعقائد علم تقريري إيماني تعليمي، والكلام علم برهاني دفاعي تحليلي، وبهذا يجتمع التغاير الاعتباري المنهجي مع الوحدة الموضوعية الجوهرية في نسق معرفي واحد.
العلاقة بين الذات، والحيثية، والغاية:
أمثلة:
الإنسان من حيث الجسمية، وحفظ صحته، يتكفَّله علم الطب.
الإنسان من حيث النطق والفكر، وصيانة فكره، يتكفَّله علم المنطق.
الإنسان من حيث الاجتماع، وفهم العلاقات البشرية، يتكفَّله علم الاجتماع.
الإنسان من حيث التكليف الشرعي، وبيان الوظيفة الشرعية، يتكفَّله علم الفقه.
الإنسان من حيث الاعتقاد، وبناء الإيمان، يتكفله علم العقائد.
الإنسان من حيث الدفاع والبرهان، ورد الشبهات، وتثبيت الإيمان، يتكفَّله علم الكلام.
فكلّ هذه العلوم تبحث في ذات واحدة (الإنسان)، لكنها تختلف باختلاف الحيثية والغاية.
العلاقة المنطقية بين الغاية والحيثية والموضوع:
الحيثية تمثِّل قيد النظر الداخلي في موضوع العلم (جهة النظر).
الغاية تمثِّل الاعتبار الخارجي الذي يوجِّه منهج البحث (لماذا نبحث؟).
لكنّهما متداخلتان:
فالحيثية تؤثِّر في المنهج الداخلي، والغاية تؤثِّر في اختيار تلك الحيثية.
مثال:
إذا كانت الغاية (الدفاع عن العقيدة)، تصبح الحيثية هي (العقيدة من حيث قابليتها للبرهان)، فينشأ علم الكلام.
وإذا كانت الغاية (تعليم العقيدة)، تصبح الحيثية هي (العقيدة من حيث وجوب الإيمان بها)، فينشأ علم العقائد.
إذن الغاية لا تُغيِّر الذات المبحوث عنها، لكنها تغيِّر الزاوية التي نبحث منها عنها، فتبدّل الموضوع بالمعنىٰ المنطقي الاعتباري.
النتيجة المستنبطة:
كلَّما اختلفت الغاية، تغيَّرت الحيثية المناسبة، فنتج عن ذلك موضوع علمٍ جديدٍ وإن كانت الذات واحدة.
فموضوع العلم ليس ذاتاً جامدة، بل ذات ملحوظة من جهة مخصوصة وبغرضٍ معيَّن.
فإذا تبدَّلت الجهة أو الغرض، تبدَّل الموضوع الاعتباري، فصار العلم جديداً في التدوين والمنهج وإن اتَّحد في الجوهر.
القاعدة الجامعة:
إنَّ وحدة الذات مع اختلاف الحيثية أو الغاية كافية لتعدُّد العلم، لأنَّ الموضوع هو الذات المقيّدة بتلك الحيثية، فإذا اختلف القيد اختلف الموضوع.
وهذه القاعدة تفسِّر إمكان وجود علوم متعدِّدة تدور حول الذات الواحدة.
علم النفس والعلم الاجتماعي حول الإنسان.
علم العقائد وعلم الكلام حول الإيمان.
علم الفقه وعلم الأصول حول فعل المكلَّف.
الفصل الرابع: أوجه التشابه بين علمي الكلام والعقائد:
رغم التمايز المنهجي والوظيفي بين علمي الكلام والعقائد، فإنَّ بينهما قدراً واسعاً من التشابه في الأصول والمناهج والغايات، لأنَّهما ينتميان إلىٰ منظومة معرفية واحدة هي منظومة العلوم الإسلامية التي تهدف إلىٰ حفظ الدين وإيضاح معالم الإيمان الحق.
وفيما يلي أهم وجوه هذا التشابه:
أوَّلاً: وحدة المصدر والمنشأ:
ينطلق كلٌّ من علم الكلام وعلم العقائد من المصدر نفسه، وهو الوحي الإلهي المتمثِّل بالقرآن الكريم والسُنَّة الشريفة والعقل الصريح.
