عقلنة الدين (الأهداف والنتائج)

عقلنة الدين الأهداف والنتائج

المقصود من عقلنة الدين هو وضع النص الديني والمسائل الدينية تحت دائرة العقل التحليلي البرهاني المعاصر، وبتعبير آخر هو تقديم الدين بشكل عام، وخاصة النصوص الدينية في قالب عقلاني منطقي حداثوي جديد بحيث يكون العقل البشري المرجعية الوحيدة للنص الديني، والابتعاد عن الرؤية الدينية التعبدية التقليدية المدرسية، والتي تعتمد علىٰ تحليل الآيات القرآنية، والسُنَّة النبوية الشريفة، وفق المنهج العلمي المعروف عند المتخصصين في هذا المجال، وليس هذا القول مستحدثاً جديداً، بل له جذوره التاريخية القديمة في الفضاء الغربي الاستشراقي، وجرىٰ التركيز عليه ولفت النظر إليه الآن من قبل بعض الشخصيات التي تنعت نفسها بأنَّها صاحبة فكر في الفضاء الإسلامي، ولا شك أنَّ هناك دوافع أدَّت للذهاب إلىٰ هذا القول، لسنا بصدد سردها وبيانها، ولكن نريد هنا إيراد ما يذكر من أهداف للقائلين بعقلنة الدين وبعض النتائج والآثار الخطيرة الناجمة عن هذا القول.

أهداف القائلين بعقلنة الدين:

يمكن تحديد عدَّة أهداف لهذا القول من خلال التركيز علىٰ بعض ما كتب في عقلنة الدين وما ألقي من محاضرات فكرية لبيان هذا القول من قبل معتنقيه ومن تبعهم، ولكن هذه الأهداف لا تعدو كونها ذرائع للوصول إلىٰ أهداف غير معلنة، ومما ذكروه من هذه الأهداف أو الذرائع:

١- تجديد فهم النصوص الدينية، وترك التراث القديم، وإيجاد تفسير معاصر للسلوكيات والعبادات الدينية، بما يتلاءم مع التطوُّر العلمي في عصرنا الحاضر، وبما يؤدِّي إلىٰ جعل الدين عاملاً للتنمية والبناء والتطوُّر مما يساهم في ارتقاء الدين إلىٰ العالم المتقدِّم الحديث، وإعادة الحياة فيه من جديد، حيث إنَّ الإسلام في العصور المتأخِّرة أخذ بالأفول والتأخُّر وعدم القبول من قبل فئات المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي، والسبب في ذلك هو ضعف الخطاب الديني، ولكي يتم تقويته مع قبول مقرَّراته، فلابدَّ من إيجاد تبرير علمي وعقلاني حديث لكلِّ الظواهر الإسلامية وخاصة الخطاب الديني، لأنَّ معالجة النص الديني وفق الأطروحة المدرسية القديمة لم ولن تحل المشاكل الإسلامية المعاصرة، وعليه فلابدَّ أن نجعل العقل البشري فعالاً ومؤثِّراً في الواقع الإسلامي المعاصر.

٢- إعادة الثقة بالخطاب الديني لكي يلبي حاجات الفرد والمجتمع، وتخليص الدين من الأفكار والرؤىٰ الخرافية أو المتشدِّدة، ورفع التناقضات والشبهات والتطرُّف عن الخطاب الديني، وذلك عن طريق إخضاع الفكر الديني إلىٰ العقل الإنساني الحديث، وبما يتلاءم مع التطوُّر الحضاري في المجتمعات بشكل عام، لأنَّ النص الديني تعرض إلىٰ التشويه والتحريف في طريقة قراءته مما أدىٰ إلىٰ تأويله وإبعاده عن معناه المراد، فصار يدور في فلك ضيِّق وفي أبواب محدَّدة لدرجة أنَّ الدين أصبح أفيون الشعوب.

٣- تحقيق التوازن الضروري بين إدارة النص الديني التقليدية القديمة والعقل البشري الحديث، حيث إنَّ النظرة التعبدية التقليدية للدين تبعد العقل عن ساحة المعرفة الدينية، وتجعل الدين معتمداً وبشكل أساسي علىٰ الأطروحات الدينية التقليدية المدرسية فقط، فلابدَّ من تحرير العقل وتمكينه من النقد والتأمُّل والمساءلة، لكي يتسنَّىٰ له الظهور والبروز علىٰ حساب المنهج المدرسي التقليدي.

٤- ضرورة تحرُّر الفكر من سلطة الغير، ورفض احتكاره من قبل جماعة معيَّنة، بمعنىٰ نبذ التقليد الأعمىٰ المعمول به في الأوساط الدينية، فلابدَّ من أبعاد الوسطاء بين الفرد وبين الله تعالىٰ، ومن هنا لابدَّ أن يصبح لكلِّ فرد الحرية الكاملة في اختيار أفكاره ورؤاه الدينية، بدعوىٰ أنَّ هذه الأُمَّة لا تحتاج إلىٰ قيِّم عليها حيث كمل عقلها، فلابدَّ أن يعتمد كل فرد علىٰ عقله في التحليل والنتائج.

