البصمة الوراثية بين التشريع والقانون

البصمة الوراثية بين التشريع والقانون

المقدمة:

البصمة الوراثية مصطلح علمي طبي من أكثر أنواع المصطلحات الطبية شيوعاً ويعرف كذلك بالحمض النووي (DNA)، وهو الذي يحمل المعلومات الوراثية في الخلايا الحية، حيث يرىٰ الأطباء أنَّها تتكوَّن من سلسلتين أحدهما ملتفة علىٰ الآخر مكوّنة شكلاً حلزونياً مزدوجاً واسمه الطبي (acid Deoxyribonucleic) وهو اختصار لكلمة (DNA).

– تعريف البصمة الوراثية:

وهي مجموعة من الصفات الخاصة التي يتميَّز بها كل إنسان عن الآخر ويتم توارثها عن طريق الجينات البشرية(1)، وقد تعرف بالطبعة الوراثية، أو بصمة الحمض النووي، وهي أهم وسيلة للتعرف عن الأشخاص جينياً.

– أهمية البصمة الوراثية:

تكمن هذه الأهمية في قدرتها علىٰ التمييز بين الأفراد، بغض النظر عن كثرتهم أو قلَّتهم من غير المرتبطين بصلة قرابة، وغالباً ما تؤخذ مادة الحمض النووي من عدد من مناطق محدَّدة من جسم الإنسان، كالشعر والدم واللعاب من فم الإنسان، وكذلك من الأنسجة، ولها آلية معيَّنة، سوف نتعرَّض لها في آلية البصمة الوراثية.

– مسارها التاريخي:

والتي تم اكتشافها باكتشاف الأحماض النووية لأوَّل مرة في عام (1868م) من قبل العالم الألماني (فريد ريسن في ألمانيا) من خلال الخلايا، وقيل: إن مكتشف البصمة الوراثي العالم البريطاني (السير ألك جيفريز) في عام (1984م) عن طريق إعطاء والده له مجموعة أدوات كيميائية.

إلىٰ أنَّ أوَّل من اكتشف الشريط الحلزوني، هما العالمان الأمريكي (جيمس واشون) والعالم الفيزيائي والإنجليزي الشهير (جيمس كريك) حيث إنَّهم اكتشفا الشكل الحلزوني للشريط المزدوج للحمض النووي، أو ما يعرف اليوم ببصمة (DNA)(2).

– أمَّا استخداماتها:

كثيرة ومهمة جداً من قبيل إثبات النسب بين جميع أفراد الأسرة، وأنَّها تحدِّد هوية الجثث المتحللة والمتفسخة والمحروقة والمقطعة الأجزاء، بسبب القتل أو الحرق أو بسبب حدوث الكوارث الطبيعية، كما وأنها تستعمل لمعرفة وتحديد اكتشاف عدداً من الأمراض الوراثية، إذا كان الاكتشاف لهذه الأمراض في مرحلة مبكرة من خلال إجراء الفحوصات والتحليلات للبصمة الوراثية، وكذا في تحديد هوية الجناة المجرمين لا سيما الذي لا يترك أثراً خلفه يدل عليه، والأكثر من ذلك فإنَّ استخدامها في معرفة السلالات الوراثية للعائلة(3).

الفصل الأوَّل: الموقف الشرعي والقانوني:

– الموقف الشرعي من البصمة الوراثية إجمالاً:

حيث يمكن الاعتماد علىٰ البصمة الوراثية في بعض الموارد الفقهية، في إثبات النسب بين أفراد الأُسرة، إلَّا أنَّ المسألة خلافية بين الفقهاء في الاعتماد عليها من الناحية الشرعية لما يترتَّب عليها من أثر شرعي، والمسألة فيها قولان:

القول الأوَّل: الاعتماد عليها:

قال السيد السيستاني (مدَّ الله في عمره الشريف):

(الفحوصات الطبية الحديثة التي لا تتخلَّلها الاجتهادات الشخصية يجوز الاعتماد عليها)(4).

القول الثاني: عدم الاعتماد عليها:

قال الشيخ وحيد الخراساني (دام ظله):

(إنَّ فحص الـ(DNA) لا يعد دليل شرعياً لا لثبوت النسب ولا نفيه)(5).