فالمتكلِّم يعتمد علىٰ النصِّ والعقل في إقامة البرهان والدفاع، كما يعتمد عالم العقائد علىٰ النص والعقل في البيان والتعليم.
والفرق بينهما في درجة التوظيف لا في أصل المصدر.
فكلاهما يستقي معارفه من الوحي ويستعين بالعقل لفهمه وتطبيقه.
ولذلك، فإنَّ أيّ افتراق بين العلمين في المنهج أو الغاية لا يخرجهما عن الإطار الإسلامي الذي يجمعهما، بل يؤكِّد وحدة الجذر العقدي الذي يتفرَّعان عنه.
ثانياً: وحدة الموضوع العام:
يتناول العلمان الموضوع نفسه وهو أصول الإيمان والعقيدة الإسلامية:
التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، والمعاد.
وهذه المسائل هي لبّ الدين وروحه، وهي التي تشكِّل المحتوىٰ المركزي لكلٍّ من علمي الكلام والعقائد.
ولهذا يُقال إنَّ الكلام والعقائد وجهان لبحثٍ واحدٍ في أصول الدين، غايتهما تثبيت الحقّ في النفوس والعقول.
وإنَّما يقع التفاوت بينهما في الطريقة التي يُبحث بها هذا الموضوع، لا في جوهره.
ثالثاً: وحدة الأثر الإيماني والعملي:
كلا العلمين يهدف في النهاية إلىٰ ترسيخ الإيمان الحقّ بالله ورسوله وحججه، وإلىٰ تهذيب النفس وتزكيتها من الشك والضلال.
فعلم الكلام يُنشئ الإيمان البرهاني العقلي، وعلم العقائد يُنشئ الإيمان الوجداني التسليمي.
والمجتمع لا يستغني عن أيٍّ منهما؛ لأنَّ الإيمان الكامل هو الذي يجمع بين العقل والقلب، بين الدليل والشعور، بين المعرفة والسلوك.
ولهذا نجد أنَّ ثمار العلمين مشتركة في أثرها الأخلاقي والاجتماعي؛ فكلٌّ منهما يصوغ عقل المسلم وضميره، ويوجّه علاقته بالله والناس.
رابعاً: وحدة الحاجة الدينية والاجتماعية:
ظهر علم الكلام في زمنٍ احتاجت فيه الأُمَّة إلىٰ الدفاع عن أصولها العقائدية أمام التيارات الفكرية والفلسفية الوافدة، بينما تبلور علم العقائد في إطار حاجة الأمة إلىٰ ترسيخ الإيمان وتعليم الناس مبادئ الدين بأسلوب مبسَّط.
لكن في كلا الحالين، الدافع ديني اجتماعي واحد: حفظ العقيدة من الانحراف، وبناء الإنسان المؤمن الواعي.
فالكلام والعقائد كلاهما وليدان لحركة واحدة في التاريخ الإسلامي تهدف إلىٰ صيانة الهوية الإيمانية في وجه التحديات.
خامساً: وحدة اللغة والمفاهيم:
يشترك العلمان في استعمال المصطلحات العقدية نفسها: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد، الصفات، الجبر، الاختيار، القضاء والقدر… إلخ.
كما يشتركان في الاستعانة بالمفاهيم العقلية والمنطقية ذاتها، وإن اختلف مستوىٰ استعمالها وعمقها التحليلي.
ولذلك فإنَّ الدارس لعلم العقائد يستطيع بسهولة الانتقال إلىٰ دراسة علم الكلام؛ لأنَّ المفردات والمفاهيم التي يتعامل معها لا تتبدَّل، وإنَّما تتعمَّق وتتوسَّع.
سادساً: وحدة المقصد النهائي:
الغاية النهائية لكلا العلمين واحدة، وهي تحقيق معرفة الله ورسله وحججه والإيمان بهم علىٰ وجهٍ صحيحٍ راجحٍ، وتحقيق السعادة الأخروية الناتجة عن هذه المعرفة.
فكلا العلمين وسيلة للوصول إلىٰ الله تعالىٰ، غايتهما النجاة، وطريقهما العلم واليقين.