٥- الدعوة إلىٰ رفض القوة وضرورة إزالة التعصُّب الديني في فرض الدين علىٰ الإنسان، فكلّ إنسان له حريته وإرادته في اختيار فكرة معيَّنة أو سلوك أو مذهب معيَّن.

٦- إنَّ الإنسان هو المعني بالخطابات الدينية، فهو المأمور بالامتثال لهذه النصوص، وعليه فهو المعني بتحليلها وإعمال البرهان والنظر فيها، لا أن يسلم لرأي الغير فيكون تابعاً لفكر غيره ونظره، وعليه فلابدَّ أن يشارك الفرد في المناظرات والحوارات الدينية ويظهر إبداعه وثقافته مع الآخر حاله حال رجال الدين والمؤسسة الدينية، وبذلك يمكن السماح للناس بأن يأخذوا فرصتهم ويستفيدوا من القرآن والسُنَّة النبوية كالذين عاشوا في زمن النص، فلا فرق بينهم من هذه الجهة حيث إنَّ النص الديني كما خاطب السابقين فهو يخاطبنا ونحن لدينا القدرة علىٰ فهمه وتفسيره.

نتائج القول بعقلنة الدين:

إنَّ القول بعقلنة الدين أمر بالغ الخطورة، وإن ذكر له أصحابه بعض الأهداف والعناوين الجميلة عند بيان الغرض والهدف منه، ويمكن معرفة خطورة هذا القول عند الاطِّلاع علىٰ النتائج التالية التي فهمت من كتاباتهم وأقوالهم:

١- الملاحظ علىٰ هذا القول إنَّه لا يستند إلىٰ حجة شرعية ولم تبيِّن فيه خصوصيات وشروط الأفراد الذين يتصدون لتفسير النصوص الدينية من قبل جهة قانونية أو شرعية، بل هو يدعو إلىٰ تقوية عقل الفرد المسلم وانخراطه في تفسير وتحليل النصوص الدينية مما يؤدِّي إلىٰ جعل الدين حالة شخصية فردية، حيث يمكن الإيمان هنا بصحة ما يصل إليه عقل الفرد جراء تفسيره للظواهر والنصوص الدينية وفي كل المسائل العقدية والفقهية والأخلاقية، بل إنَّ كل شخص يريد حكماً معيَّناً يمكنه استخراجه وفق ما يتوافق مع مصالحه الشخصية ونظره المحدود، لأنَّ كل فرد يريد أن يصل إلىٰ الدين بنفسه وبدون منهج وأصل متَّبع.

٢- بعد أن اعتمد الفرد المسلم علىٰ فكره وتحليله ينتج حينئذٍ الدعوة إلىٰ ترك التقليد وترك التأسِّي وإطاعة الشخصيات الإسلامية وإن كانت مرتبطة برسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) إمَّا لأنَّ هذه الشخصيات ليست مقدسة عند أصحاب هذا القول أو لكفاية الاعتماد علىٰ عقل الفرد المسلم.

بل لا يجب علينا إطاعة صاحب الرسالة وهو الرسول الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله) بصورة كلية، وعلىٰ هذا لا ينحصر الدين ضمن الأروقة الدينية ورجال الدين فقط ولا ضرورة في أن يرتبط الفرد بمؤسسة دينية معيَّنة، بل الصحيح أن يكون حرًّا طليقاً يتَّبع ما يراه ويستنتجه عقله.

٣- وإن نادىٰ بعض القائلين بعقلنة الدين بقدسية النص الديني، ولكن هذه الدعوىٰ لا تتلاءم مع متبنياتهم علىٰ اعتبار أنَّ النصوص الدينية عندهم مجرَّد أفكار طرحت للبشر وهي نصوص أدبية ثقافية لا مرجعية لها إلَّا العقل، ويمكن أن يتناولها الجميع بالتحليل والتفسير بغض النظر عن تخصصاتهم ومستوياتهم العلمية، وكل له الحق في إبداء رأيه، بل ويفتي في المسائل الدينية فلا يوجد لدينا مقدَّس ولا قاعدة كلية يرجع إليها.

ويلزم علىٰ ذلك إفراغ النص الديني من معانيه الدلالية التي أرادها الشارع المقدس لأنَّ النص الديني عندما يتحوَّل إلىٰ نص نثري أدبي سيتحوَّل إلىٰ قصة تقرأ للأُنس والتشويق من قبل الجميع في حين أنَّه خطاب يحمل بين طيَّاته أحكاماً ومقاصد شرعية إلهية.

٤- انعدام الحقيقة المطلقة في الدين وشيوع النسبية، لأنَّ القول بعقلنة الدين سيضيع الحقيقة بين الأفراد بحيث إنَّ كل فرد يدَّعي أنَّ الحق والحقيقة معه دون غيره.

