تعتبر هذه المسألة، من مسائل الفقه المهمة، المرتبطة بين (الزوج والزوجة)، وما يترتب عليهما من أحكام وواجبات تجاه الأولاد، وتُعد هذه – المسألة – بالغة الاهمية؛ إذ إنها متعلقة بكيفية رعاية الطفل والاهتمام به، وقد وقع الكلام في نصيب الأُم في ولايتها علىٰ طفلها (ذكراً أو أنثىٰ)، فقد أثرىٰ فقهاء الإمامية (رضوان الله عليهم وحفظ الباقين منهم) في هذه المسألة، وفي المقابل أفتىٰ علماء الجمهور برأيهم كذلك.
وقد أثيرت في هذا العصر بعنوان (الحضانة)، ممن يدَّعي حفظ حقوق (المرأة) بصورة عامة ورعاية شؤونها، في قبال الإسلام الذي لم يحفظ لها ذلك، والعلة الناتجة من هذا الرأي؛ قد أنتجت مشكلات أسرية، وتزايدٍ لحالات الطلاق والافتراق التي أُصيب بها المجتمع، حتَّىٰ وصل الحال في أنَّ الأب يُعاقب برؤية أبنائه.
وقد توهَّم أصحاب الدعوىٰ بأنَّها منوطة – بالولاية – وهي من المسائل الواحدة؛ فإنَّ ذلك انحراف عن الصواب، إذ إنَّ الشارع المقدَّس قد وضَّح ووضع أجوبة وحلول لمثل هذه المسائل من خلال النصوص الواردة من القرآن الكريم أو السنة المعصومية (سلام الله عليهم) والمسألة المبحوثة، حُدِّد فيها الحقوق والواجبات لكلا الجنسين الأب والأُم، والتعامل معها يتم علىٰ منهج الشارع لتلافي حدوث المشكلات، ولكن مسألة (الولاية) حكم له تفصيلاته ومعناه الخاص به وحق لمن.
إذ إنَّ الشريعة المقدسة قد أوضحت مقامها – الأُم – وميَّزت من درجتها وعلو منزلتها في قبال الأب، لكن ذلك لا يتنافىٰ مع انعدام ولايتها علىٰ ولدِها.
المراد:
إنَّ ما تم التكلُّم عنه هو بيان معنىٰ الولاية وما هي حدودها ومن له الحق بها مع توضيح لذلك، والمبتغىٰ من هذه المسألة.
(هل للأُم ولاية علىٰ الولد؟) وسيتم البحث في نصوص الشارع المقدس مع إيضاح لمرام فقهاء الإمامية والجمهور في هذه المسألة، مع بعضٍ للحالات المستحدثة في هذا الزمان، من خلال التفصيل الآتي:
ويشتمل علىٰ:
المقصد الأوَّل: التعريف اللغوي والاصطلاحي للولاية:
المقصد الثاني: مشروعية الولاية (الإمامية والجمهور):
أوَّلاً: ولايتها في عقد القران.
ثانياً: ولاية الأُم في تربية الولد.
ثالثاً: ولايتها في أمور أخرىٰ.
المقصد الثالث: كلام في شأن الولاية:
المقصد الأوَّل: التعريف اللغوي والاصطلاحي للولاية:
لغوياً: عرف أهل اللغة الولاية: مصدر الموالاة، والولاية مصدر الوالي(1)، أو التسلّط شخص علىٰ شخص بماله وشؤونه وبما يمتلك حتَّىٰ علىٰ النفس، وكما قيل: والوَلَايَةُ: تَوَلِّي الأمرِ(2).
المعنىٰ الاصطلاحي عند الإمامية:
والمعنىٰ منها: التبعية المشروطة بالإطاعة والخضوع للولي وتتنوع أقسامها وتختلف مراتبها في ما بينها منها:
– ولاية (الله) سبحانه وتعالىٰ.
– ولاية المعصوم: الرسول وأهل بيته (صلوات الله عليهم).
– ولاية الحاكم الشرعي (المجتهد) علىٰ مقلديه.
– ولاية الأب والجد.