ولهذا يصحّ القول إنَّ علم العقائد هو المدخل القلبي للإيمان، وعلم الكلام هو المدخل العقلي له، وكلاهما يلتقيان في المقصد الأعلىٰ وهو الهداية إلىٰ الحق.
سابعاً: التكامل في التربية الفكرية والعقدية:
يتكامل علم الكلام والعقائد في بناء شخصية المسلم من جهتين:
أ – العقائد تزرع البذرة الأولىٰ للإيمان في القلب وتكوّن المفاهيم الأساسية.
ب – الكلام يرعاها بالبرهان والتحليل والدفاع في وجه الاعتراض.
فالعقائد تُعطي اليقين البسيط الذي يحتاجه المؤمن العامّي، والكلام يُعطي اليقين البرهاني الذي يحتاجه المتخصِّص والعالم والمفكِّر.
وبهذا يتكامل البناء العقدي في مستوياته المختلفة، فيتأسَّس الإيمان في النفوس ويُصان بالعقل والدليل.
وبهذا يخلص القول إلىٰ أنَّ أوجه التشابه بين علمي الكلام والعقائد تُظهر وحدة الهدف والمصدر والموضوع، وأنَّ التمايز بينهما لا يعني الانفصال أو التنافي، بل التنوع في طرق خدمة الغرض الإيماني الواحد.
فكلاهما من علوم أصول الدين، يلتقيان في تحقيق المعرفة الإلهية وتثبيت الإيمان الحقّ، ويكمل أحدهما الآخر في مسيرة بناء الفكر الإسلامي وحماية العقيدة.
ومن هنا فالتكامل بينهما ضرورة معرفية وتربوية، لا مجرّد تشابه عارض، إذ يُسهم علم العقائد في بناء الإيمان، ويسهم علم الكلام في حمايته وترسيخه بالعقل والبرهان.
الفصل الخامس: في مناقشة القول بوحدة العلمين وردّ الإشكالات:
بعد أن تبيَّن أنَّ لعلمي الكلام والعقائد تمايزاً في الجهة والمنهج والغاية، قد يُثار إشكال مفاده: أنَّ كلّ ما ذُكر لا يرقىٰ إلىٰ مرتبة الاختلاف العلمي الحقيقي، لأنَّ التباين في الأسلوب أو في درجة العمق لا يوجب تعدُّد العلم، فقد يكون للعلم الواحد مستويات من التناول والتفصيل، كما هو الحال في كتب النحو أو الفقه أو التفسير التي تتفاوت في الطول والعمق دون أن تكون علوماً متعدِّدة.
لذلك يُطرح السؤال المنهجي الآتي:
هل ما بين الكلام والعقائد اختلاف حقيقي جوهري، أم أنَّه اختلاف اعتباري نسبي لا يوجب استقلال كلٍّ منهما بعلمٍ خاصّ؟
أوَّلاً: منشأ الإشكال:
يرجع هذا الإشكال إلىٰ الاعتماد الحرفي علىٰ قاعدة المناطقة القائلة:
إنَّ تمايز العلوم إنَّما يكون باختلاف الموضوع لا الغاية ولا المحمول.
ومن ثمّ، إذا اتَّحد موضوع العلمين (وهو أصول الدين) فلا موجب لتعدُّدهما.
وهذا الإشكال ينبع من تصورٍ ضيِّق لمفهوم الموضوع، إذ يُفهم الموضوع علىٰ أنَّه الذات المبحوث عنها بما هي هي، لا الذات المقيَّدة بالجهة أو الحيثية.
ويبدو أنَّ أصحاب هذا الرأي لم يلتفتوا إلىٰ أنَّ بعض المناطقة صرَّحوا بأنَّ الموضوع هو الذات من حيثيّةٍ مخصوصة، وأنَّ اختلاف الجهة يكفي لاختلاف الموضوع؛ فكلّما تغيَّرت الحيثيّة تغيَّر الموضوع، وبالتالي تغيَّر العلم.
