أزمة فقدان المعايير العلمية في عملية التشخيص

أزمة فقدان المعايير العلمية في عملية التشخيص

إنَّ واحدة من المشاكل الكبرىٰ التي تتعرَّض لها المجتمعات بصورة عامة هي أزمة فقدان المعايير العلمية في عملية التشخيص.

ذلك لأنَّ فقدان المعايير يشكِّل نقصاً واضحاً في البنية المعرفية للمجتمعات ويؤدِّي إلىٰ اختلال ميزان التمييز بين الحقائق والأوهام وبين الرأي المجرَّد والحكم المستند إلىٰ دليل.

فالمجتمع الذي لا يمتلك أدوات منهجية واضحة في تقييم الأفكار والظواهر لا شكَّ أنَّه سيتحوَّل تدريجياً إلىٰ بيئة خصبة للفوضىٰ الفكرية حيث سوف تتساوىٰ الأصوات دون اعتبار لمستوىٰ العلم أو قوة الدليل والبرهان، حتَّىٰ يصبح الانطباع الشخصي أو المزاج العام هو الحاكم بدلاً من العقل والمعرفة.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلىٰ خطورة إصدار الأحكام دون علم أو معيار فقال تعالىٰ:

﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: 36).

فالآية تؤسِّس لقاعدة معرفية صارمة وهي أنَّ الإنسان مسؤول عن اتِّباعه للأفكار والمواقف دون تحقُّق أو دليل.

ومن هنا فإنَّ غياب المعايير لا ينعكس فقط علىٰ مستوىٰ التفكير، بل يمتد أثره إلىٰ القرارات المصيرية التي تتَّخذها الجماعات والأفراد سواء في المجال الثقافي أو الاجتماعي أو الديني أو حتَّىٰ السياسي.

إذ تتحوَّل عملية التشخيص من كونها فعلاً علمياً موضوعياً إلىٰ ممارسة عشوائية تخضع للتأثُّر بالإعلام أو العاطفة أو المصالح الضيقة.

وهذا ما حذَّر منه القرآن الكريم أيضاً حين نبَّه إلىٰ خطورة اتِّباع الظن فقال تعالىٰ:

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 116؛ يونس: 66).

ولا شكَّ أنَّ أخطر ما في هذه الأزمة أنَّها تفتح الباب أمام تسلُّل المفاهيم المغلوطة وتمنح الشرعية للسطحية وتقصي الكفاءات الحقيقية مما يؤدِّي إلىٰ انحدار تدريجي في مستوىٰ الوعي العام وتعطيل حركة البناء والإصلاح.

وقد جاءت روايات أهل البيت (عليهم السلام) لتؤكِّد أنَّ معيار الحق ليس كثرة المتكلِّمين، بل قوة البرهان والعقل.

وقد أخرج المتقي الهندي في كنز العمال عن رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) أنَّه قال لعمار:

«يا عمّار إذا رأيت عليّاً قد سلك وادياً، وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ، ودع الناس فإنَّه لن يدلّك علىٰ ردىٰ»(1).

فدلالة هذه الرواية واضحة وجلية في عدم الانسياق وراء التيار العام وأنَّ الكثرة ليست علامة هداية.

وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً أنَّه قال:

«العامل علىٰ غير بصيرة كالسائر علىٰ غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلَّا بعداً»(2).

فالبصيرة هنا هي المعيار الذي يمنع الإنسان من الانخداع بالمظاهر أو الانجرار خلف التشخيصات الخاطئة.

وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّه قال:

«اعرف الحق تعرف أهله»(3).

وهي قاعدة ذهبية في بناء الوعي لأنَّ فقدان المعايير يجعل الناس تقيس الحق بالأشخاص لا بالمبادئ.

إنَّ المجتمعات الحية هي التي تحرص علىٰ ترسيخ قواعد المعرفة وإحياء روح النقد العلمي وتعزيز المرجعيات الفكرية الرصينة لأنَّ النهضة لا تقوم علىٰ كثرة الشعارات، بل علىٰ وضوح المعايير وصلابة المنهج وصدق التشخيص.

ولهذا أكَّد القرآن الكريم علىٰ ضرورة الرجوع إلىٰ أهل العلم والخبرة عند الالتباس فقال تعالىٰ:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

ومن هنا تبرز الحاجة الملحَّة إلىٰ إعادة الاعتبار للمعايير العلمية في تقييم الأفكار والمواقف بوصفها الضمانة الأساسية لصناعة مجتمع واعٍ قادر علىٰ التمييز بين الصواب والخطأ.

ولا يخفىٰ أنَّ من أبرز العوامل التي ساهمت في تعميق أزمة فقدان المعايير في المجتمعات المعاصرة هو الدور المتنامي للإعلام في تشكيل الوعي الجمعي.

فوسائل الإعلام الحديثة لم تعد مجرَّد ناقل محايد للأحداث، بل تحوَّلت إلىٰ قوة فاعلة في صناعة الإدراك الاجتماعي بحيث أصبح كثير من الناس يتلقون أحكامهم وتشخيصاتهم من خلال ما يُبث ويُروِّج.

وقد أشار القرآن الكريم إلىٰ هذا المعنىٰ حين نبَّه إلىٰ ضرورة التثبُّت من الأخبار فقال تعالىٰ:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6).

كما عبَّر رسول الله (صلَّىٰ الله عليه وآله) عن هذا المعنىٰ بدقة حين قال:

«إنَّما أهلك الناس العجلة، ولو أنَّ الناس تثبَّتوا لم يهلكوا»(4).

وفي الخبر عن أبان بن تغلب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«مع التثبُّت تكون السلامة، ومع العجلة تكون الندامة»(5).

وقد ورد أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام):

«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»(6).

أي أنَّ من يمتلك وعياً ومعرفة بظروف عصره وأدوات التضليل فيه لا تختلط عليه الأمور ولا يُخدع بسهولة.

وصلَّىٰ الله علىٰ محمد وآله الطاهرين.

 

 

 

الهوامش:


(1) المتقي الهندي – كنز العمال: ج6، ص156.

(2) الكليني – الكافي: ج1، ص43.

(3) المجلسي – بحار الأنوار: ج6، ص179.

(4) الحر العاملي – وسائل الشيعة: ج27، ص169.

(5) الشيخ الصدوق – الخصال: ص100.

(6) المجلسي – بحار الأنوار: ج75، ص269.

Edit Template
Scroll to Top