– الموقف القانوني من البصمة الوراثية إجمالاً:

والحال علىٰ ما هو عليه في الموقف الشرعي – الفقهي، وفي المسألة قولان أيضاً:

القول الأوَّل: اعتبار البصمة الوراثية:

فقد ذهب بعض المشرِّعين في قانون الأحوال الشخصية لسنة (2005م) الذي نص في الفقرة الخامسة من المادة 97 منه علىٰ أنَّ للمحكمة الاستعانة بالطرق العلمية لنفي النسب بشرط ألَّا يكون قد تمَّ ثبوته قبل ذلك(6).

القول الثاني: عدم اعتبار البصمة الوراثية:

مدَّعين في ذلك أنَّ القول بالاحتفاء بالبصمة الوراثية في نفي النسب فيه إبطال أو إلغاء لحكم شرعي ثابت بالكتاب والسُنَّة.

وفي القانون العراقي:

لم ينص المشرع العراقي صراحة علىٰ البصمة الوراثية، إلَّا أنَّه يمكن تأسيس العمل بها في التشريع العراقي علىٰ مبدأ حرية الإثبات الذي أخذ به في القانون أصول المحاكمات الجزائية في مجال الإثبات الجنائي وهو ما نصَّت عليه الفقرات (أ) المادة (٢١٣) منه حيث جاء فيها: … ب: لقاضي التحقيق أن يرغم المتهم أو لمجنىٰ عليه في جناية أو ضحية معاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات علىٰ أخذ قليل من دمه أو شعره أو أظافره أو غير ذلك ما يفيد التحقيق لغرض إجراء فحص الوراثي الخاص بالبصمة الوراثية(7)، نعم القانون العراقي استعان بالاختبارات البيولوجية ومنها تحليل البصمة الوراثية في القضايا الجنائية، وقد ذهبت المحكمة التمييز إلىٰ اعتبار التقارير الطبية قرائن تعزِّز الأدلة المتوافرة في الدعوىٰ بقبولها(8).

الفصل الثاني: حكم استخدام البصمة الوراثية في إثبات النسب:

أمَّا من الناحية الشرعية، فقد عثرنا علىٰ عدَّة نصوص للفقهاء في الرسائل العملية، أو الفتاوىٰ الميسرة، أو أجوبة المسائل وإلىٰ غير ذلك، مما يدل علىٰ بحث هذه المسألة بشكل علمي فقهي يليق بشأن هذه المسألة المهمة والمستحدثة، بما ينسجم وطبيعة المسألة وحاجة الناس لها، التي تعرف بمصطلح البصمة الوراثية وهنا مذهبان:

المذهب الأوَّل: ذهب العلماء المعاصرون إلىٰ القول بجواز إثبات النسب بالبصمة الوراثية، قياساً علىٰ مذهب جمهور الفقهاء، القائلين بجواز اللجوء إلىٰ القيافة عند النزاع علىٰ النسب، أو عند تعارض البيانات، أو عند تساوي الأدلة في ذلك(9).

المذهب الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلىٰ عدم جواز إثبات النسب بالبصمة الوراثية(10).

وقد تعرَّض أكثر من كتب في موضوع البصمة الوراثية إلىٰ أنَّ المسألة خلافية بين فقهاء المذاهب الإسلامية، بل أكثر من ذلك أنَّها خلافية بين فقهاء المذهب الواحد، وقد يكون السبب الرئيس لهذه المسألة هو عدم إدراك كنه المسألة بالشكل الجلي لعدم وضوح رؤية علماء الوراثة لهذه البصمة، لضرورة كون هذه التحاليل البيولوجية والفحوصات غير واضحة المعالم، فلابدَّ من إيضاح هذان القولان، وكما يلي:

أمَّا المذهب الأوَّل القائل: بالجواز:

أو الاعتماد عليها أي البصمة الوراثية في بعض الموارد الفقهية في إثبات النسب بين الأب وابنه، وكذا في إلحاق ابن الزنا من المتولد منه، وإلىٰ هذا القول ذهب بعض الأعاظم من فقهائنا وبعض فقهاء المذاهب الإسلامية.