ويتَّضح ذلك فيما ورد في بدائع الأفكار، إذ قال:
(إنَّ تمايز العلوم علىٰ ما اشتهر في الألسنة بتمايز الموضوعات بالذات أو بالعرض يعني بملاحظة الحيثيّة والاعتبار، والمراد بتمايز الموضوعات ذاتاً هو التميُّز بحسب الذات، سواء كان التميُّز علىٰ نحو العموم المطلق أو من وجه أو التباين الكلّي، وأمثلة الكلّ واضحة، وأرادوا باعتبار الحيثيّة التميّز بين علمين مشتركين في الموضوع مثل العلوم الأدبيّة الباحثة كلا عن أحوال الكلمة والكلام، فإنَّ الكلمة والكلام ليسا موضوعين لها بحيثيّة واحدة بل بحيثيات مختلفة؛ فموضوع علم النحو مثلاً الكلمة من حيث الإعراب والبناء، وموضوع الصرف هي من حيث الصحة والاعتلال والاشتقاق)(25).
ومن ثمَّ يتبيَّن أنَّ الحيثيّة المقصودة ليست قيداً لفظيّاً، بل جهة تقييديّة يتقوَّم بها موضوع العلم ذاته.
وعلىٰ الرغم من خلاف المناطقة والأصوليين في تفاصيل هذا المبنىٰ، إلَّا أنَّ القول بكفاية اختلاف الحيثيّة لتغاير الموضوع هو الأوفق بالتحليل المنطقي وأدقّ في تفسير تمايز العلوم.
ثانياً: الجواب التحليلي:
الجواب أنَّ علمي الكلام والعقائد وإن اشتركا في الذات (وهي أصول الإيمان)، إلَّا أنَّهما يختلفان في الحيثية والغاية والوظيفة، وهذا كافٍ لتعدُّد العلمين بالمعنىٰ الاعتباري والمنهجي، وإن لم يكن بالمعنىٰ الجوهري الذاتي.
فالعلم قد يتعدَّد بتعدد الغايات والمناهج وإن اتَّحدت الذات، لأنَّ الغاية تغيّر زاوية النظر إلىٰ الموضوع، ومن ثمّ تغيّر اعتباره العلمي.
ولهذا فرَّق العلماء بين العلوم المتعدِّدة التي تبحث في الشيء الواحد باعتبارات مختلفة، كما في الفلسفة والطب والفيزياء، فكلّها تبحث في الإنسان، لكن من جهات متعددة:
من جهة الجسم الطبيعي، ومن جهة الروح والعقل، ومن جهة السلوك الاجتماعي، ومن جهة التكليف الشرعي.
فكذلك الكلام والعقائد، موضوعهما واحد، لكن الحيثية مختلفة:
في الكلام: من حيث الدفاع والبرهان.
وفي العقائد: من حيث الإيمان والتعليم.
ثالثاً: الفرق بين اختلاف الدرجة واختلاف الجهة:
قد يُقال: إنَّ الكلام أعمق من العقائد، لكن هذا فرق في الدرجة لا في الجهة، ومجرَّد العمق لا يجعل العلمين متغايرين، كما في كتب الفقه الاستدلالية والرسائل العملية.
إلَّا أنَّ الفرق بين الكلام والعقائد ليس فرقاً في الدرجة فقط، بل في الوظيفة والاتِّجاه:
الكلام يتَّجه إلىٰ البرهنة والدفاع، والعقائد تتَّجه إلىٰ البيان والإيمان.
فالمتكلِّم يشتغل في ساحة الحوار العقلي مع الخصم، بينما عالم العقائد يشتغل في ساحة التربية والتعليم مع المؤمن.
وبين المجالين اختلاف في المقصد والمنهج، لا مجرَّد في العمق.
رابعاً: الردّ التفصيلي علىٰ دعوىٰ الوحدة:
الاتِّحاد في الموضوع لا يمنع التغاير بالحيثية:
لأنَّ الحيثية شرط في الموضوع، فإذا اختلفت الحيثية اختلف الموضوع، كما تقرَّر في مباحث المنطق.
الغايات المتباينة تقتضي مناهج متباينة:
فمن رام الدفاع عن العقيدة استعمل أدوات الجدل والبرهان، ومن رام غرسها في النفوس استعمل لغة التعليم والبيان.