المعنىٰ الاصطلاحي عند الجمهور:
عرفها ابن تيمية: الولاية: ضدّ العداوة وأصل الولاية: المحبّة والتّقرّب(3).
وقيل إنَّها: قيام شخص كبير وراشد علىٰ شخص قاصر، في تدبير شؤونه الشخصية والمالية(4).
المقصد الثاني: في مشروعية الولاية: الإمامية:
وقع الكلام في ولاية الأُم، وهل لها حق كما للأب، وقد جرىٰ النقاش في هذا المسألة والظاهر لا خلاف بين فقهاء المذهب الحق بالمجمل، وتتفرَّع إلىٰ عدَّة مسائل منها:
أوَّلاً: ولايتها في عقد القران:
وهذا مما تسالمت عليه الطائفة الحقة في عدم ولايتها – الأُم – علىٰ الأولاد في تزويجهم من دون رضا الأب أو غيابه، بل حكي إجماعهم بهذه المسألة(5) والمستند من ذلك النصوص الصريحة الواردة بهذا الشأن فقد روي عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لا تنكح ذوات الآباء من الأبكار إلَّا بإذن آبائهنّ»(6)، لكن ما ادَّعاه العلامة (رضوان الله عليه)(7) من انفراد ابن الجنيد (رضوان الله عليه) في أنَّ الأُم وأبوها لهما ولاية تزويج، وقد خالف لما تسالم عليه الأصحاب والحجة في ذلك ما أورده عن النبي الأعظم (صل الله عليه وآله): «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» وقد حكم الألباني بضعفه(8).
مسألة: قد قيل بأنَّ تزوجها لولدها من دون إذن أبيه باطل، إلَّا مع حصول الرضا الأب فيمضي العقد، وقد وردت هذه المسألة عن الفاضل الآبي (رضي الله عنه)(9).
أقول: لا خلاف عندنا وعند غيرنا في تزوج الولد لنفسه فضلاً عن قيام ذلك من قبل أُمِّه دون أباه، أو رُبَّ قائل يقول: كان مراده (رضي الله عنه) قبل بلوغه، وهو الصحيح، لكن كلمة الولد شاملة علىٰ (الذكر والأنثىٰ) وهو مبتغاه من ذلك.
ثانياً: ولاية الأُم في تربية الولد:
لا شكَّ في أنَّ حق الولد علىٰ أبَويه أن يتعهَّدوا بتربيته وأن يتكفَّلوا بتعليمه وحُسن تهذيبه وتأديبه علىٰ معالم دينه، وهي من الموارد الضرورية حتَّىٰ ينشأ علىٰ الصالح وهذا ما أوصىٰ به الله (جل وعلا) ورسوله وأهل بيته (سلام الله عليهم)، وخير مثال ما ورد عن مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالته للحقوق المنسوبة عنه، وكيف فصَّل بها ووضع لكلِّ فرد واجبه وحقوقه.
حيث قال (سلام الله عليه): «وأمَّا حق ولدك فأن تعلم أنَّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرِّه، وأنَّك مسؤول عمَّا وليته به من حسن الأدب، والدلالة علىٰ ربِّه (عزَّ وجلَّ)، والمعونة له علىٰ طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنَّه مثاب علىٰ الإحسان إليه، معاقب علىٰ الإساءة إليه».(10)
والتربية بنحويها الفكري (العقلي) والجسدي، وهذا مما بحثت عنه الشريعة الغراء وأجابت عنه لتنظيم الأمور الأُسرية.
فإن الأُم ليس لها الحق في التصرف من ذاتها إلَّا بإذن وليِّه، كالضرب مثلاً، ويشترط مع إذنه أن يكون سببه ليس إلَّا للتأديب، ولا يكون قد ترك الأثر من ذلك، لكن لها من المقام العالي من انعدام من يوازها في المكانة والمنزلة، وقد خصَّ لها (صلوات الله عليه): «وأمَّا حق أُمِّك، فأن تعلم أنَّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولن تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك وتعرىٰ وتكسوك، وتظلك وتضحىٰ، وتهجر النوم لأجلك، ووقَتْكَ الحر والبرد لتكون لها، وأنَّك لا تطيق شكرها إلَّا بعون الله وتوفيقه»(11).