قال السيد السيستاني (دام ظله الوارف):

(الفحوصات الطبية الحديثة التي لا تتخلَّلها الاجتهادات الشخصية يجوز الاعتماد عليها)(11).

وقال في مورداً آخر في ردٍ علىٰ سؤال حول تأييد صحة النسب أو انتفائه من خلال (DNA) بقوله:

(يمكن الأخذ إذا عدَّت طريقة علمية وبيِّنة لا تتخلَّلها الاجتهادات الشخصية)(12).

وعن بعض أهل العلم قوله:

فإنَّه يرىٰ بأنَّها لو أورثت العلم والاطمئنان جاز الاعتماد علىٰ العلم والاطمئنان الحاصل جرائها، لا عليها بما هي في إثبات النسب دون الاشارة إلىٰ نفيه(13).

وأما المذهب الثاني القائل: بعدم الجواز:

وهو قول بعض الأعاظم كالسيد الخوئي (قدس سره) والشيخ اللنكراني والسيد كاظم الحائري في عدم اعتماد البصمة الوراثية.

وفي معرض الرد علىٰ بعض الأسئلة الطبية البصمة الوراثية في تحديد نسب الطفل عند الاشتباه، أو معرفة الأب للمتولد من الزنا.

قال الشيخ اللنكراني:

(لا اعتبار له)(14).

أي عدم الاعتماد عليها في تحديد نسب الطفل عند الاشتباه، أو معرفة الأب للمتولد من الزنا.

وممن يذهب إلىٰ عدم الجواز الاعتماد علىٰ هذه الطريقة في إثبات النسب السيد كاظم الحائري، وذلك في سؤال وجه إليه بهذا الخصوص:

توصل العلم إلىٰ معرفة مدىٰ انتساب الشخص لأبيه من خلال فحص الحامض النووي البصمة الوراثية كافياً في ترتيب الآثار الشرعية، كالإرث وغيره من المسائل؟

فأجاب السيد الحائري بقوله:

(لم تثبت شرعية هذه الطرق لإثبات النسب، ولكنه في مسألة أخرىٰ اعتبر أنَّ كل طريقة تفيد العلم في تحديد النسب يمكن الاعتماد عليها شرعاً)(15).

وقد استدلوا أصحاب المذهب الثاني علىٰ هذا المنع، بأنَّ النسب لا ينفىٰ إلَّا باللعان فقط.

أمَّا أصحاب المذهب الأوَّل فيمكن التمسُّك لهم بالدليل العقلي علىٰ القول بالجواز:

لما للبصمة من أهمية كبيرة لكونها تمثِّل دليل حسياً علمياً قطعياً مبنياً علىٰ التحليل والمشاهدة، وإنَّما تسهم مساهمة كبيرة في إظهار الحقائق، لحصول النفع بها في إقرار الحقوق وإقامة العدل(16).

الفصل الثالث: أثر البصمة الوراثية علىٰ بعض الأحكام الشرعية:

ومبنىٰ هذه النقطة علىٰ القول الأوَّل الذي يقول بالاعتماد علىٰ البصمة الوراثية والأخذ بها دون القول الثاني الذي يقول بعدم الاعتماد علىٰ البصمة الوراثية، وهذا هو مبتغانا في هذا البحث أن نبيِّن الآثار الفقهية المترتِّبة علىٰ الأخذ بنتائج الفحص للحمض النووي (DNA) في عدد من المصاديق الفقهية والذي من أهمها:

إثبات النسب:

– ومعنىٰ النسب لغة:

النسب نسب القرابات وهو واحد الأنساب ابن سيده بالنسبة والنسبة والنسب القرابة، وقيل: هو في الآباء خاصة، وقيل: النسبة مصدر الانتساب والنسبة الاسم التهذيب النسب يكون بالآباء ويكون إلىٰ البلاد ويكون في الصناعة(17).

– ومعنىٰ النسب اصطلاحاً:

إشارة إلىٰ صلة القرابة أو العلاقة البيولوجية بين الأصول والفروع أي سلسلة الأجداد والأحفاد يتم إثبات النسب شرعا في الإسلام بالزواج الشرعي أو الإقرار بالولد أو بوسائل أخرىٰ كالفراش أو الرضاعة أو بوسائل علمية حديثة كتحليل الحمض النووي مما يحدِّد الحقوق والواجبات الشرعية للأب والأُم والطفل(18).