وهذا التباين المنهجي دليل علىٰ استقلال العلمين.
التراث العلمي شاهد علىٰ الفصل بينهما:
فقد دوَّن المسلمون منذ القرون الأولىٰ كتباً مستقلّة في العقائد وأخرىٰ في الكلام، مما يدلّ علىٰ وعيٍ ضمنيٍّ بالتمايز المنهجي والوظيفي بينهما.
الضرورة التعليمية:
إنَّ اختلاف المستوىٰ التعليمي بين المتعلِّم والمجادل يفرض اختلاف العلمين، فليس من المناسب أن يُقدَّم علم الكلام الجدلي للعوام، كما لا يكفي علم العقائد المبسّط للمتخصّصين.
خامساً: النتيجة:
يتبيَّن من جميع ما تقدَّم أنَّ القول بوحدة العلمين ناشئ من حصر التمايز في الجانب الذاتي دون الالتفات إلىٰ الجهة والوظيفة.
فالكلام والعقائد متَّحدان ذاتاً، مختلفان حيثيةً وغايةً ومنهجاً، وهذا الاختلاف المنهجي الاعتباري كافٍ لتدوين كلٍّ منهما علماً مستقلاً يخدم الآخر ويكمّله.
وبذلك يمكن صياغة النتيجة العامة علىٰ النحو الآتي:
إنَّ علم الكلام وعلم العقائد علمان متغايران في الحيثية والغاية والوظيفة، متكاملان في الغرض والمصدر، ولا يصحّ إرجاع أحدهما إلىٰ الآخر إلا علىٰ سبيل العموم اللفظي لا العلمي.
والنتيجة مما تقدَّم يظهر أنَّ القول بتعدُّد العلمين لا يناقض القاعدة المنطقية، بل يؤكّدها من وجهٍ آخر، لأنَّ القيد الاعتباري في الموضوع كافٍ لتمييز علمٍ عن آخر.
ولذلك كان علم الكلام علماً دفاعياً برهانياً، وعلم العقائد علماً إيمانياً تعليمياً، وهذا التغاير في المقاصد والمناهج هو الذي منح كلّاً منهما شخصيته العلمية الخاصة، مع احتفاظهما بوحدة الهدف والمصدر في خدمة الدين وترسيخ الإيمان الحقّ بالله ورسله وحججه.
الفصل السادس: النتائج العامة والتوصيات:
بعد استعراض الفصول السابقة وبيان أوجه التمايز والتشابه بين علمي الكلام والعقائد، يمكن الخلوص إلىٰ مجموعة من النتائج العلمية والمنهجية التي تلخّص طبيعة العلاقة بين العلمين، وتحدِّد موقع كلٍّ منهما في المنظومة المعرفية الإسلامية.
أوَّلاً: النتائج العامة:
إنَّ علمي الكلام والعقائد يشتركان في الأصل والمصدر والموضوع، فكلٌّ منهما يبحث في أصول الإيمان والعقيدة الإسلامية، ويستند إلىٰ القرآن الكريم والسُنَّة والعقل الصريح كمصادر للمعرفة.
ويتمايزان في الحيثية والمنهج والغاية، فعلم العقائد علمٌ تقريريٌّ تعليميٌّ إيماني، بينما علم الكلام علمٌ برهانيٌّ دفاعيٌّ جدلي.
فالأوَّل يخاطب القلب والوجدان لبناء الإيمان، والثاني يخاطب العقل والفكر لحماية الإيمان.
إنَّ وحدة الموضوع لا تنفي التمايز العلمي، لأنَّ الحيثية الاعتبارية التي يُلحظ بها الموضوع كافية لتغاير العلوم، فالإنسان الواحد مثلاً يكون موضوعاً للطب من حيث الصحة والمرض، وللفقه من حيث التكليف الشرعي، وللاجتماع من حيث السلوك الجمعي، وهكذا.