ثالثاً: ولايتها في أمور أخرىٰ:
نعم، فإنَّ ولايتها في الواجبات الكفائية، والواجب علىٰ الولد أخذ الإذن من كليهما، مثل: الجهاد والسفر لطلب العلم، وقد فصَّل العلامة (رضي الله عنه) ذلك: فأن كان طلبه للعلم واجب فلا احتياج للإذن منهما بالفتوىٰ الوجوبي العيني، أو للتجارة في مدة قصيرة، أمَّا ما كان كفائياً فالواجب هو مأذونيتهما(12).
وهذا مما ينبغي له معرفة في أزمنتنا الآنية من إدراك هذه المسائل، ففيها من الآثار العجيبة الدنيوية والأخروية من خلال الانصياع لأوامرهما واحترام مرادهما والاهتمام بمرامهما، فهذا كلُّه من صفات المؤمنين الموالين التابعين لوصايا أهل بيت الرحمة (سلام الله عليهم).
ويمكن الفرض في ولايتها في حال موت الأب فتقدَّم علىٰ الجد، ولها أحقية في ذلك، وله وجه مما سيأتي ذكره:
1 – سلوكها وأمانتها في حفظ ولدها من خلال حمايته وحراسته من السيئة والذود عنه، كونه فلذة كبدها، وحفظ أمواله مع وجود الجد، وبالتالي فهي أرق منه – الجد – علىٰ الولد، وهذا مستلزم بأحقية ولايتها علىٰ الولد بعد موت الأب.
أقول: لا كلام في مسألة العطف والشفقة من قبلها تجاه الولد، فهذا مفروغ منه، وإنَّما وقع الكلام في تولِّي شؤونه، فالتربية والحفظ والرقة والشفقة لا يجدي في الولاية، خصوصاً مع تغيُّر الزمان واختلاف الإنسان في الطباع والأخلاق، فلا يمكن لها التحمُّل والتصدِّي له – الزمان – فقد خُلقت بالرقة وليس فيها قسوة.
2 – تصرّفها في أموال ولدها اليتيم ويمكن أن يستدل علىٰ هذا بصحيحة عن علي بن رئاب، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل بيني وبينه قرابة، مات وترك أولاداً صغار، وترك مماليك له غلماناً وجواري، ولم يوصِ، فما ترىٰ فيمن يشتري منهم الجارية فيتَّخذها أُم ولد؟ وما ترىٰ في بيعهم؟ قال: فقال: «إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم كان مأجوراً فيهم»، قلت: فما ترىٰ فيمن يشتري منهم الجارية فيتَّخذها أُم ولد؟ قال: «لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيِّم لهم الناظر فيما يصلحهم وليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيِّم لهم والناظر فيما يصلحهم».(13)
والحاصل: إنَّ المراد من كلامه (صلوات الله عليه) هو الإطلاق في (الولي) وعدم حصره في الجد أو الفقيه المبسوط اليد، وإنَّما عمومية التولِّي لأيِّ شخص علىٰ اليتيم، وبذلك فإنَّ إطلاقه (سلام الله عليه) شامل للأُم في الولاية.
أقول: إنَّ ورود كلمة الولي في المقام مفروغ من دلالته علىٰ الجد أو من ينصبه الفقيه المجتهد فلا داعي للتعريف به، فكما يقال: (المُعرَّف لا يُعرَّف)، ولو تنازلنا جدلاً ويمكن لها تولي أمور أبناءها، فيمكن لها تزوج الإناث منهم كونها قادرة بذلك ولها أهليَّة الولاية والتسلُّط عليهم؟
فيرد عليه بالغرابة فإنَّ ما ورد عنهم (صلوات الله عليهم) يخالف ما تمَّ الاستدلال به، فقد جاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «إذا زوَّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز علىٰ ابنه، ولابنه أيضاً أن يزوِّجها»، فقلت: فإن هوىٰ أبوها رجلاً، وجدّها رجلاً؟ فقال: «الجدّ أولىٰ بنكاحها»(14).