قال السيد السيستاني (دام ظلّه):

في معرض الرد علىٰ السؤال حول تأييد صحة النسب أو انتفائه من خلال الحمض النووي فأجاب بقوله: (يمكن الأخذ بها إذا عدت طريقة علمية وبينه لا تتخللها الاجتهادات الشخصية)(19).

وقبل إيضاح أثر البصمة الوراثية علىٰ المصداق الأوَّل في إثبات النسب لابدَّ من إيضاح الطرق الفقهية المتَّبعة في الأحكام الشرعية لإثبات النسب، وكما يلي:

الطريق الأوَّل: الفراش:

وغالباً ما يعبّرون عنه بالزواج الصحيح الشرعي الذي يقع ضمن الضوابط الشرعية.

قال السيد السيستاني (دام ظلّه):

(النكاح ثلاثة دائم ومنقطع وملك يمين ويفتقر الأوَّل إلىٰ العقد وهو الإيجاب والقبول بلفظ الماضي علىٰ الأحوط استحباباً تزوجته وأنكحته وقبلت)(20).

أو زواج فاسد والفاسد هو عدم تحقق الشروط الشرعية فيه أو وطء الشبهة ومعناه المراد بوضع الشبهة الوطء غير المستحق مع بناء الواطي علىٰ استحقاقه له سواء كان معذوراً فيه شرعاً أم عقلا أو غير معذور(21).

ويقصد من الفراش عنوان يطلق علىٰ الزوجية الشرعية بين المتناكحين وهو الأصل في انتساب الولد، فإذا وقع الشك في انتساب الولد لاحتمال الزنا أو الاحتمال بقاء النطفة من الزوج السابق ينسب الولد إلىٰ الشخص الذي يولد في فراشه ويثبت النسب للولد المشكوك النسب بواسطة أمارية الفراش(22).

وهذا هو المراد من الفراش انتساب الولد المشكوك فيه إلىٰ الزوج السابق بواسطة العلاقة الزوجية والتي مدارها الفراش والفراش كناية علىٰ النكاح، واستدل فقهاؤنا برواية مشهورة بين العامة والخاصة، وقد نقلت في أسانيد كثيرة وصحيحة قد بلغت حدّ التواتر الولد للفراش نتبرَّك بواحدة منها:

بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في عدم إرث الولد المشكوك في الزنا مما ترك الزاني قال:

«إنَّ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر»(23)، فيكون المراد منها أنَّ كل ما اشتبه فيه نسباً فإنَّه يلحق بصاحب الفراش الزوج من العقد والزاني يرمىٰ بالحجارة ولا ينسب الولد إليه.

الطريق الثاني: الإقرار بالبنوة:

والإقرار هو إخبار شخص عن حقٍّ ثابت عليه ونفي حقٍّ له، سواء كان من حقوق الله تعالىٰ أم من حقوق الناس(24).

وقد اشترط السيد السيستاني في المقر بأن يكون جازماً غير محتملاً للتردد والشك حيث قال:

(فلو قال: أظن أو احتمل أنَّك تطلبني كذا لم يكن إقراراً)(25).

فإن أقرَّ المقر بولدٍ أو أخٍ نفذ إقراره مع احتمال صدقه فيما عليه من آثار هذا الإقرار من وجوب النفقة وحرمة مناكحة وقسمة الميراث وكل ما يترتَّب عليه من آثار.

قال السيد الخوئي (قدّس سرّه):

(إذا أقرَّ بولد أو أخ أو أخت أو غير ذلك نفذ إقراره مع احتمال صدقه فيما عليه من وجوب إنفاق أو حرمة نكاح أو مشاركة في إرث ونحو ذلك)(26).

فعلىٰ هذا يكون الإقرار بمعنىٰ الاعتراف بإلحاق الولد المتولِّد من الطريق الشرعي الصحيح لأبيه.