٥- بعد أن كان العقل البشري هو المتحكِّم في صياغة النتائج الدينية، فسيتحوَّل الدين إلىٰ نظريات فردية بشرية انتقائية متناقضة وسيتم إخضاع النص لخدمة أيديولوجيات سياسية أو فكرية معيَّنة، ويصبح لكلِّ فرد دين خاص به مما يؤدِّي إلىٰ ابتكار طرق شخصية وفردية جديدة للعبادة والسلوك، ليست خاضعة للمنهاج السماوي، ونتيجة لذلك سيخضع الخطاب الديني للأهواء والرغبات الشخصية، وهذا ما يسمَّىٰ بتعدُّد القراءات أو أنسنة الخطاب الديني.

٦- سلب الروحية الدينية عن النصوص والمسائل الدينية حيث ستكون النصوص والنظريات الدينية الفقهية والأخلاقية والعقائدية وفق هذا القول في متناول الجميع علىٰ اختلاف مستوياتهم الفكرية، وهذا سيعرِّضها للابتذال وسهولة الإنكار وعدم الاهتمام.

٧- بعد كون العقل هو المرجع للنصوص الدينية، فيمكن عندها تغيير الثوابت الدينية وفق ما يراه كل فرد، فيمكن لشخص أن يحكم بأنَّ الزنا مثلاً حرام وآخر لا يرىٰ ذلك علىٰ اعتبار أنَّه يتوافق مع حرية الفرد، وكذلك بالنسبة للربا، أو ترجيح معالجة المرضىٰ علىٰ الذهاب للحج، وهكذا في كل الثوابت الدينية، والنتيجة من كل ذلك هي الحصول علىٰ شريعة جديدة لم يأت بها القرآن ولا السُنَّة النبوية الشريفة.

٨- إلغاء نظرية التخصُّص في المجالات العلمية، حيث إنَّ هذا القول يسمح للعقل مهما كان مستواه وتخصصه بالتدخُّل في قراءة النص الديني وأخذ النتائج واستخراج الأحكام، وهنا مفارقة عجيبة وهي أنَّ أصحاب عقلنة الدين وفق ما تتبَّعناه يسمحون لغير المتخصِّص تحليل النص واستنتاج الأحكام والآراء منه، ولا يسمحون لرجل الدين الدخول في التخصصات الأخرىٰ بحجة أنَّ هذا ليس من اختصاصه.

٩- عدم وجود منهج معلن وواضح للقائلين بعقلنة الدين، وإذا وجد فهو منهج شخصي لا دليل عليه، فكلّ منهم يدعو إلىٰ تجديد الخطاب الديني، وأبعاده عن الأروقة المدرسية الدينية التقليدية، ولكن من غير بيان للمنهج والطريق البديل، وهذا يخالف ما أقرَّته العلوم الحديثة من ضرورة وجود منهج واضح في كلِّ دراسة أو علم مستحدث.

١٠- يلزم علىٰ هذا القول أن يكون الدين بشكل عام دائم التجدُّد والتغيُّر طبقاً لتغيُّر وتطوُّر العقل البشري مع عدم وجود منهج شرعي أو قانوني محدَّد، فربَّما يوجد في هذا الزمن أحكام خاصة به، وبعد خمسين سنة مثلاً هناك أحكام أخرىٰ خاصة بذلك الزمن وهكذا، وبالتالي نحصل في كل زمن علىٰ مفاهيم إسلامية متعدِّدة ومتغيِّرة.

وفي نهاية المطاف فإنَّ أصحاب القول بعقلنة الدين يرجعون ضعف الدين الإسلامي بصورة كلية إلىٰ أنَّ الخطاب الديني ليس مؤهّلاً لكي يلبي حاجات الفرد والمجتمع، فلابدَّ من تطويره وتحسينه.

وأعتقد أنَّ هؤلاء تأثَّروا بآراء الكُتّاب الغربيين والمستشرقين تاركين خلفهم حضارتهم الإسلامية الأصيلة، ولم يطلعوا بل أنكروا أنَّ الشريعة الإسلامية لم تلغ العقل ولم تقصه نهائياً، وكذلك لم تقلل أهميته بل حدَّدت مهامه ووظائفه الخاصة به، كيف والقرآن مليء بالدعوة إلىٰ التفكُّر والتأمُّل بالاعتماد علىٰ العقل، وذم تركهما، وقد دلَّت الروايات علىٰ مدح العقل وبيان دوره الكبير والأساسي في حياة الإنسان، ومن الواضح أنَّ هناك فرقاً بين الإلغاء وتحديد الوظيفة، وهذا التحديد في الوظيفة ناتج من أنَّ العقل الإنساني محصور في المادة والتجربة، ومحدود ثقافياً وعلمياً وليس له القدرة علىٰ معالجة كل ما يواجهه خصوصاً في التشريع والغيب فهو لم يبلغ الكمال التام الذي يؤهِّله أن يكون مرجعاً وحيداً للشريعة المقدسة.

وتجدر الإشارة هنا إلىٰ ضرورة رد القول بعقلنة الدين ومعالجة الإشكاليات التي طرحوها، ومناقشة الأفكار التي يعتقدون بها، فإنَّ فيها مخالفة واضحة وجلية للقرآن الكريم وسُنَّة الرسول الأكرم (صلَّىٰ الله عليه وآله).

Edit Template
Scroll to Top