وتحرير محل النزاع في عدم ورود الأُم في المقام مع أحقية الجد عليها في الولاية.
3 – تصرفها في مال ولدها: فإنَّ من الأمور المتاحة لها بعد فرض أحقية ولايتها (جواز التصرف في أموال الولد) من خلال الإنفاق عليه وتلبية رغباته وحاجاته كما نصَّ عليه الخبر عن إسماعيل بن سعد، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل مات بغير وصية، وترك أولاداً ذكراناً وغلماناً صغاراً أو ترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: «نعم»(15).
أقول: يرد عليه بضعف ما استدل به علىٰ ولاية الأُم من خلو الخبر منها في جواز بيع الجواري، إلَّا أن يقال فيها إطلاق يشملها به؟
ويجاب عليه: بأنَّ الجد أولىٰ منها في هذا الإطلاق أو مشترك معها فيه.
وإن حكي من ذوق الرواية وقوع القصد عليها – الأُم – في حقِّها بالتصرف بالمال؟
فيرد علىٰ الحاكي: بعد التسليم له بالفرض بأنَّ المسألة هي إعطاء الإمام (صلوات الله عليه) لها مأذونية التصرف بالمال، وهذا خاص وليس بالعام، فلا يمكن التعويل عليه بالمقام والحجَّة في ذلك نقيض ما استدل به، وهي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلىٰ قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغاراً وجواري ومتاعاً، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذا لم يكن الميت صيَّر إليه وصيته، وكان قيامه بهذا بأمر القاضي لأنهنَّ فروج، قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام)، وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا فلا يوصي إلىٰ أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلاً منَّا ليبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهنَّ فروج فما ترىٰ في ذلك؟ قال: فقال: «إذا كان القيم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس»(16).
فلا أهليَّة لها من منعه من المال، ومنها لا أحقيَّة لها في أن توصي علىٰ ابنها وعلل بذلك المحقق الثاني، لأنَّها لا ولاية لها أصلاً(17).
وممَّا يستنبط به في قوة قولنا: وقوع الربا بينها وبين ولدها لعدم ورودها في تصريحات المعصومين (صلوات الله عليهم) التي استثنت عدم وقوعه هي: بين الولد وأبيه وبين الزوجين وبين المسلم والحربي وبين العبد وسيده(18).
المقصد الثاني: في مشروعية الولاية (الجمهور):
أوَّلاً: ولايتها في عقد القران:
– المالكية، الحنابلة، الشافعية: فقد اتَّفق الثلاثة واستدلوا بالقرآن الكريم والأخبار المروية عندهم في مسألة لا نكاح من دون ولي منها: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾ (النور: 32)، وما ورد عن الرسول الأعظم (صلىٰ الله عليه وآله): «لا نكاح إلَّا بولي»، وبطلانه من دون إذنه فضلاً عن عدم مقدرتها من تزوج نفسها وهو كاشف عن مرامهم، فمن باب الأولية عدم ولاية الأُم في هذا الشأن، وقد علَّلوا بنقصان عقلها لأنَّها غير مأمونة ببضعها وسرعة التحايل عليها(19).
– الأحناف: حسب مدَّعىٰ أبو حنيفة وهي: الأب والجد والأخ من حيث ترتيب العلاقة النسبية، والظاهر عدم تعيُّن الوجوب في الأب نصاً أو إجماعاً كما أفتىٰ فقهاء مذهبنا الحق، وإنَّما تعليلهم في تقديم الولاية للأب في حال اجتماعه بالعصبة هو لتعظيمه واحترام مقامه، قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا بَاقِيَةٌ إلَّا إنْ حَدَثَتْ لِلْأَبْعَدِ وِلَايَةٌ لِغَيْبَةِ الْأَقْرَبِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّ لَهَا وَلِيَّيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ كَالْأَخَوَيْنِ وَالْعَمَّيْنِ(20).
وخالف بعضهم في أحقيَّتها في تزويج وتملُّك مباشرة العقد بنفسها، ومرادهم انطباقه علىٰ الحرة البالغة بكراً كانت أو ثيِّب حسب تعبيرهم(21)، والمستند عندهم ما ورد من قبول مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عند الاحتكام لديه في قبول تزوج الأُم لبنتها من دون رضا الأولياء، لكن استدلالهم من شمول غير الأُم بهذه المسألة وعدم الاختصاص بها في هذا المقام(22).