إنَّ تغاير الغاية يؤثِّر في المنهج والوظيفة، لأنَّ الغاية تحدِّد زاوية النظر إلىٰ الموضوع، فالعقائد تهدف إلىٰ الإيمان والتعليم، والكلام يهدف إلىٰ البرهان والدفاع، وهذا التغاير الغائي يخلق اختلافاً في أساليب البحث والتدوين.
إنَّ القول بتعدُّد العلمين لا يناقض القاعدة المنطقية، بل ينسجم معها من حيث إنَّ الموضوع يُلحظ من جهةٍ مخصوصةٍ، فإذا تغيَّرت الجهة تغيَّر الموضوع تبعاً لها، وبالتالي تغيَّر العلم.
إنَّ العلاقة بين العلمين هي علاقة تكامل لا تنافر، فكلٌّ منهما يكمِّل الآخر في تحقيق الغاية الإيمانية الكبرىٰ: العقائد تزرع الإيمان، والكلام يحرسه بالعقل والبرهان.
إنَّ الجمع بين العلمين ضرورة تربوية وفكرية، إذ لا يمكن بناء الإيمان في النفوس ما لم يُحصّن بالعقل والدليل، ولا يمكن للعقل أن يصمد في وجه الشبهات دون جذور وجدانية وإيمانية راسخة.
ثانياً: التوصيات:
ضرورة إدماج علمي الكلام والعقائد في البرامج التعليمية الحديثة بصورةٍ تكاملية، بحيث يُقدَّم علم العقائد في المراحل الأولىٰ لبناء الإيمان، ويُدرّس علم الكلام في المراحل العليا لترسيخ البرهان والدفاع.
تشجيع الباحثين علىٰ إعادة بناء علم الكلام المعاصر بروحٍ جديدةٍ تستفيد من المناهج الحديثة في الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية، مع الحفاظ علىٰ أصالة التراث الإسلامي ومبادئه.
الدعوة إلىٰ وضع موسوعات مقارنة بين علم الكلام الإسلامي والفلسفات العقائدية في الأديان والثقافات الأخرىٰ، لإبراز تفوُّق الرؤية الإسلامية في الجمع بين الإيمان والعقل.
العمل علىٰ صياغة خطابٍ عقائديٍّ تربويٍّ معاصر، يستلهم روح علم العقائد في بساطته ووضوحه، وروح علم الكلام في قوّته البرهانية، ليكون أكثر تأثيراً في الأجيال الحديثة.
الاهتمام بالدراسات المنهجية التأسيسية حول (تمايز العلوم) و(علاقة الغاية بالحيثية)، لما لها من أثرٍ مباشر في ضبط حدود كل علمٍ وتحديد موضوعه، كما ظهر في هذا البحث من خلال الملحق التأسيسي.
تأكيد البُعد التطبيقي للبحث العقدي، بحيث يُترجم الإيمان النظري إلىٰ سلوكٍ عمليٍّ أخلاقيٍّ في حياة الفرد والمجتمع، لأنَّ العلم الذي لا يتحوَّل إلىٰ عملٍ لا يحقق مقصده الإيماني الكامل.
ثالثاً: الخاتمة:
يتَّضح من مجمل ما تقدَّم أنَّ القول بتغاير علمي الكلام والعقائد هو قولٌ مؤسَّسٌ علىٰ مبانٍ منطقيةٍ وعقليةٍ رصينة، وأنَّ كلّاً منهما يحتلّ موقعاً متميّزاً في بنية العلوم الإسلامية، يجمع بينهما الإيمان بالله، ويفرِّق بينهما الاعتبار والمنهج والمقصد، فالعقائد هي المنبع الإيماني الأول الذي يتلقّىٰ منه الإنسان يقينَه، والكلام هو الحصن العقلي المتين الذي يصون هذا اليقين من التزلزل والشك.
وبهذا يلتقي العلم والعقل والقلب في منظومةٍ معرفيةٍ متكاملةٍ، تجعل من الإيمان الإسلامي بناءً متماسكاً يجمع بين صفاء العقيدة وبرهان العقل ونور الهداية.
قائمة المراجع:
القرآن الكريم.
ابن فارس، أحمد بن فارس (ت 395هـ). مقاييس اللغة.
ابن منظور، محمد بن مكرم (ت 711هـ). لسان العرب.