الطريق الثالث: البيِّنة:

إذا يراد في البيِّنة هي شهادة الشهود علىٰ شيء ما كما في ثبوت دعوه نسب بالبيِّنة فيكون عبر شهادة الشهود العدول وعند الفقهاء أنَّ البيِّنة أقوىٰ ملاكاً من الإقرار لكونها لا تقتصر علىٰ المدَّعي.

إذن الحجة الواضحة أو الدليل القاطع، وعلىٰ الأعم الأغلب هو مصطلح فقهي كثير استعماله في باب القضاء والحدود، أو أنَّه يطلق ويراد به شهادة عدلين أو الشاهد المتعدِّد(27).

الطرق العلمية في إثبات النسب:

التطوُّر العلمي التقني ولا سيما البيولوجي أحدث ثورة من المعلومات التي تعود بنفعها إلىٰ المجتمع البشري، عن طريق إجراء التجارب والتحاليل العلمية الطبية علىٰ عددٍ من الأفراد لغرض الوصول إلىٰ نتائج مرضية لثبوت أصابت بعض الأفراد بالأمراض المستعصية أو المزمنة أو لثبوت نسبة انتساب الولد وإلحاقه بأبويه.

وهذه المستحدثات العلمية الطبية تمثِّل طريقاً علمياً لإثبات النسب بين الأفراد أو لإثبات ومعرفة هوية الجثث أو القتلة، وإلىٰ غير ذلك.

عن طريق تحاليل طبية معروفة عند أهل الاختصاص، وهذه يمكن حصرها بطريقين:

الطريق الأوَّل: فحص الدم:

إنَّ الاعتماد علىٰ فحص الدم له أهمية في دعوىٰ النسب وإثبات البنوة، ويعد نظام فحص الدم أحد الطرق العلمية الشائع استعمالها في مجال إثبات النسب، ويقوم فحص الدم علىٰ فكرة تصنيف الدم إلىٰ مجاميع أو فصائل واعتماد علىٰ وجود مولد الضد أو انعدامه من الكريات الحمراء، إذاً إنَّ مصل الدم قد يحتوي علىٰ أجسام مضادة أو لا يحتوي عليها(28).

وعلىٰ هذا قاموا العلماء بتصنيف الدم إلىٰ مجاميع، وتحديد فصيلة كل من دم الطفل وأبويه عن طريق عدد من التحاليل البيولوجية لفحص الدم، فعن طريقها يمكن الوصول إلىٰ إثبات نسبه أو نفيه(29).

وهذا غالباً ما يحصل اليوم وفي جميع بلدان العالم بأخذ عيِّنات دم كل من المتزوِّجين، وهو إجراء طبي قانوني وقائي لفحص مجاميع الدم من أجل التحقُّق خلو الزوجين من الأمراض، وكذلك من أجل التحقُّق لإثبات ما يتولَّد منهم مستقبلاً في حال إنكاره من قبل طرف واحد أو من قبل الطرفين(30).

وقد أقرَّت التشريعات القانونية العراقية هذه الإجراءات العلمية لفحص عينات الدم لإثبات النسب في قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة (1959م)، وقد جاء بنص عام في قانون الإثبات وهو نص المادة (104) والذي ينص علىٰ أنَّ للقاضي أن يستفيد من وسائل التقدُّم العلمي في استنباط القرائن القضائية(31).

الطريق الثاني: بالبصمة الوراثية:

من أهم الوسائل المستحدثة العلمية للكشف وإثبات النسب بين الآباء والأبناء، هي البصمة الوراثية للحمض النووي المعروف بـ(DNA)، فعن طرق علمية متطوّر ينفرد كل إنسان بنمط مميّز خاص في تركيبته الوراثية ضمن الخلايا الجسدية، التي لا يشاركه فيها أي شخص آخر في العالم.

نتائج البحث:

1 – من الناحية العلمية:

تبيَّن أنَّ البصمة الوراثية (DNA) تمثِّل وسيلة علمية دقيقة تكاد تصل إلىٰ درجة القطع في تحديد الهوية الوراثية للأشخاص، وهي قائمة علىٰ تحليل تسلسل الجينات المميزة لكلِّ إنسان، بحيث يستحيل تطابقها بين شخصين إلَّا في حالات نادرة كالتوأم المتماثل.