وقد اتَّفقوا في أنَّ الولاية للأب إمَّا في غيابه فقد جرىٰ الخلاف في ذلك فادَّعىٰ: المالكية والشافعية(23) في ولاية السلطان عليها، أمَّا الأحناف والحنابلة(24) اشترطوا ذلك مع عدم وجود الأولياء حسب تعبيرهم.
والظاهر ما شذَّ به أبو يوسف من ولايتها علىٰ نفسها في النكاح باشتراط عدم وجود العصبة(25).
وعلىٰ هذا يستحصل: منهم في أنَّ الأُم لا مكان لها عندهم في الولاية، فقد اشترطوا الذكورية في الولاية(26).
لكن قول أبي سعيد الاصطخري: إنَّه لها عليهم ولاية كالأب، لما فيها من البعضية وأنَّها برأفة الأنوثة أحن عليهم وأشفق(27).
ثانياً: ولاية الأُم في تربية الولد:
قيل في وجوب تأديبهم وتعليمهم لكلا الأبوين ولم يخص به أحد منهما، والمستند من ذلك كثيرة، منها: قَالَ رَسُول الله (صلىٰ الله عَلَيْهِ وآله): «مروا أبناءكم بِالصَّلَاةِ لسبع، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر، وَفرِّقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع»(28).
أقول:
– فإنَّ المراد من الحديث الوارد عندهم جواز الضرب المخصوص لترك الصلاة، ولم يرد إطلاق في الضرب لغرض التربية وتعليم الآداب، فكيف استدلَّ به لذلك، ويضاف في الخصوصية بالنسبة للضرب بلوغ الطفل عشر سنين، والمعنىٰ من ذلك لا وجود للحلية عند عدم بلوغ عشر سنين.
– اشتراك الأُم في جواز الضرب مع الأب علىٰ هذا المبنىٰ وهو نوع بالتصريح بعدم الإشكال في هذا التصرف حتَّىٰ من دون علم ولي أمره.
لكن ما ذهب إليه الشربيني عدم التقييد بالحكم المذكور وهو شامل للأُم من دون قيد أو شرط من خلال إطلاقه للعبارة(29).
وقد ذهبت إليه الشافعية(30) بأنَّ وجوب الضرب علىٰ الولي: وهو الأب أو الجد.
بيد أنَّ الضرب لأبسط الأسباب لا يعد وسيلة تربية ناجحة ويورث في نفسية الأبناء صفات سلبية كثيرة.
ثالثاً: ولايتها في أمور أخرىٰ:
ومن الأمور التي لابدَّ من أخذ الإذن منها – الأُم – مع الأب هو الجهاد الكفائي عندهم، والمدرك في ذلك هو ما ورد عن الرسول الأعظم (صلَّىٰ الله عليه وآله)، جاء رجل إلىٰ النبي (صلَّىٰ الله عليه وآله) فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟»، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»(31).
أقول: فقد وردت وحيدة بهذا الباب، والظاهر منافاتها في المقام، وعدم دلالتها علىٰ أخذ الإذن منهما «ففيهما جاهد» دالة علىٰ عظيم التوصية بهما، أو ربما يقال من احتياجهما له أولىٰ من الجهاد مع كونه كفاية وليس عين، نعم ما ورد عن أبي سعيد أنَّ رجلاً هاجر إلىٰ رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله)، فقال له رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله): «هل لك باليمن أحد؟» قال: نعم أبواي، قال: «أذنا لك؟» قال: لا، قال: «فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلَّا فبرّهما»(32)، فهي ناظرة للمقام في لزوم أخذ أذنيهما في الجهاد، وقد علَّق عليهما العلامة: ولأنَّ طاعة الأبوين فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدَّم علىٰ فرض الكفاية.(33)
وقال جمهور العامة: بعدم وجوب أخذ الإذن منهما في السفر الغير الحربي كالتجارة والحج أو غير ذلك، شريطة عدم الخوف عليهما في حال تركهما وعلَّل السرخسي لذلك: أنَّ الغالب في هذه الأسفار السلامة، ولا يلحقهما في خروجه مشقة شديدة، فإنَّ الحزن بحكم الغيبة يندفع بالطمع في الرجوع ظاهراً(34).