ابن شاهين، عمر بن أحمد (ت 385هـ). ناسخ الحديث ومنسوخه.
الأمير علي بن أبي طالب (عليه السلام). نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ط1.
الصاحب بن عباد، إسماعيل بن عباد (ت 385هـ). المحيط في اللغة.
الصدوق، محمد بن علي (ت 381هـ). الاعتقادات في دين الإمامية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1403هـ.
الصدوق، محمد بن علي (ت 381هـ). التوحيد. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
الصدوق، محمد بن علي (ت 381هـ). عيون أخبار الرضا. بيروت: دار التعارف.
الشريف الرضي، محمد بن الحسين (ت 406هـ). نهج البلاغة. تحقيق: صبحي الصالح. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1986م.
الطبرسي، الفضل بن الحسن (ت 548هـ). مجمع البيان في تفسير القرآن. بيروت: دار المعرفة.
الطوسي، محمد بن الحسن (ت 460هـ). الاقتصاد في الاعتقاد. بيروت: دار الأضواء، 1986م.
الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب (ت 817هـ). القاموس المحيط.
الكركي، علي بن الحسين (ت 940هـ). رسائل الكركي.
الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329هـ). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
المرتضىٰ، علي بن الحسين (ت 436هـ). الذخيرة في علم الكلام. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: مطبعة عيسىٰ البابي الحلبي، 1971م.
المفيد، محمد بن محمد (ت 413هـ). أوائل المقالات. تحقيق: مهدي محقق. بيروت: دار المفيد، 1413هـ.
المفيد، محمد بن محمد (ت 413هـ). النكت الاعتقادية.
المظفر، محمد رضا. عقائد الإمامية. بيروت: دار التعارف، 1987م.
الزنجاني، إبراهيم الموسوي. عقائد الإمامية الاثني عشرية. بيروت: مؤسسة الأعلمي، ط3.
التفتازاني، سعد الدين (ت 792هـ). شرح المقاصد. بيروت: مؤسسة الشريف الرضي (أفست قم).
مجمع اللغة العربية بالقاهرة. المعجم الوسيط.
الشاهرودي، السيد محمود، نتائج الأفكار في الأصول، ج1، ص25، الناشر: ال مرتضي – قم، الطبعة 1.
نتائج الأفكار في الأصول، ج ١، السيد محمود الشاهرودي، ص ٢٥.
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي، ص ٢٦٤، الناشر: باقيات – قم الطبعة 1.
الهداية في شرح الكفاية، ج ١، الشيخ عبد الحسين الدزفولي الكاظمي، ص ٣.
الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص ١١.
الشيخ داود الأنطاكي، النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة، الناشر مؤسسة البلاغي -قم، ط1.
ميرزا حبيب الله الرشتي، بدائع الأفكار، ص ٣٢ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
الهوامش:
(1) المحيط في اللغة، ج٦، الصاحب بن عباد، ص٢٧٣.
(2) الشيخ الصدوق، الاعتقادات، ص٩٩ (تحقيق مؤسسة الهادي (عليه السلام)).
(3) الشيخ الصدوق، الاعتقادات، ص٩٩ (تحقيق مؤسسة الهادي (عليه السلام)).
(4) التفتازاني، شرح المقاصد، ج١، ص٣٢، ط1، الناشر: الشريف الرضي- أُفست قم.
(5) السيد المرتضىٰ، الذخيرة في علم الكلام، ص5، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، 1971م.
(6) المحقق الكركي، رسائل الكركي، ج٣، ص١٧٤.
(7) الصدوق، الاعتقادات، ط2، الناشر: بيام امام هادي- قم.
(8) قد يُشكل علىٰ وصف علم الكلام بأنَّه (علم برهاني)، بدعوىٰ أنَّ البرهان في اصطلاح المناطقة هو القياس المؤلَّف من يقينيات ومحصور في الشكل الأوَّل، وحيث إنَّ علم الكلام لا يقتصر في استدلالاته علىٰ هذا النمط، بل يضمّ إلىٰ جانب العقل النصوص النقلية، فإنَّ وصفه بالبرهاني – علىٰ هذا المبنىٰ – غير دقيق.