2 – من الناحية الشرعية:

انقسم الفقهاء في الموقف من الاعتماد علىٰ البصمة الوراثية إلىٰ قولين رئيسين:

القول بالجواز والاعتبار: وهو ما ذهب إليه جمع من الفقهاء المعاصرين مثل السيد السيستاني (دام ظله)، ممن أجازوا الاعتماد علىٰ الفحوص العلمية إذا كانت خالية من الاجتهادات الشخصية وتورث الاطمئنان العلمي.

القول بعدم الجواز والاعتبار: كما هو رأي بعض الأعلام كالسيد الخوئي (قدس سره) والشيخ اللنكراني والسيد كاظم الحائري، ممن احتاطوا في الأخذ بالبصمة الوراثية لعدم تحقُّق الدليل الشرعي القطعي الذي يُجيز اعتمادها في إثبات النسب أو نفيه.

3 – من الناحية القانونية:

لم ينص المشرِّع العراقي صراحة علىٰ البصمة الوراثية، إلَّا أنَّ روح التشريعات الحديثة وخاصة مبدأ (حرية الإثبات) الوارد في قانون أصول المحاكمات الجزائية، تتيح للقاضي الاستعانة بالوسائل العلمية، ومنها فحص الحمض النووي لإثبات النسب أو نفيه في القضايا الجنائية والمدنية، مع اعتباره قرينة قوية تعزِّز الأدلة الأخرىٰ.

4 – في تطبيقات البصمة الوراثية:

تعد البصمة الوراثية من الوسائل المهمة في:

– إثبات أو نفي النسب.

– تحديد هوية الجثث في الكوارث أو الحوادث.

– التعرف علىٰ المجرمين في القضايا الجنائية.

– الكشف المبكر عن بعض الأمراض الوراثية.

وقد اتَّفقت التجارب الطبية والجنائية علىٰ أنَّ نتائجها ذات موثوقية عالية تتجاوز (99%).

5 – من حيث الجمع بين الشرع والعلم:

يمكن التوفيق بين الموقفين الفقهي والقانوني باعتبار البصمة الوراثية طريقًا علميًا كاشفًا لا مُنشئًا للحكم، أي أنَّها وسيلة لإظهار الواقع يمكن أن يعتمدها القاضي أو الفقيه متىٰ أورثت العلم أو الاطمئنان، دون أن تُلغىٰ الطرق الشرعية التقليدية كالفراش أو الإقرار أو البيِّنة.

6 – أثرها علىٰ الأحكام الشرعية:

إنَّ الأخذ بنتائج البصمة الوراثية ينعكس علىٰ عدد من الفروع الفقهية، أهمها:

– إثبات النسب أو نفيه.

– ترتيب آثار الإرث والحرمة النسبية.

– تحديد المسؤوليات الجنائية في القتل أو الزنا أو الاختطاف.

ويُلاحظ أنَّ الاتِّجاه الفقهي الراجح يميل إلىٰ قبولها متىٰ أفادت العلم أو الاطمئنان، مع ضرورة وجود ضوابط دقيقة تضمن نزاهة التحليل.

الخاتمة:

من خلال ما تقدَّم من عرضٍ وتحليلٍ علمي وفقهي وقانوني لمسألة البصمة الوراثية، يمكن القول إنَّها تمثِّل أحد أبرز المنجزات العلمية المعاصرة التي أثرت بعمق في مجالات الفقه والقضاء.

وقد أظهرت الدراسة أنَّ الموقف الشرعي لم يرفض هذا التطوُّر من حيث المبدأ، بل تعامل معه بحذرٍ علميٍّ وتشريعيٍّ، إذ قبل بعض الفقهاء الاعتماد عليه متىٰ كان الطريق العلمي موجبًا للعلم أو الاطمئنان، في حين تحفظ آخرون خشية المساس بالأحكام الثابتة كالفراش واللعان.

أمَّا من جهة القانون، فقد خطَّت التشريعات خطوةً متقدِّمة نحو قبول البصمة الوراثية كوسيلة للإثبات في ميادين القضاء الجنائي والأحوال الشخصية، مع مراعاة حرمة الجسد وحقوق الخصوصية.