المقصد الثالث: كلام في شأن الولاية:
قد خرجت فكرة، أطلق عليها أصحابها (تحرر المرأة)(35) وكان ذلك في القرن الثامن عشر، وقد دعا صاحبها من انعتاق المرأة من زوجها أو من الرجل بصورة عامة بحسب تعبيرهم (الخلاص من هيمنة الرجل)، وعلىٰ هذا المبنىٰ الذي ساد في تلك الفترة، تأثر به من له ميول تحررية ونادوا بحقوقها، من ممارسة حياتها من دون فرض الزوج لولايته أو وصايته عليها، فلا حقَّ له عليها بذلك.
وقد بلغ هذا الرأي لبعضٍ من أبناء القصبات الإسلامية من أهل الفقه عند الجمهور بذلك في نفس الحقبة.
وصول الحال إلىٰ تقييد الطلاق والحد من تعدُّد الزوجات بل زيد في ذلك، أحقية المرأة اشتراطها أن يكون الطلاق أمام القاضي الشرعي فقط، وقد غالىٰ في اجتهاده حتَّىٰ وصل للحجاب(36).
لكن كلامهم ليس فيه نظر لهذه الأمور: من الحجاب أو طلاقها وحتَّىٰ في تعدُّد الزيجات، فالعمل بها توقيف ومعارضة لما أمر به الباري (عزَّ وجلَّ)، ومما يتداول به اليوم من شياع فكرة (حرية المرأة) وعدم قيمومية الرجل عليها ليس وليد اللحظة، والحال بعدم منافاة ما ذكر لحرية المرأة أو لحقوقها بل هو مما انفرد به الزوج عليها.
ويرد علىٰ هذا المبنىٰ أمور:
أوَّلاً: عدم مقبولية العقل بمشاطرتها بها مع الرجل، فلا يمكن عقلاً أن تتزوَّج المرأة بأكثر من رجل، فهذا الفعل يعاقب عليه حتَّىٰ في الدول اللادينية.
ثانياً: عدم معارضة التستُّر والحشمة في ممارسة حياتها ضمن الضوابط الشرعية، وهذا مما تتشاركه مع الرجل، لكن ما يختلف في البعض: فله الحق في عدم ستر الرأس والرقبة واليدين والقدمين، أمَّا في بقية أنحاء الجسد فينبغي عليه الستر.
ثالثاً: يقع الطلاق من دون حضور الحاكم الشرعي، لكنَّه في شروط ومواصفاته خاصة الواجب اجتماعها، وضعها الشارع المقدَّس ولا يقع في عدم تحقُّق شرط واحد خاص فيه، وبهذا يُحفظ للمرأة حقّها.
رابعاً: أنَّ مسألة (تقييد الطلاق) غير منفعة بالجملة كونها عكس منالهم ومرادهم في تحرُّر المرأة حسب ادِّعائهم.
ويرد علىٰ من استدل بالآية الشريفة: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَىٰ النِّساءِ﴾ (النساء: 34) علىٰ قيمومية أو ولاية الرجل علىٰ المرأة، والدليل عليه: أنَّ القيام: تعني الانتصاب في قامة الرجل علىٰ المرأة ولا محلَّ للتسلُّط والتصرُّف.
ويجاب عليه: أنَّ (قِوَام) تعني القيام بأمور الأُسرة أو قام: بمعنىٰ قام بشأنها(37)، وهي دلالة علىٰ الرعاية والعناية والاهتمام ومتبوعة له في ذلك وغير مستقلة في الإنفاق وغيره، من تهيئة المسكن والمأكل، ولو كان غير ذلك.