غير أنَّ هذا الإشكال يمكن دفعه ببيان أنَّ المقصود بكون علم الكلام برهانياً ليس حصره في البرهان الأرسطي بمعناه الضيِّق، بل بمعنىٰ اعتماده علىٰ الأدلة العقلية القطعية التي تفضي إلىٰ اليقين، بخلاف العلوم الجدلية أو الخطابية التي لا تفيد إلَّا الظن أو الإقناع.
وأمَّا النقل في علم الكلام فإنَّما يُستند إليه بعد إثبات حجيّته بالعقل (كإثبات صدق النبي بالمعجزة والتواتر)، وبذلك يرجع النقل في حجيته إلىٰ البرهان العقلي.
كما أنَّ وصفه بالبرهانية يُلحظ من جهة الوظيفة والغاية أيضاً؛ فإنَّ علم الكلام لا يكتفي بالظنون أو التقليد في باب العقائد، بل يسعىٰ لإقامة الإيمان علىٰ اليقين، فيكون برهانياً من حيث إنَّه يهدف إلىٰ تحصيل العلم القطعي في أصول الدين. وهذا ما يميّزه عن سائر العلوم الدينية، كالفقه الذي يكتفي بالأمارات الظنيّة في كثير من أبوابه.
يضاف إلىٰ ذلك أنَّ علم الكلام مرَّ بمراحل تطور؛ ففي بداياته كان يغلب عليه الطابع الجدلي، ومع تطوره علىٰ يد أعلام مثل نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي تقارب مع المنهج الفلسفي البرهاني، حتَّىٰ أصبح يُعرّف بأنَّه (علم يقتدر معه علىٰ إثبات العقائد الدينية علىٰ الغير، بإيراد الحجج ودفع الشبه. – التفتازاني، شرح المقاصد، ج١، ص٣٢، ط1، الناشر: الشريف الرضي- افست قم).
وهذا التعريف نفسه يشير إلىٰ طبيعة برهانية وظيفية، وإن لم يلتزم بالحدّ المنطقي الأرسطي بحذافيره.
وعليه، فإنَّ وصف علم الكلام بالعلم البرهاني صحيح بالمعنىٰ الأوسع والأدق: أي أنَّه علم يسعىٰ لإقامة العقائد علىٰ أساس عقلي يقيني، ويجعل النقل تابعاً للعقل في إثبات حجيته، فلا يخرج بذلك عن كونه علماً برهانياً، وإن لم يكن برهانياً خالصاً بالمعنىٰ الاصطلاحي الضيق عند المناطقة.
(9) الكليني، الكافي، ج2، ص159، دار الحديث للطباعة والنشر، ط 1.
(10) الشيخ الكليني، الكافي، ج٤، ص٥٢٣، الناشر دار الكتب الإسلامية، ط2.
(11) ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج٤، ص٨٦.
(12) ابن شاهين، عمر بن شاهين، ناسخ الحديث ومنسوخة، ص37.
(13) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، نفحات الولاية، ج٧، ص٦٦.
(14) الشيخ المفيد، النكت الاعتقادية، ص١٩
(15) نهج البلاغة، خطبة 40، صبحي الصالح، ص82.
(16) الشريف الرضي، محمد بن حسين، المحقق: صبحي الصالح، ص511. الحكمة 250، مؤسسة دار الهجرة، قم المقدسة،١٤١٤ الهجري، ط1.
(17) الزنجاني، إبراهيم الموسوي، عقائد الامامية الاثني عشرية، ص40، مؤسسة الاعلمي- بيروت، ط3.
(18) الصدوق، ابنبابویه محمد بن علی، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج١، ص١٤٣.
(19) نهج البلاغة (صبحی الصالح): ص٣٩.
(20) أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، ص474، ط1.
(21) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص200.
(22) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص200.
(23) المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، النكت الاعتقادية، ص١٩.
(24) الشيخ داود الأنطاكي، النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة، ص٥٢.
(25) ميرزا حبيب الله الرشتي، بدائع الأفكار، ص٣٢ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.