ويمكن القول في الختام: إنَّ البصمة الوراثية أصبحت اليوم دليلاً علميًا ذا حجية قوية في التحقيق والإثبات، ومع تطوُّر التقنية ودقة النتائج، فإنَّ الحاجة تزداد إلىٰ وضع إطار فقهي وقانوني موحد ينظم استخدامها ويحدِّد مجالات اعتمادها بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون الأحكام الشرعية من الانحراف أو التعسف في التطبيق.

وبذلك يكون هذا البحث قد توصَّل إلىٰ نتيجة جامعة مفادها:

إنَّ البصمة الوراثية وسيلة كاشفة للواقع يمكن توظيفها في خدمة العدالة الشرعية والقانونية، متىٰ كانت خاضعة للضوابط العلمية الموثوقة ومقترنة بإذنٍ قضائي أو شرعي معتبر.

 

 

 

الهوامش:


(1) انظر: كتاب الفقه الميسر، عبدالله الطيار: ج13، ص88.

(2) بتصرف: البصمة الوراثية، عبد الرحمن: ص30.

(3) الاستنساخ البشري، كاظم محسن المحمداوي: ص176.

(4) شبكة ENT، الموقع الرسمي لمكتب السيد السيستاني – الاستفتاءات، hattps://wwwsistanorg

(5) نقلاً البصمة الوراثية ومدىٰ حجيتها في الإثبات، حسني محمود عبد الدايم: ص798.

(6) انظر: إثبات النسب بالصمة الوراثية، محمد المختار: ص12.

(7) انظر سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة، فاضل زيدان: ص٢٧٨؛ انظر فقه المسائل المستحدثة، السوداني: ص٢١٠.

(8) الموسوعة في القضاء الجنائي، علي السماك: ١/ ٣٥٣.

(9) انظر البصمة الوراثية من منظور الفقه الإسلامي، محي الدين القره داغي: ص٢٠، انظر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي مكة المكرمة عام ١٤٢٢هج، وقرار الندوة الفقهية عن المنظمة الإسلامية المنعقدة في الكويت.

(10) انظر الهندسة الوراثية والجيوم البشري والعلاج الجيني، أحمد حجي الكردي: ١/ ٥١٢.

(11) التقرير الفقهي الصادر عن مركز ابن إدريس الحلي العدد الأوَّل (٢٧- ١١٤)، ص١١.

(12) نفس المصدر.

(13) شبكة ENT، الموقع الاجتهاد البصمة الوراثية، محمد جواد الموسوي.

(14) انظر التقرير الفقهي الصادر من مركز ابن فهد الحلي العدد الأول (١١٤-٢٧) ص١١.

(15) المصدر نفسه.

(16) البصمة الوراثية، مجموعة علماء وباحثين، ص31، للدكتور نصر فريد – مفتي الديار المصرية سابقاً، ص29.

(17) لسان العرب، ابن منظور: 14 / 242.

(18) مجلة الهدىٰ، العدد 298.

(19) سؤال وجواب في الموقع الالكتروني للسيد السيستاني: https://www.sistani.org/arabic/qa/0630/

(20) منهاج الصالحين، السيد السيستاني.

(21) منهاج الصالحين، أبو القاسم الخوئي: 2 / 284.

(22) مائة قاعدة فقهية، المصطفوي: ص184.

(23) وسائل الشيعة، الحر العاملي: 17 / 566.

(24) منهاج الصالحين، السيد السيستاني: 2 / 333، المسألة 1229.

(25) منهاج الصالحين، المسألة 1230.

(26) منهاج الصالحين، الخوئي، 2 / 198، المسألة 937.

(27) انظر: القضاء الإسلامي، الحائري: ص5-6.

(28) بتصرف: السلطة التشريعية في النظام البرلماني، شميم مزهر الربيعي، ص17-19.

(29) بتصرف: إثبات النسب في ضوء المعطيات العلمية، عائشة سلطان، ص287.

(30) قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979م منشور في الوقائع العراقية العدد  2728 / 9 / 3 / 1979م.

(31) انظر: الموقع الرسمي للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة.

Edit Template
Scroll to Top