وكما ورد في زيارة الجامعة الشريفة عن مولانا الإمام الهادي (سلام الله عليه): «القوّامون بأمره»، جمع القوّام بمعنىٰ الحافظ، (بل مبالغة في الحفاظ علىٰ السنن والتمسّك بها بثبات)، و(القيام للشيء هو المراعاة للشيء(38) والحفظ له… والقوّام اسم لما يقوم به الشيء؛ أي يثبت).
فإنَّ ادِّعاء البعض في تساويها معه بكل شيء لا معنىٰ من تكفُّله بالمهر والسكن والمأكل والإنفاق، وللإنصاف لابدَّ أن تماثله بذلك كلّه، وعلىٰ هذا المبنىٰ استحالة تكوين أُسرة متفاهمة ومتحابة أمر بها الشارع المقدَّس، والمؤسف ما نمر به اليوم من حالة نشوز من بعض النساء وعدم تمكين الرجل عليها كونها تملك استقلالية مالية مما يؤدِّي إلىٰ إخلال في توازن الحياة ويؤثِّر سلبياً علىٰ تربية الأولاد وربَّما تسير الأمور نحو الأسوأ، وتتَّجه نحو الطلاق أو الافتراق لا سامح الله.
ويضاف مما يحتج به علىٰ انتفاء ولايتها هو عدم قابليتها علىٰ تولي منصب الفُتيا أو القضاء كما قد تسالمت عليه الطائفة الحقة، نعم قال البعض منهم (رضوان الله عليهم) عدم اشتراط الذكورية فيهما كما هو نظر السيد الحكيم في المستمسك(39).
والسيد رضا الصدر(40) والسيد تقي القمي الطباطبائي(41).
فرع: في سفر المرأة مع ولدها من دون رضا ولي الأمر؟
قد تعرَّض فقهاء الإمامية (رضوان الله عليهم وحفظ الباقين منهم) والجمهور إلىٰ هذه المسألة، وقد تم التفرُّع بها، إذ إنَّ الزوجة لا يمكن لها الخروج من بيت بعلها من دون رضاه، وهذا متسالم عليه.
فيرد: ممن يعيب علينا، بأنَّ ذلك عدم تقدير لها واستحكام بها، هو نوع من الرق ومقتضىٰ الدليل، هو ما ورد عن الرسول الأكرم (صلىٰ الله عليه وآله): «إنَّ النكاح رقٌّ، فإذا أنكح أحدكم وليدة فقد أرقَّها، فلينظر أحدكم لمن يرق كريمته»(42).
ولرد هذه الدعوىٰ عدَّة أمور:
– فإنَّ المراد من قوله (صلىٰ الله عليه وآله) هو في مقام التشبيه لا بمعنىٰ استعباد الزوج لزوجته، وأنَّ حكمها تجاهه هو حكم الأُمّة مع المولىٰ لاستحالة هذا الاستنتاج، لما رود عنه في التوصية بحسن المعاشرة معها.
– كما أنَّ الشرع المقدَّس قد منع خروجها من دون رضاه مع الاستثناء في بعض الحالات، فهو قد أمره بالعطف عليها والمقتضىٰ في ذلك القاعدة: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
والمعنىٰ من ذلك التعامل معها بالمعروف واللين في جميع المسائل الحياتية منها الخروج من البيت، لا بالقهر والتعسف فهذا منهي عنه.
– كما يستفاد من تلك الرواية، إلزام الأب (ولي الأمر) في التحقُّق بخاطب كريمته وجوب التمحيص والتدقيق فيه.
وهذا يضاف بما تقدَّم من انعدام ولايتها في إمكان سفرها من دون رضا الزوج، كذلك مع ولدها فالحكم أولىٰ.
ونتيجة ذلك: قد تمَّ الحديث بخصوص انعدام ولاية الزوجة في سفرها من دون رضا الزوج أو حتَّىٰ مع ولدها، لكن يقع الكلام فيما لو كانت منفصلة عن زوجها بالطلاق، فهل يحق لها السفر مع ولدها الصبي من دون علم لولي أمره كالمسافرة لزيارة المعصومين (عليهم السلام) أو تفر به لوجهة غير معلومة لتنكيل الأب والانتقام منه، كما هو حاصل في هذه الأزمنة؟
الحاصل: نعم فيمكنها التصرف بما شاءت كل السفر والخروج أو زيارة أضرحة المعصومين (عليهم السلام) من دون علمه أو رضاه.
لكن المحذور منه هو سفر الصبي من دون علم أو رضا ولي أمره، من باب عدم تمكنها من ذلك، لأن لا ولاية لها علىٰ الصبي فهذا مفروغ منه.
الخلاصة:
– انعدام ولاية الأُم علىٰ ولدها من خلال ورود النصوص الشريفة من القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام) وما أطبق عليه فقهاؤنا الأعاظم (رضوان الله عليهم).
– اختلاف أهل الجمهور بذلك من خلال أدلتهم بطرقهم الخاصة والآراء في ما بينهم، حيث أعطىٰ البعض منهم لها ولاية كولاية الأب.
– مناقشة سوء الفهم الحاصل من خلال توهُّم البعض من خلط حق الأُم في الحضانة مع هذه المسألة وإحضار بعض من الشواهد المثبتة لموضوعنا.
وقد تحصَّل من ذلك مما تمَّ البحث عنه عدم تمكُّنها من التصرُّف بمختلف الأمور إلَّا بالرجوع لولي الأمر أو الحاكم الشرعي ممن يقوم مقامه.
وعلىٰ هذا فإنَّ مما ينبغي الإشارة إليه هو عدم اكتراث الزوجة المؤمنة مما يروَّج له في هذه الأزمان من مسائل تنافي الشريعة المقدسة من خلال حرية التصرف من دون وجود محل للزوج ونفي دوره ومقامه، وعدم الانجرار لهذه القضايا التي تسبب إفشال للحياة الزوجية، وتنتهي بنتيجة سلبية يتحمَّلها الابن في ذلك، وكيف ما كان فإنَّ الدين الحنيف وبالإضافة إلىٰ الأخبار الصريحة عن المعصومين (صلوات الله عليهم) قد قرَّرت الحلول لمثل هكذا قضايا.
وبذلك ينتهي ما قصدت إيضاحه.
والحمد لله رب العالمين والصلاة علىٰ خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
الهوامش:
(1) العين: 8/365.
(2) المفردات: 885.
(3) مجموع الفتوىٰ: 11/160.
(4) المدخل الفقهي العام: 2/817.
(5) جامع المقاصد: 12/93.
(6) الفقيه: 3/395.
(7) مختلف الشيعة: 7/107.
(8) سنن أبي داود: 2/232.
(9) كشف الرموز: 2/120.
(10) أمالي الصدوق: 454.
(11) نفس المصدر: 453.
(12) التذكرة: 9/32.
(13) الكافي: 10/199_200.
(14) الكافي: 5/295.
(15) التهذيب: 9/239.
(16) الكافي: 10/200_202.
(17) جامع المقاصد: 11/269.
(18) الفقيه: 2/90 .
(19) الكافي في فقه الإمام أحمد: 3/9.
(20) بدائع الصنائع: 2/250.
(21) تبين الحقائق: 2/117.
(22) المبسوط: 5/10.
(23) المهذب: 2/429؛ المعونة: 2/729.
(24) المغني: 9/365؛ بدائع الصنائع: 2/251.
(25) الاختيار: 3/90.
(26) المغني: 7/22.
(27) الحاوي الكبير: 8/333.
(28) تحفة المودود: 224.
(29) مغني المحتاج: 1/313.
(30) روضة الطالبين: 1/190.
(31) صحيح البخاري: 4/59.
(32) مسند أحمد: 11/ 102.
(33) منتهىٰ المطلب: 14/37.
(34) شرح السير الكبير: 196.
(35) جون ستيورات مل: أشهر فلاسفة البرالية.
(36) هذه المطالب وردت في كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين والبعض ينسبه لأستاذه محمد عبده.
(37) اقرب الموارد: 4/444.
(38) شرح الزيارة الجامعة الكبيرة: 278.
(39) مستمسك العروة الوثقىٰ: 1/43.
(40) الاجتهاد والتقليد: 107.
(41) مباني منهاج الصاحين: 1/30.
(42) أمالي الطوسي: 519.